الأسس الشرعية لنظام الطوارىء الصحية وسلوكات المواطن خلالها

22 مايو 2020 - 12:01 ص مقالات , القانون الخاص , مقالات
  • حجم الخط A+A-

مبارك بوطلحة دكتور في الحقوق

إن ظهور جائحة فيروس كورنا المستجد الذي انتشر في العديد من بلدان المعمور ، جعل البشرية لتفادي انتشاره السريع ، تعلن الحرب عليه وفق إجراءات رسمية شبه موحدة ، منها  فرض الحجر الصحي للمواطنين ، ومنع الاختلاط والتنقلات في أضيق الحالات  لحصار هذا الوباء غير المرئي ، وتقييد ممارسة بعض الحقوق والحريات .

وقد اتسمت سلطات الدولة تحت القيادة الرشيدة والمباشرة لجلالة الملك حفظه الله – وهي تتولى تدبير التعاقد الاجتماعي – بالفعالية والنجاعة وتميز تدخلها بالحنكة واليقظة والبعد الاستباقي الاستشرافي ، فعملت بكل التفاني في أداء واجبها نحو المواطنين من أجل الوقاية من المرض وإسعاف المصابين ، وتقديم الدعم والمساعدة للمتضررين من التدابير الاحترازية التي أعلن عنها بموجب قانون الطوارىء الصحية ، أكسب المغرب قوة ومناعة تمكن من الصمود  أمام أخطر الأزمات والصعاب ورفع التحديات والمنعرجات ، وهو أكثر ما يكون ثباتا وشجاعة   .

فالأصل في الدولة أن تعيش بصورة دائمة في حالة من الاستقرار العام ، تنظمها وتحكم علاقاتها مجموعة من القواعد الدستورية والقانونية إضافة إلى الاتفاقات الدولية ، واستثناءً من هذا الأصل قد تتعرض الأمة في بعض الأحيان لأخطار جسيمة ، كالاوبئة والكوارث الطبيعية والأعمال التخريبية ، فتصبح القواعد العادية عاجزة عن مواجهتها، ويصبح من الضروري مواجهتها بقواعد استثنائية .

وتجد هذه الأحكام المنظمة لحالة الطوارىء أو أيام العسر والشدة أو زمن المجاعات والأوبئة ، مشروعيتها في النظام القانوني والسياسة الشرعية في نطاق اجتهاد الدولة في إدارة المرافق العامة ومنها الصحة [1]. ففلسفة التشريع الإسلامي تقوم على جمل من المقصد يتم تحققها بما شرعه الاسلام من مبادىء عامة وأحكام جزئية متناسقة تهدف الى خير الانسان وأن عمومية المبادىء وتناسق المبادىء والأحكام التفصيلية وملاءمتها للفطرة يجعل الإجتهاد والتشريع لما استجد تستعمل فيه الأقيسة والاستنتاجات العقلية قربها من الفلسفة التي هي عمل عقلي صرف [2]. فالإنسان في التصور الإسلامي أكرم المخلوقات ونظمه جاءت لحمايته والسمو به في مدارج الكمال .

ولاشك أن نصوص القانون لاتكفي لوحدها لضبط سلوك المواطن “العالمي” ضد العدو المشترك للانسانية ، بما يحقق القضاء على هذا الوباء الذي انتشر في المعمور كالنار في الهشيم ، وعمت به البلوى ، وأعاد الحديث عن دور تعاليم الدين في السمو بأخلاق المواطن ، لتكون منتجة وفعالة في المجتمع وتعمل على المسارعة في الطاعات ، فتؤدي وظفيتها على الوجه الأكمل في الوقاية والعمران البشري بما تفتحه من إمكانات سلوكية خيرية ، بعيدا عن التصور الغربي – الباطل – للاخلاق الدهرية ذات البعد الاستهلاكي المنفصلة عن الدين المنزل[3] .

وتبرز أهمية القاعدة الدينية في تنظيم شؤون المجتمع، ذلك أن الشريعة ما شرعه الله لعباده المسلمين من أحكام وقواعد ونظم لإقامة الحياة العادلة وتصريف مصالح الناس وأمنهم في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، في شعبها المختلفة لتنظيم علاقة الناس بربهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة .  وهو  يثير الجانب الحركيّ في هذه العلاقة، ليدعو المؤمنين والمؤمنات إلى التعاون على البر والتقوى، بحيث يتكامل الجميع في تحقيق هذين العنوانين الكبيرين في الواقع، اللّذين يمثّلان الخير كله في علاقة الإنسان بالإنسان، وفي المفاهيم الأصيلة في الإيمان والعدل والتّكافل الاجتماعي، والمراقبة المنفتحة على الله في دائرة السّلوك الفردي والاجتماعي للإنسان على أساس الضّوابط الروحيّة والعمليّة، وليبعدهم عن التعاون على الإثم والعدوان .

وهكذا يقف الإنسان المؤمن أمام كلّ المتغيّرات والهزّات الواقعيّة، في هدوء عقليّ ّ وطمأنينة نفسيّة، لأنّ كلّ شيء خاضع للتّخطيط الإلهيّ،   قال تعالى في سورة القمر : ” إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ”[4] ، وفي سورة الطلاق الاية 3 ” إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً  ” .وبذلك فإنّ المجتمع الإنسانيّ لا يشعر بالإحباط  أمام أيّة تقلّبات وتحوّلات الزمن ، لأنّها ليست جنوناً في حركة الحياة، بل هي حركة عاقلة في دائرة سنن الله في الكون والإنسان، بحيث يمكن للاجتماع الإنسانيّ أن يراقبها ويرافقها ضمن وعيٍ لأوضاعها ودلالاتها، والقدرةٍ على التّعامل معها بواقعيّةٍ واتّزان  ، وما تتطلب المرحلة الراهنة من تعبئة شاملة لمواجهة تحديات أزمة كورونا والإنخراط بكل مسؤولية في تجاوز زمن الشدة ، مادامت السياسة الشرعية قد وضعت  من قبل الخليفة أو من ينيبه [5]– للاجتماع والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها في إطار مبادىء الشريعة وكلياتها وتستهدف تحقيق مقاصدها السامية .

 فماهي الأسس الشرعية التي قررت الشريعة لزمن[6] الاوبئة والأمراض الخطيرة ، وكل الوقائع لها بحكم طبيعتها و خطورتها صفة الكوارث العامة ?  الاسلامي وحدود التشريع  وماهي الخصال التي يتعين أن يتحلى بها المواطن زمن الاوبئة للإخلاص في أداء الواجبات التي تحمله الشريعة من أجل المساهمة في القضاء على وباء كورونا وفاء ، لإلتزاماته الدستورية التي تفرض على جميع المواطنات والمواطنين احترام الدستور والتقيد بالقانون وتوجب  عليهم ممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور بروح المسؤولية والمواطنة الملتزمة، التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات.

لدراسة هذا الموضوع سوف نخصص المبحث الأول للحديث عن المقاربة الشرعية لحالة الطوارىء الصحية في الكتاب والسنة وسيرة الصحابة ، ونتناول في المبحث الثاني آداب المواطن خلال أوقات الشدة نحو نفسه و المجتمع الذي يعيش فيه .

المبحث الاول : الأسس الشرعية لنظام الطوارىء الصحية

إن المنتظم الدولي سن مجموعة من الشروط الجوهرية والشكلية ، يتيعن التقيد بها بمناسبة الإعلان عن حالة الطوارىء عند وجود خطر حقيقي أو تهديد استثنائي للأمة ،  وأن تبين الدول التدابير والاجراءات المراد اتخاذها بدقة في زمن محدد ، والتي ينبغي أن تكون ضرورية ومناسبة ، ولا تتعارض مع الالتزامات المترتبة على الدول بموجب القانون الدولي إلى استقرار الاوضاع ، ومنع وقوع انتهاكات لحقوق الانسان، وحتى لا يتم التذرع بأحكام المادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية .

كما أنه من جهة ثانية ، فإن إعلان حالة الطوارىء لا يطلق اليد للدول لممارسة سلطات مطلقة ، وإنما عليها ممارسة السلطات التي تقتضي الحالة والمعلن عنها بقيود خاصة ، وفي أضيق الحدود ، بحيث لا تبلغ حد إلغاء جوهر حقوق الانسان المتأصلة بحيث تظل القواعد الأساسية لحقوق الإنسان نافذة .

الفقرة الاولى: المشروعية الدستورية لنظام الطوارىء الصحية

يستمد نظام الطوارىء الصحية مشروعيته فيما تتخذه الإدارة خلال حالة الطوارىء من إجرءات قانونية من كون  أن النصوص القانونية سواء التي تصدر عن البرلمان أو الحكومة وبتفويض من السلطة التشريعية ، إنما وضعت لتحكم في الظروف العادية ، فإذا طرأت ظروف استثنائية ثم أجبرت الإدارة على تطبيق القوانين التي تسري في الامور العادية ، فإن ذلك يؤدي حتما إلى نتائج غير مستساغة ، تتعارض  مع نية واضعي تلك النصوص العادية . فالقوانين التي تنص على إجراءات تتخذ في الأحوال العادية لاتسعف لتنظيم المجتمع في أوضاع غير مستقرة والتي تتطلب السرعة وتدابير[7] استباقية تتطلبها المرحلة الحرجة ، وتعين عندئذ تمكين السلطة الإدارية من اتخاذ الإجراءات التي  تتطلب المصلحة العامة ، فسلامة الشعب تسمو على كل قانون وضعي، وأنه من الضروري الاتجاه إلى أنجع الوسائل لمواجهة الأزمات العصيبة .

إن أعمال الضبط الإداري للسلطة التنفيذية سواء المركزي[8] والمحلي ، التي إزدادت نتيجة تزايد تدخل الدولة في الكثير من المجالات ، يلزمها أن تضع نفسها في أفضل الظروف وأنسب الحلول  فجهاز الضبط الإداري يعد أكثر أجهزة الدولة احتكاكا بالجمهور ، غايته الأولى تحقيق الأمن والسكينة والصحة العامة للافراد ،  ولها أن تصدر القرارات التنظيمية والفردية المناسبة لحماية النظام العام بكل أشكاله .

فلا خلاف في كون الدستور يعد القانون الأساسي والأسمى للدولة ، وهو ملزم لكافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ، وأن التنصيص في صلب الوثيقة الدستورية على الحقوق والحريات يطفي عليها قدرا من السمو ، فتكون النصوص التشريعية تدعيما لها من خلال رسم الإطار الخارجي لها عندما لا يتكفل الدستور ببيان كيفية التمتع بها، ويترك للمشرع العادي أمر تنظيمها دون أن يقييدها بما يتنافى مع مقاصد المشرع الدستوري .

 وتقتصر وظيفة السلطة التنفيذية على تنفيذ القوانين ، إلا أن ذلك لا يقف مانعا بالنسبة للإدارة من القيام بتنظيم بعض الحقوق والحريات العامة ، استثناء من الأصل العام ، ويجوز لها أن تفرض قيود أشد على حقوق الافراد وحرياتهم [9] عما هو عليه في الظروف العادية ، ، وأن تسعى إلى القضاء على المخاطر الحقيقية المهددة للنظام العام ، بما تتخذه من إجراءات تكون ضرورية ومبنية على أسباب معقولة  ، ومناسبة بما يتحقق من موازنة بين السلطة والحرية .

وتملك السلطة الإدارية في ذات السياق حق الخروج على أحكام القوانين المطبقة  بصورة مؤقتة ، في إطار المشروعية الإستثنائية [10]، بل يجوز أن توقف بعض الضمانات الدستورية المقررة على اعتبار أنها تسعى لتحقيق غاية سامية تتمثل في الحفاظ على كيان الدولة وبقائها [11] عند قيام ظروف استثنائية ، بحيث أن النصوص التشريعة وضعت لتحكم الظروف العادية ، فإذا طرأت مبررات استثنائية جاز لها إتخاذ ما يحقق المصلحة العامة.

وقد شيد الفقه والقضاء نظرية الضرورة لمواجهة الأوضاع الإستثنائية [12]، وبمقتضاها يجوز للإدارة أن تتخذ أعمال إدارية ذات طابع مؤقت غير مستمرة في الزمان ، بحيث يعود الوضع إلى ما كان عليه بمجرد إنتهاء مصوغاته ، ولو كانت مخالفة للقوانين الجاري بها العمل ، ويرخص للحكومة خلالها بممارسة سلطات استثنائية تخالف مبدأ المشروعية لحفظ كيان الامة ، فلا تستوي القيود المفروضة على سلطات الضبط وقت السلم ووقت الحرب  . فمهمة السلطة التنفيذية لا تقتصر على تنفيذ القوانين، بل ضمان سير الإدارة والحكومة، ففي الأوقات العادية تأتي الحرية الفردية في المرتبة الأولى، أما في وقت  الشدائد ، فان حقوق الجماعة هي التي تأتي في المرتبة الأولى[13]،  بحيث يسمو الصالح العام الحق الأعلى للامة فوق المصالح الفردية [14] .

وفي هذا السياق يأتي تدخل السلطات الرسمية العمومية [15] ، تبعا للبلاغ الصادر عن الإدارة (وزارة الداخلية) في 19/3/2020 لإعلان حالة الطوارىء التي تتم بموجب مرسوم يصدر عن رئيس الحكومة باعتباره مخول دستوريا ممارسة السلطة التنظيمية بموجب الفصل90 من الدستور، ويتم توقيعه بالعطف من قبل وزير الداخلية ووزير الصحة[16].

  وبموجب القانون الجديد ، يجوز للحكومة إذا اقتضت الضرورة القصوى ذلك، أن تتخذ، بصفة استثنائية، أي إجراء ذي طابع اقتصادي أو مالي أو اجتماعي أو بيئي يكتسي صبغة الإستعجال، والذي من شأنه الإسهام ، بكيفية مباشرة، في مواجهة الآثار السلبية المترتبة عن إعلان حالة الطوارئ الصحية المذكورة ، والإجراءات الإستعجالية السريعة المتخذة لمواجهة وباء كورونا ، وبالمقابل يجب على كل شخص يوجد في منطقة من المناطق التي أعلنت فيها حالة الطوارئ الصحية، التقيد بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية ، تحت طائلة المساءلة القانونية وتوقيع العقوبات التي فرضت إذا لم يمتثل لذلك .

ويكون المشرع قد نظم حالة الطوارىء الصحية بمقتضى مرسوم تفويضي ، ويسمى أيضا ” تشريع حكومي له قوة القانون” ، ويكون له طبيعة وقوة القوانين ، ومن خلالها تستطيع السلطة التنظيمية الموكولة لرئيس الحكومة أن تعدل أو تلغي قوانين سارية المفعول لمواجهة التدعيات بما تحتاج من حلول سريعة  تفرضها حالة الضرورة .

ويستمد المرسوم مشروعيته من الدستور باعتباره صادر عن السطلة المختصة ، وفي ظل محدداته ، ويتماشى مع المواثيق الدولية ذات الصلة . وبذلك يمنح مرسوم قانون المتعلق بنظام حالة طوارىء الصحية [17] الأساس القانوني لسلطات الإدارة  المتخذة في إطار التدابير الوقائية الإستعجالية من أجل الحد من تفشي جائحة فيروس كورونا .

وما باشرته الحكومة من أعمال هو أقرب إلى الصلاح ، وأبعد عن الفساد ، لإستصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة ، ليكون الدين محروساً بسـلطان المسلمين وأمير المؤمنين [18] جاريـاً علـى سـنن الـدين وأحكامه ، فلقد نشأ الحكم في الإسلام ودارت سياسته على أن الخليفة هو رأس الدولة الإسلامية المهيمن على شؤونها الإدارية والسياسية ، والمنفذ أيضا لشرائعها [19]، ويعد ما اتخذته من تدابير مستعجلة من صميم السياسة الشرعية المستنيرة القائمة في إطار توجيهات المنهج الإسلامي الـذي يقوم على حراسة الدين وسياسة الدنيا، وكلاهمـا يرجعان إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلاد[20] ، فمبنى الشريعة المحمدية في الحكم مصالح العباد في المعاش والمعاد ، وعلى هذا تجيز لكل ضرورة حكما ، يوافق مقتضى المصلحة  والحال ، وإن خالف النص الشرعي [21]  ، فالضرورات تبيح المحضورات .

الفقرة الثانية : الأسس الشرعة لنظام الطوارىء الصحية

إن الشريعة ضمت تحت جوانحها حقائق حفظت مصالح العباد في كل  العصور ، وعلى مر الأجيال ، وأقامت دعائم كلية تمكن المجتهد في كل عصر أن ينتزع لأي حادثة حكما يلائم مصلحتها ، فهي تشريع حي يدور مع الحياة واليسر والعسر ، ولم تقف نصوص الشرع في وجه مصلحة قائمة أو حادثة مفاجئة ، لأن أصل الأصيل هو خير الناس ودفع الاذى والشر عنهم ، فالشريعة قائمة على جلب المنفعة ودرء المفسدة ، ومصالح الآخرة  ومفاسدها لا تعرف إلا بالشرع ، فإن خفي منها شيء طلب من أدلة الشرع ، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح ، وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرة، و العقل لا يدرك الصالح والمفاسد بانفراده ، وإنما هو أداة لفهم ما جاء به الشرع، وتصديقه لكي تطمئن إليه النفس . ففيما عدا العبادات فأحكام الدين على الأغلب قواعد عامة ومبادىء أساسية لم يتعرض فيها لتفصيلات جزئية إلا في النادر ، لأن هذه الأحكام تتطور بتطور البيئات والمصالح ، ليكون السلاطين [22] في كل عصر في سعة من أن يفصلوا قوانينهم فيها حسب مصالحهم أي تنزيل الجزئيات من الحوادث التي تقع على الكليات أو الاصول ، مما هو موكولا إلى المجتهد في الدين ، وفي حدود أسس القرآن والسنة النبوية .

وما تمر به البلدان الإسلامية وغيرهم من الأمم مما يتعلق بزمن الشدة والأمراض الخطيرة التي تهدد الأنفس والأبدان ، أمر ليس بجديد  في دين الله قال تعالى في الاية 140 من سورة آل عمران :” إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس ، وليعلم الله الذين أمنوا ويتخذ منكم شهداء ، والله لا يحب الظالمين ”  فالأيام دول ، ومن سره زمن ساءته أزمان[23] .

إن الاسلام يقيم التّوازن بين الفرد والمجتمع ، من خلال نظام القيم والمعايير، فيشعر الفرد بأنّ عليه أن يقدّم من نفسه شيئاً للآخر في حاجاته الحيويّة ، وفي قضاياه الخاصّة والعامّة، فالمجتمع ليس وجوداً متميّزاً في الواقع بشخصه، بل هو وجود الأفراد الّذين يعيشون في ظلّ الرابطة الاجتماعية التي تثمتل بالتزام الإنسان بالآخر، ما يجعل من طاقة الفرد طاقة للمجتمع بالمقدار الّذي يمثّل حاجة المجتمع . وهكذا تتّسع مسؤوليّة الفرد، لتشمل القيام بمهمّة حماية السّلم الاجتماعي من نفسه ومن غيره . فما هي الضوابط الشرعية التي وضعت الشريعة الغراء لنظام الطوارىء في دولة الاسلام   .

أولا  : مشروعية الطوارىء الصحية في القرآن

في إطار حالة الطوارئ الصحية المعلنة طبقا للقانون، اتخذت السلطات العمومية المغربية المعنية بموجب المادة الثانية من مرسوم إعلان حالة الطوارىء التدابير الالزمية من أجل :

أ: عدم مغادرة الاشخاص لمحل سكناهم مع إتخاذ الاحتياطات الوقائية الالزمية، طبقا لتوجيهات السلطات الصحية.

ب: منع أي تنقل (حظر التجوال) لكل شخص خارج محل سكناه ، إلا في حالة الضرورة القصوى التالية:

  • التنقل من محل السكنى إلى مقرات العمل، ولا سيما في المرافق العمومية الحيوية والمقاولات الخاصة والمهن الحرة في القطاعات والمؤسسات الأساسية المحددة بقرارات للسلطات الحكومية المعنية، مع مراعاة الضوابط التي تحددها السلطات الإدارية المعنية من أجل ذلك .
  • التنقل من أجل اقتناء المنتجات والسلع الضرورية للمعيشة، بما في ذلك الأدوية من الصيدليات .
  •  التنقل من أجل الذهاب إلى العيادات والمصحات والمستشفيات ومختبرات التحليالت الطبية ومراكز الفحص بالاشعة وغيرها من المؤسسات الصحية، والتنقل لأسباب عائلية ملحة من أجل مساعدة الاشخاص الموجودين في وضعية صعبة، أو في حاجة إلى الاغاثة.

ج:  منع أي تجمع أو تجمهر أو اجتماع لمجموعة من الأشخاص مهما كانت الأسباب الداعية إلى ذلك، ويستثنى من هذا المنع الإجتماعات التي تنعقد الأغراض مهنية، مع مراعاة التدابير الوقائية المقررة من قبل السلطات الصحية.

د:  إغلاق المحلات التجارية ، وغيرها من المؤسسات التي تستقبل العموم خلال فترة حالة الطوارئ الصحية المعلنة، ولا يمكن فتح هذه المحلات والمؤسسات من قبل أصحابها إلا لاغراضهم الشخصية فقط .

ج: أعلنت الحكومة المغربية، تبعا لبيان مشترك لوزارات الداخلية، والصحة، والاقتصاد والمالية، والصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي، في إطار الإجراءات السارية لمكافحة وباء كوفيد-19، أصبحوا ملزمين، اعتباراً من 7/3/2020، بوضع كمامات للوقاية من فيروس كورونا المستجد، متعهدة العمل على توفير هذه الكمامات بسعر مناسب محدد[24]، بالنسبة لجميع الأشخاص المسموح لهم بالتنقل خارج مقرات السكن في الحالات الاستثنائية المقررة سلفا ،بناء على المادة الثالثة للمرسوم بقانون رقم 2.20.292.

ولاشك أن الخطط الشرعية للحكومة وما تقوم به من تدابيروقائية وإجراءات تروم تحصيل مصالح العباد ودرء المفاسد وتقلليها ، وهي تتطور بتطور البيئات والمصالح ، مما يمكن القائمين على شؤون الناس أن يفصلوا القوانين والنظم ومناهج إدارة المرافق حسب المصالح في حدود أسس الدين وثوابته ، فالله أمرنا باتباع الطريق الأنجح ونهانا عن سلوك غير السبيل الأصلح ، يقول الإمام القرافي المالكي [25] ” إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفا للشرع ، بل تشهد له القواعد ” [26] ، ويقول العلامة العز بن عبد السلام [27] : تحدث للناس أحكام بقدر ما يحدثون من السياسات والمعاملات ، ويتصرف المسلمون في هذه القضايا على نهج المصلحة ، فأينما وجدت المصلحة ، فثم سياسة الاسلام حكما وتشريعا “[28].

ويرى المفكر أحمد الريسوني أن ” السياسة الشرعية هي كل سياسة تقيم الصلاح والمصلحة والعدل بين الناس قدر المستطاع “[29]، ويضيف أنها التدبير الأمثل للمصالح العامة ، بما يحقق مقاصد الشريعة ، وما يتلائم معها وتشمل اعتماد الأنظمة والتدابير والتشريعات الإجتهادية في مختلف مجالات الحياة وإقامة فروض الكفايات ، وما تتطلبه كالتعليم والصحة والقضاء[30] ، على أن المفكر أحمد الخمليشي قصر مجال السياسة الشرعية فقط على عمل السلطتين التشريعية والتنظيمية  [31].

وأعمال الوزراء معاونة السلطان في النهوض بشرف الأمانة ، يقول الإمام الغزالي صاحب إحياء علوم الدين : إن سياسة الخلق بالسلطنة ، وجاء في سراج الملوك في تدبير الممالك لإبن أبي الربيع رائد الفكر السياسي الإسلامي في العصر الأول : ” أنه لابد لمن تقلد الخلافة والملك ، من وزير على نظم الأمور ومعين على حوادث الدهور ” [32]، أما الإمام الماوردي صاحب الأحكام السلطانية وأدب الدين والدنيا ، فبعدما أوضح أن الحاجة ماسة إلى سلطان قاهر تتألف برهبته الأهواء المختلفة ، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة ، أن الإمام يتصفح أفعال الوزير (والوزراء ) وتدبيره الأمور ليقر منها ما وافق الصواب ، لأن تدبير الأمة إليه موكول وعلى اجتهاده محمول [33]   ، وفي ذات المعنى والسياق الشرعي جاء بيان المجلس العلمي الأعلى ليوم 21/4/2020 بمناسبة شهر رمضان الأبرك : ثانيا: أن الإمامة العظمى إمارة المؤمنين رفيقة بنا في حماية حياتنا أولا وفي قيامنا بديننا ثانيا، وهي رقيبة على الوضع الصحي في المملكة، وهي أحرص ما تكون على فتح المساجد من ضمن العودة إلى الحياة العادية متى توفرت الشروط “.

لعلّ قيمة الدّين في الاجتماع الإنساني، والذي يوفر للإنسان القاعدة الفكرية التي تستند الظواهر الكونية والإنسانية فيها إلى القوّة الإلهيّة الخالقة القادرة والحكيمة الّتي ركزت الوجود في كل تفاصيله على أسس ثابتة في قوانينها ، متوازنة في حركتها، مما يسمّى بالسنن الإلهيّة، فالله هو ربّ الوجود كلّه، الذي يتطلّع إليه الإنسان في كلّ أوضاعه، ليمنحه القوّة في مواطن الضّعف، وليرعاه في كلّ أموره، فلا يحسّ بالضّياع، ولا يشعر بالقلق أمام الكون في علاقته بحركته ووجوده خلال أوقات البلاء والشدة  ، بما يوجب عليه من آداب شرعية وقيم خلقية تعينه على البلاء وتهون عليه مصائب الدنيا وأحوالها ، حتى يفرج الله الكروب ويزيل الخطوب .

ثانيا: لايجوز للمسلم أن يلقي بنفسه الى التهلكة

الشريعة الاسلامية تقوم على حفظ الأبدان ، و من الآيات الواردة في شأن المحافظة على صحة الإنسان وسلامته مما يؤذيه ، قوله تعالى في آية 29 من سورة النساء :” وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا “، وقوله تعالى  في الآية 195 من سورة البقرة :”  وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فهذه الآيات كلها في تحريم الاعتداء على جسد الإنسان بالإيذاء، منه أو من غيره .

مقال قد يهمك :   محمد أهتوت:التعمير والقوانين التنظيمية للجهات والعمالات والجماعات أية علاقة؟

واتفقت الملة الاسلامية وسائر الملل التوحيدية على أن الشرائع مصلحة ، والمصلحة شريعة [34] ، وما وضعت إلا لحفظ الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال .

ولاشك أن حفظ الأديان وحفظ الأبدان ، لا ينفكّ أحدُهما عن الآخر، وبهما تتحقّق السّعادة الدنيوية والأخروية معًا . وقد ظهر جليًّا سبقُ الإسلام بروائع تشريعاته السّمحة كلّ الأنظمة والحضارات المتواضعة أمامه، ذلك أنه لا تخلو أبعادُه الفقهية من مضامينها العلمية بما يرقى بها إلى الحقائق اليقينية وليست مجرد النظريات الظنية، ما يجعل المسلم يتمتع بهذه الحقائق، جامعًا فيها بين لمستها التعبّدية الرّوحية وأبعادها الطبّية الصّحية، ومن أعظم نِعم الله تعالى على الإنسان: الصّحة، وهي تاجٌ على رؤوس الأصحّاء لا يعرف قيمتها إلاّ المرضى، وقد جاء في الحديث النبوي الشّريف: “نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النّاس: الصّحة والفراغ”.

ثالثا : الكف عن إيذاء المواطنين 

إنَّ الدين يضع الضوابط الاجتماعية التي تعمل على إدارة الأمر بطريقة إنسانيّة واقعيّة، بحيث تندفع إلى معالجة المشاكل الطّارئة في نطاق الفرد والمجتمع، ليبقى التوازن العام في حركة القيم التي يختزنها الجميع في معنى الإيمان، ويتحرّكون من خلالها في معنى المسؤوليّة، فيلتقي الوازع الداخلي بالوازع الخارجيّ في إقامة القاعدة العامّة الضّابطة للواقع كلّه، في حدود الإمكانات الواقعيّة للإنضباط الإنساني .

لا شك أن المرء في زمن هذا الوباء لا يعرف أن كان حاملا لهذا الفيروس أم لا ، فلو قدر أنه لا يعلم وتم نقل المرض إلى مواطن أخر بدون قصد وإنما نتيجة عدم التقيد بالتعليمات الحكومية والاحتياط في سلوكه داخل المجتمع ،  وحدودها لضمان عدم إيذاء المواطنين.

أن الكف الأذى عن كل مسلم عبادة جليلة دل الكتاب والسنة على فضلها وعظم منزلتها ،  فالمسلم كما يؤجر على فعل الطاعات وبذل المعروف ، فكذلك يؤجر على كف الأذى وصرف الشر عن المسلمين ، لأن ذلك من المعروف ، وجاءت النّصوص الشرعية المتضافرةُ في آيات قرآنيةٍ وأحاديثَ نبوية ، كلُّها تتضمّن المنعَ الأكيدَ مِن أذيّة المؤمن، والزجرَ الشديدَ من الإضرار بالمسلم بأيّ وجهٍ من الوجوه أو شكلٍ من الأشكال، قال الله جلّ وعلا في الآية 58 من سورة الاحزاب :” وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَـانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا”
وبعض الناس هداهم الله لا يستشعر في حسه عظم هذا الأمر ، فتراه مع حرصه يتعدى على أخيه المسلم ، ويؤذي المسلمين ويتهاون في هذا الأمر تهاونا شديدا .

رابعا : مشروعية الحجر الصحي في السنة النبوية وسيرة الصحابة

أقرّ الاسلام سياسةً وقائية في العدوى ، وهي الاحتراز والعزل الصّحي من الأوبئة، كما جاء في الحديث النبوي الشّريف عن الطاعون ، وذلك حصرًا للوباء حتى لا ينتشر جغرافيًّا ولا ديمغرافيًّا. بل إن النبي صلى الله عليه وسلّم أقر احترام المسافة في العزل وتجنّب الاحتكاك بين البشر في حالات الوباء، فقال: ” لا تدِيمُوا النّظر إلى المجذومين”، وهي من أهمّ القواعد العلمية المتناغمة مع روائع التشريع الإسلامي في تحقيق مقصدٍ من مقاصد الشريعة الإسلامية، وهي الحفاظ على صحّة الإنسان  .

وأقر الرسول مشروعية الحجر الصحي فقال : « إِذا سمعتم به بأرضٍ(أي الطاعون )؛ فلا تقدموا عليه، وإِذا وقع بأرضٍ، وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فراراً منه »، وقد اختلف الصَّحابة في مفهوم النَّهي عن الخروج، والدُّخول، فمنهم من عمل به على ظاهره، ومنهم من تأوَّله، والَّذين تأوَّلوا النَّهي أباحوا خروج من وقع في أرضه الطَّاعون، وقد حرص الفاروق على إِخراج أبي عبيدة من الأرض الَّتي وقع فيها الطَّاعون إِلا أنَّ أبا عبيدة اعتذر .

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ” الفار من الطاعون [35] كالفار من الزحف ، والصابر فيه كالصابر في الزحف”[36].

والإعجاز النبوي يتجلى في هذه الأحاديث في منع الشخص المقيم في أرض الوباء أن يخرج منها حتى وإن كان غير مصاب ، فإن منع الناس من الدخول إلى أرض الوباء قد يكون أمراً واضحاً ومفهوماً ، ولكن منع من كان في البلدة المصابة بالوباء من الخروج منها ، حتى وإن كان صحيحاً معافى ، أمر غير واضح العلة ، بل إن المنطق والعقل يفرض على الشخص السليم الذي يعيش في بلدة الوباء ، أن يفر منها إلى بلدة أخرى سليمة ، حتى لا يصاب بالعدوى ، ولم تعرف العلة في ذلك إلا في العصور المتأخرة التي تقدم فيها العلم والطب .[37]

من الأوبئة الشديدة التى واجهت المسلمين كان وباء ” طاعون عمواس” ، الذى سمى على إسم بلدة صغيرة فى ضواحى القدس، وهو وباء وقع في بلاد الشام في أيام خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 18 هـ (640 م) بعد فتح بيت المقدس، ومات فيه كثير من المسلمين ومن الصحابة ، كما نقل وذكرالطبري في كتابه تاريخ الأمم والملوك [38].

ويكشف مؤرخون أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، تعامل مع ذلك البلاء في منتهى الحذر، حيث لم يدخل هو ومن معه إلى مكان الوباء ، كما حاول إخراج المعافين من أرضه، فضلاً عن قيامه بتحمل المسؤولية كاملة بعد انجلاء هذا الوباء ، إذ أشرف على حل المشكلات وتصريف تبعات هذه الأزمة ،ذلك أنه لما  نزل  على حدود الحجاز والشَّام ، لقيه أمراء الأجناد، فأخبروه: أنَّ الأرض سقيمةٌ، وكان الطَّاعون بالشَّام ، فشاور عمر رضي الله عنه واستقرَّ رأيه على الرُّجوع  [39]  ، في حين رفض الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه الخروج من الشام، وقد كان واليًا عليها، عملاً بما جاء في حديث الرسول بعدم الخروج من أرض الطاعون، واعتقادًا أن في ذلك فرارا من قدر الله، وقال حينها مقولته الشهير: ” إني في جند المسلمين، ولا أجد بنفسي رغبة عنهم “.

وتشبه  الإجراءات التى قام بها امير المؤمنين عنر بن الخطاب والوالى عمرو بن العاص رضي الله عنهما لمنطقة الوباء القاتل فى الشام، بإجراءات بالحجر الصحى، حيث أخذ بن العاص رضي الله عنه بنصيحة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالخروج بالناس إلى الجبال ؛ لأن الطاعون لا ينتشر هناك؛ فخطب فيهم قائلاً: ” أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال”، وبتلك الطريقة استطاعوا القضاء على الوباء الذي شكّل خطورة كبيرة على دولة الإسلام في تلك الفترة؛ وذلك أخذًا بأسباب الوقاية منه، والقضاء عليه.[40]

المبحث الثاني : آداب المواطن خلال فترة الوباء 

إن الشريعة الاسلامية في نظر المنصفين من أرقى النظم القانونية في العالم ووجه حضاري قائم بذاته ، لما تتسم به من المرونة والشمولية ، شريعة يمتزج فيها القانون بالأخلاق ، والتشريع بالإيمان والتقنين بالوجدان ، وتمشي مع العرف والعادة والزمان والمكان والصالح العام ، لبني الإنسان ، تخرج البشر من ضيق الدنيا إلى سعتها ، بعدما فشلت القوانين المادية – في ظل سيادة المذاهب النفعية – في أسعاد الناس ، وفي إلباسهم أثواب الطمانينة والراحة .

 وفي أحضان جل القوانين الوضعية شاهدنا الإفلاس الروحي والتحلل الخلقي، وتحت ظلالها يشقى الإنسان بالحروب الطبقية . وهي – أي الشريعة – فضلا ما تضمنه من حقوق المواطنين نجدها تضع على المؤمنين عليهم واجبات دينية – أخلاقية – تتناغم مع النسق القانونى للدولة المدنية ، وما تضعه من نظم قانونية ، تسعى إلى خير الإنسان في الدارين سواء في فترة الرخاء أوخلال فترة الشدة ، إذ سلوك المؤمن يراعي تقلب الزمن ويؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره ، ويتحلى في مسلكه بالآداب الاسلامية ، بل إن الصالحين كانو يفرحون بالشدة لأجل  غفران الذنوب ، لأن فيها كفارة السيئات ورفع الدرجات [41]، وذلك حتى تتناهى الشدة ويكون الرخاء ، فعند تضايق البلاء يكون الرخاء وتنفرج الكرب ،  ونتناول إذن في هذا المبحث أهم هذه السلوكات التي يتعين أن يتحلى بها المواطن خلال أوقات الشدة .

الفقرة الأولى : سلوك المواطن نحو المجتمع

يشرع للمواطن التعاون مع جميع المواطنين بغض النظر عن لونه وعقيدته على البر والخير ، بل يجب ذلك مع الاستطاعة ، والمواطنون يحتاج بعضهم بعضاً في شئونهم الدنيوية والدينية ، ولذلك كان التعاون بين “المسلمين” أمراً جللاً ، وقد أوجبه الله تعالى ، وجعل به قيام دين الناس ودنياهم ، وقد جاء وصف المسلمين – إن هم حققوا هذا التعاون – بأنهم بنيان مرصوص ، وأنهم جسد واحد ، وكل ذلك يؤكد على أن التعاون بينهم والتضامن والتكاتف أمر لا بدَّ منه ، وهو يشمل جوانب كثيرة في حياة المسلمين .

 إن سنة الله تعالى في وجود الإنسان أن يعيش في مجتمع بشري تتكامل فيه الوظائف والأدوار وتتم معه المصالح والمنافع، فلا قيام للإنسان بمفرده في الحياة، ولا قيام لمجموعة من الأفراد مستقلين عن مجتمع لا تكتمل وظائفهم الضرورية إلا به . وهذه حقيقة تتسع مع النظر لطبيعة التكامل والترابط الذي يقوم بين المجتمعات في المنافع والمصالح ، ومن هنا قيل: الإنسان مدني بطبعه ، وعلى رأس السلوكيات النافعة التي يتعين التحلي بها من قبل المسلم : تنفيذ التعليمات الحكومية لما فيها من الخير للمسلمين ودرىء المفاسد وتسهيل عملها لتنظم شؤون العمران البشري ، ذلك أن الإجتماع ضرورة إنسانية ، ولابد لها من انتظام لتصلح أحوال الناس ، والله بنى نِظَامَ هذا العَالمِ على تعاون الناس بعضهم مع بعض، فإذا لم يَأمَن أفرادُ الإنسانِ بعضُهم بعضاً تَنَكَّرَ بعضُهم لبعض، وتبادروا الإضرار والإهلاك ، فاذا اجتمع الناس حدث بينهم الاختلاف والتنازع والتجاذب لما رُكِّب في طبائعهم من حب الخير لأنفسهم واستئثار بعضهم عن بعض بالمنافع، فكان لابد من وازع يزجرهم عن التنازع والتخاصم ويفصل بينهم ويبين لكل فرد حدوده وحقوقه وواجباته، فلا يطغى بعضهم على بعض ولا يبغي أحد على أحد. والوازع المقصود هو النظم والتشريعات التي بموجبها يعرف كل فرد حقوقه وحقوق الآخرين فلا يعتدي عليها، ولا بد أيضاً من وجود سلطة تقوم بفرض النظم وإلزام الناس بها ومعاقبة الخارج عليها، وقد تعاهد الخالق العظيم عباده بالتشريعات المناسبة لهم في كل رسالة من الرسالات السماوية، وختم تلك الشرائع بشريعة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

أولا : التنفيذ تعليمات السلطات الرسمية المختصة 

إن الأمة أوجب عليها الله الطاعـة لأولـي الأمـر الـذين ينهضون بأداء الأمانات ، قال تعالى في الآية 59 من سورة النساء :” يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولـي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون باالله واليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلا ” ، فالرعية يتوجب عليها طاعة ولاة الأمر ، ومن يعملون تحت أمرتهم من رئيس الحكومة (الوزير الاول [42] سابقا ) ، والوزراء باعتبارهم في النظام السياسي الإسلامي أعوان السلطان ، فالوِزارَةَ لها مَكانَةٌ عالِيَةٌ في الإسْلامِ، وتعد أَشْرَفِ مَنازِل الآدَمِيِّينَ بعد النُّبُوَّةِ والخِلافَةِ، واسمُها يدلُّ على مُطلَقِ الإعانَة، فهي أم الخطط السلطانية والرتب الملوكية؛ وهو المُؤازِرُ يعمل تحت نظر و بصر السلطان  .

والتدابير اللازمة المأمور بها في جميع ربوع المملكة تقتضيها الحالة ، وتتوخى التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض، وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم ، من أن يصابوا بعدوى المرض الذي عمت به البلوى ، أو نقلها الى غيرهم ممن هم في عافية ، فيلحق بهم الاذى وصيانة الصحة العامة  .

فالتقيد بالتعليمات الصدارة عن السلطات الرسمية المختصة ، هو طاعة لله ورسوله وأولي الأمر،  أي السلطان الذي اعتبرته الشريعة ظل الله في أرضه ، كما أمرنا الله في كتابه الحكيم ، فعن العرباض بن سارية  قال: وعظنا رسول االله  موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا يا يارسول االله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: ” أوصيكم بتقوى  الله والسمع والطاعة[43] ، وإن تأمر عليكم عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم فسيرى إختلافا ً كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثان الأمور ، فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة ” .

وروي عن الرسول في حديث  رواه مسلم  أنه قال :” من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية  جاهلية . ومن قاتل تحت راية عِصبية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة ، فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ، ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده ، فليس مني ولست منه”[44].

ثانيا : الاقبال على أعمال البر والصدقات [45]           

 إن الله  سبحانه تعالى الحكيم العظيم خلق الإنسان لعبادته ، والعبادة كما عرّفها العلماء: هي كل ما يحبّه الله من الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة، فكلّ طاعةٍ يقوم بها المسلم هي السبيل إلى السعادة، والراحة في الدنيا والآخرة، وهي السبيل إلى نيل رضا الله سبحانه، وللأعمال الصالحة ثمراتٌ كثيرةٌ في الحياة الدنيا، وفي الآخرة يُعطيها الله سبحانه وتعالى للمصطفين من عباده ليتلذّذوا بنعمة مناجاته وقربه .

 وهذا يحتاج لأسلوبٍ لو التزم بها المسلم حصل على مقصوده ، وجمع بين سعادة الحياة الدنيا ونعيم الحياة الآخرة ، ودليل ذلك قوله تعالى في اللآية 97 من سورة النحل :” مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ “.

وإنّ من أفضل وأحبّ الأعمال [46] إلى الله عزّ وجلّ الصدقة على المحتاجين والفقراء؛ لأنّ في إخراجها دليلٌ على صحة إيمان العبد بالله تعالى ويقينه بأنّه هو الرزاق سبحانه، وقد سُمّيَ المال بذلك لأنّه يُميل القلوب ويحجبها عن رؤية جزاء الصدقة وإخراج المال، ويحجبها عن رؤية النعم التي تستحق الشكر والذي يعبّر عنه بالصدقة، لكن العبد المؤمن يعرف أنّه مستخلَفٌ في هذا المال، وأنّ عليه أن يعطي الفقراء والمساكين منه حتى يحقّق التكافل الاجتماعي  .

وصاحب الصدقة يظلّه الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :  ” سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ : الإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ” [47].

 ومن أجل صدقات ما تتم خلال أوقات الشدة ، ففي السيرة الطاهرة يحكى أنه لما كانت غزوة  تبوك في زمان عُسْرَةٍ من الناس، وجدْبٍ في البلاد، حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على البذل والإنفاق فيها فقال: من جهز جيش العسرة فله الجنة، ،  وقد استجاب الصحابة رضوان الله عليهم لنداء النبي صلى الله عليه وسلم، وتسابقوا كعادتهم في البذل، وضربوا أروع الأمثلة في العطاء، فجاء أبو بكر رضي الله عنه بماله كله وكان أربعة آلاف درهم، وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بنصف ماله ، وجاء العباس رضي الله عنه بمالٍ كثير .

وهذا عثمان بن عفان رضي الله [48]عنه جاء بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وبألف دينار استجابة، حتى أكْبر النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل عثمان رضي الله عنه ، فقال: ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم [49].

وتعظم الصدقات إذا كان المتصدق عليه أشد حاجة وفقرا، قال الإمام  المناوي في فيض القدير:  والصدقة على المضطر أضعاف مضاعفة ، إذ المتصدق عليهم ثلاثة : فقير مستغن عن الصدقة في ذلك الوقت ، وفقير محتاج  مضطر، فالصدقة على المستغني عنها وهو في حد الفقر صدقة، والصدقة على المحتاج مضاعفة ، وعلى المضطر أضعاف مضاعفة  .

وأعمال البر عديدة ومتنوعة ، ولاسيما في زمن العسر تظهر مقدار الحب والتعاون ، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أن:” الخلق كلهم عيال الله فأحب خلقه أنفعهم لعياله “، فالمناطق التي يكثر فيها التآزر والمنفعة بين الناس ، وإدخال السرور واصطناع المعروف يكون مقدار المحبّة فيها أكثر، وتنتشر فيها القيم السامية والأخلاق الحميدة  بشكل أكبر.

الفقرة الثانية : خصال المسلم مع نفسه

إن زمن الشدة والبلاء الذي يعم بلاد المسلمين وسائر الأقطار ، يفرض عليه أن تحلى بمجموعة من السلوكات والأخلاق التي تؤطر الوضعية التي يكون علها المجتمع ، يتوخى منها الشارع تقويم سلوك المؤمن ، وتأهيله لمواجهة الصعاب ، فالدنيا دار بلاء وهي مرحلة اختبار ،  فلقد خلق الله هذه الدنيا واستخلف فيها البشر فجعلها دار اختبار وابتلاء ، وتمحيص حتى يميز الخبيث من الطيب ويفصل الصالح عن الطالح ، ويجزي المحسن ويعاقب المسيء ، فقال  جل جلاله في الآيتين الأولى والثانية من سورة الملك : ” تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور” ، فكان الإبتلاء سنة من سنن الله  سبحانه وتعالى  يبتلي بها المسلم والكافر على حد سواء ، غير أن النتيجة مختلفة قطعا فكل من المسلم والكافر يتعرض للنعمة وللمصيبة ، وكل منهما يتأذى من المصيبة في الدنيا ، ويستفيد من نعم الله في الأرض ، إلا أن المؤمن يحصد من الثمرات في الآخرة ما لا يحصده غيره من البشر   ، فما هي أهم الخصال والآداب التي يلزم المؤمن القيام بها والامثتال لها في الشدة والمحن .

أولا : الصبر على البلاء

يُعرَّف الصّبر في الاصطلاح الشرعيّ بأنّه : الثّبات على أحكام الكتاب والسُّنة، وحَبْس النّفس عن الجَزَع والسَّخَط ، وقد قسَّم العلماء الصّبر ثلاثة أقسام، هي : الصّبر على الطّاعات ؛ وذلك بأدائها على أحسن وجهٍ دون تذمُّر من وقتها، والصّبر عن المُحرَّمات ؛ بتركها والابتعاد عنها ما أمكن ، والصّبر على الابتلاءات بعدم السَّخَط والشّكوى لوقوعها عليه  وحلولها به .

 أما جزاء الصّابرين ، فقد  ذكر في الكثير من الأحاديث والنّصوص الشرعيّة ، فبالصّبر تُكفَّر السيِّئات ، وهو أوسع بابٍ لتكفير الخَطايا والذّنوب والآثام ؛ وقد رُوِي أنّ النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – قال: ” ما يُصيبُ المؤمنَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزنٍ، حتَّى الهمَّ يُهمُّه، إلَّا كفَّر به من سيِّئاتِه ” ، فما يُصاب به المؤمن في الدّنيا ، ويصبر عليه لهُوَ عدّادٌ جارٍ من الحسنات، حتّى يأتي المؤمن يوم القيامة ، وليس عليه شيءٌ من الذّنوب إذا صبر على ما يُصيبه من بلاءٍ . والصّبر على البلاء دليلٌ على رضى الله عن العبد ، فإذا ابتلى الله العبد المؤمن بالمصائب والهموم والأسقام ، فإنّه بذلك يكون قد هيّأَ له باباً من الحسنات ، فيزداد العبد بذلك قُرباً من الله عزَّ وجلّ .

 وذكر الإمام ابن تيمية [50] أنّ معنى الصّبر الجميل ، في قوله تعالى في الاية 18 من سورة يوسف “فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ” ، هو الصّبر الذي لا شكوى فيه ولا معه، فتجد المؤمن إن أصابه بلاء احتسب أجره عند الله دون أن يشكوَ من ذلك البلاء، لا عند وقوعه مباشرةً ولا بعد وقوعه بفترة ، يقول الإمام القشيري سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله تعالى معيته ، قال الله جل وعلا في الآية 153 من سورة البقرة : ” يأيها الذين أمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ، إن الله مع الصابرين ” [51].

وهو – أي الصّبر- دليلٌ على صدق إيمان المسلم ، وفي ذلك يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “عَجَباً لِأَمْرِ المؤمنِ؛ إنَّ أمرَهُ كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحَدٍ إلَّا للمؤمنِ؛ إنْ أصابَتْه سرَّاءُ شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكان خيراً له” ،  فإذا صبرَ المؤمن على ما أصابه من قضاء الله وقدره، وذلك لعِلمه اليقينيّ المُطلَق أنّ ذلك الأمر لم يكن ليُصيبه إلّا بأمر الله، فيصبر على ذلك، ويحتسب أجره عند الله سبحانه وتعالى وليس ذلك إلا دليلٌ على صِدق إيمان المؤمن وقُربِه من الله ، فليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء [52]. فلإحساس بأن زمام العالم لن يفلت من يد الله يقذف بمقادير كبيرة من الطمأنينة في فؤاده ، وهو غير القول بالجبر ، بحيث على المؤمن التوكل على ربه ، وأن يؤدي ما عليه من واجبات ، فالله غالب على أمره ، فالحق أنه لامعنى لتوثر الأعصاب واشتداد القلق للأمور تخرج عن نطلق إرادتنا [53]

مقال قد يهمك :   دور القضاء المغربي في حماية حرية الصحافة (جنحة القذف )

فلو لم يكن الصبر من أعلى المراتب وأسنى المواهب لما أمر الله عالى به رسله ذوي الحزم وسماهم بسبب صبرهم أولي العزم ، وفتح لهم بصبرهم أبواب مرادهم وسؤالهم ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : ياعائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم إلا بالصبر ، ولم يكلفني إلا ما كلفوا به ، فقال عز وجل  في سورة الأحقاف  الأية 35 :” فاصبر كما صبرا أولي العزم من الرسل “[54]  .

والصبر على البـــلاء يُبلغ المؤمن منازل العلا ، فالرضا باب إله الأعظم  [55]،  فالعبد تكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها .

ثانيا :  حسن الظن بالله والتحلي بالأمل 

 إن حسن الظن بالله تعالى من صميم التوحيد ، فحسن الظن بالله من واجبات التوحيد، فالله تعالى مدح الذين أحسنوا الظن به ، وأثابهم، وذم الذين أساءوا الظن به ، فقال الله عنهم في الآية 154 من سورة آل عمران :”  يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ “، فحسن الظن من العبادات القلبية التي طالما غفل عنها كثير من المسلمين ، وهي من الخصال التي يتعين على المؤمن التحلي بها ، يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ في الحديث القدسي : ” أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكُرني، إن ذكرني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكَرني في ملأٍ، ذكرتُه في ملأٍ هم خيرٌ منهم، وإن تقرَّب منِّي شبراً، تقرَّبتُ إليه ذراعاً، وإن تقرَّب إليَّ ذراعاً، تقرَّبتُ منه باعاً، وإن أتاني يمشي، أتيتُه هَرْولةً”.

 و حين تنزل المصائب والمشكلات أو غير ذلك من مصائب الدنيا ، على المرء أن يحسِّن الظن والشكر[56] . وأن يعتقِد أن قضاء الله لعبده المؤمن كلّه خير له ، فإن يبتلى المؤمن بالسراء ليشكر فيكتب له أجر الشاكرين ، ويبتليه بالضراء ليصبر فيكتب له أجر الصابرين ، وكم من مصيبة نزلت بالعبد فكانت عاقبتها خيراً عظيماً له في الدنيا والآخرة .

ومن جهة أخرى فحين تنزل الشدائد فلا نقنط أبداً من زوالها مهما اشتدت أو طالت ، بل حسّن الظن بالله ، فمن حسن العبادة والتوكل من حسن الظن [57]، فالله  جلَّ جلاله  وعد عباده بالنصر، وأمَّلَهم بالخير المُطلَق، فمِن هنا تكمُن قوة الثقة والأمل بالوعد الصادق، وفي كتاب الله مِن بشارات الأمل الكثير ، قال تعالی في سورة الشرح :”  فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ” ، فلن يَغلب عسْرٌ يُسرَين، فتلك الآيات تبثُّ في النفس رُوح الأمل ، وتَنبض في قلب الحياة بالتفاؤل.

و لقد فتح القرآن نافذة مضيئة، ونسمة أمل في الصدور تقود القلوب إلى النور ،حتى لا ييأس من رحمة الله  . ولا يزال القرآن يقرر الأمل في النفوس ، ويقطع حبال اليأس والقنوط عن الغارقين في بحار الردى ولجج الهلكات فيمد لهم الرحمن سواعد النجاة ومصابيح الدجى ، بأبلغ عبارة وأعظم بشارة ، قال تعالى في الآية  53   من سورة الزمر:”  قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ “.
الخوف من غير الله تعالى لا يكون حراماً إن كان غير مانعٍ من فعل واجبٍ أو ترك محرَّم [58]. وكان مما جرت العادة بأنه سبب للخوف كالخوف من الأسود والعقارب .. ومن ذلك الخوف من أرض الوباء ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:” إذا سمعتم بالطاعون في الأرض فلا تدخلوها ” ، بل الخوف حينئذٍ واجب ومن ذلك الخوف من المجذوم على أجسامنا من الأمراض والأسقام ، وفي الحديث :” فر من المجذوم فرارك من الأسد ” ، فصون النفوس والأجسام والمنافع والأعضاء والأموال والأعراض عن الأسباب المفسدة واجب  ،  ومما يستدل به في ذلك عن جابر بن عبد الله: أنه كان في وفد ثقيف رجلٌ مجذوم، جاء ليبايع.. فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: ” إرجع فقد بايعناك” ، وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يُورِدَنّ ممرض على مصح”.

ثالثا : التضرع الى الله عزوجل في الشدة والبأساء

الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، وهو من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه إذا نزل ويستجلب الرّحمة[59]  ، ومن أعظم أسباب دفع البلاء تضرع العبد لربه جل وعلا ، كما بيّن الله في كتابه الكريم ، قال تعالى في اللآيتين  42 و43 من سورة الأنعام :”  وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ  فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.

ولا ينبغي أن يغفلوا عنها في أوقات البلاء والمحنة [60]،  وإلا عرضوا أنفسهم لعقوبة الله:  ” فلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ  فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ لْعَالَمِينَ”[61] ، قال ابن كثير رحمه الله بشأن قوله عز وجل : ” وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ” يعني: الفقر والضيق في العيش “وَالضَّرَّاءِ” ، وهي الأمراض والأسقام والآلام “لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ” أي: يدعون الله [62] ويتضرعون إليه ويخشعون[63] .

وقد أخبر الله تعالى عن أقوام ابتلاهم وتوعدهم بالعذاب ، فاستكان بعضهم وتضرعوا إلى الله فكشف الله عنهم عذاب الدنيا، ومنهم قوم يونس عليه السلام ، الذين قال الله عنهم ، في الآية 98 من سورة يونس عليه السلام : ” فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ”  .

إن حقيقة الابتلاء منحة وعطاء، فالله تعالى يبتلي عبده ليسمع تضرعه، وهو سبحانه يحب صوت الملحين في الدعاء، وأنين المتضرعين إليه في الضراء  [64].  فالتقرب إلى الله تعالى في حال الشدة أكثر من حال الرخاء ليس بمذموم مطلقا ؛ بل إن الله تعالى مدح نفسه بأنه ـ وحده ـ الذي يجيب دعوة المضطر ؛ قال الله تعالى في الآية 62 من سورة النمل :” أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ” . وذم الله قوما من القاسية قلوبهم ، ما عرفوا ربهم في ضراء ولا سراء ،[65] أو ذكروه في الباساء حتى إذا فرج عنهم نسوا ذلك في الرخاء ،قَالَ اللَّهُ تَعَالَى في الآية 8 من سورة الزمر : “وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ”.

خاتمة:

انّ قضيّة الدّين في الوعي الإنساني، تتمثّل بالحاجة الطبيعيّة إلى الخروج من الجمود المادي  الذي يحاصر الفكر، ويجمّد الروح، ويبتعد بالإنسان عن التّحليق في الآفاق الواسعة للفكر والإنسان والحياة، لأنّ الإيمان بالله يفتح فكر الإنسان على المطلق، ويدفع به إلى التزام القيم الروحيّة والأخلاقيّة في بعدها الإنساني الواسع وتحقيق غاية الخلق في العموان البشري والعبادة الحق في دار الامتحان . فالمجتمع الإنساني في الوقت الحاضر، يَشعر بالإحباط وانعدام التوازن أمام التقلُّبات التي حدثَت في فهم الدين؛ لِيَفقد الدين بذلك وظيفته الأساسية في تنظيم الحياة المجتمعية، فالفهمُ الخاطئ للدين كان سببًا في النِّزاعات والخلافات .

إن الدين الإسلامي وباتفاق كل الدارسين المحايدين الموضوعيين في مجال الأديان المقارنة والدراسات الانثروبولوجية من العرب والأجانب غير المسلمين، دين متكامل المنهج ينظم حياة الناس على وفق تداعيات الخير لدى كل إنسان وتقليل نزعات الشر، وحل الصراعات التي تنشأ داخل النفس الإنسانية، وحسمها لصالح الخير، واطفاء نزعات الشر.

لذا فإن الدين قد نجح في رسم العلاقة بين الفرد كإنسان ينتمي إلى المجتمع الأكبر، واستطاع أن يقلص النزعات بين الفرد نفسه وبين الفرد والآخرين من خلال استخدام الوسائل التي يمارسها الدين في الارتقاء بسلوك الفرد وتنظيم تكوينه النفسي الداخلي الذي يؤدي به حتماً إلى الراحة النفسية الخالية من اضطرابات العصر .

إن أهمية دور الدين ، ولاسيما سؤال الأخلاق الحقة ، تتحدد في ممارسة عمليات الضبط الإجتماعي النفسي لدى الفرد أو المجتمع، وهي ممارسة ذات دور إنساني يؤدي إلى تقويم سلوك الفرد ، وبناء أسس قيمية تقوم على الضبط وتعميق الروابط الاجتماعية المتينة بين أفراد المجتمع الواحد.

والتميز المغربي إبان زمن كورونا أظهر حنكة السلطات العمومية المختصة تحت القيادة الفعلية والحكيمة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله في التصدي لهذا العدو المشترك للانسانية ، بما أمر جلالته تم من تدابير احترازية استباقية ، واجراءات فعالة للحد من الأثار السلبية ، ولاسيما على الأجراء الذين توقفوا عن العمل والسجلين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو المتواجدين بالقطاع غير المهيكل [66] ، والامتيازات التفضيلية والمساعدات المقدمة للمقاولات الوطنية ، والوعي الجماهيري للمغاربة والذي أبرز قيم المواطنة الحقة [67].


الهوامش:

[1] – ” تأخذ المصالح الشرعية نوعين متميزين، أقرهما علماء الأصول، وقد سـعى التـدبير الإسلامي (الإدارة الإسلامية)، للأخذ بهما كدلالة في صحة وظائفه ومجالاته العملية الصـحيحة، وهما:  أ- المصالح الحقيقية أو الضرورية  وتمثل تلك المصالح المعتبرة عند الخالق تعـالى، الـذي شرَّعَ الأحكام لتحقيقها، ودلِّ على اعتبارها أسباباً فيما شرعه لها، وهي راجعة الـى حفـظ الكليات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وهـي تمثـل قـوام حيـاة الإنسان وبغيابها لا وجود له ولا نفع بحياته، ولذلك شرع االله في سبيل ذلك: الجهاد لحفـظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد الشرب لحفظ العقل، وحد الزنى لحفظ النسـل، وحـد  السرقة لحفظ المال.

ب- المصالح المرسلة: وهي تلك المصالح التي اقتضتها البيئات الجديدة بعـد مـوت الرسـول صلى االله عليه وسلم، وانقطاع الوحي، ولم يشرع الشارع أحكاماً لأجل تحقيقهـا أو لأجـل إلغائها، وتتضمن الوقائع الجديدة الحاصلة التي تحتاج إلى تدبير شرعي يحسمها، مثل تدبير الخلفاء الراشدين، كما فعل أبو بكر عندما قام بجمع صحف القرآن المتفرقـة، ومحاربتـه لمانعي الزكاة والمرتدين، وقيام عمر بن الخطاب بمنع عطاء المؤلفـة قلـوبهم مـن مـال الصدقات، ووضع الخراج ودون الديوان، واتخذ السجون، وغيرها من الأحكام التي تطلبتها  الحوادث المستجدة التي فرضت اجتهادات استطاعت معالجة تلك الحوادث والمستجدات. محمد علي محمود صبح ، إدارة الدولة في الإسلام دراسة تأصيلية لمفهوم إدارة الدولة في الفكر السياسي الإسلامي ، لنيل شهادة  الماجستير فـي التخطـيط والتنمية السياسية، بكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، فلسطين 2011 الصفحة 120 .

[2] – أحمد الخمليشي ، وجهة نظر أبحاث ومقالات ، الطبعة الأولى 1988، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، المغرب الصفحة 202.

[3] – محاضرة مرئية تحت عنوان حوارات قرطاج :محاضرة للفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان على التطبيق  الالكتروني youtupe بتاريخ 14/4/2020.

[4]  – الآية 49 من سورة القمر من القران الكريم

[5] – أحمد الخمليشي ، وجهة نظر أبحاث ومقالات ، الطبعة الأولى 1988، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، المغرب ، الصفحة 302.

[6] –   خاموش عمر عبد الله ، تأثير قوانين الطوارىء – دراسة مقارنة – مركز  كردستان للدراسات الاستراتيجية ، السليمانية ، العراق 2008  الصفحة 17.

[7] – ” مفهوم التدبير معبراً عن النظر في عواقـب الأمـور إنّ توظيـف مفهـوم التـدبير  ومعرفة الخير فيها، وإمضاء مجرياتها على علـم بمقاصـدها.  واستخدامه ضمن نطاق الإدارة  يجيء للدلالة الواضحة على الأحكام الشرعية وعلى القواعـد الفقهية والتي قامت عليها شئون الإدارة والحكم والسياسـة والدولـة فـي الإسـلام، وانجـازاً للمعاملات الداخلية للرعية، وللتعاملات الخارجية مع غير المسلمين والحكومات الأخرى.” ، محمد علي محمود صبح ، إدارة الدولة في الإسلام ، دراسة تأصيلية لمفهوم إدارة الدولة في الفكر السياسي الإسلامي ، لنيل شهادة  الماجستير فـي التخطـيط والتنمية السياسية، بكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، فلسطين 2011 الصفحة 108.

[9] – تعتبر الحقوق والحريات وفق النظرة الإسلامية منحاً إلهية وفقـاً لشريعة االله . ويتوجب على الدولة في النظام الإسلامي أن تحرص على تمكن الأفـراد مـن التمتع بها وحرصهم عليها، لأنها ما قامت إلا لتمكينهم من أن يحيوا حياة كريمة والتي مـن مظاهرها تمكين الرعية من التمتع بتلك الحقوق والحريات، بـل وتـدفعهم إلـى مباشـرة استعمالها. واستطاع الإسلام الموازنة بين الفرد والجماعة من حيـث الحقـوق والحريـات بحيث يمنع من أن يطغى أحد على آخر.

[10] – خاموش عمر عبد الله ، تأثير قوانين الطوارىء – دراسة مقارنة – مركز  كردستان للدراسات الاستراتيجية ، السليمانية ، العراق 2008 الصفحة 278.

[11] – رشدي السبايطي ، رقابة القضاء الاداري على مشروعية قرارات الشرطة الإدارية – الجزء الأول –  منشورات المجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية ، العدد 126/2019 الصفحة 229.

[12] – مارسو لون وبروسيير في وجي بريبان وبيير دوافوافيه وبرونوجينفوا ، أحكام المبادىء في القضاء الإداري الفرنسي ، ترجمة أحمد يسري ، توزيع دار الفكر الجامعي ، الاسكندرية – مصر، الطبعة العاشرة 1995 ، الصفحة 252.

[13] – مولودي جلول ، حماية الحقوق و الحريات أثناء حالة الطوارىء في النظام الدستوري  الجزائري ، مذكرة مكملة لنيل درجة الماجستير في الحقوق ، تخصص القانون الدستوري ، جامعة محمد خيضر بسكرة 2009-2010 ، الصفحة 64.

[14] – مارسو لون وبروسيير في وجي بريبان وبيير دوافوافيه وبرونوجينفوا ، أحكام المبادىء في القضاء الإداري الفرنسي ، ترجمة أحمد يسري ، توزيع دار الفكر الجامعي ، الاسكندرية – مصر، الطبعة العاشرة 1995 ، الصفحة 247.

[15] – المرسوم رقم 2.19.1086 الصادر بتاريخ 30 يناير 2020 المتعلق بتحديد اختصاصات و تنظيم وزارة الداخلية،  ينص في مادته الأولى ، على أن تناط بوزارة الداخلية إضافة إلى الاختصاصات و الصلاحيات المسندة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية بموجب النصوص الجاري بها العمل، الحفاظ على النظام و الأمن العموميين، و المرسوم السالف الذكر يعطي الاختصاص لوزارة الداخلية في حفظ النظام و الأمن العموميين ، إلاأنه لا ينص صراحة على تخويلها الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية .

[16] — ينص الفصل  من الدستور على أنه :” يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية، ويمكن أن يفوض بعض سلطه إلى الوزراء . تحمل المقررات التنظيمية الصادرة عن رئيس الحكومة التوقيع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بتنفيذها.”

[17]نشر مرسوم بقانون رقم 292.20.2 صادر في 28 من رجب 1441 23)  مارس 2020 ) يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات المعلن عنها بالجريدة الرسمسية عدد6867 مكرر بتاريخ 24/3/2020 .

[18] – حدد الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية عشرة أشياء يقوم بها السلطان في النظام الإسلامي :”  حفـظ الـدين، وتطبيـق مبادئه، وإقرار العدل، وحفظ الأمة، وإقامة الحدود، وحماية البلاد، والجهاد في سبيله، وجبايـة أموال الصدقات ليوزعها على مستحقيها، واختيار معاونيه في أداء وظيفته، وأخيراً: أن يباشـر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة،…”

[19] – طه عبد الباقي سرور ، دولة القران ، مرجع سابق ، الصفحة 86.

[20] – محمد علي محمود صبح ، إدارة الدولة في الإسلام دراسة تأصيلية لمفهوم إدارة الدولة في الفكر السياسي الإسلامي ، لنيل شهادة  الماجستير فـي التخطـيط والتنمية السياسية، بكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، فلسطين  2011 الصفحة 19.

[21] – طه عبد الباقي سرور ، دولة القران ، مرجع سابق ، الصفحة 153.

[22] – جاءفي كتاب الؤلؤة في السلطان :” السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدنيا؛ وهو حمى االله في بلاده، وظله الممدود على عباده؛ به يمتنع حريمهم، وينتصر مظلومهم، وينقمع ظالمهم، ويأمن خائفهم.  قالت الحكماء: إمام عادل، خير من مطر وابل؛ وإمام غشوم، خير من فتنة تدوم؛ وما يزع االله بالسلطان أكثر ما يزع بالقرآن” العقد الفرييد لابن عبد ربه الأندلسي منشور بالموقع الالكتروني مجلة الكتب العربية https://www.alarabimag.com/books. الصفحة 2.

[23] – يقول أبو البقاء الرندي في مرثية الأندلس :

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ
فجائعُ الدهر أنواعٌ مُنوَّعة وللزمان مسرّاتٌ وأحزانُ

[24] – صدر قرار  في الجريدة الرسمية عدد 6870، يحدد السعر الأقصى للبيع للعموم للكمامات في 2,50 درهم للوحدة مع احتساب الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة إلى العلبة المكونة من 10 وحدات، ودرهمين للوحدة مع احتساب الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة إلى العلبة من 50 وحدة ، وهي أسعار البيع القصوى بالتقسيط للكمامات الواقية غير المنسوجة الموجهة للاستعمالات غير الطبية، التي تستجيب لمعايير المواصفة المغربية NMST 21.5.20 . واتخذت وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة هذا القرار بناءً على القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، ولاسيما المادة الرابعة منه . وسيمتد تنظيم هذه الأسعار لفترة محددة في 6 أشهر.

[25] – هو شهاب الدين أبو العباس الصنهاجي المصري، ولد سنة 626 للهجرة. كان ملما بعلوم شتى كالفقه والأصول واللغة والأدب وعلم المناظرة والطبيعيات ،وقد شهد له العلماء بالإمامة والعلم وأثنوا عليه بما هو أهله، فقال عنه تلميذه ابن راشد:» كان معتكفا على التعليم على الدوام صيفا وخريفا وربيعا وشتاء . « وقال عنه الذهبي:  كان إماما في أصول الفقه وأصول الدين عالما بمذهب مالك ، وعالما بالتفسيرو مشاركا في علوم أخرى، وله المصنفات الكثيرة والمفيدة . وقال عنه محمد مخلوف:  كان القرافي مؤلفا متقنا و شيخا للشيوخ، وهو عمدة أهل التحقيق والرسوخ، ومصنفاته شاهدة له بالبراعة والفضل، ألف التآليف البديعة البارعة. « وكان منصفا يتبع الحق حيثما وجد ، وإن كان مخالفا لما عليه أصحاب مذهبه . توفي في آخرمن جمادى الآخرة ودفن يوم الإثنين مستهل رجب سنة 684 هـ ، له من تصانيف :نفائس الأصول في شرح المحصول ،الدخيرة ، شرح التهذيب ، كتاب الإنقاذ في الاعتقاد ، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام و تصرفات القاضي والإمام.

[26] – طه عبد الباقي سرور ، دولة القرآن ، مرجع سابق ، الصفحة 84.

[27] – أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام  ، وُلد العز بن عبد السلام بدمشق سنة 577هـ  ونشأ بها، ودرس علوم الشريعة واللغة العربية، لقب  بسلطان العالم ، برع في الفقه والأصول والتفسير واللغة، وبلغ رتبة الاجتهاد، قال الحافظ الذهبي:   “بلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة المذهب، مع الزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلابة في الدين، تولى الخطابة بالجامع الأموي والتدريسَ في زاوية الغزالي فيه، كما اشتُهر بمناصحة الحكام ومعارضتهم إذا ارتكبوا ما يخالف الشريعة الإسلامية برأيه، وقد قاده ذلك إلى الحبس، ثم إلى الهجرة إلى مصر، فعُيّن قاضياً للقضاة فيها، وقام بالتدريس والإفتاء، وعُيّن للخطابة بجامع عمرو بن العاص، ودعا الناس على ملاقاة التتار والصليبيين، وشارك في الجهاد بنفسه، له تصانيف منها : قواعد الأحكام في مصالح الأنام، أو القواعد الكبرى، رسالة في علم التوحيد ، الملحة في اعتقاد أهل الحق ، تفسير العز بن عبد السلام ، وعمّر حتى مات بالقاهرة سنة 660هـ (1262م) ودُفن بها.

[28] – طه عبد الباقي سرور ، دولة القرآن ، مرجع سابق،  الصفحة 84.

[29] – أحمد الريسوني ، مقاصد المقاصد – الغايات العلمية والعملية لمقاصد الشريعة – الشبكة العربية للأبحات والنشر،  لبنان ، الطبعة الثانية 2014 ، الصفحة 133.

[30] – أحمد الريسوني ، مقاصد المقاصد – الغايات العلمية والعملية لمقاصد الشريعة – الشبكة العربية للأبحات والتشر،  لبنان ، الطبعة الثانية2014 الصفحتين 135و136.

[31] – أحمد الخمليشي ، وجهة نظر أبحاث ومقالات ، الطبعة الاولى 1988، مطبعة النجاح الجديدة ،الدار البيضاء ، المغرب ، الصفحة 302.

[32] – علي عبد المعطي محمد ومحمد جلال أبو الفتوح  ، الفكر السياسي في الإسلام ، دار المعرفة الجامعية 1985 الصفحة 306 .

[33] – علي عبد المعطي محمد ومحمد جلال أبو الفتوح  ، الفكر السياسي في الإسلام ، دار المعرفة الجامعية 1985 الصفحة 310.

مقال قد يهمك :   كربوعة زكرياء : تــــــأمين المنشآت الرياضية و الالتزام بضمان مبدأ السلامة في التشريع الجزائري

[34] – أحمد الريسوني ، الاجتهاد ، النص ، الواقع ، المصلحة ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر،  لبنان ، الطبعة الثانية 2013، الصفحة 68.

[35] – الطاعون مرض مخصوص بأعراض معينة، وليس كل وباء معدٍ يعد طاعوناً إلا بالقياس أو المجاز . ويرى ابن القيم أن بين الوباء والطاعون عموم وخصوص؛ فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعون، وكذلك الأمراض العامة أعم من الطاعون؛ فإنه واحد منها. ( أي: الطاعون أحد أنواع الأوبئة ). وهو ما ذكره الخليل بن أحمد فقال: الوباء: الطّاعون، وهو أيضاً كلّ مَرَض عامّ، تقول: أصاب أهل الكورة العام وباء شديد.. وأرضٌ وبِئة، إذا كثر مَرْضُها، وقد استوبأتها وقد وَبُؤَت تَوْبُؤُ وَباءةً، إذا كَثُرت أمراضها.

[36] – وأخرج البخاري (10/192) من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها نبي الله أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين ، فليس من عبد يقع الطاعون ، فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد , أخرج أحمد ( أخرجه أحمد 4/185)، وحسنه ابن حجر في فتح الباري (10/194) بسند حسن عن عتبة بن عبد السلمي رفعه ” يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن الشهداء، فيقال: انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دماً وريحها كريح المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك “

[37] – مقال بعنوان تحت عنوان  مبادئ الحَجْر الصحي في السنة النبوية ، من إعداد الموقع الالكتروني https://www.islamweb.net  بتاريخ 7/4/2020.

[38] – هو محمد بن جرير  الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري،  مفسّر ومؤرّخ وفقيه، ولُقِبَ بإمام المفسرين، ولد بآمُل طبرستان، ارتحل إلى الري وبغداد والكوفة والبصرة، وذهب إلى مصر فسار إلى الفسطاط في سنة 253 هـ وأخد على علمائها علوم مالك والشافعي وابن وهب، ورجع واستوطن بغداد، قال الخطيب البغدادي “كان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفُا بأيام الناس وأخبارهم”، عُرِضَ عليه القضاء فامتنع، والمظالم فأبى، له العديد من التصانيف، يقول ياقوت الحموي:  وجدنا في ميراثه من كتبه أكثر من ثمانين جزءًا بخطه الدقيق، ومنها: اختلاف رضي الله عنه علماء الأمصار، وهو أول كتاب ألفه الطبري، وألف جامع البيان في تأويل القرآن، المعروف بتفسير الطبري وتاريخ الأمم والملوك، المعروف بتاريخ الطبري وتهذيب الآثار.

[39] – ذلك أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسَرْغ لَقِيه أهلُ الأجناد وأميرهم أبو عبيدة بن الجرَّاح وأصحابه، فأخبروه أن الوباءَ قد وقَع بالشام، قال ابن عباس: فقال عمر: ادعُ لي المهاجرين الأوَّلين فدعوتُهم، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا؛ فقال بعضهم: قد خرجتَ لأمر ولا نرى أن تَرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقيَّة الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تُقدِمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادعُ لي الأنصار، فدعوتهم له، فاستشارهم فسلكوا سبيلَ المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: عني، ثم قال: ادع إليَّ مَن كان ها هنا من مشيخة قريش من مُهاجِرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تُقدِمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مُصْبِحٌ على ظَهْر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرار من قَدَر الله، فقال عمر: “لو غيرك قالها يا أبا عبيدة – وكان عمر يكره خلافه – نعم، نَفِر من قَدَر الله إلى قدر الله، أرأيتَ لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عُدْوتان، إحداهما: خِصْبة، والأخرى: جَدْبة، أليس إن رعيتَ الخِصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله”، قال: فجاء عبدالرحمن بن عوف وكان متغيِّبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا عِلْمًا، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إذا سمعتُم به بأرض، فلا تَقدَموا عليه، وإذا وقَع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه،”  “. الرابط 

[40] – محمد عبد الرحمن ، طاعون عمواس قتل صحابة النبى وعمر بن الخطاب طبق العزل الصحى ، مقال منشور بتاريخ 3/4/2020  https://www.youm

[41] – شهاب الدين الابشيهي ، المستطرف في كل فن مستطرف،  دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الثالثة 2005 الصفحة 333.

[42] – إن نظام الوزارة في الأندلس كان يُشبه إلى حدٍّ كبير ” التشكيل الوزاري” في عصرنا الحاضر، وكان رئيس الوزراء في بادئ الأمر الخليفة نفسه، ثم تطور هذا الأمر، فأصبح (الحاجب) هو رئيس الوزراء الفعلي . وقد أشار ابن خلدون إلى نظام الوزارة في الأندلس بقوله: “وأما دولة بني أمية بالأندلس فأبقوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة، ثم قَسَّموا خطته أصنافًا، وأفردوا لكل صنف وزيرًا، فجعلوا لحسبان المال وزيرًا، وللترسيل (البريد) وزيرًا، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيرًا، وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرًا، وجُعل لهم بيت يجلسون فيه على فرش منضدة لهم، وينفذون أمر السلطان هناك كلٌ فيما جُعِلَ له، وأُفْرد للتردُّد بينهم وبين الخليفة واحدٌ منهم ارتفع عنهم بمباشرة السلطان في كل وقت، فارتفع مجلسه عن مجالسهم وخصُّوه باسم الحاجب، ولم يزل الشأن هذا إلى آخر دولتهم، فارتفعت خطة الحاجب ومرتبته على سائر الرتب، حتى صار ملوك الطوائف ينتحلون لقبها، فأكثرهم يومئذ يسمى الحاجب…” ، قد تحدث كثير من فقهاء ومؤرخي الإسلام عن أهمية هذا المنصب، فيذكرالماوردي أن “كل ما وُكل إلى الإمام من تدبير شئون الأمة لا يقدر على مباشرته جميعه وحده، إلا بالاستنابة والاستعانة، فكانت نيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها؛ ليستظهر بها على نفسه، ويكون في ذلك أبعد من الزلل، وأمنع من الخلل، والاستعانة بالغير يضمن العمل”.

[43] — قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه عن الخروج على الإمام: ” ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة : أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف؛ وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم  من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع  أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته ” . وقال رحمه الله يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من  واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس..» إلى أن قال رحمه الله : « ولأن االله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا روي: « إن السلطان ظل االله في الأرض» . والتجربة تبين ذلك؛ ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل ـ رحمهما االله ـ وغيرهما يقولون: « لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان» ، إلى أن قال رحمه الله : فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى االله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات وإنما يفسد حال أكثر الناس لابتغاء الرئاسة أو المال بها ». محمد بن ناصر العريني ، وجب طاعة السلطان في غير معصية الرحمان  بدليل الكتاب والسنة ،الطبعة الرابعة 1438 ، فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ،الصفحتين 22-23

[44] – محمد بن ناصر العريني ، وجوب طاعة السلطان في غير معصية الرحمان  بدليل الكتاب والسنة ،الطبعة الرابعة 1438 ، فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ، المملكة العربية السعودية ، الصفحة 11.

[45] – بتعليمات ملكية سامية ، تم إحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل إسم الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا – كوفيد – 19 بموجب مرسوم رقم 269.20.2 صادر في 21 من رجب 1441( 16 مارس 2020 . ويسعى إلى تحمل النفقات المتعلقة المنومة الصحية ودعم الاقتصاد الوطني من أجل مواجهة أثار انتشار كورونا والحفاظ على الوظائف والتخفيف من التداعيات الاجتماعية .  وقد تلقى تبرعات المواطنين وعلى رأسهم أمير المؤمنين حفظه الله والمواطنين أفرادا جماعات .

[46] – عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه أنّه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: يقول الله تبارك وتعالى في كتابه: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92  وإنّ أحب أموالي إليّ بَيْرُحاء، وكانت حديقة يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم، ويستظل بها، ويشرب من مائها، فهي إلى الله عز وجل، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: بخ يا أبا طلحة، ذاك مال رابح، ذاك ما ل رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين، فتصدّق به أبو طلحة على ذوي رَحِمِه https://www.alukah.net.

[47] –  محمد بن فنخور العبدلي ،الصدقة في الاسلام،  مقال الالكتورني منشور  https://www.saaid.net  بتاريخ 2/4/2020.

[48] – عن بشر بن بشير الأسلميّ، عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمُدّ . فقال رسول الله ” تبيعها بعين في الجنة”، فقال: ليس لي يا رسول الله عين غيرها، لا أستطيع ذلك، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى نبي الإسلام فقال: أتجعل لي مثل الذي جعلت له عيناً في الجنة إن اشتريتها؟ قال: نعم، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين .

 –   [49] الموقع الالكتروني  https://www.islamweb.  بتاريخ 2/7/2020.

[51] – الإمام أبي القاسم القشيري  ، الرسالة القشيرية ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1997 الصفحة 221.

[52] – الإمام أبي الفرج البغدادي ، صيد الخاطر ، تحقيق أحمد بن شعبان ومحمد بن عيادي ، الطبعة الأولى 2004 ، مكتبة الرضا ، مصر ، الصفحة 72.

[53] – محمد الغزالي ، جدد حياتك ، شركة نهضة مصر ، الطبعة 9 لسنة 2005 ، الصفحة 25و26.

[54] – شهاب الدين الابشيهي ، المستطرف في كل فن مستطرف ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الثالثة 2005 الصفحتين 335و337.

[55] – الإمام أبي القاسم القشيري  ، الرسالة القشيرية ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الاولى 1997 الصفحة 229.

[56] – يقول الإمام أبي القاسم القشيري  :” حقيقة الشكر عند أهل التحقيق ، الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع ، وعلى هذا الوجه يوصف الحق سبحانه بأنه شكورا توسعا ، ومعناه أنه يجازي العباد على الشكر ” ، الرسالة القشيرية ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الاولى 1997 الصفحة 210.

[57] – حسن الظن بالله للحافظ ابن أبي الدنيا  ، تحقيق مجدي السيد إبراهيم  مكتبة القرآن ، مصر،  الصفحة 23

[58] – فإن الخوف من الله سبحانه وتعالى علامة على صدق الإيمان وأمارة على الإحسان، كما قال سبحانه:  “فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ” آل عمران:175 ،  وإن الأمن من مكر الله عز وجل وأليم عقابه هو شأن الخاسرين، كما قال سبحانه “: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ  ”  الأعراف:99.

[59] – عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمًا، فَقَالَ: “يَا غُلَامُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُف ” صحيح: أخرجه أحمد في “المسند”(2669)، والترمذي(2516)، وصححه الألباني في “صحيح الجامع” ( 7957 ( ورد ذكره بمقال تحت عنوان أهمية الدعاء في الشدة والرخاء ، لصالح عامر القمصان ، منشور بالموقع الالكتروني : https://www.alukah.net    بتاريخ 10/4/2020.

[60] – وهو ما ختم به المجلس العلمي الأعلى بيانه ليوم 21/4/2020:” مع اقتراب شهر رمضان، شهر المبرة والغفران، يستحضر المجلس العلمي الأعلى ما يُصاحب إحياء هذا الشهر المعظم، في المملكة المغربية، من مظاهر التدين، لاسيما تتبع الدروس الحسنية المنيفة برئاسة مولانا أمير المؤمنين حفظه الله، والإقبال على الصلوات في المساجد، وقيام التراويح، واجتهاد العشر الأواخر من الشهر، وما فيها من إحياء ليلة القدر المباركة، ثم الخروج لصلاة العيد.

يستحضر المجلس العلمي الأعلى هذه المظاهر وبلدنا، من جملة بلدان الدنيا، يعيش أحوال الاحتراز من الوباء وما وجب بسببه من منع التجمعات المنذرة بخطر العدوى المهدد للصحة، بل والمهدد للحياة، الأمر الذي بمقتضاه أصدر المجلس العلمي الأعلى فتوى بناء على طلب أمير المؤمنين أعزه الله حيث نصت على ضرورة إغلاق المساجد، وبناء على هذه الضرورة نفسها أوصت السلطات الصحية والإدارية بلزوم المنازل وعدم الخروج إلا عند الحاجة القصوى. وفي ضوء هذا الاستحضار وهذه الإكراهات، فإن المجلس العلمي الأعلى يصدر هذا البيان ليذكر بما يلي:

  • أولا: أن الحفاظ على الحياة من جميع المهالك مقدَّم شرعا على ما عداه من الأعمال بما فيها الاجتماع للنوافل وسنن العبادات؛
  • ثانيا: أن الإمامة العظمى إمارة المؤمنين رفيقة بنا في حماية حياتنا أولا وفي قيامنا بديننا ثانيا، وهي رقيبة على الوضع الصحي في المملكة، وهي أحرص ما تكون على فتح المساجد من ضمن العودة إلى الحياة العادية متى توفرت الشروط؛
  • ثالثا: أن الأدب مع أحكام الشرع يقتضي الامتثال لأمر إمام الأمة ونصيحته والعمل بتوجيهاته؛
  • رابعا: أن العمل مع الله، مهما كان نوع هذا العمل، لا يَسقطُ أجره بعدم الاستطاعة حتى ولو كان العمل فرضا، مثل الحج، وكذلك الأمر في مختلف رُخَص الشرع، فبالأحرى ألا يسقط الأجر في ما انعقدت عليه النوايا وتعذر عمليا من أعمال السنة، ومنها صلاة التراويح وصلاة العيد؛
  • خامسا: أن عدم الخروج إلى صلوات التراويح قد يعوضه إقامتها في المنازل فرادى أو جماعة مع الأهل الذين لا تُخْشى عواقب الاختلاط بهم، ومعلوم شرعا أن الجماعة في الصلاة ما زاد عن الواحد.
  • سادسا: أن استحضار الرضا بحكم الله تعالى من شأنه أن يَحمي من أي شعور مخالف للأحكام المشار إليها. والمجلس الأعلى، إذ يُبين هذه الأحكام، يهيب بالناس أن يَتوجَّهوا إلى الله تعالى بالدعاء لأن يُعجل برفع البلاء وكشف الغمة، إنه سبحانه لطيف بعباده، مهيمن على أمره.”

[61] – الآيتين 44و45 من سورة الأنعام من القران الكريم .

[62] – وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه -: قال: سمعتُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – يقول: “قَالَ الله تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغت ذُنُوبُك عَنَانَ السماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايا، ثُمَّ لَقَيْتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بقُرَابِها مَغْفِرَةً ” حديث  حسن أخرجه الترمذي(3540)، وقال حسن، وانظر ” صحيح الجامع ” (4338(، و”المشكاة ” (2336( ، ورد ذكره بمقال تحت عنوان أهمية الدعاء في الشدة والرخاء ، لصالح عامر القمصان بالموقع الالكتروني : https://www.alukah.net   بتاريخ 10/4/2020.

[63] – مقال تحت عنوان : التضرع في زمن البأس ، منشور بالموقع الالكتروني  https://ar.islamway.net بتاريخ 10/4/2020.

[64] – إذا استعرضنا سيرة خلفاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وجدنا أن التضرع إلى الله تعالى كانت السمة البارزة في خلواتهم في الشدائد والنوازل، ويكفي أن نذكر في هذا المقام حال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة، فمع اتخاذه كافة التدابير الكفيلة بإنهاء المجاعة واحتوائها، من خلال استنفار عماله في الأمصار والكتابة إليهم ليرسلوا إلى المدينة الطعام والميرة، والإشراف بنفسه على إطعام الناس ومواساتهم.. أضاف إلى هذه الأسباب المادية الضرورية شدة تضرعه إلى الله أن يكشف ما نزل بالمسلمين من محنة في ليله وخلوته. فقد ورد أنه رضي الله عنه كان يتضرع إلى الله تعالى في كل ليلة أن يرفع البلاء ويكشف بأس المسلمين وكربهم، وقد ذكر ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذلك بقوله: “كان عمر بن الخطاب أحدث في عام الرمادة أمرًا ما كان يفعله، لقد كان يصلي بالناس العشاء، ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب، فيطوف عليها، وإني لأسمعه ليلة في السحر وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي”.

[65] – قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ) حديث رواه المام الترمذي (3382) وحسنه الألباني في “صحيح الترمذي” .

[66] – جاء في كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية في باب وجوه صرف الأموال : ” ومن المستحق ذوو الحاجات ” وصارت قاعدة : الرجل وحاجته من القواعد الاصلية في النظام المالي الاسلامي ، وعلى الاغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ، ومن الباس للشتاء والصيف بمثل ذلك ، ويمسكن يقيهم من المطر والشمس وعيون المارة ، طه عبد الباقي سرور ، دولة القران ، دار النهضة ، مصر للطبع والنشر ،  القاهرة مصر الصفحة 184.

[67] – ينص الفصل 40 من الدستور :” على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)