المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات.. أية توصيات لأية انتظارات؟

دعوى إلغاء قرار إداري برفض تسخير القوة العمومية لتنفيذ حكم قضائي نظرا لوجود ظروف استثنائية

العلمي المشيشي: عقوبة الإعدام في علم الإجرام.

6 مايو 2019 - 12:00 م مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

محمد الإدريسي العلمي المشيشي وزير العدل السابق و أستاذ بجامعة محمد الخامس.

جرت العادة أن يطرح موضوع عقوبة الإعدام في إطار العلوم القانونية والسياسية، وبالضبط في ضوء الفقه الجنائي. ويتبين أن هذا الطرح لا يؤدي إلى قناعة مطلقة بالعمل بعقوبة الإعدام أو بإلغائها لأن البراهين والحجج التي يستعملها تقبل وتبرر النتيجتين معا ولا تسمح باختيار إحداهما دون الأخرى[1].

ونظرا للارتباط المتين بين القانون الجنائي وعلم الإجرام، ومحاولة المشرع الجنائي أن يؤسس مقتضيات التجريم والعقاب والسياسة الجنائية بصفة عامة، على نتائج وخلاصات علم الإجرام، يمكن أن يكون طرح عقوبة الإعدام في ضوء علم الإجرام مساعدا مهما على اتخاذ موقف سليم بالإبقاء عليها أو بإلغائها.

دراسة عقوبة الإعدام أو قراءتها في ضوء علم الإجرام تتطلب إبداء ملاحظات أولية أساسية منبثقة من تاريخ الإعدام كعقوبة ومن الطبيعة الخلافية التي تعتبر عقوبة الإعدام تدبيرا جزائيا،والتي تنطلق من التعبير ذاته “عقوبة الإعدام”  سواء من زاوية المضمون أومن زاوية التركيب اللغوي.

من حيث التاريخ، يلاحظ العمل بالإعدام كعقوبة منذ الحضارات القديمة كالفرعونية والبابلية والإغريقية واليونانية[2]، بناء على معتقدات مختلفة تدخل ضمنها الديانات السماوية بما فيها الإسلام. ويجدر التنويه بخصوص الإسلام أن القرآن يحصر نطاق العقوبة في البغي والقتل العمد، على وجه القصاص في الحالة الأخيرة. وأضافت السنة الردة والزنى بعد الإحصان. ويشترط تطبيق  الإعدام دائما توفر شروط جدية تضيق من إمكانية إجرائه.

فيما يتعلق بالطبيعة الخلافية لتصور الإعدام كعقوبة فإنها تثير مشكلا مبدئيا جوهريا  مفاهيميا بالإضافة إلى الصيغة غير المفيدة لمعنى عبارة “عقوبة الإعدام” أو تنافر التعبير وافتقاده لأي معنى سليم، مما يقتضي الوقوف بداية عند استحالة اعتماد الإعدام كعقوبة على مستوى المبادئ العامة أو المشتركة بين علم الإجرام والقانون الجنائي والعلوم المتداخلة معهما.

ويتميز علم الإجرام في حد ذاته بعجزه عن تأسيس موقف علمي واضح حول المسألة إذ يتسم تصوره للظاهرة الإجرامية في نظريات التجريد الذاتي أو النفساني بنشاز استثنائي يقبل العمل بالإعدام، كما لا يخلو تصوره لنفس الظاهرة في ضوء النظريات الاجتماعية والسياسية بنوع من الافتعالية في التطبيق.

أولا: استحالة تصور الإعدام بمفهوم العقوبة في المبادئ العامة .

يتضح من التطور التاريخي ومن اختلاف الأمكنة في العالم أنه يستحيل الجزم بقبول الإعدام كعقوبة أو كتدبير جزائي له طبيعة أخرى مما تقتضيه الحياة المجتمعية. كما تسري ذات الملاحظة على وجود التصور في حد ذاته لمعنى صحيح تؤديه عبارة “عقوبة الإعدام” من الناحية الاصطلاحية والمنطقية.

1) خلافية التصور في الزمان والمكان.

كانت مسألة قبول عقوبة الإعدام في المنظومة الجزائية محل خلاف ونقاش أزلي وكوني شامل، في الزمان والمكان والنطاق.

من حيث أزلية النقاش وطبيعته الكونية،  منذ فجر التاريخ، نقتصر في ذلك على ما بعد القرن الثامن عشر[3]. وتعثرت المواقف بين الترك والاعتماد في كل الدول، ونكتفي منها بدول أوروبا وخاصة فرنسا وإنجلترا وإيطاليا.  وتعثر تكريس العقوبة أو اعتمادها بالدول التي تقررها في القانون الوضعي، بين التطبيق العام على كل أنواع الجرائم أو حصره على الجرائم العادية لبشاعتها في نظر المشرعين، أو السياسية لخطورتها القصوى في نظر الحكام ومنظري التشريع. ولم يكن لعلم الإجرام أي مجال في النقاش لأنه لم يكن قد ظهر بعد على الساحة [4]الفكرية المتعلقة بالإجرام ولا تعرف إمكانية مكافحته القانونية والاجتماعية لعقوبة الإعدام.

ولكن منذ فجر القرن العشرين نسجل هيمنة خط عام، قانوني وسياسي، دائما خارج علم الإجرام، نحو الإلغاء في الكثير من الدول، بالرغم عن غياب الحجة القطعية  أو الحاسمة بين دعاة الإلغاء والمدافعين عن الاستمرار في التكريس[5]. ويتميز الوضع العالمي اليوم بالإلغاء في أغلبية الدول المنضوية في هيئة الأمم المتحدة. وصارت البعض منها تتراجع وتكرس الإعدام من جديد أمام تفاقم الإجرام المنظم والإرهاب. ويبقى المغرب من بين الدول المستمرة في العمل بعقوبة الإعدام في القانون الجنائي رغم أن تنفيذ الأحكام الصادرة بها توقف منذ 1993[6]. وبصرف النظر عن موافقة أو معارضة موقف المغرب، يمكن القول بأن القانون يتسم بعيب شكلي يضاعف النفور منه. ذلك أنه يقرر الإعدام في أزيد من ثلاثين حالة جرمية تشترك جميعها في القتل بحيث كان بالإمكان الاقتصار على جريمة القتل العمد، ومنع العمل بظروف التخفيف عند الاقتضاء في بعض الحالات.

ولعل مثال فرنسا وإنجلترا في طريقة الإلغاء خير دليل على نهج الإلغاء المرتكز على قرار سياسي عوض المبرر العلمي، حتى في الربع الأخير من القرن الماضي. ومن الغريب أن هذه الطريقة سادت رغم ما ساهمت به البوادر الأولى لعلم الإجرام في مناقشة الموضوع، لانطلاقها واعتمادها على معطيات علمية مغايرة للنظريات القانونية وخاصة منها الجزائية، والنظريات السياسية والاجتماعية.

وتتجلى شمولية النقاش المرتكزة على حقول معرفية غير علم الإجرام، في تعرض المعنيين به إلى  كل جوانب موضوع عقوبة الإعدام أو الحقول العلمية التي تبرز فيها، القانونية، السياسية، الفلسفية، الاجتماعية والدينية. وغالبا ما ظلت النتيجة محتملة للوجهين النقيضين الاعتماد والإلغاء[7]، أو قابلة للنقاش لغياب الحجة الحاسمة لصالح موقف ضد الآخر، وذلك لغموض معنى العقوبة في الإعدام وكذا لصعوبة إدخال الإعدام في حق العقاب[8] الذي يعترف به للدولة ضمن سلطاتها السياسية الشرعية. ولعل طريقة إلغائه في إنجلترا[9] نهاية القرن العشرين خير دليل على هذا المنظور لأنها تأسست على الواقع وليس على التنظير، في مرحلتين للتوقيف الموقت على وجه التجربة لمعرفة أثر ذلك التوقيف على كمية ونوعية الإجرام، ثم قرر المشرع الإلغاء بصفة نهائية بعدما تأكد له أن ترك العمل بالإعدام لا يؤدي إلى تكاثر الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام .  وتم الإلغاء بفرنسا دفعة واحدة بقانون من البرلمان، دون اكتراث بالواقع ورأي المجتمع في الحالتين.

 لكن، ورغم احتداد النقاش السياسي والقانوني، وظهور وتطور علم الإجرام منذ فجر القرن العشرين، استمر سكوت مطبق تقريبا حول مركز عقوبة الإعدام في علم الإجرام والحالة أن محوره الدقيق والعميق هو الإجرام ومكافحته، مما يبرر التساؤل عن السبب في ذلك؟ ربما يرجع السبب في هذا إلى ابتعاده عن المناقشات السياسية وتركيزه على معاينة وتحليل ظاهرة الإجرام كمعطاة مرضية إنسانية واجتماعية، لصيقة بالإنسان كلما تواجد في نظام مجتمعي، تفرض أساسا فهم أسبابها من أجل التوصل إلى معالجتها سواء من خلال العناية بالإنسان أو المجتمع.

2) خلافية معنى عبارة “عقوبة الإعدام”

نلاحظ هنا عدم تجانس التركيبة اللغوية أو تنافر عناصرها بشكل يفرغها من كل معنى مفيد في الخطاب. فلا يمكن عقليا ولا منطقيا تصور إضافة مفهوم الإعدام إلى مفهوم العقوبة والجمع بينهما للتعبير عن معنى معين. ويتجلى عدم قيام المعنى بشكل واضح سواء من منظور العقوبة أو من مفهوم الإعدام.

من زاوية عنصر العقوبة، يبقى معناها القانوني العام، وحتى المعاني الأخرى من دينية وأخلاقية وتأديبية وغيرها السائدة في أدبيات هذه المجالات، هو جعل الجاني يتألم ماديا أو معنويا من تدبير يؤذي جسده أو حريته أو أمواله أو مشاعره (سمعة، شرف، عرض، الخ.). العقوبة إحساس بالألم يهدف إلى التخويف منها ومن ارتكاب الفعل المسبب لها، وإلى الجزاء المترتب عن الضرر المجتمعي، أي مقابلة الجريمة بثمنها، وإلى إصلاح السلوك و إعادة الإدماج بالمجتمع[10]. وتتميز العقوبة الجنائية دائما بجرح أو بإهانة شخصية الجاني في عمقها وبإذلالها في عين المجتمع.

 ولا يتأتى هذا إلا حين تنصب التدابير العقابية على إنسان حي وكامل الوعي والإرادة، بالتالي تقتضي العقوبة بقاء الشخص المعاقب حيا ليشعر بالألم وليربط بينه وبين السلوك الإجرامي ومسئوليته عنه، لأن قتله يعني استحالة تحقيق ذلك.

من زاوية عنصر الإعدام فهو قتل أو تحقيق للموت بمعنى وضع حد للحياة أي الشرط الذي بدونه يزول معنى العقوبة. فتحويل الإنسان من كائن أو مخلوق حي كامل  الوعي بالمسئولية إلى جسم ميت لا حياة ولا إحساس ولا شعور له، يفرض تساؤلا مبدئيا يتعلق بمن يتحمل العقوبة أو على من تقع العقوبة؟ إذا تعلق الأمر بالإنسان الجاني فإعدامه يعني تغييبه وبالتالي حصر العقوبة في اللحظة السابقة لموته، وإذا كان الميت هو المقصود فهو لايبقى بإنسان بالاصطلاح القانوني. فالقانون، منذ قرون عديدة، لا ينظم العقوبة إلا على الإنسان من أجل تحقيق غاياتها المجسدة في الألم والردع الخاص والعام والإصلاح وإعادة الإدماج، مما لا يمكن تصوره في الميت ولا في جثمانه.

 ولا يمكن تصوره في شخص غير الجاني، مثل الأسرة والقبيلة وغيرها، لما في ذلك من دلالة على اعتماد مسئولية جماعية بدائية، وعلى تنفيذ انتقام ضد أبرياء، ومن الاعتداء وخرق أبسط حقوق الإنسان بإنزال الأذى بمن لم يقترف إثما ولا خطأ ولم يظهر انحرافا في سلوكه ولا يحتاج إلى إصلاح. بالتالي لا يبقى إلا جواز اعتبار الإعدام شكلا للانتقام أو لسلوك بدائي لا يميز في العقوبة جانبها الجزائي المبني على مسئولية الإنسان الفرد عن أفعاله، ولا يمكن معرفة ضد من يقع لأن الجاني قد مات ولأن غيره ليس جانيا.

الخلاصة أن مفهوم الإعدام لا يتطابق مع مفهوم العقوبة كمؤسسة قانونية ولا معنوية ولا أخلاقية، وبتعبير آخر يجوز القول بأن الإعدام ليس عقوبة بالمعنى القانوني.

وهذا يجعل من مناقشة اعتماده أو إلغائه بناء على الأدوات القانونية عملا فارغا من كل معنى، سواء في إطار الفكر القانوني أو الفلسفي. بالفعل تجري المناقشة المنصبة على العمل بالإعدام في إطار قناعات فكرية وحضارية، مهما تنوعت منابعها أو مراجعها، متأرجحة بين المبررات السياسية  والاجتماعية والاقتصادية والدينية، رغم إقحام جوانب قانونية فيها من ردع وتهديد للجناة المحتملين. ويقتصر القانون، شكليا فقط، على تكريس الموقف سياسيا تبعا لما وصل إليه النقاش من الزوايا الاجتماعية والاقتصادية والدينية.

مقال قد يهمك :   تمتيع الظنين بظروف التخفيف القضائية لكونه تلميذا ولانعدام سوابقه يدخل في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع

 وتبعا لفشل هذا النوع من التنظير في تأسيس مفهوم عقلاني لعقوبة الإعدام، يصير من المفيد أن يتوجه النقاش والبحث إلى حقل فكري آخر. وهنا يبرز علم الإجرام بقوة ويفرض اللجوء إليه لما له من علاقة وطيدة بالعقوبة وبالجريمة.

3 ) خصوصية الإعدام في علم الإجرام

    ويكتسي الموضوع في علم الإجرام بعدا مغايرا في أسسه ولو كان مماثلا في نتيجته. سبقت الإشارة إلى أن ميدان علم الإجرام ينحصر في دراسة ظاهرة الجريمة ومنهجية العلاج منها في حياد عن معطيات وأدوات القانون[11]. ورغم أنه يقتصر على دراسة الإجرام كما يحدده القانون الجنائي وفي نطاق ما ينظر فيه القضاء بحيث يكون مرغما على حصر عينة الظاهرة الإجرامية المدروسة فيما يقرره القانون الجنائي، فإنه لا يأخذ العقوبات القانونية بعين الاعتبار إلا بمدلول التدابير العلاجية بعيدا عن فكرة الزجر المؤسسة للقانون. ولو كان هذا الأخير ينطوي بشكل غير مباشر على نوع من العلاج فإن علم الإجرام لا يقصد المعاقبة من وراء تقرير تدبير يعتبره القانون الجنائي عقوبة.

 في الجانب الأول يعتبر الإجرام ظاهرة اجتماعية طبيعية في كل حياة اجتماعية[12]. وتتفاعل في هذه الظاهرة معطيات خاصة بالإنسان الجاني ومعطيات نابعة من حياة المجتمع. تتلخص تلك المعطيات جميعها في وجود وتطور أسباب كثيرة ومعقدة، بيولوجية ومكتسبة وأسرية وتربوية واقتصادية واجتماعية،[13] الخ.  تبين دائما أن هامش حرية الاختيار ضيق جدا عند الإنسان ولا يبرر أن تسند إليه المسئولية الكاملة عن تصرفاته الجنائية المترتبة عن تفاعل تلك المعطيات من جهة وعن تدافعها أو تزاحمها مع إمكانيات المقاومة في شخصية الإنسان المعني من جهة أخرى. تكفي هذه الملاحظة لاستبعاد كثير من العقوبات وبالأحرى منها الإعدام كعلاج للجاني وللمجتمع معا[14].

 العلاج من الجريمة بإعدام المجرم[15]، أي بتحويله من الوجود إلى العدم، أي ببتر عضو أو عنصر من عناصر المجتمع، على فرض قبوله خارج منطق علم الإجرام، لن يقع إلا على مجموعة من معطيات ظاهرة الإجرام، الجرائم التي يقررها القانون. ولا يمس منها خاصة إلا تلك المتعلقة بذات الجاني، ولن يشمل كل مكوناتها الخاصة بالمجتمع. الإعدام يضع حدا للأسباب الكامنة في الإنسان المعدوم، بإنهاء وجوده، ولا يعالجها، ويترك الأسباب النابعة من المجتمع خارج مفعوله ولا يعالجها كذلك لا بالحذف ولا بالتصحيح لأن قتل الجاني لا يمحو الظاهرة الإجرامية التي أضرت بالمجتمع.

فيما يتعلق بمنهجية العلاج من الجريمة، بالمعنى الصحيح، يثير إدراج الإعدام ضمن تدابير علم الإجرام إشكالا تصوريا ومنطقيا عميقا. يقصد علم الإجرام  بالعلاج تطبيق برنامج أو سلسلة من التدابير مزدوجة الغاية، تعني المجرم والمجتمع. تدابير تفضي إلى تخليص المجرم من العوامل العضوية الوراثية والمكتسبة التي دفعته إلى اقتراف الجريمة، وتدابير ترمي إلى وقاية وتطهير وحماية المجتمع من العوامل السلبية المفرزة للجريمة[16].

 في هذا الإطار قد يبقى من المفيد الالتزام بتيارين رئيسيين يميزان مفهوم العلاج في علم الإجرام يتجليان في مناقشة الإعدام من زوايا المنطق التقليدي والتاريخ الاجتماعي  الذين يؤطران لعلم الإجرام[17]، قبل التوقف عند المناقشة المؤسسة على مفهوم العلاج الذي يرتكز عليه علم الإجرام. وعموما، يجلب التيار الأول الانتباه بسبب النشاز الذي يطبعه بسبب قبوله الإعدام ولو على سبيل الاستثناء، والتيار الثاني بسبب فشله في إعطاء تصور متكامل وعملي لمنظومة العلاج.

ثانيا: نشاز التصور في المناقشة العامة أو الاتجاه التجريدي في علم الإجرام

 يركز المنطق التقليدي على مبادئ وغايات الشرعية والفائدة والملاءمة لتبرير أو إلغاء الإعدام. ويتضح أن استعمال المبادئ المذكورة ممكن في الاتجاهين معا، لإلغاء العمل بالإعدام والإبقاء عليه. ولقد أدت قابلية التناقض هذه إلى فرض التخلي عن هذا النوع من المناقشة والدفاع عن الموقفين، لصالح دروس التطور التاريخي الاجتماعي لعقلية الإنسان ولنوع القيم والحضارة التي ينتمي إليها. وانسجاما مع هذا النهج، سوف يتم التعرض للشرعية والملاءمة في بعدها المجتمعي الذي يجب أن يتوافق معه البناء الدستوري الحديث وموقف علم الإجرام.

1) على مستوى الشرعية

على مستوى الشرعية أو المشروعية، يتعين تحديد السند الذي يتأسس عليه اعتماد الإعدام كعقوبة. ومن البديهي أن الشرعية المجسدة في التصور الدستوري لا تكفي إلا إن كانت معبرة فعلا عن إيمان وإرادة المجتمع. لذا يجب توجيه الفكر إلى العبر المستفادة من دروس التاريخ الاجتماعي، بحيث يستحسن النظر إلى الإعدام من خلال موقف  المجتمع من القتل، عوض التوقف عند المنظور الضيق والمجرد الذي تعتمده الدساتير وتطبيقاتها على صعيد النصوص الجنائية الخاصة بقبول الإعدام أو استبعاده من العقوبات.

 فهنا تتشابك الأعراف والتقاليد والمعتقدات الروحية والاقتناعات الفلسفية لتفسير وفهم وضع القتل، بما فيه القتل من طرف المجتمع بواسطة مؤسسة القضاء التي تمثل الدولة. و هنا، لا يمكن أن يرجع الأمر إلى قرار سياسي مجرد يجليه القانون، كيفما كان شكله أو مهما علا مستواه إلا على سبيل تكريس تلك المعطيات. ويلاحظ أن هذا الوضع ليس موحدا في التنظيم البشري، إذ يختلف حسب المجتمعات وداخل كل مجتمع حسب الظروف التي يقوم فيها القتل والتي تخضع لعقليات وحضارات مختلفة تدور بين الإباحة والمنع.

في ضوء هذا التوجه، يتميز الإنسان من بين أغلبية الكائنات الحية، المنتظمة في جماعات أو مجتمعات، بوعيه بظاهرة الموت وبطبيعة خضوعه لها. لكن موقفه من القتل يظل متنوعا. يسود عموما قبول القتل في الحرب، وللدفاع عن النفس، ويتساهل في اللجوء إليه لحماية الشرف أو الوقاية من العار، كما يلاحظ نوع من ذات التسامح به في الخيانة الزوجية وفي قتل الوليد والرضيع، وقديما وأد البنات.

وتعرف المواقف الاجتماعية تناقضا حول القتل المرتبط بضعف الإنسان مثل قتل الإنسان لنفسه بنفسه أي الانتحار وقتل المريض بدافع الشفقة. إذا كان الانتحار مقبولا في عقلية المجتمع بل وأحيانا محاطا بالتقدير لحصوله على وجه البطولة مثل ما هو عليه الحال في بعض الأعراف العسكرية وظروف المقاومة الوطنية، فإنه يفلت في الحالات الأخرى من رد فعل المجتمع لمجرد استحالة ذلك الرد، الشيء الذي لا يمنع من إدانته بناء على الديانات.

 ومن الغريب أن القوانين التي تحرم الانتحار بناء على عدم حق المنتحر في التصرف بحياته، وإذا كانت لا تعاقب صاحبه فلمجرد استحالة الأمر عليها، تجيز الإعدام للدولة رغم أن هته لا تملك حياة الإنسان ولا الحق في التصرف فيها بشكل أكثر قوة ومنطقا من الإنسان الذي يقدم على الانتحار.  في ذات الاتجاه لا يزال القتل بدافع الشفقة محل نقاش سواء باعتباره نوعا كاملا من القتل أو مجرد مساهمة أو مشاركة أو مساعدة في تنفيذ عملية انتحار. وتذهب بعض التشريعات أحيانا إلى تجريم ومعاقبة حتى محاولة هذا القتل ولو باءت بالفشل، ولو تعلقت بانتحار واضح لا وجود لعامل الشفقة فيه.

 والقتل لأسباب اقتصادية يتعرض عموما للاستنكار والرفض سواء تم جماعيا أو فرديا تبعا لسطو أو نهب عقب مظاهرة  جماهيرية أو بدونها، وسواء حصل ضد الأشخاص بدون تمييز أو انصب على العجزة والمسنين للتخلص من أعبائهم ونفقاتهم.

وبعد ما كان الإجهاض ممنوعا ومحرما بل ومجرما إلى أقصى الحدود لأنه قتل أضعف مخلوق، وبعدما كان التطبيق المسموح به يرمي إلى إنقاذ حياة الأم والتضحية بحياة الجنين، أو ناتجا عن الخوف من العار أو الفقر، صار اليوم مقبولا ويتم للتخلص من الجنين الناتج عن الاغتصاب بكل أنواعه المادية والمعنوية والفردية والجماعية، وعن التحايل والتدليس والضغط والابتزاز. ويمكن قبوله في كل هذه الحالات إذا كان وقاية من ضرر نفسي شديد على الأم، إذ من المعروف أن الضرورات تبيح المحظورات وأن أهون الضررين يزال لتجنب أشد الضررين وأن الفكر السائد في المجتمع لم يعد يشمئز من هذه الحالات.

مقال قد يهمك :   مجلة الممارس: التنفيذ الجبري للأحكام المدنية (عدد خاص)

وتطور الأمر اليوم سلبيا بفعل التقدم العلمي والتغير الجدري لرغبات وحاجيات الأشخاص، فأصبح الإجهاض وسيلة للتخلص من الجنس غير المرغوب فيه ذكرا كان أو أنثى، أو للتخلص من المولود المشوه أو المصاب بعاهة أو بمرض عضوي قاتل، بحيث يمكن إلحاقه بالقتل العنصري أو التطهير العرقي في الأنظمة النازية وما يشابهها.

 و يلاحظ أدهى من ذلك في المجتمعات البدائية أو الهمجية قبول فكرة القتل على وجه التسلية في إطار ألعاب مثل القنص، أو صراعات مع الوحوش أو بين البشر وتلك أبشع المبررات المواكبة لأخطر اعتداء على أسمى القيم، الحياة.

 في جميع الأحوال تبقى هذه حالات من القتل تجمع بين ذريعة علاج المجتمع بالتخلص من العناصر الخطيرة أو الحقيرة أو القذرة، وإرضاء الأنانية الفردية للقوي من غير اكتراث باستحقاق القتل أو عدم استحقاقه من لدن الواقع عليه، أي بصرف النظر عن كل اعتبار لفكرة العقاب.

 وهي حالات تفيد قبول فكرة الإعدام في الثقافة الفردية والجماعية، نظرا لعلم الإنسان وكذا وعيه بأنه سيموت في وقت ما، كيفما كانت طريقة الموت أو شكلها، وبصرف النظر عن مبرراته والدوافع إليه. وبالتالي يتم التدرج شعوريا أو لا شعوريا، من الإيمان بحتمية الموت كظاهرة طبيعية، إلى قبول فكرة الإعدام كنوع من القتل العقابي، سواء جاء على وجه القصاص أو الانتقام بين الأفراد وبين الجماعات، أو على وجه عقاب رمزي بالتخلص نهائيا من الشخص المقتول من طرف الدولة.

 الإعدام نوع من الموت أو القتل أو إزهاق الروح، وهذا موجود في مسلمات الفكر والوعي لدى الإنسان ويحتمل عدة قراءات. يمكن أن يقبل كظاهرة طبيعية عادية أو كوسيلة شريفة وعظيمة للتضحية تحقيقا لغايات سامية وطنية أو دينية بالاستشهاد أو بقتل العدو حماية للوطن. كما يمكن أن يقرأ على وجه التخلص من اليأس والمرض أو العار أو الفقر، لكن في جميع الأحوال لا يعقل تصوره كعقوبة أو كعلاج للمجتمع من ظاهرة الإجرام لأن المجتمع في هذه الصورة ينتحر جزئيا بقتل بعض أفراده عبثا لأنه في الواقع لا يعالج شيئا.

 لذا نرى بضرورة ربط موضوع الإعدام كعقوبة تمارسها الدولة بمركزه في فلسفة الدولة المعتمدة في وظائفها، وفي عقلية المواطن والمجتمع في ضوء علم الإجرام الذي ينطلق من دراسة الظاهرة الإجرامية بمكوناتها الإنسانية الذاتية والمجتمعية الموضوعية، من أجل تحديد وسائل ومنهجية معالجتها. ويدخل الإعدام في صلب هذه الوسائل والمنهجية لأنها تبين مدى ملاءمته أو عدم ملاءمته للغاية المتوخاة منه.

2) على مستوى الملاءمة

العلاج والإصلاح ليسا عقابا ولا إتلافا ولا تخريبا ولا ردعا ولا تخويفا ولو تغيرت وسائل ومظاهر ومحل تطبيقهما. علم الإجرام لا يخرج عن القاعدة إذ يعتمد نظاما متكاملا للعلاج بهذا المعنى، لا يخصص فيه مكان للإعدام كوسيلة علمية في منظومة العلاج لاختلافه الجدري عن معنى العلاج ولصعوبة بل ولاستحالة فكرة العقوبة لتناقضها مع مفهوم العلاج بصفة عامة، ولتنافر الإعدام خاصة مع تصور العقاب والعلاج في ذات الوقت. لكن حين يعتمد بعض علماء الإجرام تدبير الإعدام، فإنهم يقفزون بهذا العلم من المفهوم العلمي لفكرة علاج الجاني والمجتمع، بشكل غير علمي ولا منطقي إلى فكرة تطهير المجتمع، أو وقايته، في بعض الحالات الاستثنائية بواسطته،  معتقدين أنهم يزيلون سبب الضرر المجتمعي بقتل المتسبب فيه بينما هذا القتل ينهي حياة الفاعل ولا يؤثر نهائيا على الضرر. وإذا كان علماء الإجرام يقبلون فكرة الإعدام بصفة استثنائية فإنهم مع ذلك  لا يكيفون هذا التدبير بالعقوبة الجنائية، و يدركون الفرق بينها وبين العلاج والتطهير.

على مستوى علاج الجاني دائما، وبعد الاعتراف بقصور الأسباب الراجعة إلى المنظومة الجينية عن التفسير القطعي للحتمية الإجرامية يصير من المحتمل أن يتوسع العمل بها ليشمل القتل الجماعي لأسباب لا علاقة لها بالإجرام، تبرر الإعدام في نظام عنصري لا يعطي لحياة الإنسان قيمتها المثلى. ويمكن أن تفضي إلى إفراغ كل نظريات المسئولية من أساسها المعنوي المبني على الحرية. يبقى من الواجب الاعتراف بأن هذا التوجه لعلم الإجرام لا يسجل إلا نجاحا نظريا نسبيا في تكريس بعض ما يقترحه من إيداع الجانحين في مؤسسات إدارية وطبية ومهنية وتربوية، مغلقة أو مفتوحة كلية أو جزئيا على المحيط الخارجي. لكن هذه المؤسسات لا تخصص نهائيا مكانا للإعدام لأنه أجنبي عن غاياتها الإنسانية والمجتمعية، فهي جميعها تتميز باستبعاده من وسائل العلاج ومفهومه. ولا يشذ عن هذا المنظور إلا  العالمان الإيطاليان لومبروزو[18] وكاروفالو، في بداية القرن العشرين.

 فحسب العالم الأول يتميز المجرم بالميلاد أو بالفطرة من بين أصناف المجرمين بشخصية بدائية حيوانية تجعله عاجزا عن الاندماج أو الإئتلاف في مجتمعه وبأنه مسوق بصورة حتمية إلى الإجرام. وتبعا لذلك يبقى خطرا مهددا للمجتمع ولا يرجى علاجه، ويكون التدبير الوحيد الملائم هو تخليص المجتمع من وجوده بالإعدام. ويختلف موقف لومبروزو هذا حتى عن رأي زميله فيري الذي يتجنب العمل بالإعدام ويفضل عزل الجاني من المحيط الاجتماعي بتدبير مناسب كالإقصاء أو الإيداع بمؤسسة لمدى الحياة أو لمدة غير محدودة. ويختلف أيضا مع تصور كاروفالو الذي يحدد نطاق العمل بالإعدام في جرائم القتل وحدها بصرف النظر عن الطبيعة الفطرية للمجرم.

علاوة على تنافر الإعدام ومفهوم علاج الجاني الذي هو محور علم الإجرام كما يجمع علي ذلك العلماء الثلاثة المشار إليهم، وباعتبار استحالة علاج المجرمين الأكثر خطورة بالوسائل المناسبة المعروفة، يبقى من الممكن في رأينا تجنب الإعدام، القتل الحقيقي، بتطبيق إعدام “مجازي” على غرار الإعدام المدني الذي كان معمولا به من قبل الرومان. كانت هذه وسيلة لمنع الجاني من كل تصرف قانوني أو اجتماعي أو إنساني، وبمصادرة  جميع أمواله وممتلكاته، بشكل يصير معه من المستحيل أن يستمر في حياة مجتمعية منظمة، مما يدفعه إلى مغادرة البلد والبحث عن مكان آخر يسمح له بالعيش فيه.

 كما كان بالإمكان تصور تدبير لحرمان الجاني من ظروف التحرك بحرية وإخضاعه لنظام يجمع بين الحراسة والتعويد على تصرفات سليمة، لمدة غير محددة. في جميع الأحوال تبقى هذه التدابير أجنبية عن معنى العلاج وترمي إلى تحييد أسباب الإجرام في الجاني وليس إلى علاجه منها[19].

 لكن  فيما يتعلق بعلاج الظاهرة الإجرامية كمعطاة مجتمعية، يلاحظ فشل كامل في ابتكار مؤسسات ناجعة لعلاج العوامل الاجتماعية من خلال النظريات اللصيقة بذات الإنسان وطباعه.  يضاف إلى ذلك أن قبول الإعدام يكتسي وجه استثناء فج أو نشاز عند لومبروزو، وعند كاروفالو، يتناقض حتى مع المفاهيم والنظريات التي يعتمدانها بصدد الظاهرة الإجرامية كسلوك فردي.

ثالثا : افتعال التطبيق في النظريات الاجتماعية

عجزت النظريات المبنية على العوامل الاجتماعية بدورها في تفسير الظاهرة الإجرامية سواء فيما يتعلق بالاتفاق على تصور موحد لأسباب الظاهرة الإجرامية أو فيما يرجع لاستبعاد مطلق للإعدام من قائمة التدابير العلاجية. وتتضح هذه النتيجة من خلال الضعف الذي يتسم به أساس التوجه كميا ونوعيا ومن خلال النسبية الكبيرة لنتائج مختلف النظريات الاجتماعية خاصة بصدد تحديد الوسائل والتدابير المعالجة لأسباب الإجرام.

1)  ضعف الأساسين الكمي والنوعي (العلمي).

من جهة وحي الكم والإحصاء، يجب الاعتراف بعبثية تصور الإعدام في منظور علم الإجرام على صعيد علاج المجتمع. في جميع حالات الإجرام، وحتى في جريمة القتل يكون الرقم الأسود متجاوزا لثلثي الحالات حيث لا يصل إلى علم السلطتين الإدارية والقضائية إلا ثلث عدد الجرائم، ولا يحكم منها بالإعدام إلا نسبة ضئيلة ولا ينفذ منها إلا الاستثناء. بالتالي كيف يبرر إعدام عدد ضئيل جدا من الأشخاص الذين قاموا بذات الجريمة كعلاج للمجتمع منها إذا بقي هذا المجتمع محتضنا لأكبر عدد من الجناة المستحقين لذات العقاب؟ في ضوء ضآلة عدد القضايا المكتشفة والمحكومة، يصير من الصعب جدا تفسير أسبابها الاجتماعية كعوامل عامة ومشتركة لكل الجرائم المعاقبة بالإعدام. ذلك أنها رغم طبيعتها الاجتماعية تبقى خاصة بالحالات القليلة المحكومة، وربما تكون أسبابا نادرة لا يجوز اعتمادها كبناء لنظرية الأسباب المفرزة للجريمة.

ومن وحي الجدوى العلمية في الظاهرة،  كل هذا يتم في غياب مؤسسة لعلم الإجرام تقوم بدراسة أسباب وظروف ومميزات الظاهرة خاصة بمناسبة تحليل ومناقشة حالة الجناة المحكوم عليهم بالإعدام ومدى عمقها في الحياة الاجتماعية.  وحتى إن وجدت هذه المؤسسة فستبقى نتائجها متواضعة جدا لأنها محدودة في دراسة حالات الحكم  بالإعدام مع التنفيذ أو بدونه.

مقال قد يهمك :   العدالة الضريبية والعدالة الاجتماعية: أية علاقة في ظل الأزمة الاقتصادية لكوفيد-19؟

 علاوة على ذلك، يسجل الفراغ الكامل من أية دراسة علمية منصبة على فعالية أو عدم فعالية الإعدام في وجود الظاهرة الاجتماعية وتضخمها أو تقلصها. أمام هذا القصور نرى من العبث القول بأية فائدة أو مصلحة للمجتمع في العمل بعقوبة الإعدام وهو لا يتوفر على معطيات علمية موضوعية ودقيقة تبين وتبرهن قطعيا على أثرها على الأسباب الاجتماعية المفضية للجريمة. من هذا المنطق يجب أن يتضح أن الإعدام ليس هو الحل الوحيد للظاهرة الإجرامية. واعتبار الإعدام حلا أو علاجا استنتاج مستحيل علميا لأن الإعدام لن ينصب على أسباب الظاهرة ولن يعالجها مطلقا، إذ سوف يمس فقط الشخص المرتكب لنتيجتها أي الجاني ولا أحد غيره. بالتالي لا فائدة فيه للمجتمع. وعلى فرض وجود علاقة له بالأسباب، فإن تلك العلاقة لن تتجاوز مجموعة محدودة من الأسباب، تبعا للنظرية الاجتماعية المعتمدة.

2) فشل النظريات الاجتماعية.

بدأت محاولة تفسير الظاهرة الإجرامية بأسباب نابعة من عوامل اجتماعية، إضافة إلى الأسباب الذاتية، مع العالم الإيطالي فيري، تصحيحا وتكملة لتصورات لومبروز. لكنها عجزت عن إفراز توجه موحد نظرا لتعدد وتنوع وتفاعل الأسباب والعوامل من جهة، وتدافعها مع عوامل الصمود التربوية والفكرية وغيرها المضادة والكابحة للسلوك الإجرامي عند الأغلبية الساحقة من الأفراد من جهة أخرى. كان القصور عن بناء نظرية موحدة داعيا لظهور وتكاثر المحاولات الرامية إلى تفسير الظاهرة الاجتماعية بأسباب غير ذاتية. ونخص بالذكر منها نظرية الصفة الطبيعية للإجرام في المجتمع عند دوركايم، ونظرية الظروف الاقتصادية ونظرية أثر تقليد الانحراف عند طارد ونظرية الاختلاط التفاضلي عند ساذرلاند الخ. المهم أن كل واحدة من هذه المحاولات ظلت قاصرة بمفردها عن إعطاء تفسير متكامل للجريمة وأسبابها وظروفها، وخاصة عن استطاعة عدد كبير من الناس عدم الوقوع في الجريمة.

وينعكس فشل تفسير أو تنظير الظاهرة الإجرامية بأسباب اجتماعية، على تواضع الوسائل العلاجية المقترحة لها بل على فتور أثرها في مكافحة الجريمة رغم اعتماد بعضها من لدن المشرعين. وعلى هذا الصعيد أيضا يبقى الإعدام تدبيرا استثنائيا وشاذا عند أصحاب هذا الاتجاه.

الخلاصة التي لا مفر منها، استبعاد الإعدام على وجه العقوبة وعلى وجه العلاج، تظل قائمة في جميع التوجهات التي نهجها علم الإجرام، وتؤكد في جميع الأحوال أن الموقف الذي يتأسس عليه في أي تشريع وضعي لا يرتكز على أساس علمي، وإنما على ظروف أو معطيات سياسية خاصة بكل دولة. بالتالي، إذا كان قرار العمل بالإعدام أو إلغائه قرارا سياسيا فقط، فيتعين أن يتأسس على حيثيات وأسباب وجيهة لا تقبل الانتقاد ولا تترك مجالا للتردد.

 الإعدام قتل يخرق أعلى القيم التي ينبني عليها المجتمع وتنظيم الدولة. لذا يجب أن يرتكز على الإرادة الواضحة للمجتمع من خلال استفتاء شفاف. فهذا القرار أخطر من أن يتم بواسطة المشرع العادي أو البرلماني لأن هذا الأخير مفوض لتسيير شؤون البلاد وليس للتقرير في حياة أفرادها التي يجب عليه أن يحترمها طبقا للدستور الذي يخضع لأحكامه.

ومن جهة أخرى، يجب أن تسبق الاستفتاء دراسة علمية واسعة ودقيقة تتمحور حول مقارنة فترتين تمتد الأولى من بداية تنفيذ القانون الجنائي الحالي أي سنة 1963 إلى سنة 1993 أي تاريخ آخر تنفيذ للإعدام، وتمتد الثانية إلى يومنا. وتحتوي هذه الدراسة على بيان الجرائم المعاقبة بالإعدام، والجرائم التي تم فيها الحكم بالإعدام فعليا، وعدد الأحكام الإجمالي والسنوي بالإعدام ورسم الخط البياني لتطوره، وعدد الأحكام التي تم تنفيذها، بالنسبة للفترة الأولى، وعدد الحالات التي استفادت من العفو، وأن تبين أثر توقيف التنفيذ منذ1993 على الواقع الحالي.

ومن شأن هذه الدراسة أن تبرهن علميا على جدوى أو عدم جدوى الإعدام وأن تقوي موقف ورأي المواطنين في اختيار الاتجاه السياسي والحضاري الذي يناسبهم، وتعطي لقرارهم في الاستفتاء أسسا متعددة ومتنوعة بين السياسة والعلم.


الهوامش :

[1]  ويتميز النقاش العمومي الدائر حول عقوبة الإعدام، على صفحات الجرائد والواقع الإليكترونية وفي منتديات الجمعيات بحماس كبير ينم بشكل واضح عن صدوره من أشخاص لهم علاقة فردية به. وبالفعل فالكثير من المناهضين المعارضين والمطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام وحذفها من منظومة القانون الجنائي متأثرون بعمق بما كان عليه الأمر في المحاكمات السياسية خلال الفترة الممتدة بين 1962  و 1990 ، وبوضعية المحكوم عليهم بالإعدام الذين ينتظرون التنفيذ. والكثيرون من المدافعين عن العمل بهذه العقوبة والإبقاء عليها  إما ضحايا أفلتوا من الاعتداء عليهم بالقتل أو أقارب أو أصدقاء لضحايا ماتوا بقتل إجرامي، أو أشخاصا سمعوا أو اطلعوا على جرائم قتل حصلت ببشاعة أو شاهدوا وقائعها بالتلفزة. وفي جميع هذه الأحوال يمكن احترام مواقفهم، ولكن يجب الاعتراف بأنها لا تنبني على الموضوعية اللازمة للإقناع في هذه المسألة.  ويلاحظ نفس التوجه بأوربا وخاصة فرنسا غداة الحرب العالمية الثانية. كما يلاحظ أن النقاش تطور اليوم باستعمال مفاهيم حقوق الإنسان والحداثة، دائما بعاطفية لا تسمح بإقناع حقيقي برأي معين.

[2] J. Imbrert, La peine de mort, Armand Colin, Paris 1967.

[3] M. Ancel, La peine de mort dans les pays occidentaux, Vie sociale, 2ème cahier Paris 1966.

[4] M. Drissi Alami Machichi, Manuel de droit pénal général, éd. Maghrébines, Casablanca, 1974, p. 41.

[5] M. Drissi Alami Machichi,  Manuel de droit pénal général, éd/ Magrébines, Casablanca, 1974, p. 455.

[6] محمد الإدريسي العلمي المشيشي، دراسة حول ملاءمة مشروع القانون الجنائي مع المبادئ والقواعد المعتمدة في منظومة حقوق الإنسان، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، 2012، ص. 52.

[7] J. Charpentier, Pour la peine de mort, et , A. Naud, Contre la peine de mort, Collection pour ou contre,Paris, 1967.

[8]  محمود نجيب حسني، علم العقاب، دار النهضة ، القاهرة 1973؛ عبود السراج، علم الإجرام وعلم العقاب، دمشق 1990 .

[9] R-T. Oerton, L’abolition de la peine de mort en Grande Bretagne, Revue de sciences criminelles et de droit comparé, 1966.

[10] Tous les traités et précis de droit pénal conscrent des développement aux différentes peines et mesures de sûreté.

[11] J. Bouzat et Pinatel, Traité de criminologie et de droit pénal ; Pinatel, La criminologie, SPES, Paris 1960 ; M. Ayat, Le crime, Casablanca, 1967 ; P. Spitère, Essai sur quelques grans courants criminologiques, Annales de la faculté de droit et des sciences économiques de Toulouse, tome XVIII, p. 139, 1970 ; D. Szabo, Aperçu des tendances actuelles de la rélexion criminologique, in Yvon Dandurand et Frecour Ribordy, Crime et société, Introduction à l’étude du phénomène criminel, éd de l’Université d’Ottawa, 1980.

[12] E. Durkheim, Les règles de la méthode sociologique, PUF, 1977 ; PH. Robert, La sociologie entre la criminologie du passage à l’acte et celle de la réaction sociale

[13] R. Cassin, Criminologie, Dalloz, n°40, 1988, Paris.

[14]  عدنان الدوري، أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي، جامعة الكويت، الكويت 1973؛ محمد عارف، الجريمة في المجتمع، نقد منهجي لتفسير السلوك الإجرامي، مكتبة الأنكلو المصرية، القاهرة، 1975.

[15] M. Ancel, Le problème de la peine de mort , Revue de droit pénal et de criminologie, 1964, p. 21 ; J. Graven, Nouvelles réflexions sur la peine capitale, Etudes offertes à la mémoire de Donnedieu de Vabres, Paris 1960 ? P ; é’ç ;

[16] Stefani, Levassur et Jambu-Merlin, Criminologie et science pénitentiaire, Dalloz, Paris, 1970.

[17] S. Berthoud, Crime et péché, éd Victor Attingher, PUF Paris, 1966 ; G. Guilhermet, Comment devient-on criminel ?  éd A. Schleicher Paris ; D. Szabo, Crimes et villes, éd Cujas, Paris 1966 ; J. Pinatel, Les orientations psychologiques récentes en criminologie, Revue de sciences criminelles, 1963, p. 377.

[18] C . Lombroso, L’homme criminel ; E. Ferri, Les criminels dans l’art et la littérature ; R. Garofalo, La criminologie.

[19] J.Graven, La peine de mort et ses substituts, Bulletin de la société internationale de criminologie, 1953.

تعليقات الزوار ( 1 )

  1. إدانة شخصين بالسجن المؤبد من أجل جناية قتل بمقتضى حكم حائز على قوة الشيء المقضي به و ظهور الجاني الحقيقي فيما بعد و إدانته هو الآخر بالإعدام من أجل نفس الجناية بقرار حائز لقوة الشيء المقضي به يبرر تقديم طلب المراجعة من طرف الوكيل العامل للملك لدى المجلس الأعلى .نعم

    كون حكمين استنفدا طرق الطعن بعد أن بت فيهما المجلس الأعلى برفض الطعون الموجهة ضدهما، و كونهما متناقضين و لا يمكن التوفيق بينهما، يجعل طلب المراجعة مستوفيا لشرط قبوله شكلا . نعم

    المجلس الأعلى
    تاريخ القرار : 06/07/2005
    رقم القرار : 1935

    يمكن الاطلاع على مجموعة مهمة من الاجتهادات على الموقع التالي http://www.intelaw.ma

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)