أحمد منيرة: قراءة في كتاب حقيقة الإسلام للدكتور عبد الهادي بوطالب

دليل مكافحة الرشوة الجنسية (تحميل)

النظام القانوني لعقد الائتمان الايجاري

9 يناير 2022 - 9:26 م المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

سكينة الحرفي طالبة باحثة بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس السويسي – الرباط

تحتاج جميع المشروعات الاقتصادية للأصول الرأسمالية من أجل ضمان انطلاقتها، واستمراريتها، إلا أن جلب آليات الاستثمار من معامل، مصانع ومحلات الإدارة يستوجب  منا التوفر على رؤوس أموال ضخمة يتم تجميدها لمد المؤسسة التجارية بما تحتاجه، مما يطرح ضرورة البحث عن وسائل تمويلية تساعد الشركات الاقتصادية على تحقيق مشاريعها. لكن معظم الوسائل التمويلية التقليدية مثل الحصول على القروض لم تتمكن من معالجة القدرات المالية المحدودة للمشروعات إلا نسبيا، مما دفع الاقتصاديين إلى البحث عن وسائل تمويلية بديلة يتمثل أهمها في الائتمان الإيجاري.

والائتمان الإيجاري أو ما يعرف بLeasing أو crédit – Bail [1] يعد تقنية تمويلية متعددة الصور تقوم في أبرز صورها مؤسسة مالية لشراء المعدات أو أدوات التجهيز لفائدة مقاولة تتسلم هذا الشيء من أجل استغلاله لمدة معينة تسمى هذه المدة المحددة مقابل كرائه حيث يؤدي بصفة دورية خلال هذه المدة التي تبقى فيها مؤسسة التمويل مالكة للمنقول شريطة تقديمها للمقاولة وعدا من جانب واحد ببيع هذا المنقول بعد انتهاء المدة المحددة لقاء ثمن محدد مسبقا يسمى القيمة الباقية.

وهكذا فبعد انتهاء أداء أقساط الكراء المتفق عليها في العقد يكون للمقاولة الخيارين إنهاء العقد وإعادة المنقول إلى المؤسسة المقرضة وتملكهم للمنقول وهو محدث في الغالب لأن القيمة الباقية تكون عادة طفيفة في الوقت الذي وقع فيه أداء معظم رأس المال المستثمر بواسطة أقساط الكراء أما الإمكانية الثالثة تتلخص في تجديد عقد الكراء لمدة إضافية.

وحديثا شمل الائتمان الإيجاري العقار كذلك وإن كان لازال يشكل سوى نسبة ضئيلة من مجموع الأصول المحددة في هذا النشاط.[2]

ومما لاشك فيه أن عقد الائتمان الإيجاري عرف تطورا تاريخيا هاما حيث يعتبر هذا الأخير قديما قدم الإنسانية فقد عرفته الشعوب القديمة السوماريون منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، كما عرفه المصريون مند ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، أما الائتمان الإيجاري في شكله الحديث فيرجع إلى سنة 1952 تحت إسم”Leasing” على يد”Boolher Junior” ذلك أن مدير مقاولة بكاليفورنيا لتعليب المواد الغذائية كان أول من فكر في كراء آلات جديدة احتاجت إليه مقاولته الخاصة وانتقلت من الولايات المتحدة الأمريكية عبر المحيط الأطلسي إلى القارة الأوربية مع بداية الستينات حيث عرفت بريطانيا هذا النوع من النشاط الائتماني ثم امتد العمل به إلى دول متعددة بأوربا مثل بلجيكا وهولندا وفرنسا التي ظهرت فيها أول شركة سنة 1962 أطلق عليها Locafrance  أما في المغرب فقد ظهرت أول شركة متخصصة في الائتمان الإيجاري لسنة 1965 أطلق عليها ” Maroc Leasing”بمبادرة من الدولة وبعد هذا التاريخ تأسست شركات تمويلية بمبادرات خاصة من طرف البنوك وشركات التأمين من أهمها ” Maghreb-bail ”  و وغيره.

ويعتبر قانون المالية لسنة 1992 أول نص تشريعي اهتم بالجوانب المالية الائتمان الإيجاري من حيث إخضاعه للقواعد الضريبية، ثم تلتها الإشارة إلى هذه العملية في قانون 7 يوليوز 1993 المتعلق بنشاط مؤسسات الائتمان ومراقبتها، حيث نصت المادة الثالثة منه على أنه “تدخل في عمليات الائتمان عمليات الإيجار التي يكون فيها[3] من حق المستأجر حق شراء العين المؤجرة إن أراد ذلك خصوصا عمليات الائتمان الإيجاري سواء تعلق الأمر بالمنقولات أو العقارات إلا أن تنظيم هذه العملية لم يتم إلا بمقتضى مدونة التجارة التي خصصت لهذا العقد اثني عشرة مادة وهي المواد من 431 إلى 442.[4] إلا أن هذا الازدواج التشريعي يخلق ارتباك واضحا، حيث أن نصوص مدونة التجارة المنظمة لعقد الائتمان الإيجاري تظل عاجزة عن تنظيم مختلف الجوانب المهمة للعملية، تاركا إياها لسلطان الإرادة الذي أدى تعسفه أصلا إلى تدخل المشرع لتنظيمها، وبين نصوص القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان ذات الصلة بنفس الموضوع التي خرجت عن الإطار المرسوم لها وخاضت في أمور ليست هي مجالها، بل يظل مجالها الطبيعي هو مدونة التجارة[5].

ولا تخفى أهمية دراسة وضعية عقد الائتمان الإيجاري حيث إنه يساير لنا من جهة التطور الاقتصادي بتقنية جديدة لم تكن معروفة من قبل، ولكونه من العقود المشجعة على الاستثمار من جهة أخرى ولكونه أصبح عملا مقننا دوليا.

كما أن هذا الموضوع أثار فضولنا وحماسنا خصوصا وأن عمليات الائتمان الإيجاري ببلادنا نمت وترعرعت في ظل فراغ تشريعي وذلك مند ولادته إلى حدود سنة 1993 الشيء الذي فسح المجال أمام شركات الائتمان الإيجاري للتحكم في مجريات العملية منذ بدايتها إلى نهايتها.

ويطرح عقد الائتمان الإيجاري العديد من التساؤلات والإشكاليات القانونية خصوصا وأن نصوص مدونة التجارة لم تشر إلى العديد من الجزئيات لهذا تجدنا نعتمد في هذا البحث على ما هو جار به العمل من طرف شركات الائتمان الإيجاري من خلال العقود التي تعتمدها لهذا الغرض، حتى تبرز بكل وضوح كل الإشكاليات التي تثيرها هذه الممارسة سواء أثناء السريان العادي للعملية أي حين ينفد كل طرف من أطرافها الالتزامات الملقاة على عاتقه وفق الشروط المنصوص عليها في العقد أو أثناء السريان غير العادي للعملية، أي حين يتخلل تنفيذ العقد بصفة طبيعته عائق يجعل من تنفيذ العقد بصفة عادية، شيئا مستحيلا قد يؤدي إلى فسخ العقد بكل ما يترتب على ذلك من آثار.

فعملية الائتمان الإيجاري بالمغرب، تعرف تطبيقا واسعا لها مند ما يزيد عن 33 سنة فطبيعي إذن أن تكون هذه العملية قد طرحت العديد من الخلافات والمنازعات بين الأطراف.

وهذه المنازعات لا يمكن أن تثور إلا بمناسبة عدم تنفيذ أحد أطراف العملية للالتزامات التي يلقيها عقد الائتمان الإيجاري على عاتقه، لكون هذا العقد لا يحقق توازنا عادلا بين التزامات كلا الطرفين “المؤجر” والمستأجر” فيضطر الطرف المتضرر إلى اللجوء إلى القضاء بحثا عن هذه العدالة التعاقدية أو بالأحرى الحماية القضائية[6].

أمام هذا الوضع لن يسعنا سوى طرح إشكالية عدم التوازن التعاقد في إطار عملية الائتمان الإيجاري، والتي تزيد من حدتها كونها “أداة تمويل للاستثمارات المنتجة مغلقة داخل عملية قانونية مركبة “بحيث هناك بالإضافة إلى عقد الإيجار” العديد من العقود المسماة الأخرى التي تستغلها شركات الائتمان الإيجاري بطريق جد ذكية وقانونية لحماية مصالحها.

وهنا نجد بدا من طرح التساؤل التالي:

ألا تجد شركات الائتمان الإيجاري للمنقول بالمغرب في موقف المشرع المغربي المناخ الملائم لفرض هيمنتها على المضمون الاتفاقي للعقد وتحقيق أقصى مدى لمصالحها من خلاله، حتى وإن أدى  الأمر إلى التعسف بمصالح المستفيد؟

وعليه وأمام كثرة المشاكل العملية التي تثيرها عملية الائتمان الإيجاري بالمغرب، والتي تعصف بالتوازن بين الأطراف، وأمام صعوبة الحلول التي من شأنها أن توفق بين مصالح كل أطراف العملية، ارتأينا التركيز في هذا البحث على  النقط التالية من خلال اعتمادنا على هذا التقسيم:

  • المبحث الأول:  إنشاء عقد الائتمان الإيجاري
  • المبحث الثاني: آثار عقد الائتمان الإيجاري

المبحث الأول: إنشاء عقد الائتمان الإيجاري

في هذا المبحث سوف نتناول علاقة اطراف العقد الائتمان الايجاري (مطلب الأول) بينما نتطرق  لشهر العقد الائتمان الايجاري (المطلب الثاني).      

المطلب الأول: علاقة أطراف عقد الائتمان الإيجاري

 سنتطرف في هذا المطلب إلى علاقة المستعمل أو المكتري بالمورد (الفقرة الاولى) وعلاقته بمؤسسة الائتمان( الفقرة الثانية) وعلاقته بالغير (الفقرة الثالثة).

الفقرة الاولى: علاقة المستعمل بالمورد في الائتمان الإيجاري:

ويطرح في هذه العلاقة استفسار حول سند المستعمل في تحركه ضد الممول في علاقة لا يدخل فيها إلا للتأكد من مواصفات الشيء المسلم في الوقت المتفق عليه، إلا أنه قد يتحرك ضد البائع إذا أخل بالتزاماته ويطالبه بفسخ عقد البيع ففسر البعض هذه العلاقة بالوكالة حيث تتضمن مؤسسة الائتمان الإيجاري في العقد شرطا يعفيها من الضمان وتحوله إلى المكتري الذي يمكنه أن يقاضي البائع اعتمادا على هذه الوكالة الصادرة عن المؤسسة. حيث يمكنه أن يطالب بإنقاص الثمن أو إقامة دعوى بالمطالبة بالتعويض أو رد المبيع وفسخ عقد  البيع الإيجاري. وهذه الوكالة لا تستدعي قبولها من طرف  البائع وقد وجهت عدة انتقادات إلى هذه النظرية نظرا لعدم شمولها مرحلة ما قبل  التعاقد، وكذا لتعارضها مع الهدف الذي يتوخاه الأطراف وأيضا لكون الوكالة العامة للتحرك ضد  الممول ستكون أكثر خطورة بالنسبة لمؤسسة الائتمان الإيجاري. وبالتالي تتهدد مصالحها بتصرفات المستعمل وقال فريق آخر من الفقه أن هذا التحرك يكون في إطار الدعوة غير المباشرة الذي يستأثر فيها المكتري بالحق لمؤسسة الائتمان الإيجاري في ذمة الممول ويتحول إلى دائن له بامتياز يتقدم على سائر الدائنين[7]، إلا أن هذا يعتبر خروجا عن القواعد العامة التي تقدي بأن العقد لا يكون ساريا إلا في حق أطرافه فلا يتعدى أثره إلى الغير، وهكذا توالت النظريات وتتالت الانتقادات فظهرت فكرة التفويض والتجديد، والمسؤولية التقصيرية، والاشتراط لمصلحة الغير، إلا أن حقيقة العلاقة بين المستعمل  والمورد هي مباشرة نتيجة لعقد الائتمان الإيجاري، فقد حسمت المادة 10 من اتفاقية أوطاوا عندما اعتبرت أنه يمكن للمستأجر المالي أن يشير في مواجهة المورد كل الالتزامات الملقاة على عاتق هذا الأخير والناتجة عن عقد التوريد كما لو أن المعدات كانت ستسلم له مباشرة.

الفقرة الثانية: علاقة المستعمل بمؤسسة الائتمان الإيجاري[8]:

يمكن القول بأن عقد الائتمان الإيجاري يدخل ضمن عقود الإذعان لكون المؤسسة هي التي تقوم بتحرير المضمون الاتفاقي وتتضح العلاقة من خلال مراجعة بعض نماذج عقود الائتمان الإيجاري على أنها متبادلة بين طرفي العقد التجاري حيث تضمن المؤسسة للمستعمل الانتفاع من الشيء المكتري  في صورة صالحة للاستعمال دون تعرض الدائنين له على هذا الاستعمال في إطار الضمان المستحق للمكتري المنصوص عليه في الفصول 643 إلى 662 ق ل ع كما أن المستعمل ملزم بأداء الكراء وبالتالي تنقل التزامات المكري إلى المكتري بما فيها التقنية التي تهم الشيء موضوع الكراء، ويجعل من المكتري كما لو كان هو المالك للشيء المكري ويتحمل كل الأخطار المرتبطة بضياعه أو تلفه أو هلاكه، كما يلتزم أيضا بأداء أقساط الكراء في الوقت المتفق عليه وأي إخلال بهذه الالتزامات قد يدفع الشركة إلى فسخ العقد بتقديم طلب أمام رئيس المحكمة بعد فشل محاولة التسوية الودية طبقا للفصـل 433 م ت.

مقال قد يهمك :   صدور التعديلات الجديدة للفصل 430 من المسطرة المدنية بالجريدة الرسمية

الفقرة الثالثة: علاقة المستعمل بالغير:

إن آثار العقد لا تسري على أطرافه فقط بل تشمل حتى الغير الذين يتعاملون مع المستعمل. لدى نص المشرع في المادة 436م ت على ضرورة شهر عقد الائتمان الإيجاري لمعرفة الغير بوجوده. وهذا لحماية المؤسسة مالكة الشيء مما يمكن أن تواجه به من أعمال ” قاعدة الحيازة في المنقول أو نظرية الأحوال الظاهرة” وبالتالي فإن كل العقود التي تتضمن خصائص الائتمان بمفهومه القانوني يجب تضمينها بالسجل الخاص لذلك بغض النظر عما إذا كان العقد يهم نشاطا يتم على وجه الاعتياد أو يتم على إبرامه بصفة عرضية، ويقع الالتزام بطلب شهر عقود الائتمان على عاتق مؤسسة الائتمان م 436 م ت ألا أن المشرع لم يحدد تاريخا معينا لإجراء هذا الإشهار، ويشار في السجل إلى أطراف العقد والمبلغ المالي موضوع الائتمان  التجاري بهدف إعلام الجمهور والأطراف المتعاقدة بهذه الوضعية مع إمكانية الحصول على شهادات بهذا القيد وهذا ما نصت عليه م 439 م ت وتكون للبيانات المسجلة الحجية القطعية والقيد في السجل المخصص للعملية لا يتم إلا بالمكان المسجل به في السجل التجاري للمستفيد. أما بالنسبة لغير المسجلين بالسجل التجاري فيتم القيد في المحكمة التي يمارسون فيها نشاطهم م 436 م ت ويجب على الشركة تسجيل أي تعديل طرأ على الشيء موضوع الائتمان الإيجاري أمام الجهة المختصة ترابيا م 437 م ت وكذا نصت المادة 438 على ضرورة تجديد التقييدات كل خمس سنوات وإلا تقادمة أما المادة 439 فألزمت كاتب الضبط الذي يمسك سجل هذه التقييدات بضرورة تسليم نسخة مستخرجة من حالة التقييدات للمعنيين بالأمر وعدم إجراء أي قيد خاص لأي  واحد من ذوي الشأن وأشارت المادة 441 م ت إلى تسجيل عقد الائتمان الإيجاري على العقارات بالمحافظة العقارية. فرتبت 442 على عدم إشهار أن الأغيار لا يمكن أن يواجهوا بالعقد الذي قد يستمر شهره. كما يجب تقيد رضى الطرفين على إنهاء العقد بالتوصل بالحكم النهائي. وتجنبا لكل التباس لدى الغير الذي يتعامل مع المستعمل فإن عقود  الائتمان تشير إلى إلزام المستعمل بوضع لافتة، أو علامة متميزة عن الشيء موضوع الائتمان الإيجاري ليتأتى بسهولة إثبات سوء النية، وعموما فإن المستعمل يضع على المعدة صفيحة معدنية تعرف بالمالك للمنقولات ويقوم بإشعار جميع الدائنين عن طريق رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل بأن الآلات هي في ملك شركة الائتمان الإيجاري.

المطلب الثاني: شهر عقد الائتمان الإيجاري

سنتطرف في هذا المطلب إلى شهر عقد الائتمان الايجاري على المنقول (الفقرة الاولى) ثم شهره على العقار( الفقرة الثانية).

 الفقرة الأولى: شهر عقد الائتمان الإيجاري للمنقول

إن عقد الائتمان الإيجاري كأي عقد تبادلي يفرض التزامات على طرفيه، كما قد تمتد آثاره إلى الغير الذي من أجل حماية مصالحه سن المشرع نظاما لشهر العقد.

إن مما يتميز به الائتمان الإيجاري هو أنه يخلق حالة قانونية يكون فيها الحائز والمنتفع بالمنقولات هو غير المالك لها ونظرا للقاعدة الفقهية التي تقول أن الحيازة في المنقول سند للملكية فقد ينشأ وضع ظاهر يوحي للغير المتعاملين مع المكتري بعكس الظاهر يدفعهم إلى منحه قروضا يتبين في النهاية صعوبة إن لم نقل استحالة استردادها. كما أن مؤسسة الائتمان قد تكون في وضع صعب إذا ما أفلس المكتري أو قام دائنه بالحجز على التجهيزات المملوكة لها لعدم علمه بذلك، فكان من اللازم وتفاديا للأضرار بمصالح الغير والمكري إخضاع العقد لعملية شهر قانونية لتحديد الأضرار بمصالح الغير والمكري إخضاع العقد لعملية شهر قانونية لتحديد المركز القانوني لطرفي عقد الائتمان الإيجاري، وهو الأمر الذي حدا بالمشرع إلى النص في المادة 436 من م ت على أنه “تخضع عمليات الائتمان الإيجاري لشهر يمكن من التعرف على الأطراف وعلى الأموال موضوع تلك العمليات”.

بالنسبة لإجراءات شهر عقد الائتمان الإيجاري تتم بناء على طلب تقدمه مؤسسة الائتمان الإيجاري، وإذا كان المشرع لم يحدد أي أجل لتقديم الطلب فإنه ونظرا لأن أثر التقييدات يسري من تاريخ إجراءها فإن للمؤسسة مصلحة أكيدة للإسراع فور إبرام العقد للعمل على شهره، ويقدم طلب التقييد إلى كتابة ضبط المحكمة التي تمسك السجل التجاري المسجل فيه المكتري بصفة رئيسية، فإذا لم يكن مسجلا بالسجل التجاري كأي يكون من أصحاب المهن الحرة كالمحامي أو الطبيب فإلى كتابة الضبط التي يشتغل في دائرتها المؤسسة التي تعاقد لحاجياتها، والمعلومات التي يتم تقييدها تتعلق بالأطراف أي شركة الائتمان الإيجاري والمكتري، وكذلك الأموال موضوع العملية وذلك بجردها وإعطاء البيانات اللازمة عنها[9].

فإذا حدثت تعديلات تتعلق بالمعلومات أعلاه كأن يتغير شخص المكتري أو يتم نقل التجهيزات إلى جهة أخرى لا تدخل في دائرة اختصاص كتابة التي تم فيها شهر العقد فإنه يتوجب شهر تلك التعديلات في طرة التقييد الموجود كما يجب في حالة نقل التجهيزات نقل القيد المعدل إلى سجل كتابة الضبط التي توجد بها التجهيزات المكتراة، ويسري أثر هذه التقييدات المعدلة من تاريخ إجراءها.

وتتقادم التقييدات سواء الأصلية أو المعدلة بمرور خمس سنوات من تاريخ إجراءها، لذلك فإنه يقع على عاتق مؤسسة الائتمان أن تقوم بتجديد تلك التقييدات كل خمس سنوات لضمان حقوقها.

ويتم التشطيب على التقييدات من السجل الخاص إما بناء على اتفاق الأطراف وإدلائهم بالاتفاق لكاتب الضبط الماسك للسجل أو بناء على حكم حائز لقوة الشيء المقضي به، تعتبر التقييدات المضمنة بالسجل رهن إشارة العموم إذ يمكن لكل شخص أن يطلب نسخة أو مستخرجا من حالة التقييدات وعلى كاتب الضبط أن يسلمها له.

وفي حالة تخلف الشهر مبدئيا فإن إغفال القيام بإجراءات الشهر بالنسبة للحقوق التي أخضعها المشرع لذلك ينجم عنه عدم إمكانية الاحتجاج بها تجاه الغير وهذا المبدأ يعتبر من أهم المبادئ المترتبة على عدم القيام بالشهر[10]. وقد كرس المشرع المغربي هذا المبدأ بالنسبة لعقد الائتمان الإيجاري للمنقول إذ نصت المادة 440 من م ت على أنه إذا لم تنجز إجراءات الشهر المنصوص عليها في المواد السابقة فإنه لا يمكن لمؤسسة الائتمان الإيجاري مواجهة الدائنين أو ذوي حقوق المكتري المكتسبة بعوض بالحقوق التي احتفظت بملكيتها إلا إذا أثبت أن المعنيين كانوا على علم بتلك الحقوق.

الفقرة الثانية: شهر عقد الائتمان الإيجاري للعقار

بالرجوع للمادة 441 من م ت التي تنص على ما يلي: ” في مادة الائتمان الإيجاري العقاري بشهر عقد الكراء وكذا كل تعديل ارتبط به في المحافظة العقارية وفقا لأحكام الظهير الشريف الصادر في 2 أغسطس 1913 بشأن التحفيظ العقاري”.

نستشف أن المشرع المغربي قد تبنى اختيار الشهر العيني لعقد الائتمان الإيجاري العقاري مسايرا بذلك توجه كل من المشرع المصري والفرنسي اللذين فرضوا الشهر العقاري لهذا النوع من العقود كشرط شكلي يتعين التقيد به حتى ينتج آثاره.

بالنسبة للإجراءات الشهر العقاري لعقد الائتمان الإيجاري العقاري حيث قراءة المادة 441 من م ت نلاحظ أن المشرع المغربي لم يحدد لنا الجهة التي يتعين عليها تقديم طلب التحفيظ وكذا نوعية العقار محل الائتمان الإيجاري العقاري هل هو عقار محفظ أم غير محفظ؟

على عكس  الائتمان الإيجاري للمنقول الذي تتولى شركة التمويل شهره، فإنه لم يتم تحديد الجهة الموكول لها القيام بعملية الشهر لعقد الائتمان الإيجاري العقاري.

وقد كان يجدر بالمشرع المغربي التحديد الدقيق والصريح للجهة الموكول لها تقديم طلب شهر عقد الإئتمان الإيجاري، وهو التوجه الذي تبناه المشرع التونسي حيث تتولى شركة التمويل بمقتضى القانون المتعلق بالإيجار المالي” إشهار عقد الإيجار المالي العقاري بدفتر الملكية العقارية” ويتوافق بهذا الخصوص مع المشرع الفرنسي الذي ألزم المكري بتقديم جميع العناصر الضرورية للشهر العقاري لمكتب الرهون الرسمية بمقتضى المادة الأولى من قانون 4 يوليوز 1972 المتعلق بشهر عمليات الائتمان الإيجاري للمنقول والعقار الذي يحيل بالنسبة للإجراءات الشهر على قانون 4 يناير 1955 المنظم للشهر العقاري.

بالنسبة لنوعية العقار محل الائتمان الإيجاري العقاري هل هو محفظ أو غير محفظ. لقد تضاربت الآراء الفقهية في المغرب  حول هذه الإشكالية، ففريق بأن محل هذا النوع من العقود لا يمكن أن يكون سوى محفظ [11].

 أما الفريق الثاني[12] فيقول بإمكانية وقوع الائتمان الإيجاري العقاري على عقار غير محفظ.

وأمام عدم تحديد المادة 441 لوضعية العقار المؤجر، فإننا نتبنى موقفا وسط[13]، فدعما للدور الذي يلعبه النظام التحفيظ العقاري في ازدهار الائتمان العقاري، وكذا تماشيا مع رغبة شركات التمويل في المحافظة على مصالحها المالية وتركبتها بضمانات عينية، فإن العين محل عقد الائتمان الإيجاري العقاري لن تكون سوى عقارا محفظا خصوصا في حالة ما إذا تم بناؤه من طرف المكري لأجل تأجيره للمكتري، حيث يعمل الطرف الأول جاهدا على حماية حقوقه العينية المرتبطة بالأرض المشيد فوقها عن طريق قيد حق الملكية الوارد على الأرض وعلى العقار المشيد فوقها لدى مصلحة المحافظة العقارية.

كما أنه ومسايرة لروح التجارة التي وضعت لأجل ضمان السرعة والثقة في المعاملات التجارية والاستثمارية، فإنه لا يتعين أخذ فرضية ورود الائتمان الإيجاري العقاري على عقار محفظ على إطلاقها، وذلك بسبب ما تتسم به مسطرة التحفيظ من تعقيد وبطء الأمر الذي يدفعنا إلى القول بأنه يكفي أن يكون العقار المؤجر محل تسجيل لدى المحافظة العقارية مادامت الحقوق المسجلة بالسجلات العقارية تخول الإطلاع عليها لكل من يريد التعرف على حقيقة وحالة العقار من الجهتين المادية والقانونية.

ومن تم إذا كان العقار المؤجر محفظا فإن شركة التمويل تقوم بإدراج قيد عقد الائتمان الإيجاري العقاري في الرسم العقاري الممسوك من طرف المحافظة العقارية مع الإشارة إلى رقمه في ذلك الرسم، أما إذا تعلق  الأمر بعقار غير محفظ فإنه يتعين إتمام عملية التسجيل وترسيمه لأجل قيد عقد الائتمان الإيجاري الوارد عليه.

بالنظر للوظيفتين الكرائية والائتمانية لعقد الإئتمان الإيجاري العقاري باعتباره وسيلة تمويل عينية تهدف تحقيق مشروع استثماري إنتاجي فإن المشرع ألزم بإشهاره لدى المحافظة العقارية بمقتضى المادة 441 من م ت. والغاية من ذلك حماية الأغيار من الانخداع بالحالة الظاهرة للمكتري التي قد تعطي صورة خاطئة حول ملاءمة ذمته المالية والحقوق المخولة له على العقار المؤجر فالهدف الأساسي كما أكدت ذلك الفقرة الأولى من المادة 463 من م ت يتمثل في التعرف على الأطراف وعلى الأموال موضوع تلك العمليات.

مقال قد يهمك :   رشيد المسعودي: المذاهب التفسيرية للنصوص الجبائية

والشهر لا ينصب فقط على عقد الائتمان الإيجاري العقاري بل يمس كل التعديلات اللاحقة به وفقا للمادة 441 من م ت.

المبحث الثاني: آثار عقد الائتمان الإيجاري

في هذا المبحث سوف نتناول التزامات طرفي العقد الائتمان الايجاري (مطلب الأول) بينما نتطرق لانقضائه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: التزامات طرفي عقد الائتمان الإيجاري

بحسب القانون المغربي فإن عقد الائتمان الإيجاري هو عقد كراء مقرون بوعد بالبيع من جانب واحد وهو المكري، لذلك فإن التزامات طرفيه- مبدئيا- هي نفس التزامات المكتري ( الفقرة الاولى) والمكري في عقد الكراء العادي[14](الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى: التزامات المكتري

بالرجوع إلى القواعد العامة لعقد الكراء يتبين في الفصل 663 من ق ل ع أن المكتري يلتزم بدفع أجرة الكراء بالإضافة إلى المحافظة على الشيء المكترى واستعماله وفقا لما أعد له.

* أداء الأجرة المستحقة:

إن المكتري يلتزم في مواجهة شركة الائتمان بأداء أقساط كرائية بشكل دوري، فهي إما أن تكون شهرية أو كل ثلاثة أو ستة أشهر، وإن كان العمل في المغرب أن يكون الأداء بأقساط شهرية يستحق أول قسط منها عند التسليم والثاني عند نهاية أول شهر كراء.

فعلى عكس الأجرة في الكراء العادي الذي تعتبر مقابل انتفاع المكتري بالعين المكتراة فإنه في عقد الائتمان الإيجاري تعتبر الأجرة مقابلا يغطي النفقات العامة والمالية لمؤسسة الائتمان الإيجاري بالإضافة إلى شمولها لهامش الربح[15].

ولا يخضع تحديد هامش الربح لأي نص تشريعي بل يترك لإرادة الأطراف دون أية مراقبة، مما يؤكد انعدام التوازن العقدي في الائتمان الإيجاري حيث يعمل المكري على تحديد هوامش فائدة تخدم مصالحه المالية وتمكنه من استرجاع رأسماله المستثمر بالدرجة الأولى.

وبالرجوع إلى مقتضيات مدونة التجارة نجد أنها قد استبعدت إخضاع عقود الائتمان الإيجاري للظهير المتعلق بالمراجعة الدورية للسومة الكرائية ذلك أن كل مراجعة للمستحقات الواجبة الأداء فيها مساس بالطابع المالي لعقد الائتمان الإيجاري[16].

ولأجل استخلاص مبالغ الكراء فإن المكتري يقوم بسحب كمبيالات بكل الأقساط وقت إبرام العقد لفائدة المكري ويتم اقتطاع مبالغها من الحساب البنكي للمكتري.

ولكي تضمن مؤسسة الائتمان حصولها على الأقساط الكرائية غالبا ما تطلب من المكتري تقديم ضمانات عينية كرهن الأصول العقارية التي يمتلكها أو ضمانات شخصية وغالبا ما يكون هذا الكفيل مديرا عاما أو عضوا بمجلس الإدارة إذا كان المكتري شركة مساهمة[17].

وقد حاول القضاء المغربي تحديد مجال هذه الكفالة بحيث جعلها تشمل الوفاء بالأجرة إلى جانب الفوائد التعاقدية والتأخيرية[18].

بالإضافة إلى إبرام عقد تأمين على حياته يمكنها من استرداد قيمة رأس المال المستثمر، وذلك راجع للاعتبار الشخصي المميز لعقد الائتمان الإيجاري عن الكراء العادي الذي تستمر فيه العلاقة الكرائية ما بين المكري وورثة المكتري، حيث لا يترتب عن وفاة هذا الأخير فسخ العقد على عكس العقد الأول ذو الطابع المالي القائم على كونه ائتمان لا يتم منحه إلى بعد قبول ملف المستفيد[19].

* المحافظة على الشيء المؤجر

يلتزم المكتري بالمحافظة على الشيء المكترى عن طريق استعماله بدون إفراط أو إساءة وفقا لما أعد له بصورة طبيعية أو كما خصص له بمقتضى العقد عموما، ببذل العناية التي يبذلها الشخص العادي إذا ما وضع في نفس ظروف المستفيد.

وهذا التوجه كرسته محكمة النقض الفرنسية التي أقرت بأنه:” يلتزم المكتري أثناء انتفاعه بالمال المكترى بالمحافظة عليه كما لو كان في ملكه الخاص وباستعماله فيما أعد له بدون إفراط”[20].

ولا يمكن للمكتري أن يقوم بأي تنازل عن حق الانتفاع بالشيء  المكترى إلا بوجود بند يجيزه وبالتالي فإن كل تنازل عنه من طرف المكتري ككرائه من الباطن دون ترخيص من المكري، يقع باطلا ومبطلا لعقد الائتمان الإيجاري فالمكري يحق له طلب فسخ العقد والمطالبة قضائيا بتعويض عن الضرر الذي لحقه[21].

والمكتري ملزم من ناحية أخرى بتحمل جميع المصاريف الضرورية لاستعمال وصيانة المعدات وذلك خروجا على مقتضيات الفصل 638 من ق ل ع الذي يجعل هذه المصاريف على عاتق المكري وذلك راجع بالأساس إلى كون المشرع المغربي لم ينظم القواعد الموضوعية لهذا النوع من العقود التجارية وإنما ترك ذلك لإرادة الأطراف طبق القاعدة ” العقد شريعة المتعاقدين”، الشيء الذي يجعل شركات الائتمان الإيجاري إلى إدراج بنود التي على عاتق المكتري تحمل جميع نفقات الصيانة والإصلاح، وإذا ما ترتب عن هذه الصيانة إضافة قطع فإنها تصير بحكم القانون في ملك المكري دون تخويله (المكتري) الحق في المطالبة بتخفيض الأجرة أو فسخ العقد في حالة عدم استعمل العقار لأي سبب كان بما في ذلك القوة القاهرة[22].

وتجب الإشارة إلى أن الالتزام بالصيانة الملقى على عاتق المكتري يجد تبريره في اكتساب هذا الأخير لملكية العقار أو المنقول المؤجر بإعماله لخيار الشراء الممنوح له بمقتضى عقد الائتمان الإيجاري، ومن تم ليس هناك ما يمنع من تحمله تبعات الملكية منذ بداية انتفاعه بالأصل[23]، في حين نجد أن الكراء العادي لا يرد إلا على منفعة المال المكتري مع ضمان عودته إلى المكري عند حلول أجل العقد[24].

ومن الناحية أخرى فالمكتري ملزم بالتأمين على الشيء المكتري من الأضرار التي قد تصيب الغير طبقا لمسؤولية حارس الشيء المنصوص عليها في الفصل 88 من ق ل ع وتأمينه عن الأضرار التي قد تلحق بالمال نفسه- لذلك فإن جميع العقود تنص على ضرورة إبرام المكتري لعقد تأمين لدى شركات التأمين الذي يحددها المكري والتي تغطي مسؤوليته المدنية، بالإضافة إلى تأمين آخر يغطي جميع المخاطر التي قد تلحق المال المكتري سواء كان الهلاك كلي أو جزئي.

ففي حالة الهلاك الجزئي يجب على المكتري إما إصلاح المعدات أو العمل على استبدالها وفق اختيار المكتري أو إعادة الأصل إلى الحالة التي كان عليها قبل حدوث الضرر وعلى ضوء ذلك تقوم الشركة بتمكين المستفيد من المبالغ التي توصلت بها من شركة التأمين، وفي حالة عدم كفاية هذه المبالغ فإن المكتري هو الذي يتحمل الفرق.

أما في حالة الهلاك الكلي، فيكون للمكري الخيار بين استبدال المعدات بأخرى مماثلة لها على نفقته ويستمر بالتالي العقد بنفس الشروط، وإما بفسخ العقد مقابل  أداء المكتري لمبلغ يساوي قيمة الأكرية المتبقاة إلى نهاية العقد، على أن يصبح مالك لحظة المعدات[25].

الفقرة الثانية: التزامات المكري

 * تمكين المكتري من الانتفاع

يلتزم المكري في مقابل حق الملكية الذي يحتفظ به طيلة مدة العقد بتمكين المكتري من الانتفاع بالشيء محل العقد الذي يزول بوفاته (الاعتبار الشخصي) أو بانقضاء مدة العقد دون إعماله لخيار الشراء الممنوح له.

وبالرجوع إلى القواعد العامة المتعلقة بعقد الكراء نجد أن الالتزام بضمان الانتفاع بالمال المؤجر للمستفيد تتفرع عنه مجموعة من الالتزامات الأخرى تتمثل في الالتزامات بالتسليم الالتزام بالضمان والالتزام بالصيانة.

فيما يخص الالتزام بالتسليم لا نجد له محلا لإعماله في عقد الائتمان الإيجاري وذلك لعدم توفر المكري على الحيازة المادية للمال المؤجر مما  لا يتصور معه إثارة مسؤولية المكري بسبب إخلاله بالالتزام التسليم، لذلك نجد أن عقود الائتمان الإيجاري ينص على أن التسليم يقع على عاتق البائع، بحيث يسلم هذا الأخير المنقول أو العقار مباشرة للمستفيد بالرغم من عدم وجود علاقة قانونية مباشرة بينهما.

وهذا التسليم المباشر تبرره مصلحة جميع الأطراف إذ بدل أن يتم تسليم المنقول من البائع إلى المشتري ثم منه إلى المكتري – مع ما في ذلك من ضياع الوقت- فإنه يتسلمه مباشرة من البائع ومن تم يتأتى له التأكد من مطابقة التجهيزات لورقة الطلب[26].

فشركة الائتمان الإيجاري غالبا ما توكل المستفيد تسلم المحل من البائع ذلك بعد تحديد محضر الاستلام التي تثبت فيه حالة العقار وما يشمله من عيوب إن وجدت[27].

أما بخصوص الالتزامات بالضمان فنجد على أن الأحكام العامة الواردة في قانون الالتزامات والعقود تلزم المكري بضمان خلو المال المكترى من العيوب ومن الشوائب التي تحول دون استعماله، طالما القواعد المنظمة للكراء تعتبر قواعده مكملة وليست آمرة[28]، فالعقود النموذجي للائتمان الإيجاري تتضمن مجموعة من البنود تمنع المكتري من الرجوع على المكري بالضمان خاصة ضمان العيوب الخفية فهذا الإعفاء يجد تبريره في كون المكري لا يتوفر على الحيازة المادية للشيء المكترى الذي يتسلمه المستأجر مباشرة من البائع ومن تم يلتزم هذا الأخير بفحصه والتأكد من مدى مطابقة الشيء للشروط  التي حددها في طلب الائتمان والإشارة لذلك في محضر الاستلام[29].

ولإقرار التوازن بين أطراف عقد الائتمان الإيجاري فإنه لا يتم إعمال شروط الإعفاء من الضمان على إطلاقها بل هي مقيدة بمجموعة من الشروط فهذا الإعفاء إما أن يتم على أساس نظرية الوكالة أو الإنابة أو الاشتراط لمصلحة الغير أو حوالة الحق[30].

* الالتزام بنقل ملكية الشيء إلى المكتري

يتميز عقد الائتمان الإيجاري عن الكراء العادي بتضمنه لوعد بالبيع ملقى على عاتق المكري الذي يلتزم بنقل ملكية المال المؤجر كلا أو جزءا للمكتري كلما عبر هذا الأخير عن رغبته في ذلك شريطة أداءه لكافة أقساط الأجرة المستحقة[31].

وبالرجوع لتعريف الائتمان الإيجاري العقاري الوارد في المادة 431 من م ت نجد أن المشرع المغربي استعمل عبارة”… على أبعد تقدير عن انصرام أجل الكراء ونفس العبارة تقريبا استعملها قانون مؤسسات الائتمان والمؤسسات المشابهة لها في الفقرة الثانية من المادة 4 “عند انتهاء عقد الإيجار كأقصى أجل”، مما يستفاد منه أن المكتري يحق له التعبير عن إرادته في امتلاك العقار كلا أو جزءا قبل انصرام أجل العقد، وما دام الهدف الأساسي للمكري هو استرداد رأس المال المستثمر فإنه لن يمتنع عن الاستجابة لرغبة المكتري بحجة عدم حلول أجل العقد.

مقال قد يهمك :   Siham Belmahi : L’impact des interventions des juridictions financières sur la gestion publique

وكل ما يشترطه هو استخلاص كافة أقساط الأجرة المستحقة على المدة المتبقية من العقد أي المدة الفاصلة بين تاريخ تعبير المستفيد عن رغبته في إعمال خيار الشراء الممنوح له وبين أجل العقد[32].

المطلب الثاني: انقضاء عقد الائتمان الإيجاري

سنتطرف في هذا المطلب إلى انقضاء العقد الائتمان الايجاري بنهاية مدته (الفقرة الاولى) ثم انهائه قبل المدة المتفق عليها( الفقرة الثانية).

 الفقرة الاولى: انقضاء العقد بنهاية مدته

عند انتهاء مدة عقد الائتمان الإيجاري فإن المكتري تكون أمامه ثلاث اختيارات وهي إما رفع خيار الشراء او إعادة الاستئجار أو إرجاع الأشياء المكتراه لمالكها .

1- رفع خيار الشراء

إن أهم خصائص عقد الائتمان الإيجاري والتي تميزه عن عقد الكراء العادي، كما سبق ذكره- أن يكون مشفوعا بوعد من جانب  المكري بالبيع في نهاية مدة العقد وهكذا يكون للمكتري أن يرفع خيار الشراء وتنتقل بالتالي إليه ملكية الأشياء المؤجرة وحسب بعض نماذج عقود الائتمان الإيجاري فإنه على المكتري الراغب في إعمال خيار الشراء أن يعلم المكري بذلك برسالة مضمونة مع  الإشعار بالتوصل شهرين قبل انتهاء المدة وأن يؤدي القيمة المتفق عليها وأن يكون قد نفذ بشكل كامل الالتزامات الملقاة عليه[33].

وحسب الفقرة الثانية من المادة 431 من م ت فإن للمكتري أن يتملك كل أو بعض السلع المكتراه إذ يكون له تملك بعضها فقط في الحالة التي يرد فيها العقد على أكثر من مال مؤجر[34]، كما لو ورد على مجموعة من الشاحنات مثلا، فإن أجاز ( أي العقد) ذلك أمكن أن يقع التملك على بعض الآلات دون البعض الآخر، وأما في حالة سكوت العقد، فلا يكون أمام المكتري إلا إعمال خيار الشراء على جميع الآلات التي أوردها.

2- إرجاع الأشياء المستأجرة

إذا لم يرغب المكتري في إعمال خيار الشراء فإنه يكون ملزما بإرجاع الأشياء المكتراه عند نهاية المدة الأولى من الكراء غير القابلة للتغيير إلى مؤسسة الائتمان في حالة صيانة جيدة واستخدام عادي، أما إذا تبين بأنها في وضعية سيئة نتيجة الإفراط في الاستخدام الذي يتجاوز الحد الطبيعي، فإن المكتري قد يعرض نفسه لأداء التعويض بعد معاينة الأضرار من قبل خبير ويتحمل المكتري مصاريف الإرجاع وفي حالة احتفاظه بالأشياء رغم انتهاء مدة العقد، فإنه يمكن إجباره على ذلك باللجوء إلى القضاء الاستعجالي[35]، ولاشك أن خيار الإرجاع هو الخيار الأكثر سوءا بالنسبة للطرفين معا:

فبالنسبة للمكتري: فإن مصاريف الإرجاع وما قد يطالب به من تعويض من جراء الاستخدام المفرط للآلات سيتجاوز بكثير القيمة التي يحددها العقد من أجل إعمال خيار الشراء مما تكون معه فائدته ومصلحته في إعمال خيار التملك، اللهم إذا كانت التجهيزات قد تجاوزت من الناحية التكنولوجية، أنها أصبحت غير مناسبة للاستجابة للحاجيات المتزايدة للمستفيد، ففي هذه الحالة يكون تملكها غير ذي فائدة له[36].

أما بالنسبة للمكري: فإن الإرجاع يؤدي إلى تحملها التزما يتنافى مع طبيعة نشاطها ذلك أنها مؤسسة تمويل وليس مقاولة كراء وبالتالي فإن الإرجاع يشكل لها عبئا إضافيا يتعين معه عليها التوفر على محلات للتخزين والبحث عن مكتري أو مشتريين للأشياء التي تم إرجاعها لذلك فإن مصلحتها في إعمال المكتري لخيار التملك[37].

3- تجديد عقد الكراء

إن الخيار الثالث الذي يكون أمام المستأجر في نهاية مدة الكراء، الأولى هو إعادة استئجار التجهيزات لمدة ثانية، وبحسب المادة 439 من م ت فإن عقود الائتمان الإيجاري تنص تحت طائلة البطلان على شروط التجديد بطلب من المكتري وبحسب نموذج عقد الشركة الدولية للقرض الإيجاري فإن الأقساط تتحول إلى أقسام سنوية كما أنها تصبح منخفضة جدا بالمقارنة مع تلك التي يتم تحديدها عن الفترة الأولى ويكون للمكتري كذلك في نهاية المدة رفع خيار الشراء مقابل دفع مبلغ زهيد جدا ورمزي قد لا يتعدى 10 دراهم[38] .

الفقرة الثانية: إنهاء العقد قبل انتهاء المدة المتفق عليها

1- بناء على طلب من مؤسسة الائتمان الإيجاري

يتضمن عقد الائتمان الإيجاري غالبا شرطا يخول لمؤسسة الائتمان الإيجاري حق فسخ العقد في حالة إخلال المستفيد بتنفيذ الالتزامات المتفق عليها في العقد بما فيها الشروط العامة والخاصة، التي يصبح فيها هذا الأخير يشكل خطر عليها، كخضوع المستفيد للتسوية أو التصفية، أو توقفه عن مزاولة نشاطه أو في حالة تناقص الضمانات التي سبق له أن قدمها لمؤسسة الائتمان وكذا في حالة عدم أداءه للكراء ولو لقسط واحد من أقساط الكراء.

2- بناء على طلب من المستفيد

إذ يحق للمستفيد طلب فسخ العقد بسبب إخلال الشركة مقدمة الائتمان الإيجاري بالتزاماتها التعاقدية كعدم إبرام عقد البيع، وهذا ما يخوله حق المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه إلا أن مؤسسة الائتمان غالبا ما تقيد هذا الحق بمجموعة من الشروط كاشتراط مرور مدة زمنية معنية على إبرام العقد، وتلزمه بإشعارها خلال الأجل المتفق عليه في العقد أو تفرض عليه أن يقدم مستفيدا جديدا يحل محله في كل الالتزامات بالإضافة إلى إلزامه على الاستمرار على أداء الكراء المستحق إلى حين إبرام الشركة الائتمان العقد مع المستفيد الجديد الذي حل محل القديم وما يلاحظ أن استعمال المستفيد لهذا الحق يكاد يستحيل عليه لكثرة هذه الشروط المعرقلة لتنفيذ هذا الاختيار، الشيء الذي يدفع به إلى إنهاء العقد بعدم أداء الكراء الذي يدفع بالمؤسسة إلى طلب فسخ العقد[39].

الخاتمة:

خلاصة القول فإن تدخل  المشرع من جديد لتنظيم عقد الائتمان الإيجاري بغية تحقيق التوازن العقدي، وإعمال القواعد الخاصة لحماية المكتري، المقصود منه هو تفعيل دور القضاء في التخفيف من حدة الشروط التعسفية في هذا النوع من العقود، إذ أن لهذا الأخير دورا فعالا في خلق التوازن العقدي الذي نبحث عنه من خلال موضوعنا هذا.


الهوامش:

[1] – Marie – Laure Bermond”, droit du crédit” 3 édition , p 79 -80.

[2] – عبد الرحمان قريقس، ” الائتمان الإيجاري” ، مقال منشور بمجلة المحامين، ص2.

[3] – حنان بلكو” الائتمان الإيجاري العقاري بين الوظيفتين الكرائية والائتمانية ” شعبة القانون الخاص، ماستر قانون الأعمال والمقاولات لسنة 2007/2008، ص1.

[4] – محمد كشبور الائتمان الإيجاري، مجلة المحامون العدد 6 سنة 1998 أسفي ، ص: 16و 169.

[5] – عبد المومن الحريزي، “وضعية عقد الائتمان الإيجاري في إطار نظام صعوبات المقاولة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص وحدة قانون الأعمال والمقاولات السنة الجامعية 2012، ص5.

[6]– جميلة جوالي” الائتمان الإيجاري للمنقول بالمغرب”، رسالة لنيلك دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص جامعة محمد الخامس، أكدال الرباط السنة 1998-1999، ص8-9.

[7] – محمد كشبور، ” الائتمان الإيجاري “، مجلة المحامين، العدد6 سنة 1998، آسفي، 4-5.

[8] – محمد كشبور، ” الائتمان الإيجاري “، مرجع سابق، ص5.

[9] – الندوة الرابعة للعمل القضائي والبنكي مساهمة المجموعة المهنية لبنوك المغرب، سلسلة الندوات والأيام الدراسية الطبعة الأولى: يناير 2004، ص371.

[10] – الدكتور أحمد يوسف البرقي، مراحل الإشهار وآثاره في القانون التجاري المغربي، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع 1989، ص401.

[11] – أحمد أدريوش، التمويل بالكراء: المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد ، العدد 35 عدد خاص، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 1997، ص87.

[12] – زينب التاغي، عقد الائتمان الكرائي من خلال مدونة التجارة ، آثار الائتمان الإيجاري، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، العدد 11 وجدة، 1999، ص43.

[13] – حنان بلكو، مرجع سابق ص53.

[14] – عقد الائتمان الإيجاري للمنقول في القانون المغربي، الندوة الرابعة للعمل القضائي والبنكي، ص374.

[15] – حنان بلكو، الائتمان الإيجاري العقاري بين الوظيفتين الكرائية والائتمانية، ص75.

[16] – حنان بلكو، الائتمان الإيجاري العقاري، مرجع سابق، ص76.

[17] – محمد هاني دويدار، النظام القانوني للـتأجير التمويلي، المرجع السابق، ص399 وما بعدها.

[18] – المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء أنفا، حكم عدد 1983 الصادر بتاريخ 15/04/1998، ملف تجاري رقم 341/97.

[19] – حنان بلكو، الائتمان الإيجاري العقاري، مرجع سابق، ص79.

[20] – Cour de Cassation Française, arrêt civil, 1er octobre 1964.

– قرار وارد في مقال جلال الفرجاوي، ص91.

[21] -cour d’appel de Lyon 31 Janvier 1980 , Juris – Data , N° 00153.Noté par E.M Beg .crédit – bail immobilier, régime légal p13-14.

[22] – حنان بلكو، الائتمان الإيجاري العقاري، المرجع السابق، ص86.

[23] – محمد هاني دويدار، المرجع السابق، ص412 وما بعدها.

[24] – فجوى إبراهيم البدالي، المرجع السابق، ص334.

[25] – عقد الائتمان الإيجاري على المنقول في القانون المغربي الندوة الرابعة للعمل القضائي والبنكي ، ص 381

[26] – عقد الائتمان الإيجاري على المنقول في القانون المغربي الندوة الرابعة للعمل القضائي والبنكي ، المرجع السابق، ص 374.

[27] – نجوى إبراهيم البدالي، المرجع السابق، ص311.

[28] – حسام الدين عبد  الغني الصغير، الإيجار التمويلي، دار النهضة العربية القاهرة، 1994، ص35.

[29] – حنان بلكو، المرجع السابق، ص92-93.

[30] – راجع بهذا الخصوص، عقد الائتمان الإيجاري للمنقول، الندوة الرابعة للعمل القضائي والبنكي، ص376 و377.

[31] – حنان بلكو، المرجع السابق، ص98.

[32] – حنان بلكو، المرجع السابق، ص99.

[33] – عقد الائتمان الإيجاري للمنقول في القانون المغربي، المرجع السابق، ص382.

[34] – محمد هاني ديويدار، المرجع السابق، ص41 وما يليها.

[35] – عقد الائتمان الإيجاري، مرجع سابق، ص383.

[36] – Mohamed Ali Mekour , op cit , p74.

[37] – عقد الائتمان الإيجاري، مرجع سابق، ص384.

[38] – Note par Mohamed Ali Mekour , op cit , p74.

[39] – ما تجدر الإشارة إليه هو أنه إذا ما تم فسخ عقد البيع يؤدي بشكل تلقائي إلى فسخ عقد الائتمان الإيجاري.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)