التكييف القانوني لحالة الطوارئ الصحية

الحجر الصحي بين الشريعة الاسلامية والقوانين الوضعية

قيمة الدعوى غير المباشرة والدعوى البوليصية في تنفيذ الالتزامات التعاقدية

5 أبريل 2020 - 11:12 م المنبر القانوني
  • حجم الخط A+A-
سعد بوجناني محام متمرن بهيئة تطوان وباحث في القانون المدني

مقدمة:

يحتاج الالتزام التعاقدي ضمانات قانونية من أجل تنفيذه، إذ كما أنه لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له، أيضا لا ينفع وجود عقد خال نهائيا في الضمانات الرامية إلى حسن تنفيذه بالطريقة المتفق عليها.

وتزداد أهمية هذا التصور في العقود ذات الأهمية الاقتصادية الكبرى، حيث يتعذر الدخول في رابطة عقدية بهذا الثقل المالي والاقتصادي إلا مع وجود ضمانات رامية إلى تنفيذ الالتزامات التعاقدية .

من هذا المنطلق، عمدت جل التشريعات المقارنة إلى تنظيم مجموعة من الدعوى من الدعاوى تصبو في جوهرها إلى ضمان إستفاء الدائن لحقه الناتج عن التزام تعاقدي.

ولعل من أبرز هذه الدعاوى؛ الدعوى غير المباشرة و الدعوى البوليصية، و تكتسي هاتان الدعوتان أهمية قصوى في موضوع ضمانات تنفيذ العقود، نظرا لدورهما الريادي في المحافظة على الذمة المالية للمدين باعتبارها تشكل الضمان العام للدائن.

 فإذا كان الأصل أن الإنسان حر في المطالبة بحقه من مدينه أو عدم مطالبة به، وحر أيضا في إبرام تصرفاته القانونية، شريطة عدم مخالفتها للقانون أو النظام العام أو الأخلاق الحميدة، وهذا يقتضي احترام الغير لها ومواجهته بها كمبدأ عام، إلا أنه أحيانا قد يستغل المدين هذا المبدأ فيضر بدائنه جراء إهماله في المطالبة بحقه، أو نتيجة معاملة فاشلة قام بها، وهو ما قد يقلص من فرصة الدائنين في حصولهم على حقهم مستقبلا، وبالتالي تأثيره على قيمة الضمان العام.

وهنا تظهر الحاجة الملحة لوجود الدعوى غير مباشرة و كذا الدعوى البوليصية من أجل صيانة الضمان العام المقرر للدائن على أموال مدينه.

وعليه، فإن هذا الموضوع يتمحور حول إشكالية رئيسة يمكن صياغتها على النحو التالي :

ما مساهمة الدعوى غير مباشرة والدعوى البوليصية في ضمان تنفيذ الالتزامات التعاقدية ؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية سنعمل على تقسيم هذا الموضوع إلى مطلبين، بحيث سنبرز في (المطلب الأول) قيمة الدعوى غير المباشرة في تنفيذ الالتزامات التعاقدية ، بينما سنعالج في (المطلب الثاني) قدرة الدعوى البوليصية في ضمان تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

المطلب الأول :قيمة الدعوى غير المباشرة في تنفيذ الالتزامات التعاقدية

لا يشك أي كان أن الغاية من إجراء الدعوى هي حماية الحقوق بشكل عام، إلا أن التشريعات المدنية خرجت عن هذا المبدأ العام، وأقرت دعوى للدائن يمارسها ضد الغير الذي لا تربطه به أي رابطة قانونية، وذلك باسم مدين هذا الدائن لمحافظة هذا الأخير على أموال مدينه التي تعتبر كما ذكرنا ضمانا لحقه، “فهذه المصلحة المشروعة هي التي تبرر نيابة الدائن عن مدينه، ففكرة المصلحة المشروعة للدائن هي التي تحدد شروط الدعوى غير المباشرة[1] (الفقرة الأولى)، وفكرة النيابة هي التي ستحدد لنا آثار هذه الدعوى (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ماهية الدعوى غير المباشرة

في هذه الفقرة، سوف نتعرض لتعريف وإبراز أهمية هذه الدعوى في ضمان تنفيذ الالتزام التعاقدي (أولا)، ثم ننتقل إلى بيان الشروط الواجب توفرها لممارسة هذه الدعوى (ثانيا).

أولا: مفهوم الدعوى غير المباشرة

“لقد أرق إعطاء تعريف دقيق لمفهوم الدعوى غير المباشرة العديد الدارسين و الباحثين ، لذا حاولنا جاهدين الاعتماد على أبرز التعاريف لكبار فقهاء الشريعة العامة للقانون المدني لهذه الدعوى”،  والدعوى غير المباشرة هي وسيلة قضائية، رخص بموجبها القانون للدائن أن ينوب عن مدينه في مباشرة حقوقه التي أهمل المطالبة بها، إذا كان من شأن هذا الإهمال أن يلحق الضرر بالدائن[2]، وهذه الدعوى ليست بدعوى معينة منفردة يمارسها الدائن بل هي في الأصل دعوى من دعاوى المدين فيعمل هذا الدائن فقط على ممارستها باسم مدينه، ومجال هذه الدعوى يشمل جميع تصرفات المدين المهمل التي يجد الدائن مصلحة له في إقامة الدعوى للحفاظ عليها[3].

وقد عرفها جانب من  الفقه بأنها: دعوى يرفعها الدائن باسم مدينه للمطالبة بحق له في ذمة الغير، إذا كان إهمال المدين في المطالبة به مؤديا إلى إعساره أو زيادة إعساره ليدخل هذا الحق في ذمة المدين، ويبقى ضمانا لحقه أو لينفذ عليه به[4]، كأن يرفع دائن البائع دعوى المشتري يطلب فيها باسم مدينه البائع إلزام المشتري أن يدفع الثمن أو باقي الثمن، أو يطلب فسخ عقد البيع لعدم وفاء المشتري بالثمن.

لذا، يمكن القول إن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها هذه الدعوى هي وجود مصلحة للدائن للمحافظة على حقوقه المالية من خلال المحافظة على الضمان العام الذي يتأثر بإهمال المدين في المطالبة بحقوقه، وتعد الأداة الفنية لتحقيق هذا الهدف من خلال فكرة النيابة القانونية[5]. ولهذا، فإن الدعوى غير المباشرة تستخدم من الدائن أو الدائنين للتغلب على موقف سلبي من المدين الضار بالضمان العام.

أما سبب إطلاق على هذه الدعوى تسمية “غير المباشرة”، فهو عدم وجود رابطة أو صلة مباشرة بين دائن المدين المهمل ومدين المدين، وإنما تنهض رابطة غير مباشرة بينهم عن طريق المدين المهمل، ولهذا تقام الدعوى باسم ولصالحه.

غير أن هذه الوسيلة لم يأخذ بها المشرع المغربي[6]، في حين أن هناك العديد من التشريعات العربية أعطت لهذه الدعوى تنظيما خاصا، نستهلها بالتشريع الفرنسي باعتباره مرجعا للمشرع المغربي ومرجعا للعديد من التشريعات المقارنة، فقد نص في المادة 1166 من القانون المدني الفرنسي على أنه: “ومع ذلك يجوز للدائنين أن يستعملوا كل حقوق مدينهم ودعاواه، ما عدا الحقوق والدعاوى المتصلة بشخصه اتصالا تاما”.

نفس الصياغة تقريبا أتى بها المشرع المصري حين نص في مادته 235 من القانون المدني المصري على أنه: “لكل دائن ولو لم يكن حقه مستحق الأداء أن يستعمل باسم مدينه جميع حقوق هذا المدين، إلا ما كان منها متصلا بشخصه خاصة أو غير قابل للحجز.  ولا يكون استعمال الدائن لحقوق مدنيه مقبولا إلا إذا أثبت أن المدين لم يستعمل هذه الحقوق وأن عدم استعماله لها من شأنه أن يسبب إعساره أو أن يزيد في هذا الإعسار، ولا يشترط إعذار المدين لاستعمال حقه ولكن يجب إدخاله خصما في الدعوى”.

كما نص التشريع اللبناني أيضا في الفقرة الأولى في المادة 276 من قانون الموجبات والعقود على أنه: “يحق للدائنين أن يستعملوا باسم مديونهم جميع الحقوق وأن يقيموا جميع الدعاوي المختصة به، ما عدا الحقوق والدعاوي المتعلقة بشخصه دون سواه ولاسيما الحقوق والدعاوي التي خرج موضوعها عن دائرة ارتهانهم.

نفس التوجه سار عليه القانون المدني الأردني في المادة 367 إذ جاء فيها: “يعتبر الدائن نائبا عن مدينه في استعمال حقوقه، وكل نفع يعود من استعمال هذه الحقوق يدخل في أموال المدين ويكون ضمانا لجميع دائنيه”.

ومن خلال هذه المقتضيات للقوانين المقارنة، تبين لنا أن لإقامة هذه الدعوى لابد من توفر شروط، تتوزع حسب العلاقة القانونية وهما الدائن والمدين في إطار موازنة بين ضمان الدائن وحماية حرية المدين الشخصية، وهو معرض حديثا في الشق الثاني من هذه الفقرة المتعلق بشروط إقامة هذه الدعوى.

ثانيا: شروط إقامة الدعوى غير المباشرة

كما هو الحال في أي دعوى لابد من توفر شروط لإقامتها هو ما ينطبق على الدعوى غير المباشرة، وهذه الشروط تنقسم إلى قسمين؛ شروط خاصة بالدائن (أ)، وشروط خاصة بالمدين (ب).

أ- الشروط الخاصة بالدائن

إن أهم شرط في رفع أي دعوى ضرورة توفر المصلحة، نفس الأمر في الدعوى غير المباشرة، غير أن المصلحة في هذه الأخيرة لها خصوصية مغايرة عن الدعاوى الأخرى، إذ تكمن مصلحة الدائن في إطار هذه الدعوى الخاصة -إذا صح التعبير-“في إهمال المدين في المحافظة على حقه بأن يسكت عن المطالبة به[7]، مما قد يترتب على ذلك من ضرر للدائن فلا بد أن تكون هذه المصلحة قائمة وقت رفع الدعوى.

وتحقق مصلحة الدائن في رفع هذه الدعوى إذا كانت أموال مدينه لا تكفي للوفاء بدين دائنه، أما إذا كان وحدها كافية لتحقيق فكرة الضمان العام وبالتالي كافية وحدها لاستيفاء دين الدائن”[8]، ففي هذه الحالات لا يكون لدى الدائن أي  مصلحة في استعمال حقوق مدينه لاسترداد دينه، “فباجتماع هذه الشروط تتحصل فكرة وجود مصلحة مشروعة للدائن التي تستحق الحماية من خلال دعوى غير المباشرة[9].

ولرفع هذه الدعوى يشرط كذلك أن يكون هذا الحق الذي يطالب به الدائن ثابثا ومحققا وبتعبير آخر، مؤكدا وغير متنازع فيه وحتى لو كان هذا الحق غير قابل للتنفيذ وغير معين المقدار، غير ذلك لا يستطيع الدائن استعمال حقوق مدينه، وهذا ما استقر عليه إجماع القضاء والفقه في فرنسا ومصر كشرط  كاف لاستعمال الدعوى غير المباشرة[10].

في حين نجد أن التشريع اللبناني أضاف إلى كون الدين ثابتا أي محققا وأن يكون معلوم ومستحق المقدار، وذلك من خلال الفقرة الثالثة من المادة 276 من قانون الموجبات والعقود اللبناني التي نصت على أنه: “ويجوز للدائنين أن يدعوا مباشرة عن مديونهم بدون أن يجروا مقدما أية معاملة للحلول محله في الحقوق والدعاوي المختصة به وإن كانوا لا يملكون سندا تنفيذيا، ولكنهم لا يستطيعون الشروع في تلك المداعاة إلا إذا كان دينهم مستحق الأداء”.

ونعتقد أن وجوب توفر هذا الشرط هو مجانب للصواب، إذ نرى أنه يكفي أن يكون حق الدائن خاليا من نزاع أي أن يكون محققا.

والجدير بالذكر، أن المشرع الأردني لم يشترط بتاتا أن يكون دين الدائن مستحقا أو حال الأداء، مثلما فعل المشرع اللبناني في المادة 276 أعلاه، بل قرر صحة الدعوى غير المباشرة حتى بالنسبة للدائن الذي لم يستحق دينه شريطة توافر الصفة القانونية له، وأن تكون له مصلحة من وراء ذلك[11].

كما أن جل التشريعات المذكورة لم تشترط لإقامة هذه الدعوى الحصول على إذن من القضاء، من بين هذه التشريعات أيضا التشريع الجزائري في قانونه المدني، الذي أقر هذه المسألة من خلال المادة 159 التي نصت على أنه: “لكل دائن ولو لم يحل أجل دينه أن يستعمل باسم مدينه جميع حقوق هذا المدين، إلا ما كان منها خاصا بشخص أو غير قابل للحجز ولا يكون استعمال الدائن لحقوق مدينه مقبولا إلا إذا أثبت أن المدين أمسك عن استعمال هذه الحقوق، وأن هذا الإمساك من شأنه أن يسبب عسره، أو أن يزيد فيه”.

لذا لا يسوغ للدائن له أن يكلف مدينه بمطالبة حقه، غير أنه لا بد أن يدخله في الخصام ذلك أن حلول الدائن محل المدين في استعمال حقوقه مرجعه القانون، بمعنى آخر أن نيابته مقررة بنص القانون، زد على ذلك أن طبيعة الدعوى غير المباشرة لا تقتضي مثل هذا الإذن و بالتالي فلا ضرورة للحصول على ترخيص من المحكمة[12].

كما لا يتشرط لمباشرة هذه الدعوى أيضا أن يكون حق الدائن سابقا على حق المدين لأن الضمان العام يدخل في أمول المدين، حتى ولو كان لاحقا على نشوء حق الدائن أو الدائنين[13].

ب- الشروط الخاصة بالمدين

إن أساس هذه الشروط هي فكرة المصلحة المشروعة التي تبرر للدائن خلافا للأصل، التدخل في شؤون مدينه، فيجب من ناحية أن يكون المدين مهملا أو متوانيا في استعمال حقه[14]، ومن ناحية أخرى، أن يكون عدم استعمال المدين لحقه مؤديا إلى إعساره أو إلى زيادة إعساره، وأخيرا أن يدخل المدين خصما[15] في الدعوى[16].

غير أن استعمال هذا الحق من طرف الدائن لابد أن يكون مدينه متقاعسا[17] في حماية حقوقه سواء أكان ذلك راجع إلى الإهمال أم الرغبة في إلحاق الضرر بدائنيه[18]، ويقع عبء إثبات سلوك المدين على عاتق الدائن باعتباره مدعيا.

وإلى جانب إثبات الدائن إهمال المدين وتقصيره، فإنه يجب عليه كذلك أن يثبت عدم استعمال المدين حقه من شأنه أن يسبب إعساره أو يزيد في الإعسار، والمراد بالإعسار هنا هو الإعسار الفعلي بأن تزيد ديون المدين على حقوقه، لا الإعسار القانوني الذي يستلزم حكما يشهره بشروط وإجراءات معينة[19].

وإذا كان المشرع المصري وبعض التشريعات الأخرى قد نصت وجوبا على ضرورة إدخال المدين خصما في الدعوى[20]، فإن المشرع اللبناني أسوة بالمشرع الفرنسي لم ينص على هذه المسألة.

والعلة في اشتراط التشريع المصري إدخال المدين في الدعوى غير المباشرة تكمن في أن نيابة الدائن عنه، إذ يمكن القول إنها نيابة من نوع خاص، ذلك أنه إذا كان الأصل أن الحكم الصادر في مواجهة النائب يعتبر حجة على الأصيل، إلا أنه لما كانت النيابة هنا وعلى خلاف القاعدة العامة مقررة لمصلحة الدائن وهو النائب، وهو ما استلزم المشرع المصري إدخال المدين في الدعوى حتى يكون الحكم ساريا في مواجهته.

وتجدر الإشارة إلى أن جميع الأموال والأشياء والحقوق التي تخرج بحكم القانون من نطاق فكرة الضمان العام لا تصلح بطبيعتها لأن تكون محلا للدعوى غير المباشرة، فحتى لو تقاعس المدين عن المطالبة بحق من الحقوق له بذمة الآخر، فلا يستطيع دائنه استعمال هذه الدعوى للمطالبة بهذه الحق نيابة عنه أيضا، وذلك لانتفاء مصلحته كدائن من وراء استعمال هذه الدعوى، لأن هذه الحقوق تخرج من دائرة الضمان العام، وبهذا تنتفي مصلحة الدائن في المطالبة بها[21]. وهذا هو الأمر الذي جعلنا نعطي لشرط المصلحة أساس ومشروعية إقامة هذه الدعوى.

الفقرة الثانية: تجليات الدعوى غير المباشرة في ضمان تنفيذ الالتزامات التعاقدية

يتمثل الغرض من الدعوى غير المباشرة في المحافظة على الضمان العام، والدائن عند استعمال حقوق مدينه بطريق غير مباشر إنما يقوم بذلك بصفته نائبا عن المدين، لرفع الدعوى غير المباشرة التي تقوم على فكرة النيابة القانونية القاصرة على استعمال الحق دون التصرف فيه[22]. إذن، فهذه الدعوى تنتج آثارا بالنسبة للدائن وباقي الدائنين ( ثانيا)، وآثارا تجاه المدين (أولا).

أولا: آثار الدعوى غير المباشرة بالنسبة للمدين

إن هذه الآثار المتعلقة بالمدين في هذه الدعوى تنقسم إلى نوعين: آثار الدعوى غير المباشرة في مواجهة المدين الأصيل (أ)، وآثار الدعوى غير المباشرة إزاء المدين (ب).

أ – آثار الدعوى غير مباشرة  في مواجهة المدين الأصيل

إذا لم ينشط المدين في استعمال حقه بنفسه، كان للدائن أن يطالب بهذا الحق بالنيابة عن مدينه وأن هذه النيابة مقررة بنص القانون، لذلك ذهب بعض الفقه والقضاء إلى القول أن استعمال الدعوى غير المباشرة يغل يد المدين عن التصرف في المال موضوع الدعوى وتبقيه محبوسا عنه[23].

مقال قد يهمك :   البناء القانوني للتجنيس في ضوء القانون المغربي  

غير أن القضاء في فرنسا ومصر وبتأييد من الفقه لم يسايرا هذا الطرح و قرر أنه بالرغم من رفع الدائن الدعوى غير المباشرة يبقى المدين صاحب الحق المرفوعة به الدعوى وله أن يبسط سلطانه على هذا الحق وأن يتصرف فيه، و هذا ما ذهبت إليه محكمة النقض المصرية في قرار لها صدر في تاريخ 02 فبراير 1950 جاء في حيثياته ما يلي:

” إن المدين الذي يرفع دائنه باسمه الدعوى غير المباشرة يبقى محتفظا بحرية التصرف في الحق المطالب به فيها، ومن ثم يكون هذا التصرف نافذا في حق الدائن شأنه فيه شأن المدين الذي صدر منه ويكون للخصم المرفوعة عليه الدعوى (مدين المدين) حق التمسك به في مواجهة الدائن[24].

وبناء على هذا القرار، فإن فكرة النيابة القانونية لا تحرم الأصيل -المدين- من التصرف في الحق  الذي يستعمله دائنه باسمه بطريق غير مباشر فيبقى المدين محتفظا بحقه موضوع الدعوى و له أن يبيعه أو يرهنه أو يقايضه أو يهبه.

كما يمكن للمدين أن يتصالح مع خصمه أو أن يتنازل عنه، ولا يستطيع الدائن الاعتراض على هذه التصرفات إلا عن طريق الدعوى البوليصية متى توافرت شروطها، كما يمكن لمدين المدين أن يفي بالدين الذي في ذمته إلى المدين حتى بعد رفع الدعوى غير المباشرة[25].

ب- آثار الدعوى غير المباشرة إزاء مدين المدين الخصم

لا يترتب على الدعوى غير المباشرة أي أثر يذكر بالنسبة إلى الخصم سوى أنها تخول للدائن صفة النيابة التي حتمها القانون على المدين، ويبقى الخصم محتفظا بكافة الدفوع التي كان يملكها في مواجهة مدينه وله أن يتمسك بها قبل الدائن رافع الدعوى غير المباشرة.

ولما كان الدائن مجرد نائب في هذه الدعوى عن مدينه، فيسوغ للخصم أن يدفع ببطلان التصرف المنشئ للحق موضوع الدعوى لأي سبب من أسباب البطلان كما لو كان المدين هو الذي رفع الدعوى بنفسه[26].

كما له أن يتمسك -الخصم- بجميع أسباب انقضاء ذلك الحق لأي سبب من أسباب الانقضاء كالمقاصة والتجديد أو الإبراء من الدين أو التقادم، ويستوي أن يكون سبب الانقضاء سابقا أو لاحقا على رفع الدعوى غير المباشرة.

غير أن المدين الخصم ليس من حقه أن يتمسك في مواجهة الدائن بأي دفوع ترجع إلى روابط قانونية أخرى بين الدائن والخصم، فليس له أن يتمسك بالمقاصة بين دين المدين الذي يطالب به الدائن وبين دين له في ذمة هذا الدائن[27].

أما علاقة الخصم بالمدين، فتبقى علاقة دائن بمدينه، فللخصم أن يفي بما في ذمته من دين لمدينه أو أن يجدد هذا الدين أو يعقد صلحا معه.

ثانيا: آثار الدعوى غير مباشرة للدائن وباقي والدائنين

يحتل الدائن مكانة المدين في إطار نيابة عنه، وهو يطالب بجميع ما يمكن أن يطالب به المدين حتى ولو كان دين الدائن أقل مما للمدين لدى الخصم[28]، لكون أن الغاية الأساسية لمباشرة هذه الدعوى من قبل الدائن هي حماية الضمان العام نتيجة تقاعس المدين في استعمال حقوقه أو المطالبة بها.

والملاحظ أن النيابة في الدعوى غير المباشرة تتميز بأنها لمصلحة النائب-الدائن لا لمصلحة الأصيل-المدين المتقاعس-، وهي كما أشرنا مقصورة على استعمال الحق دون التصرف فيه، ويترتب على ذلك:

  • أنه بالرغم من قيام هذه النيابة يجب إدخال المدين خصما في الدعوى كما رأينا في الشروط الخاصة بالمدين.
  • لا يجوز للدائن أن يصالح على الحق الذي يستعمله باسم المدين، لأن نيابته تنحصر فقط عند استعمال الحق دون التصرف فيه.
  • إن إجراءات الدعوى غير المباشرة لا تغني بتاتا عن إجراءات التنفيذ، فالدائن إنما ينوب عن المدين في استعمال الحق وحده، وهو في حاجة بعد الانتهاء من الدعوى غير المباشرة إلى اتخاذ إجراءات تنفيذ مستقلة على الحق في استعملها باسم المدين[29].
  • دخول الحق الذي يطالب به الدائن مدينه من ذمة المدين وفي الضمان العام للدائن وبهذا لا يستفيد الدائن وحده من نتيجة الدعوى إذا كان الحكم القضائي لصالحه بل أيضا يحق للدائنين إذا تعددوا أن ينفذوا على هذا المال إلى جانب الدائن النائب ودون أن يكون حكرا على الدائن[30].

فهذه الدعوى لا تمنح للدائن الذي باشرها أي امتياز على الدائنين الآخرين عند استيفاء دينه[31]، بل إنها تساوي بين جميع الدائنين دون أفضلية.

وإذا كان من بين الآثار التي تترتب عن  هذه الدعوى استفادة باقي الدائنين من نتيجة الدعوى غير المباشرة، فإن هذا الأثر لا شك أن له تداعيات في إضعاف قيمة هذه الدعوى في حماية الدائن وبإعطاء ضمانة بتنفيذ التزامه، وهو ما جعل من هذه الدعوى قليلة الاستعمال في العمل، فالدائن بعد أن يستنزف الجهد والوقت ومصاريف مباشرة إجراءات  هذه الدعوى، يجد غيره من الدائنين يزاحمونه ويشاركونه حصيلة الدعوى[32]، دون أن يكون له امتياز خاص يضفر به.

والعلة في ذلك، أن الغاية الأساسية من الدعوى غير مباشرة كما ذكر في البداية هي حماية علاقة المديونية بصفة عامة في إطار فكرة الضمان العام، فهذه العلاقة تستمد مشروعيتها من قاعدة العقد شريعة المتعاقدين.

فمن خلال هذا الأثر الأخير، يمكن القول من وجهة نظرنا أن المشرع المغربي لا يعاب عليه بعدم إضافته لمقتضيات الدعوى غير المباشرة إلى قانون الالتزامات والعقود على غرار التشريعات المقارنة، لكون هذه الدعوى في اعتقادنا لا تكتسي الصفة الحمائية التي يطمح لها الدائن في ضمان تنفيذ التزامه التعاقدي، مادام أن جهده في ممارسة هذه الدعوى يكرس لفائدة الدائنين الآخرين، فهذا فيه من وجهة نظرنا مساس بمصلحة هذا الدائن.

المطلب الثاني: قدرة الدعوى البوليصية في ضمان تنفيذ الالتزامات التعاقدية

مر معنا أن الدعوى غير المباشرة قد شرعت بطريقة جعلتها غير مجدية، وعاجزة على توفير الحماية اللازمة للدائن من خطر إهمال المدين وتراخيه في المطالبة بحقوقه، كما أن استعمالها لا يؤدي إلى استئثار الدائن بثمرة سعيه، بل يزاحمه فيها كل الدائنين، لذلك كان وقوعها في الحياة العملية نادرا الاستعمال، وهذا فيه إجحافا في حق الدائن.

لذا، عملت العديد من التشريعات على تنظيم وسيلة أخرى تكون أكثر ضمانة من سابقتها، في حماية دين الدائن وضمان تنفيذ التزامه وتكريسا بذلك لمبدأ العدالة التعاقدية، إذ تتمثل هذه الوسيلة في الدعوى البوليصية.

ولممارسة هذه الدعوى لابد من توفر مجموعة من الضوابط (الفقرة الأولى)، حتى يتم ترتيب الآثار القانونية على ذلك (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ضوابط استعمال الدعوى البوليصية

بادئ ذي بدء، يراد بالدعوى البوليصية الوسيلة قانونية التي تسمح للدائن أن يباشر دعوى باسمه شخصيا على مدين المدين ليسأله الوفاء بما هو مستحق في ذمته للمدين، إذ تقوم هذه الدعوى على حماية الدائن من غش مدينه المعسر، ويمكن القول إن الدعوى البوليصية تتقاطع نوعا ما في الغرض مع الدعوى غير المباشرة، لكن هذه الأخيرة تواجه موقفا سلبيا للمدين المعسر بامتناعه، عمدا أو إهمالا عن استعمال حقوقه، في حين أن الدعوى البوليصية تواجه موقفا إيجابيا للمدين ويتمثل في قيامه بالتصرف في حقوقه بنية الإضرار بدائنيه[33].

ويرجع أصل تسمية هذه الدعوى بالبوليصية إلى أحد رجال القانون الروماني يدعى بولص والذي كان أول من أدخلها إلى القانون الروماني[34]، وإن كانت هذه التسمية أصبحت محل شك كبير نظرا لنسبتها إلى بريتو[35] مجهول ومشكك فيه، كما اتجه بعض من الفقه إلى اعتباره شخصا وهميا[36] لا وجود له.

لذا، اختلف كبار فقهاء القانون المدني وكذا التشريعات في تسمية هذه الدعوى، فمنهم من أعطاها تسمية الدعوى المباشرة، لكونها تمارس بشكل مباشر وباسم الدائن تجاه مدينه، ومنهم من سماها بالدعوى البوليانية، أيضا أن هناك جانب من الفقه  يطلق عليها الدعوى البوليصية.

كما أن هذا الاختلاف في التسمية هذه الدعوى طال حتى القوانين المقارنة، فالمشرع المصري مثلا أعطاها مصطلح  “دعوى نفاذ التصرفات” وذلك في الفقرة الأولى من  المادة 237 من القانون المدني المصري حيث جاء فيها:” لكل دائن أصبح حقه مستحق الأداء، وصدر من مدينه تصرف ضار به أن يطلب عدم نفاذ هذا التصرف في حقه”.

 في حين أن المادة 278 من قانون الموجبات والعقود اللبناني في فقرتها الثانية   أشارت لها بالوليانية، بقولها: “وهذه الدعوى المسماة بالدعوى البوليانية يجوز أن تتناول أشخاصا عاقدهم المديون خدعة”.

وهذا الخلاف الفقهي لم يقف إلى هذا الحد، بل وصل حتى درجة تحديد طبيعة هذه الدعوى، فذهب البعض إلى أنها دعوى بطلان، في حين ذهب البعض الآخر إلى أنها دعوى تعويض، لأن الحكم الصادر لهذه الدعوى غايته تعويض الدائن عن الضرر الذي لحقه[37].

ونحن نرى أن الرأي الصائب القائل بأنها دعوى بطلان، أي بطلان تصرفات المدين.

ومهما قيل عن هذه الدعوى ومهما اختلِف بشأنها، تبقى الغاية الأساسية منها رفعها ضد المدين الذي قام بتصرفات من قبيل الغش والتواطئ من شأنها أن تنقص من حقوقه (كالهبة) أو تزيد في التزاماته (كأن يقرض مالا للغير)، وبالتالي تؤثر هذه التصرفات في الضمان العام لدائنيه[38]، لذا تمنحه هذه الدعوى حق إقامتها ضد مدينه ليبطل تصرفاته الضارة به.

 والملاحظ أن المشرع المغربي لم يتناول هذه الدعوى ضمن مقتضيات ق.ل.ع ولا في أي قانون، في حين أن العديد من التشريعات المقارنة نصت على الدعوى البوليصية وأفردت نصوصا خاصة بها، نبدأ بما جاء به المشرع الفرنسي من خلال المادة 1167 من القانون المدني الفرنسي التي جاء فيها :”ويجوز لهم كذلك أن يطعنوا باسمهم في الأعمال القانونية الصادرة من مدينهم بقصد الإضرار بهم”.

في حين نصت المادة 237 من القانون المدني المصري المومأ إليها أنفا على أنه: “كل دائن أصبح حقه مستحق الأداء، وصدر من مدينه تصرف ضارا به أن يطلب عدم نفاذ هذا التصرف في حقه، إذا كان التصرف قد أنقص من حقوق المدين أو زاد في التزاماته وترتب عليه إعسار المدين أو الزيادة في إعساره، وذلك متى توافرت الشروط المنصوص عليها في المادة التالية”. وهي الشروط المقرر في المادة 242 من نفس القانون إذ جاء فيها:

  • “إذا لم يقصد بالغش إلا تفضيل دائن على آخر دون حق، فلا يترتب عليه إلا حرمان الدائن من هذه الميزة.
  • وإذا وفى المدين المعسر لأحد دائنيه قبل انقضاء الأجل الذي عين أصلا للوفاء، فلا يسري هذا الوفاء في حق باقي الدائنين، وكذلك لا يسري في حقهم الوفاء ولو حصل بعد انقضاء هذا الأجل، إذا كان قد تم نتيجة تواطؤ المدين والدائن الذي استوفى حقه”.

كما أخذ التشريع اللبناني بهذه الدعوى في الفقرة الأولى من المادة 278 من قانون الموجبات والعقود اللبناني في فقرتها الأولى إذ نصت على أنه: “يحق للدائنين الذين أصبح دينهم مستحق الأداء أن يطلبوا بأسمائهم الخاصة فسخ العقود التي عقدها المدين لهضم حقوقهم وكانت السبب في إحداث عجزه عن الإيفاء أو تفاقم هذا العجز. أما العقود التي لم يكن بها المديون إلا مهملا للكسب فلا تنالها دعوى الفسخ”.

و يلاحظ أن القانون اللبناني استعمل مصطلح الفسخ للدلالة على هذه الدعوى، ونعتقد أنه كان من الأجدر أن يستعمل هذا المشرع مصطلح عدم نفاذ التصرفات لأن لكل من الفسخ ونفاذ التصرفات مجاله ونطاقه وآثاره المترتبة عليه.

كما أخذ بهذه الدعوى أيضا التشريع السوري في المادة 238 والتي نصت على أنه:”لكل دائن أصبح حقه مستحق الأداء، وصدر من مدينه تصرف ضار به، أن يطالب عدم نفاذ هذا التصرف في حقه، إذا كان التصرف قد أنقص من حقوق المدين أو زاد في التزامه وترتب عليه إعسار المدين أو الزيادة في إعساره، وذلك متى توافرت الشروط المنصوص عليها في المادة التالية”.

وعلى هذه المقتضيات صارت وبشكل حرفي باقي التشريعات المقارنة كالقانون العراقي في مادته 263 و القانون الليبي في المادة 240، وغيرها من التشريعات المدنية الأخرى التي  قررت للدعوى البوليصية نصوصا خاصة تنظمها.

ومن خلال استحضار أبرز نصوص الدعوى البوليصية في التشريعات المقارنة، تبين أنها تأسس على شروط لإقامتها، فمنها ما يتعلق بالدائن (أولا)، ومنها ما يتعلق بالتصرف المطعون فيه (ثانيا)،- الصادر من المدين- ومنها كذلك مـا يرتبط بالـمدين ذاته ( ثالثا).

أولا: الشروط الخاصة بالدائن

يعتبر لجوء الدائن إلى ممارسة الدعوى البوليصية انتقاص خطير من حرية تصرف الفرد فيما يملك، لهذا كان من الضروري أن يكون التدخل في تصرفات المدين مبني على حق ثابت ومستحق الأداء (أ)، كما أن طعن الدائن في تصرف مدينه في هذه الدعوى يقضي أن يكون حق الدائن سابق في نشؤه على تصرف المدين (ب).

أ – شروط استحقاق الدين

إن من أهم الشروط لإقامة الدعوى البوليصية هي أن يكون حق الدائن مستحق الأداء فإذا كان حقه محل نزاع، فلا يصلح لأن يكون أساسا يعتمد عليه لممارسة الدعوى البوليصية، ونفس الأمر يقال إذا كان هذا الحق، غير منجز بأن كان معلقا على  شرط واقف أو مقترنا بأجل موقف[39].

في حين يشترط في الدعوى غير المباشرة أن يكون حق الدائن خاليا من النزاع دون اشتراط أن يكون مستحق الأداء ونعني بمستحق الأداء، حلول ميعاد أداء الدين من خلال الأجل المتفق عليه بين الدائن ومدينه.

والملاحظ أن إقرار شرط الدين المستحق الأداء، ومنع الدائن بدين مؤجل من استعمال الدعوى البوليصية قد يبدو متناقضا مع اشتراط إعسار المدين، نظرا لما هو معروف، من أن الإعسار يترتب عليه سقوط الأجل فيصبح الحق مستحق الأداء.

ولتفسير ذلك يري الأستاذ عبد المنعم البدراوي[40] أن كل من القانون الفرنسي واللبناني يختلفان في هذه المسألة عن القانون المصري، فالقانون الفرنسي واللبناني لا يعرفان في غير حالة الإفلاس بالنسبة للتجار نظاما جماعيا في حالة إعسار المدين غير التاجر، وهذا ما أشرنا له في شروط الدعوى غير المباشرة، وإذا كان مجرد صدور حكم بشهر الإفلاس فيها يترتب عليه سقوط الآجال ديون المدين المفلس بقوة القانون فتصبح جميعها مستحقة الأداء إلا أنه إذا كان الأمر خاصا بمدين غير تاجر، فإنه يلزم رفع الأمر إلى القضاء ليتحقق من وجود الإعسار ويقضي بسقوط الأجل، وذلك نظرا لعدم وجود حكم في القانونين الفرنسي واللبناني يشهر الإعسار.

مقال قد يهمك :   مستهلك الخدمات الإلكترونية: أية حماية في التشريع المغربي؟

لذا، فإن شرط استحقاق الدين عديم الجدوى فيهما، إذ يستطيع الدائن بعد إثبات إعسار مدينه أن يطلب من المحكمة إسقاط الأجل فيتوفر له عندئذ ما يشترط لرفع الدعوى البوليصلية من كون الحق مستحق الأداء، بخلاف ما عليه الأمر في القانون المصري، فإن الأجل لا يسقط لمجرد إعسار المدين إعسارا فعليا، حيث اشترط لسقوط الأجل أن يصدر حكم بشهر الإعسار، وهو ما جاء في المادة 273 من القانون المدني المصري بأنه: “يسقط حق المدين في الأجل:

  • إذا شهر إفلاسه أو إعساره وفقا لنصوص القانون.
  • إذا أضعف بفعله إلى حد كبير ما أعطي للدائن من تأمين خاص، ولو كان هذا التأمين قد أعطي بعقد لاحق أو بمقتضى القانون، هذا ما لم يؤثر الدائن أن يطالب بتكملة التأمين، أما إذا كان إضعاف التأمين يرجع إلى سبب لا دخل لإرادة المدين فيه، فإن الأجل يسقط ما لم يقدم المدين للدائن ضمانا كافيا.
  • إذا لم يقدم للدائن ما وعد في العقد بتقديمه من التأمينات، وللمحكمة سلطة تقديرية في هذا المجال حيث تقضي بإبقاء الأجل وينتج عن ذلك أنه في القانون المصري قد يتوافر شرط الإعسار الفعلي، وهو شرط لازم لرفع الدعوى البوليصية ولا يسقط أجل الدين بل يظل حقه غير مستحق الأداء، فلا يستطيع رفع الدعوى البوليصية[41]، وهذا فيه انتقاص وعيب لعمل هذه الدعوى وفيه إجحاف للمدين لمباشرتها بحماية دينه وضمان تنفيذ التزامه التعاقدي.
ب- وجود حق للدائن سابق على تصرف المدين

يشترط للطعن في تصرف المدين بالدعوى البوليصية أن يكون حق الدائن الطاعن سابقا على التصرف المطعون فيه[42] إلا أنه يستثنى بطبيعة الحال، حالة تعمد المدين إخراج المال الذي تصرف فيه من ذمته قبل أن تنشأ حقوق الدائنين اللاحقين على هذه التصرف لما ينطوي عليه ذلك من غش يفسد التصرف، طبقا لمبدأ الغش يفسد التصرفات.

ويستحيل الحديث عن قصد الإضرار بالدائن والحال أن المدين لم يصبح مدينا، بمعنى أن المديونية لم تتحقق بعد عندما تصرف المدين تصرفا في حقه يعتريه الغش فيضر به دائنه[43].

والعبرة بتاريخ حق الدائن بالوجود لا بالاستحقاق، فلو كان الحق موجودا قبل صدور التصرف ولو كان غير مستحق الأداء، وقد يكون حق الدائن المعلق حقه على شرط واقف أو مقترن بأجل محقق، فبمجرد تحقق الشرط أو عند حلول الأجل، أن يطعن بالدعوى البوليصية في التصرف الصادر من مدينه، والعبرة أيضا في التصرف الصادر من المدين بتاريخ صدوره لا بتاريخ شهره، وحتى ولو كانت من التصرفات التي تستوجب الشهر[44]. فمثلا إذا كان هذا التصرف متمثل في قيام المدين في بيع سيارته، فهذا البيع يجب أن يكون بعد نشوء حق لهذا الدائن عند مدينه، وإلا لاحق للدائن للطعن في هذا التصرف الضار حسب اعتقاده. وبالتالي، لا نكون أمام مساس بالضمان العام في هذه الحالة.

ثانيا: الشروط الخاصة بالتصرف المطعون فيه

تنقسم الشروط الخاصة بتصرف المدين المطعون فيه كذلك إلى نوعين؛ أن يكون تصرف المدين قانونيا ( أ )، وأن يكون  هذه التصرف مفقرا (ب).

أ – أن يكون تصرف المدين قانونيا

يجب أن يكون التصرف المطعون فيه تصرفا قانونيا، والتصرف القانوني كما هو معروف هو اتجاه الإرادة نحو إحداث أثر قانوني معين، ولذلك فلا يمكن الطعن بالدعوى البوليصية في أعمال المدين المادية، لذا لا يستطيع الدائن أن يطعن في التزامات المدين غير التعاقدية، كذلك الناشئة في ذمته نتيجة الفعل الضار (غير المشروع) أو الفعل النافع (الإثراء بلا سبب)، والحكمة في عدم جواز الطعن في هذه الالتزامات واضحة ذلك أن هذه الالتزامات لا تنشأ في ذمة المدين بإرادته، ومن ثم لا يستطيع الدائن أن يزعم أنها نشأت بقصد الإضرار به[45].

وأن أي تصرف قانوني يقبل الطعن فيه بالدعوى البوليصية، سواء كان التصرف صادر من جانب واحد أو صادر من الجانبين، وسواء كان تبرعا أو معاوضة، فالنزول عن حق عيني أو الإبراء أو الوقف أو إجازة عقد قابل للإبطال، كل هذه التصرفات الصادرة من جانب واحد يجوز الطعن فيها، وكذلك التصرفات الصادرة من جانبين كالهبة والبيع والشركة والصلح أو عقد تبرع أو معاوضة كلها تصرفات تقبل الطعن فيها بالدعوى البوليصية[46].

ب- أن يكون التصرف مفقرا

يشترط في التصرف القانوني أن يكون مفقرا مؤديا إلى إعسار المدين أو الزيادة في إعساره، أي مؤديا إلى نقص حقوق المدين عن التزاماته بما يحول بينه وبين الوفاء بهذه الالتزامات التعاقدية كاملة. أما إذا لم يكن التصرف مؤديا إلى ذلك، فلا اعتراض عليه ولو كان مفقرا للمدين، طالما بقي له مال آخر يكفيه للوفاء بكل ديونه، إلا أنه يبقى للدائن عبء إثبات إعسار المدين[47].

لكن هذا الإثبات تم التخفيف منه في أغلب التشريعات المنظمة لهذه الدعوى، من بينها القانون المدني المصري الذي جاء في مادته 339 : “إذا ادعى الدائن إعسار مدينه فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون، وعلى المدين نفسه أن يثبت أن له مالا يساوي قيمة الديون أو يزيد عليها”.

ثالثا: الشروط الخاصة بالمدين

إن الشروط السابقة الذكر في الحقيقة غير كافية لوحدها للقول بأحقية الدائن في اللجوء إلى الدعوى البوليصية، ذلك أن هذه الأخيرة تعتمد على شرطين أساسيين بانتفائهما تنتفي معها مشروعية هذه الدعوى، فمصلحة الدائن في رفع الدعوى تتمثل في رفع الضرر الذي لحقه نتيجة إعسار المدين (أ) الذي يشترط أن يكون ناتج عن غش المدين أو تواطؤه مع من تصرف له (ب).

أ-  شرط إعسار المدين

يفهم من هذا الشرط أن يكون تصرف المدين هو السبب الذي أدى بالمدين إلى إعساره أو الزيادة فيه، ويرتب بذلك عدم كفاية ديونه للوفاء بها.

ونذكر على أن الإعسار في الدعوى البوليصية لا يقصد به الإعسار القانوني الذي يتطلب حكما بشهره، بل يقصد به الإعسار الفعلي الذي يتمثل في زيادة مجموع الديون على مجموع الحقوق المترتبة في ذمته[48]، كما أن إعسار المدين يتطلب أن يحصل قبل صدور التصرف الصادر منه، فلو افترضنا أن التصرف المطعون فيه من قبل الدائن لم يكن هو السبب في الإعسار، لبقي المدين موسرا بعد هذا التصرف، ولكن طرأ بعد ذلك ما جعله معسرا فلا يجوز للدائن أن يطعن في التصرف[49].

وإذا كان الأصل، أن على المدعي أي الدائن إثبات دعواه بإعسار المدين، فإن المشرع المصري[50] كما أشرنا جعل من مسألة الإثبات من السهولة بمكان حيث يقتصر على إثبات ما في ذمة المدين إذا اعتبر ذلك بمثابة قرينة قانونية على إعسار المدين، لكنها غير قاطعة حيث يمكن للمدين دحضها بإثبات أن له من الأموال ما يساوي قيمة الديون أو يزيد عنها.

ب- وجود غش في تصرف المدين

تقوم الدعوى البوليصية على فكرة الغش، فلا يكفي أن يسبب التصرف المطعون فيه  إعسار المدين أو زياد في إعساره، بل يجب أن يكون هذا التصرف قد صدر من المدين عن الغش، وقصد بتصرفه الإضرار بالدائنين[51].

والتصرف عن غش هو أساس إقامة هذه الدعوى، وبمعنى آخر، أن المدين قصد بتصرفه هذا الإضرار بدائنه، سواء علم المدين بأن تصرفه سوف يتسبب في ذلك أو لم  يعلم به، غير أنه إذا علم بذلك ولو لم تنصرف نيته إلى الإضرار بالدائن، فعلى المحكمة أن تفترض الغش من جانب المدين، وهذا الافتراض يكون مبني على قرينة قابلة لإثبات العكس، أي أنه يمكن للمدين أن يثبت أن تصرفه لم يكن بنية الإضرار بدائنه، على الرغم من أنه كان يعلم بأن ذلك التصرف يسبب له الإعسار، حيث كان يعتقد أن إعساره سرعان ما سيزول[52]، غير أن ظنه خاب وظل معسرا.

وفي إطار إثبات غش المدين في تصرفاته، فقد ذهب المشرع اللبناني أسوة بالقانون الفرنسي إلى اشتراطه ووجوده-الغش- لطعن الدائن بالدعوى البوليصية في تصرفاته مدينه سواء كانت معاوضات أم تبرعات، فالمادة 278 من قانون الموجبات والعقود اللبناني في فقرتها الأولى تشير إلى التصرفات التي عقدها المدين لهضم حقوقهم وهي لم تميز بين أنواع التصرفات[53]، ثم جاء في الفقرة الثانية ونصت على أنه: “يجوز أن تتناول أشخاصا عاقدهم المدين خدعة..”.

 أما التقنين المصري فإنه اشترط إثبات غش المدين في حق الدائن في المعاوضات فقط، دون التبرعات، إذ نصت المادة 238/1 على أنه:” إذا كان تصرف المدين بعوض، اشتراط لعدم نفاذه في حق الدائن أن يكون منطويا على غش من المدين..” ثم نصت في الفقرة الثانية من نفس المادة بقولها: “أما إذا كان التصرف تبرعا، فإنه لا ينفذ في حق الدائن، ولو كان من صدر له التبرع حسن النية، ولو ثبت أن المدين لم يرتكب غشا”.

ومعنى ذلك، أن غش المدين إنما هو شرط في القانون المصري في المعاوضات فقط، أما في التبرعات فلا يشترط إثبات غش هذا الأخير[54]، ويقع إثبات الغش من طرف الدائن باعتباره مدعيا في هذه الدعوى.

الفقرة الثانية: آثار الدعوى البوليصية

إن الدعوى البوليصية تتيح للدائن أن يرفعها بشكل مستقل أي باسمه الشخصي، كما تمكنه من إثارتها كدفع للدعوى التي يرفعها المتصرف إليه بطلب نفاذ تصرف المدين، بغية المحافظة على الضمان العام، وترتب هذه الدعوى آثار بالنسبة للدائن (أولا)، ثم بالنسبة للمتعاقدين والمتصرف إليه[55] ( ثانيا).

أولا : آثار الدعوى البوليصية بالنسبة إلى الدائن

إن القاعدة الأساسية التي تقوم عليها الدعوى البوليصية هي أن جميع أموال المدين ضامنة لالتزاماته التعاقدية، وهذا الضمان يخول للدائن أن يراقب أموال مدينه ما دخل منها في ذمة المدين وما خرج، حتى يأمن على ضمانه من أن ينقصه غش مدينه.

ولتحقق هذه الغاية فإن موضوع الدعوى البوليصية هو طلب الدائن عدم نفاذ التصرف في حقه مما يترتب عليه عودة المال موضوع التصرف إلى ضمانه العام، حتى يتسنى بعد ذاك التنفيذ عليه بإجراءات التنفيذ المعتادة[56].

وتسقط هذه الدعوى في حالة قيام الدائن بالوفاء، فينقضي بذلك عنصر المديونية بصورة تامة، فتصبح الدعوى البوليصية عديمة الأثر.

إلا أنه إذا لم يستوف الدائن حقه، لا يبقى له الخيار سوى الاستمرار في رفع الدعوى البوليصية حتى يدفع الدائن عن نفسه نتائج غش المدين إذا كان بطبيعة الحال غرض تصرفه إلحاق الضرر بالدائن، كما لهذا الأخير كذلك أن يرجع على الدائن بالتعويض بسبب إضراره به بعدم الوفاء، طبقا للقواعد العامة[57]، وإذا توافرت شروط هذه الدعوى يحكم بعدم نفاذ التصرف في مواجهة المحكوم له.

وهذا يجعنا نتساءل حول مدى استفادة دائنين المدين من الحكم الصادر في الدعوى البوليصية؟

فبخصوص هذه المسألة الجوهرية في هذه الدعوى، فقد عرف القانون والقضاء المقارنين اتجاهين بخصوص استفادة دائني المدين من الحكم بعدم نفاذ التصرف، فهناك اتجاه مثله القانون الفرنسي اعتبر أن بقاء الحق الذي تصرف فيه المدين في الضمان العام وتنفيذ الدائن عليه لا يستفيد منه إلا هذا الأخير وحده، دون مشاركة باقي الدائنين الذين لم يكونوا أطرافا في الدعوى ولم يشاركوا فيها[58]، ذلك أنه يقوم “بالتنفيذ على المال الذي رجع للذمة المالية دون مزاحمة من قبل غيره من الدائنين”[59].

وقد أرجع  بعض الفقه[60] هذا التوجه إلى مبدأ الأثر النسبي للحكم بعدم النفاذ، والذي يحول دون انسحاب أثر على الغير من دائني المدين، إضافة إلى أن الدائن في الدعوى البوليصية لا يمثل إلا نفسه بدليل أنه لو استوفى حقه سقطت الدعوى.

أما الاتجاه الثاني فقد مثله القانون المصري[61] والذي اعتبر أنه متى تقرر عدم نفاد التصرف، استفاد من ذلك جميع الدائنين الذين صدر هذا التصرف إضرارا بهم، فإذا ما رفع الدائن الطاعن المستوفي لشروط الدعوى البوليصية، جاز لأي دائن آخر مستوف لشروط الدعوى أن يتدخل فيها، فيستفيد من الحكم الصادر فيها، وفي حالة عدم تدخل أحد من الدائنين في الدعوى المرفوعة من الدائن الطاعن، فإن الحق الذي تصرف فيه المدين يعود إلى الضمان العام لجميع الدائنين ممن استجمعوا شروط هذه الدعوى[62]، وبالتالي، أي واحد منهم يدخل في إجراءات التنفيذ ليشارك الدائن الطاعن في مال المدين.

والدواعي التي جعلت المشرع المصري يتبنى هذا الاتجاه، تتمثل في تحقيق نوع من المبادرة بين الدائنين، فمادام الحق قد دخل في ضمانهم العام فلا محل لتقديم أحدهم على الآخر لمجرد أنه علم قبل غيره بصدور التصرف الضار، فقد لا يعلمه باقي الدائنين إلا بعد صدور الحكم في الدعوى البوليصية، فيكون هذا إخلالا بمبدأ المساواة[63].

ومن وجهة نظرنا، كان على المشرع المصري أن يحذو حذو المشرع الفرنسي بخصوص مسألة امتياز الدائن رافع الدعوى على الدائنين الأخيرين دون مزاحمته، باعتبار أن هذه الخاصية هي ما يطمح إليها الدائن الذي يبذل جهدا كبيرا في مباشرة جميع مراحل وأطوار هذه الدعوى، وهذا فيه ضرب لضمانات تنفيذ الالتزامات التعاقدية والتي يرنو لها كل دائن في هذه الدعوى، وهذا هو بيت القصيد من معالجة هذا الموضوع، ونعتقد أن خاصية الامتياز هذه الممنوحة لفائدة الدائن، تعتبر بحق ضمانة أساسية لابد منها في الدعوى البوليصية  لتنفيذ الالتزام التعاقدي للدائن.

ثانيا: آثار الدعوى البوليصية بالنسبة إلى المدين والمتصرف إليه

إذا كانت الدعوى البوليصية تحول دون نفاذ تصرف المدين اتجاه الدائن، فليس معنى هذا أنها تحول دون نفاذ هذا الأخير اتجاه المدين ومن تصرف إليه المدين، بل يبقى التصرف صحيحا في مواجهة هذين الأخيرين وقائما بينهما وينتج كافة آثاره، ويمتد إلى خلفهم العام الخاص[64].

وهكذا، فإذا كان التصرف بيعا مثلا، بقي الشيء المبيع ملكا للمشتري وبقي هذا الأخير ملتزما بدفع الثمن، وأنتج البيع كل آثاره من التزامات في جانب كل من المتعاقدين، فإذا نفذ الدائن على العين المبيعة واستوفى حقه منها، فإن ما تبقى من ثمن العين يكون ملكا للمشتري لا البائع، كما ينصرف هذا الأخير إلى الخلف الخاص و العام .

فورثة المدين لا يرثون ما تبقي من العين التي تصرف فيها مورثهم بعد تنفيذ الدائن عليها وإنما هو حق مخول لورثة المشتري، كما أن الدائنين من تصرف له المدين ينفذ أثر التصرف في حقهم نفاذه في حق مدينهم، فلهم أن يعتبروا العين مملوكة له، وأن ينفذوا عليها بعد أن يستوفي الدائن الذي رفع الدعوى البوليصية حقه، ولهم أن يستعملوا حق مدينهم في الرجوع على المدين الذي تصرف له[65].

مقال قد يهمك :   ثروة الجامعات العربية.. في زمن التحديات

وللمشتري أن يرجع على البائع بضمان الاستحقاق وفقا لأحكام البيع، كما له أن يطلب فسخ البيع ويتحلل تبعا لذلك من جميع التزاماته التي نشأت بناء على عقد البيع فيزول التزامه بدفع الثمن، وفي الحالة التي يكون قد أداه، فإنه  يسترده من المدين ويرد إلى هذا الأخير ما يبقى من العين بعد التنفيذ عليها من طرف الدائن، كما أنه يرجع على المدين بما استوفاه الدائن معتمدا في ذلك على دعوة الإثراء بلا سبب[66].

ولقد تكونت لدينا قناعة في ضوء تحليل الدعوى البوليصية، أن هذه الأخيرة تشكل ضمانة نجاعة في تنفيذ الالتزام التعاقدي، ذلك أنها تضمن للدائن رفع الدعوى باسم مدينه الذي قد يعمد إلى إضعاف الضمان العام المقرر للدائن.

وقد استقر قضاء محكمة النقض على الأخذ بالدعوى البوليصية، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار يتمثل في الأساس الذي اعتمدت عليه في أعمال هذه الدعوى وما موقفها من التوجه الذي سار عليه قضاء الموضوع بخصوص طبيعة هذه الأخيرة والأثار المترتبة عليها، وما هي شروط الأخذ بها حسب ما استقر اجتهادها ؟

ففي هذا الصدد جاء في إحدى قرارت لمحكمة النقض الصادر بتاريخ 10/03/2004 ما يلي:

“حقا لقد تبين صحة ما عابته الوسيلة الأولى أعلاه على القرار المطعون فيه ذلك أنه بمقتضى الفصلين 288 و 1241 من قانون الالتزامات والعقود لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون، وأن أموال المدين ضمان عام لدائنيه وأنه من الثابت من عقود الكفالة الثلاثة المدلى بها من طرف الطالب والمؤرخة على التوالي في…أن مورث المطلوبين…كفيل متضامن لديون البنك الطالب على شركة كاليماب التي تم تمتعيها بمزية التصفية القضائية بمقتضى الحكم عدد: 1323 الصادر عن المحكمة الابتدائية الحي المحمدي عين السبع بالدار البيضاء بتاريخ”:22/12/1993 في الملف عدد 988/93 وأن المحكمة المطعون في قراراها قد عللت ما قضت به بعلة (أن العقار موضوع الصدقة لم يضعه الكفيل المستأنف كضمانة عقارية لدى المستأنفة عليها، لذا فإن المستأنف بصفته كفيلا للمدين الأصلي تبقى له الحرية في التصرف في أمواله|) في حين أنه بمقتضى الفصل 1241 المذكور أعلاه، فإن أموال المدين ضمان عام لدائنيه، لذلك فإن المحكمة مصدرة القرار لما اعتبرت الكفيل مورث المطلوبين لم يضع عقار النزاع كضمانة لدى الطالب الدائن وقضت على النحو المذكور، تكون قد خالفت مقتضيات الفصل 1241 المذكور مما يجعل قرارها معرضا للنقض. “وحيث أن حسن سير العدالة يقتضي إحالة القضية على نفس المحكمة[67].

ويتشف من هذا القرار أن محكمة النقض اعتمدت في الأخد بالدعوى البوليصية على فصلين من قانون الالتزامات والعقود ألا وهما الفصل 228 والفصل 1241، ورغم أن هذين الفصلين لا يشيران إلى الدعوة البوليصية بصريح العبارة إلا أن اجتهاد محكمة النقض إرتأى التفاعل مع مضمون هذين الفصلين بما يتوافق وحماية حقوق المدين قصد الحفاظ على الضمان العام  المخول لمدينه على هذه الأموال، وبهذا تكون محكمة النقض باعتبارها الجهة المسؤولة على توحيد الاجتهاد القضائي في جميع ربوع المملكة قد أخذت بالدعوة البوليصية بموجب فصلين من قانون الالتزامات والعقود و إن كان المشرع لا يأخذ بها.

وأعجب العجب أن المشرع المغربي لا يأخذ بالدعوى البوليصية رغم أن المشرع الفرنسي يأخذ بها، وكذا سائر القوانين التي تعتبر رائدة في التقنين المدني، ولا نجد للمشرع المغربي مسوغا لعدم لتنظيمه لهذه الدعوى الناجعة في ضمان تنفيذ الالتزامات التعاقدية، لاسيما وأن المشرع المغربي لا ينفك يقتبس كل شاردة وواردة من القانون الفرنسي، إلا أنه استنكف عن اقتباس الدعوى البوليصية منه، ولعل في هذا إشارة ولو ضمنية إلى عدم توفق المشرع المغربي في الحذو حذو المشرع الفرنسي، حيث نجده يقتبس منه المقتضيات القانونية دون تمييز الغث من السمين.

من هذا المنطلق، ليس بمقدورنا إلا أن ندعو المشرع المغربي إلى تنظيم الدعوى البوليصية في القادم من الأيام، نظرا لما تحمله هذه الأخيرة من ضمان ناجع في تنفيذ الالتزامات التعاقدية ولما فيها كذلك من حماية للضمان العام المقرر للدائنين، ونعتبر هذا الفراغ التشريعي بمثابة ثغرة في صرح الضمانات الرامية لتنفيذ العقد، يتعين سدها حتى يكون النظام القانوني الهادف لضمان تنفيذ العقد جامعا ومانعا.

 خاتمة :

يتبين بعد التدقيق في البنية القانونية لكل من الدعوى غير المباشرة والدعوى البوليصية، أنهما تتفاوتان من حيث الفعالية في ضمان تنفيذ الالتزامات التعاقدية، فقد اتضح بالملموس أن الدعوى البوليصية أقدر ضمان تنفيذ الالتزام من نظيرتها الدعوى غير مباشرة، ذلك أنه في هذه الدعوى الأخيرة يذهب مجهود الدائن إلى غير من الدائنين فيستفيدون من نتيجة الدعوى التي رفعها للمحافظة على حقوق مدينه، بعد أن يبذل جهدا مضنيا في كسبها بعكس الدعوى البوليصية التي تعود أفاضلها على الدائن الذي يتحمل أعباءها فقط.

وإذا كنا قد أبدينا تعجبنا من عدم اعتماد المشرع الدعوى البوليصية، فإنه لا يمكن أن نختم هذا الموضوع إلا بالتأكيد على المشرع إلى تبني هذه الدعوى نظرا لفوائدها الجمة في الحفاظ على الضمان العام للدائن، ومنه في ضمان تنفيذ الالتزامات التعاقدية ككل.


الهوامش:

[1]– محمود جمال الدين زكي، الوجيز في النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني المصري، مطبعة جامعة القاهرة، القاهرة  الطبعة الثالثة، 1978، ص 758.

[2]– حسين عبد اللطيف حمدان، التأمينات العينية، دراسة تحليلية شاملة لأحكام الرهن والتأمين والامتياز، منشورات الحلبي، بيروت الطبعة الأولى، 2009، ص 38.

[3]– عبد القادر الفار، أحكام الالتزام، آثار الحق في القانون المدني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، عمان، الطبعة الأولى 2005 ص 83.

[4]– محمود جمال الدين زكي، الوجيز في النظرية العامة للالتزامات، أحكام الالتزام، مطبعة جامعة القاهرة، القاهرة، طبعة 1978، ص 52.

[5]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الالتزام بوجه عام، الاثباث-آثار الالتزام، الجزء الثاني منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، طبعة 1998، ص 945.

[6]– عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني، دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام، الجزء الأول، التصرف القانوني، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الثانية، 2014، ص 284.

[7]– سمير عبد السيد تناغو، أحكام الالتزام والاثباث، منشورات الوفاء القانونية، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 2009، ص 266.

[8]– عامر محمود الكسواني، أحكام الالتزام، آثار الحق في القانون المدني، دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن-عمان، الطبعة الأولى، 2008، ص 153.

[9]– حمزة بن خدة ، أثر الفقه المالكي في القانون المدني الفرنسي، العقد نموذجا، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه علوم في القانون للخاص، جامعة أبو بكر بلقايد ، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون الخاص، السنة الجامعية، 2017/2016، ص 199.

[10]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، نظرية العقد، الجزء الثاني، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية الجديدة، 1998، ص 753 و754.

[11]– عامر محمود الكسواني، مرجع سابق، ص 154.

[12]– لزرق بن عودة، وسائل حماية الضمان العام، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في القانون الخاص، جامعة وهران، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون الخاص، السنة الجامعية 2014/2013، ص 13.

[13]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، نظرية العقد، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 755.

[14]– محمود جمال الدين زكي، الوجيز في النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني المصري، مرجع سابق، ص 783.

[15]– نقصد أن يكون الدائن والمدين كلهما مدعيين في مواجهة مدين المدين.

[16]– سمير عبد السيد تناغو، مرجع سابق، ص 266.

[17]– ونعتقد أنه لا يهم أن المدين حسن النية أو سيئ النية، المهم أنه سلوكه سيضر بالمدين.

[18]– لزرق بن عودة، مرجع سابق، ص 14.

[19]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 933.

[20]– جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 235 من القانون المدني المصري ما يلي: “..ولا يشترط إعذار المدين لاستعمال حقه ولكن يجب إدخاله خصما في الدعوى.”

[21]– عامر محمد الكسواني، مرجع سابق، ص 157.

[22]– محمود جمال الدين زكي، الوجيز في النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني المصري، مرجع سابق، ص 778.

[23]– د.سليمان مرقس، شرح القانون المدني، الجزء الثاني مصادر الالتزام وآثاره وأوصافه وانقضائه والنظريات العامة للإثبات المطبعة العالمية، القاهرة، طبعة 1964، ص 653.

[24]– قرار صادر من محكمة النقض المصرية بتاريخ 02 فبراير 1950، أورده، د.عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 971.

[25]– أنور السلطان، النظرية العامة للالتزام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 1997، ص 111.

[26]– لزرق بن عودة، مرجع سابق، ص 27.

[27]– أنور سلطان، النظرية العامة للالتزام، مرجع سابق، ص 111.

[28]– ونقصد بالخصم مدين المدين، بحيث حتى ولو كانت مطالبة الدائن بالدين الذي بحوزة هذا الخصم، أقل من الدين الذي يدين به الدائن لمدينه المتقاعس.

[29]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 938.

[30]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، نظرية العقد، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 771.

[31]– حسين عبد اللطيف حمدان، مرجع سابق، ص 37.

[32]-عبد الرزاق أحمد السنهوري، نظرية العقد، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 775.

[33]– محمود جمال الدين زكي، أحكام الالتزام، مرجع سابق، ص 91.

[34]– وهذه الدعوى ليست حديثة الظهور بل هي دعوى موغلة في القدم عرفها القانون الروماني في صورة دعاوى متعددة ذات طابع جماعي، ولم يكن يسمح باستعمالها إلا ضد مدين مفلس من قبل جماعة الدائنين في شخص ممثل لهم كانت توكل إليه مهمة تصفية أموال ذلك المدين. للتفصيل أكثر في موضوع أصل الدعوى البوليصية راجع: نادر عمران، نظام الدعوى البوليانية في ضوء الفقه، مجلة القضاء والتشريع، منشورات مركز الدراسات القانونية والقضائية، وزارة العدل وحقوق الإنسان، تونس، العدد 10، سنة 2003، ص 73 وما بعدها.

[35]– كلمة البريتور، تعني الحاكم الشرعي، وهي مستحدثة في العصر الروماني لتنظيم التقاضي في الأمور المدنية، وكان البريتور يعين لسنة واحدة ويصدر عند توليه منصبه منشوراً يبين فيه القواعد التي سيسير عليها في قبول الدعاوى والدفوع ، للتوسع أكثر في الموضوع انظر : ما هي وظيفة  البريتور ؟ ” http://www.f-law.net/law/threads/112 تاريخ الاطلاع عليه، 2018/04/29، على الساعة 15:02، بالتوقيت الصيفي.

[36]-د.عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط الجزء الثاني، مرجع سابق، ص  946.

[37]-حسين عبد اللطيف حمدان، مرجع سابق، ص 38.

[38]– محمد الشرقاني، نظرية العقد، دراسة في قانون الالتزامات والعقود وأحكام القضاء والتشريع المقارن، وليلي للطباعة والنشر، مراكش، الطبعة الأولى، 1996، ص 253.

[39]– لإشارة فإننا قمنا بتوحيد إسم هذه الدعوى بمصطلح بالبوليصية لتجنيب القارئ الحيرة. مقال لسعيد الناوي، الدعوى البوليانية ودعوى الصورية وموقف القضاء المغربي، منشور بمجلة المناهج، عدد مزدوج 6-5 ، 2004، ص 115.

[40]– عبد المنعم البدراوي، النظرية العامة للاتزامات، دراسة مقارنة في قانون الموجبات والعقود اللبناني والقانون المدني المصري، أحكام الالتزام، آثاره، أوصافه، انتقاله، انقضاؤه، الجزء الثاني، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، طبعة 1968، ص 166.

[41]– عبد المنعم البدراوي، مرجع سابق، ص 166.

[42]– بمعنى آخر، فالتصرف الضار الذي قام به المدين الذي طعن فيه الدائن، لا بد أن يحصل بعد تاريخ نشوء العلاقة التعاقدية بين الدائن ومدينه، وليس قبل، وإلا كانت هذه الدعوى عديمة الأثر.

[43]– سعيد الناوي، مرجع سابق، ص 114.

[44]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 955.

[45]– عبد المنعم البدراوي، مرجع سابق، ص 152.

[46]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 952.

[47]– سمير تناغو، مرجع سابق، ص 267.

[48]– إبراهيم المنجي، دعوى الصورية ودعوى عدم نفاذ التصرفات، التنظيم القانوني والإجرائي لرفع دعويين، منشأة المعاريف، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 1998، ص 438.

[49]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 956.

[50]– المادة 239 من القانون المدني المصري.

[51]– سعيد الناوي، مرجع سابق، ص 116.

[52]– سعيد الناوي، نفس المرجع، ص 117.

[53]– جاء في الفقرة الأولى من المادة 278 من قانون الموجبات والعقود اللبناني ما يلي: “يحق للدائنين الذين أصبح دينهم مستحق الأداء أن يطلبو بأسمائهم الخاصة فسخ العقود التي عقدها المديون لهضم حقوقهم وكانت السبب في إحداث عجزه عن الايفاء أو تفاقم هذا العجز”.

[54]– عبد المنعم البدراوي، مرجع سابق، 172.

[55]– ونعني بالمتصرف إليه، مثلا كأن يكون التصرف الذي قام به المدين بيعا، فالطرف فالمشتري هو المتصرف إليه.

[56]– نادية أيوب، تنفيذ الالتزام بين القواعد الموضوعية والمسطرية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، شعبة وحدة التكوين والبحث، في قانون المدني، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مراكش، السنة الجامعية 2017/2016 ، ص 231.

[57]– عبد الرزاق أحمد  السنهوري، نظرية العقد، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 817.

[58]– سعيد الناوي، مرجع سابق، ص 177.

[59]– عبد المنعم البدراوي ، مرجع سابق، ص 181.

[60]– سعيد الناوي، مرجع سابق، ص177

[61]– جاء في المادة 240 من القانون المدني المصري على أنه:” متى تقرر عدم نفاذ التصرف، استفاد من ذلك جميع الدائنين الذين صدر هذا التصرف إضرارا بهم”.

[62]– إبراهيم المنجي، مرجع سابق، ص 474.

[63]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 966 و967.

[64]– سعيد الناوي، مرجع سابق، ص  121.

[65]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط، الجزء الثاني،  مرجع سابق، ص 969.

[66]– د.إبراهيم المنجي، مرجع سابق، ص 477.

[67] – قرار غير منشور صادر عن محكمة النقض بتاريخ:10/03/2004، عدد  110، ملف عدد 102/2/1/89.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)