إحصائيات رئاسة النيابة العامة بخصوص خرق حالة الطوارئ الصحية ونشر الأخبار الزائفة

فراجي تعتبر تصريحات طبيب فرنسي اعترافا بارتكاب جرائم سابقة ضد الإنسانية

سليمة فراجي: هل يفرض فيروس كورونا أنسنة العولمة ؟

2 أبريل 2020 - 8:14 م في الواجهة , وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-

سليمة فراجي ـ محامية ـ نائبة برلمانية سابقة

بقدر ما كان لانفجار الثقافة الرقمية ، بإيجابياتها العلمية المعرفية ، وسلبياتها المتمثلة في فرض هيمنة قيم الدول العظمى ، أثرٌ على مساراتنا في غياب أنسنة العولمة ، بقدر ما ابتعدنا عن القيم الإنسانية المبنية على التعاطف والتضامن والتآزر ، واعتبار الإنسان جزء من كرة ارضية، أصبحت تئن وتتألم تحت وطأة تغول الرأسمالية المتوحشة من جهة ،و من وضع كارثي للمناخ بسبب الاحتباس الحراري الذي كانت نتيجته انقراض 50 في المائة من الحياة الحيوانية في غضون أربعين سنة ، بسبب اتلاف الغابات وتخريب البيئة وتدمير المَواطن و المساكن الطبيعية للمخلوقات الحية , كما ان ذوبان الثلوج والجليد الناتج عن الارتفاع الحراري ادى و سيؤدي حتما الى ارتفاع مستوى سطح البحار ويهدد بإغراق مدن كبرى مثل لندن وأمستردام ، مع كوارث الأعاصير والعواصف والفيضانات ، وتصحر عدة مناطق مع تأثر الفلاحة بهذه العوامل.

وقد أكدت منظمة الصحة العالمية في وقت سابق، بأن التغيرات المناخية كان لها وقع وتأثير على صحة الإنسانية اذ تتسبب في الوفيات والأوبئة ، وتم تقدير الوفيات بسبب الارتفاع الحراري بنسبة أزيد من 150000سنويا ليتضاعف العدد سنة 2030 ، مع انتشار الأوبئة المعدية الناتجة عن موجات الحرارة والفيضانات والجفاف . لذلك اذا كانت الإنسانية جمعاء تواجه فيروسا فتاكًا ، كوفيد 19 ، والذي يعتبر اكبر أزمة على المستوى العالمي يهدد حياة حوالي ثمانية مليار شخصا ،ويوحي بالدمار والموت الجماعي لفئات عريضة من مختلف المجتمعات دون تمييز بين الغني والفقير ، المتفوق والمنهزم ، بين هذه المنطقة التي ترفل في الرفاهية والثراء ، وتسعى بل تتصارع من اجل قيادة العالم ، دون ادنى اعتبار للقيمة الإنسانية ، وأخرى منبهرة بتكنولوجيا الدول المتقدمة وتكتفي بالاستهلاك والتأقلم ، بغض النظر عن التداعيات الاقتصادية والأزمات المالية ، فان الثابت انه بعد القضاء على الوباء لن يكون العالم كما كان عليه.

مقال قد يهمك :   سابقة: النيابة العامة بآسفي تقبل ملتمسا للبت في قضية قتل 40 قطًا حرقًا

اذ قد تكون التداعيات المحتملة مغيِّرةللنظام العالمي وتوازن القوى لا محالة ، الم نستمع كيف احتجت إيطاليا على دول من الاتحاد الأوروبي لإحساسها بالغربة والخذلان امام عجز الاتحاد عن حماية المواطنين ؟ الم نلاحظ كيف تعامل بعض مسؤولي دول عظمى في بداية انتشار الوباء مع أسمى حق للإنسان وهو الحق في الحياة ،اذ انتصروا لنظرية مناعة القطيع التي توحي بالتضحية بشريحة من المواطنين مع إعطاء الأولوية لعالم المال والأعمال وإنقاذ الاقتصاد ؟ الم يسد الخوف والهلع وانعدام الأمن سواء تعلق الأمر بالدول المهيمنة التي فرضت شروط وقيم العولمة ، أو تلك الموقعة على عقود إذعان لفائدة الأقوياء ؟الم تنقلب الآية لتصبح قوارب الموت تنقل من كان يحلم بالعيش في أوروبامن اجل العودة الى حضن الوطن الأم ؟ الم يدرك العالم في السنوات الأخيرة ، أمام خطر الإرهاب ان تظافر الجهود عالميا اصبح أمرا ضروريا فانتقل التشريع من القومية الى العالمية ؟ لذلك فان مرحلة مابعد الوباء الذي لم يفرق بين الدول، سواء منها الرائدة في مجال التقدم والازدهار، أو الأخرى التي تجسد التقهقر والانحدار ، ستكون حبلى بالعديد من التوجهات والإرهاصات ، إذ بات من الضروري ان ينتصر العالم لأنسنة العولمة لتكون في خدمة الإنسان لا مدمرة للإنسانية ، حتى لا يصبح الإنسان هو المخرب للطبيعة والمناخ ،وقد أظهرت فترة الحجر في الدول المصنعة صفاء الأجواء وعذوبة المياه ، ونقاء الفضاءات ، في غياب التلوث صنيع البشرية ، هل سيستمر الأقوياء ومهما اختلفت الايديولوجيات والأديان في سحق الشعوب وابادة البشرية بسبب حروب استنزفت ما بقي من إرادة تسلح بها دعاة السلام ؟هل نستمر في مشاهدة الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية على شاشاتنا ومختلف مواقع التواصل في التفنن في أشكال تعذيب بني جلدتنا دون أي تأثر أو رد فعل وكأن الأمر فرضه منطق القوي والضعيف ؟.

بات لزامًا اعادة النظر في حق الإنسان في العيش الكريم في وطنه و إعطاء قيمة وأولوية للعنصر البشري و لمجالات الصحة وقطاع التعليم ،وإعادة هيبة الدولة والاعتماد على المنتوج المحلي وإعطاء الأولوية للمستشفيات بدل المهرجانات.

وإدراك واقع يعيد الى طاولة النقاش لهفة وجشع وتسرع الفاعلين الماليين الى تحقيق الربح والغنى الفاحش والذي أبان الوباء في مختلف دول العالم انه السبب في انعدام المساواة وحرمان شريحة من البشرية في حقها في الاستفادة من العلاج والسكن والتعلم والتثقيف ، بل ان تجربة الوباء العالمي أظهرت محدودية وفشل النيوليبرالية التي سجلت عدة كوارث وانهيارات مالية وكوارث بيئية ، بسبب شركات متعددة الجنسيات مؤمنة فقط بالدور المتعاظم للسوق و لا يهمها الإنسان ومصيره بقدر ما يهمها الربح الفاحش كالاستفادة بعمالة بأقل تكلفة في دول مسحوقة وتهرب ضريبي ، الشيء الذي ادى الى تدهور مستوى الصحة العامة والمستوى المعرفي ، مع استلاب بين وشعور متناقض حول الهوية والقيم الكونية والاستسلام للإحباط والدونية والتنكر للوطن والغربة والتوحد الناجم عن تطور التكنولوجيا الذي جعل التفاعل الإنساني شبه منعدم ليحل محله عالم افتراضي فرض إدمانه على جميع الشرائح .

مقال قد يهمك :   الدليل العملي لملاءمة المواقع الإلكترونية مع القانون المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي

لكن يبدو ان تجربة الوباء أبانت كذلك عن تضامن وتآزر بين الدول والشعوب وبالتالي فان السؤال المطروح ألا يمكن ان يستمر هذا التضامن والتآزر الكوني ، في إطار عولمة منتصرة للإنسان ؟ لقد أبان الحجر الصحي في المغرب عن مدى أهمية العلاقات الإنسانية ومدى حب الإنسان لاخيه الإنسان وعن التزام ومسؤولية وحزم اصحاب القرار ، أبان عن تضحيات وأمثلة للإيثار والتضامن والمساندة والاستماتة من اجل زرع الأمل ، أزاح النقاب عن مجتمع واع بالخطر المحدق ، ومصمم على القيام بالدور التاريخي المنوط به بعيدا عن التفاهة التي سيطرت على المشهد السياسي والمجتمعي في السنوات الأخيرة ، والسؤال المطروح وفي خضم التساؤلات المطروحة عن تداعيات مرحلة ما بعد الوباء وطرق مواجهته ، هل سيستمر الافتتان بالدولة البوصلة ، أم ان مصداقية الدول العظمى أصبحت محل نقاش وأصبح خطر الانهيار يهدد المنتصر والمنهزم ؟ في خضم ذلك كله ألم يحن زمن صحوة بلداننا لاسترجاع الهمم والثقة في أنفسنا ؟

تعليقات الزوار ( 3 )

  1. مقال رائع فعلا حان الوقت للدول العربية أن تتعلم الدرس الذي خلفته جائحة كورونا لتحقق الاكتفاء الذاتي بنفسها ولنفسها ، وأن تتخلى عن الاتكالية والنظر إلى ما يصنعه وينتجه الغير ، بلداننا العربية من أجمل الأوطان حباها الله تعالى بثروات طبيعية لا تقدر بثمن لماذا نتركها هباءا منثورا ونتجه إلى الغير
    البداية لابد أن تكون لقطاع الصحة والتعليم لأن العلم هو أساس نهضة الأمم ، لا بد أن تنهض الطاقات الشابة من سباتها لتبني أوطانها ، ولا بد على الدولة أن تكون السند والداعم لذلك .

  2. مقال رائع : فعلا حان الوقت للدول العربية أن تتعلم الدرس الذي خلفته جائحة كورونا لتحقق الاكتفاء الذاتي بنفسها ولنفسها ، وأن تتخلى عن الاتكالية والنظر إلى ما يصنعه وينتجه الغير ، بلداننا العربية من أجمل الأوطان حباها الله تعالى بثروات طبيعية لا تقدر بثمن لماذا نتركها هباءا منثورا ونتجه إلى الغير
    البداية لابد أن تكون لقطاع الصحة والتعليم لأن العلم هو أساس نهضة الأمم ، لا بد أن تنهض الطاقات الشابة من سباتها لتبني أوطانها ، ولا بد على الدولة أن تكون السند والداعم لذلك .

  3. السلام عليكم ورحمة الله في البداية أود أن أشيد بالنقاط المهمة التي تطرقت إليها استاذة سليمة.
    صراحة أثراني عنوان المقال ولم يخب ظني بالمضمون. تحليلك يعكس أفكارك المستنيرة وهذا صراحة يثلج الصدر. وجود أفكار مثل هذه تغذي بلادنا نرجوا أن نرى هذه النقاط على ارض الواقع رغم اني أستبعدها للأسف والمطلع على واقع بلادنا لا يمكن أن يغفل هذه الإستحالة
    هناك إشارة بسيطة أظن أنك لم تنتبهي لها وهي مصطلح الأديان الذي أوردته في مقالك هذا مصطلح دخيل لا أصل له في الواقع رغم كثرة تداوله إذ أن الإقرار به إقرار بتعدد الدين وهذا خطأ فالشرائع هي المتعددة أما الدين فواحد لقوله تعالى : (إن الدين عند الله الإسلام) والسلام.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)