النزاعات الجماعية في ضوء العمل القضائي

الــطعن بـبطلان الحكم الــتحكيمي

أجهزة الرقابة العليا على المال العام في الأنظمة اللاتينية و الأنجلوسكسونية، أية خصوصية ؟

12 نوفمبر 2021 - 12:11 م مقالات , القانون العام , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

فيصل الخضر باحث في صف الدكتوراه 

إن فكرة الرقابة على المال العام ليست وليدة اللحظة بل لها امتداد عبر الزمان، فالمال العام و اعتبارا لأهميته لم يكن من السهل اطلاقا اسناد تدبيره من لدن الهيئات العامة داخل الدول دونما الرقابة على ذلك، إذ إن غياب هذه الأخيرة يجعل المال العام على المحك في مواجهة خطر الفساد الإداري و المالي.

هكذا فقد اقترن وجود المال العام بوجود هيئات رقابية تسهر على ضرورة استغلاله بالشكل اللازم، و عليه فإن المغرب و على غرار باقي دول العالم أحدث مؤسسات عليا للسهر على الرقابة على المال العام، بيد أن تنوع الطبيعة القانونية لهذه الأجهزة  الرقابية تتخذ اتجاهين: الأول ذي طابع قضائي  يمثله النموذج اللاتني، و الثاني ذي طابع إداري يمثله النموذج الأنجلوسكسوني، مما يستدعى بالضرورة التساؤل، عما هو التوجه المغربي في هذا الصدد ؟ و إلى أي حد يمكن اعتباره موفقا ؟

 و لما كانت أجهزة الرقابة العليا على المال العام محل دراستنا، فإنه يلزم بالتالي بحث  تطور كل منها على حدة،  و به سنحرص في (مطلب أول) على  بحث ملامح أجهزة الرقابة العليا على المال العام في النظام الأنجلسكسوني  ذي الطابع الاداري – بريطانيا و مصر نموذجا-،  على أن نبحث في (مطلب ثاني) ملامح أجهزة الرقابة العليا على المال العام في النظام اللاتيني ذي الطابع القضائي – فرنسا و المغرب نموذجا-.

المطلب الأول: ملامح أجهزة الرقابة العليا على المال العام في النظام الأنجلسكسوني  ذي الطابع الاداري- بريطانيا و مصر نموذجا-

إذا كانت أجهزة الرقابة العليا على المال العام في الدول اللاتينية تتخذ طابعا قضائيا كما سيتضح لاحقا  من خلال بحث النموذجين الفرنسي و المغربي، فإنها بخلاف ذلك تتخذ طابعا إداريا في الدول الأنجلوسكسونية كما سيلي بيانه في دراستنا للنموذجين الإنجليزي(الفقرة الأولى) و المصري (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: التجربة الإنجليزية في الرقابة العليا على المال العام

و تعتمد إنجلترا نظام التدقيق أو المراجعة، بحيث ينيط هذا النظام مهمة فحص الحسابات العمومية بموظف سام يملك الإستقلال و حرية التصرف الذاتي، و يوجه هذا الأخير للبرلمان

( لجنة الحسابات العمومية) تقريرا أسبوعيا، و يستمد جهاز التدقيق سلطته الكاريزمية من انغراسه في صميم التقاليد المؤسساتية البريطانية[1].

إذ يتولى المراقب المحاسب العام comproll and auditor أو المراجع العام في إنجلترا رئاسة مكتب المراجعة الوطني General the national Audit Office، و يقوم هذا الأخير مقام الهيئة العليا للرقابة على الأموال العمومية في هذا البلد[2].

هذا و يعد المراقب العام موظفا ساميا في الدولة بدرجة وزير يعينه الملك، و هو غير قابل للعزل إلا بناءا على طلب البرلمان بخطاب إتهام، و لا يسأل إلا أمام مجلس العموم الإنجليزي، كما لا تستطيع الحكومة أن تنقص من راتبه أو الزيادة فيه لأنه يصرف من النفقات ذات الاعتماد الدائم التي تقرر بقوانين و تظل سارية المفعول حتى يتم تعديلها بقانون، ولا تملك السلطة التنفيذية أية سلطات عليه لا في اضطلاعه بمهامه ولا في شؤون اختصاصاته و مسؤوليته، فهو موظف تابع لمجلس العموم، بحيث يحل محل المجلس في إطار قيامه بممارسة الرقابة، و يقدم تقاريره إلى لجنة الحسابات العامة بالمجلس، و قيام هذه اللجنة بمناقشتها لهذه التقارير يعني أنها تمارس وظيفة المراقبة على أعمال مكتب المراجعة الوطني[3].

الفقرة الثانية: التجربة المصرية في الرقابة العليا على المال العام

لم يكن لمصر حتى عام 1880 ميزانية عامة تعطي فكرة عن موارد الدولة و نفقاتها و لكن الأمر كان يقف عند حد بيانات تصدر من قبل الحكومة تحدد المصروفات و الإيرادات ، و هذه لم تكن صحيحة و قد ظل الوضع هكذا حتى عام 1915 حيث أنشئت بوزارة المالية إدارة لمراجعة المصروفات الحكومية كلها، و كان يشرف على هذه الإدارة موظف تابع لوزارة المالية و قابل للعزل كغيره من الموظفين، و للأسف أن عمل هذه الإدارة لم يكن يمتد إلى الإيرادات و هذه الرقابة تعد وهمية حيث أن السلطة التنفيذية تقوم بها على أعمالها و بواسطة موظفين تابعين لها.

وقد بقي الحال على ما هو عليه حتى صدور الأمر الملكي رقم 42 لسنة 1923 بوضع نظام دستوري للدولة، و جاء فيه النص على أن يعرض الحساب الختامي للإدارة المالية عن العام المقضى على البرلمان، و نظرا لصعوبة قيام البرلمان بمراجعة الحساب الختامي كاملا لما يستدعيه ذلك من الإطلاع على جميع مستندات الصرف، لذا استلزم الأمر إنشاء هيئة مستقلة لمساعدة البرلمان في مراجعة الحساب الختامي[4].

فقامت وزارة المالية ببحث الموضوع و انتهى الأمر إلى وضع مشروع قانون لتنظيم مراقبة حسابات الدولة، و قامت الحكومة بإعادة النظر في المشروع الذي أقره مجلس النواب سنة 1930، و أدخلت عليه التعديلات و تم عرضه بعد ذلك على البرلمان الذي أدخل عليه أيضا بعض التعديلات و تم عرضه بعد ذلك على البرلمان الذي أدخل عليه أيضا بعض التعديلات، و انتهى الأمر بصدور القانون رقم 42 لسنة 1942 فكان ذلك وثيقة ميلاد ديوان المحاسبة في مصر[5].

و قد أصبح الديوان معاونا للسلطة التشريعية في مراقبة شؤون الدولة المالية، بحيث يرفع تقريره السنوي إليها موضحا ما يسفر عن فحصه و تفتيشه للحساب الختامي للدولة و حسابات الجهات الأخرى، و كان دور ديوان المحاسبة في هذا الحين يقف عند حد المراجعة بعد الصرف. وهذا بالطبع أمر يكون محل نقد لأن الرقابة لا تحول دون وقوع  المخالفات فالأمر يقف هنا عند حد الكشف عن المخالفات و الأخطاء بعد وقوعها و رغم المحاولات التي بذلت لتلافي هذا النقص إلا أنها لم تحقق الأمال.

مقال قد يهمك :   اجتهاد قضائي:مادام الحكم الأجنبي مؤسس على أسباب لا تتنافى مع أحكام مدونة الأسرة فإنه يجوز تذييله بالصيغة التنفيذية

وقد صدر بعد ذلك المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 بإنشاء مجلس تأديبي للمخالفات المالية، و مما لا شك فيه أن صدور هذا لاقانون و دخوله حيز التنفيذ كان له أثر كبير في تقليل المخالفات المالية، و بذلك أصبح رئيس الديوان صاحب الإختصاص في إحالة مرتكبي المخالفات المالية إلى المجلس التأديبي أو حفظ الدعوى التأديبية قبلهم، و انحسر عن الجهة الإدارية اختصاصها في هذا الشأن فديوان المحاسبة هو الذي يقوم بالتحقيق في المخالفات المالية و إحالة المسؤولين عنها إلى المجلس التأديبي[6].

و بعد ذلك صدر القانون رقم 83 لسنة 1957 الذي عهد بالنيابة  الإدارية بالتحقيق في المخالفات المالية و انحصر حق الديوان في التعقيب على القرارات الإدارية الصادرة عن الجهة الإدارية بالحفظ أو المجازاة، أو بإحالة المسؤولين إلى المحكمة التأديبية و هذا الوضع ساري حتى الآن. ثم صدر بعد ذلك القانون رقم 230 لسنة 1960 الذي عدل اسم الديوان من ديوان المحاسبة إلى ديوان المحاسبات، و قد نشأ هذا القانون نتيجة الوحدة بين مصر و سوريا و أصبح ديوان المحاسبات هيئة مستقلة تلحق برئاسة الجمهورية.

و يقوم هذا الديوان بمراقبة إيرادات الدولة و مصروفاتها و مراجعة حسابات التسوية و السلف و حساب الهيئات ذات الميزانيات الملحقة و المستقلة و المحلية و حسابات كل هيئة تخرج لها الحكومة جزء من مال الدولة أما بطريق الإعانة أو لغرض الاستثمار كما يقوم بمراقبة العمل في المخازن الحكومية.

و قد أعطى القانون الأخير لديوان المحاسبات اختصاصا جديدا يتعلق بالرقابة المسبقة على العقود الإدارية المرتبة لحقوق و التزامات مالية للدولة إذا زادت قيمتها عن خمسة آلاف جنية، غير أن هذا الاختصاص ألغي بموجب القانون رقم 4 لسنة 1961[7].

وقد عاد الوضع كما كان في ظل القانون رقم 230 لسنة 1960 و بعد ذلك صدر القانون رقم 139 لسنة 1964 بإنشاء الجهاز المركزي للمحاسبات الذي حل محل ديوان المحاسبات و أصبح الجهاز هيئة مستقلة تتبع رئيس الجمهورية و تهدف إلى رقابة فعالة على الأموال العامة.

إلا أن التبعية لم تبق بعد صدور القانون رقم 71 لسنة 1975 الذي جعل تبعية الجهاز لمجلس الشعب بدلا من تبعيته لرئيس الجمهورية[8].

وقد صدر فيما بعد القانون رقم 157 لسنه 1998 والذى قام بتعديل بعض احكام القانون رقم 144 لسنه 1988 الذي نص على تبعية الجهاز لرئيس الجمهورية بحسبانه رئيسا للدولة يسهر على تأكيد سيادة الشعب وعلى احترام الدستور وسيادة القانون ويرعى الحدود بين السلطات، وكل ذلك مع استمرار معاونة الجهاز لمجلس الشعب في القيام بمهامة في الرقابة على اموال الدولة واموال الاشخاص العامة الأخرى وغيرها من الاشخاص المنصوص عليها في القانون.

و عموما فإن الجـهاز الـمركزي للمـحاسـبات الـمصري هيـئة مستقلة، ذات شخصية اعتبارية عامة تتبع رئيس جـمهورية مـصر العربية. وتهدف أساسا إلى تحقيق الرقابة الفعالة على أموال الدولة وأموال الشخصيات العامة الأخرى وغيرهم من الأشخاص المنصوص عليهم في القانون، كما تعاون مجلس الشعب في القيام بمهامه في هذه الرقابة.

هذا و قد تلى ذلك اصدار مجموعة من القوانين المعدلة للجهاز المركزي للمحاسبة بمصر تنظيما و تأليفا و اختصاصا و سلطة، و لعل أهم ما وصل إليه ذلك تكريسه دستوريا كأحد الهيئات المستقلة و الأجهزة الرقابية، حيث جاء في نص المادة (219) من الدستور المصري لسنة 2014 أنه: ” يتولى الجهاز المركزى للمحاسبات الرقابة على أموال الدولة والأشخاص الاعتبارية العامة، والجهات الأخرى التى يحددها القانون، ومراقبة تنفيذ الموازنة العامة للدولة والموازنات المستقلة، ومراجعة حساباتها الختامية”.

وقد تعاظم  دور الجهاز المركزى للمحاسبات فشمل بالإضافة إلى الرقابة المالية بشقيها المحاسبى والقانونى الرقابة على الأداء ومتابعة تنفيذ الخطة والرقابة القانونية على القرارات الصادرة في شأن المخالفات المالية، ومن ناحية أخرى فقد اتسعت الجهات التي يباشر الجهاز اختصاصاته بالنسبة إليها حتى شملت الاحزاب السياسية والمؤسسات الصحفية القومية والصحف الحزبية والنقابات والاتحادات المهنية والعمالية والنوادى الرياضية والجمعيات والمؤسسات الاهلية المعانه وما يتعلق باتفاقيات المنح والقروض.

وتدعيما لاستقلال الجهاز، فقد نص قانون الجهاز على الصلاحيات والسلطات والاختصاصات التي منحها لرئيس الجهاز ونائبه ووكلاء الجهاز ومديرى وادارى مراقبات الحسابات واعضاء الجهاز بفرعيه (1) و(2) مع تقرير ضمانات عديدة لاعضائه منها تمتع الاعضاء من درجة مراقب فما فوقها بضمانه عدم القابلية للعزل وهى الضمانة المقررة لرجال القضاء كما نص على ان يكون للجهاز موازنة مستقلة تدرج رقما واحدا في موازنة الدولة.

وبالنسبة إلى مكانة الجهاز المركزى للمحاسبات بين الأجهزة العليا للرقابة المالية في المنظمات الدولية والإقليمية (الانتوساى، الاربوساى، الافروساى، الاسيوساى، الاوروساى، الكاروساى، السباساى، الأولاسيف…الخ) نجد ان الجهاز المركزى للمحاسبات في مجال المقارنه بالنسبة إلى التبعية والصلاحيات والاختصاصات المقررة للجهاز ولرئيسه واعضائه يتميز وينفرد بين معظم أجهزة الرقابة المالية في العالم، بكونه يأخذ مكانا عاليا بارزا متميزا، طبقا للدراسة التي قامت بها في السنوات الأخيرة المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة والمحاسبة.

و مما تجدر الإشارة إليه أن الجهاز ملتزم حاضرا ومستقبلا بأداء دورة طبقا للدستور والقانون ومتمسك بالأهداف والرسائل الفعالة والناجزة التي تمكنه من تحقيق الهدف من انشائه ووجوده[9].

رغم الدور الهام الذي يقوم به الجهاز إلا أنه لا يعدو أن يكون هيئة إدارية و يعامل معاملة سائر الوحدات الإدارية الأخرى، و الأمر يختلف هنا عن الوضع القائم في فرنسا، حيث أن محكمة المحاسبات الفرنسية تتمتع بالصفة القضائية و الجهاز المركزي للحسابات يمارس العديد من الاختصاصات و تتعدد الجهات الخاضعة لرقابته و يتمتع في تشكيله بأسلوب مميز.

المطلب الثاني: ملامح أجهزة الرقابة العليا على المال العام في النظام اللاتيني ذي الطابع القضائي – فرنسا و المغرب نموذجا-

لما كان النموذج اللاتيني أو الفرنكفوني يتسم بإتخاذ أجهزة رقابة عليا على المال العام ذات طابع قضائي، فإننا سنحاول بحث و دراسة تطور هذه الأخيرة على مستوى كل من التجربتين الفرنسية –الرائدة- (الفقرة الأولى) و المغربية(الفقرة الثانية).

مقال قد يهمك :   يوسف زرهوني: قراءة أولية في مرسوم بقانون رقم 2.20.503

الفقرة الأولى: التجربة الفرنسية في الرقابة العليا على المال العام

نشأت الرقابة المالية في فرنسا منذ زمن بعيد، فقبل قيام الثورة الفرنسية نشأت هيئات تمارس الرقابة سميت بغرف المحاسبات، و أهمها غرفة محاسبة باريس التي أنشئت عام 1256 بأمر من الملك، و تقوم هذه الغرف بفحص الحسابات و النظر في كافة المسائل القضائية و الإدارية و المالية، و هذه الغرف لا تمارس رقابة فعالة فهي لا تقدم خلاصة أعمالها إلى السلطة التشريعية و إن كانت تفرض العقوبات على المحاسبين في حالة وجود مخالفات مالية صادرة منهم.

و بعد قيام الثورة الفرنسية  انتهى دور غرف المحاسبة، إذ قرر المجلس التأسيسي أن يتولى بنفسه مراجعة الحسابات العامة و إصدار ما يلزم من القرارات بشأنها، و بدأ المجلس بفحص الحسابات العامة و نشأ بعد ذلك مكتب المحاسبة-  Le Bureau de comptabilité-، الذي يتكون من خمسة عشر عضوا و يقوم بمراجعة الحسابات و النفقات و يقدم بشأنها تقارير إلى المجلس التأسيسي ليصدر حكمه في شأنها[10].

و نظرا لضيق وقت المجالس النيابية أنشئت لجنة خاصة أطلق عليها لجنة المحاسبة الأهلية، و هي تقوم بإصدار أحكام بشأن الحسابات، و اعتبارا لكثرة الحسابات لم تستطع هذه اللجنة الاستمرار في العمل، و أكدت ضرورة إنشاء هيئة خاصة لفحص الحسابات و الإشراف على جباية الموال، و من هنا نشأت محكمة الحسابات الفرنسية في 16 سبتمبر 1807 و ذلك بمقتضى القانون الذي أصدره نابليون الأول، الذي يعتبر القانون الأساسي لتلك المحكمة، بحيث صادف اختصاصها القضائي نجاحا كبيرا، لذلك لم تناله يد التعديل إلا في مواضع قليلة غير ذات أهمية[11].

إذ شهد هذا القانون عدة تغييرات متتالية و ذلك من أجل تدعيم و إرساء دعائم الرقابة العليا في فرنسا توجت بإنشاء مجالس أو غرف جهوية للحسابات بتاريخ 2 مارس 1982، و ذلك بعدد يوازي 24 غرفة جهوية، هذه الأخيرة التي أصبحت تمارس رقابة مالية لاحقة تتلاءم في جانب كبير منها مع المستويات الاقتصادية و الإجتماعية  للجماعات المحلية، و يرتكز اختصاصها الرقابي في جوانب قضائية و إدارية و موازنية على المستوى المحلي[12].

و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى الرقي بمحكمة المحاسبات كمؤسسة دستورية بموجب المادة 18 من دستور الجمهورية الرابعة الصادر سنة 1946.

الفقرة الثانية: التجربة المغربية في الرقابة العليا على المال العام

لقد توفر المغرب منذ القدم على أجهزة  مختلفة لمراقبة الأموال العمومية، ذلك بأن نظام المراقبة المالية –بصفة عامة- في المغرب قد عرف تطورا ملحوظا، فبالإضافة إلى وجود ولاية الحسبة و ولاية المظالم اللتين ظلتا تستمدان أحكامهما من الشريعة الإسلامية، فقد تحكم الأمناء إلى حد كبير في مراقبة الأموال العمومية.

هذا و في ظل نظام الحماية، عمل المستعمر الفرنسي على تبني مجموعة من العمليات لتحديث النظام المالي المغربي، من خلال إدخال تقنيات المراقبة المالية الحديثة، غير أن هيئات المراقبة بقيت، في هذه المرحلة، مرتبطة بمركز القرار الفرنسي، بحيث عمل على الحد من السيادة المغربية في عدة مجالات أبرزها المجال المالي، و بالتالي  فإن اللجنة المحلية المغربية للحسابات المحدثة سنة 1932، اقتصر عملها على مراقبة بعض الحسابات الثانوية في حين تولت محكمة الحسابات الفرنسية البت في الحسابات الرئيسية، مما جعلها تتحكم في الرقابة العليا على الأموال العمومية بالمغرب.

كما تجدر الإشارة إلى أن المغرب غداة الاستقلال تبنى النظام العصري للرقابة على المال العام، و إيمانا منه بفعالية هذا الأخير و بضرورة إتباع نظام للتنمية اختار عصرنة مؤسساته من خلال مبادرة المشرع  إلى تغيير و تعديل مختلف القوانين

خاصة تلك التي تحكم المالية العمومية؛ كتنظيم المحاسبة العمومية سنة 1958 ، ثم سنة 1967 ، واحداث المفتشية العامة للمالية، وفي نفس المرحلة تم تعديل بعض النصوص القانونية المتعلقة بالرقابة العليا على الأموال العمومية. حيث أصبح ظهير 14 أبريل 1960 ينظم الهيئة الجديدة المكلفة بالرقابة العليا على الأموال العمومية؛ أي اللجنة الوطنية للحسابات التي عوضت اللجنة المحلية للحسابات[13].

لقد كان للجنة اختصاص تصفية حسابات المحاسبين العموميين، أي التأكد من قانونية وشرعية العمليات المضمنة في الحسابات. وكانت تتألف من رئيس يعين من طرف جلالة الملك بناء على اقتراح وزير العدل ومن مفتشي المالية المعينين من قبل وزير المالية.

وكانت اللجنة كذلك مطالبة بأن تقدم إلى مجلس النواب تقريرا عن تنفيذ قانون المالية يرفق بقانون التصفية. وتميزت المراقبة التي كانت تمارسها هذه اللجنة على المالية العامة بمحدوديتها بالنظر إلى ضآلة الإمكانيات البشرية والمادية واعتبارا أيضا لكون المراقبة كانت مراقبة محاسبية عليا ذات طبيعة إدارية.

هذا و قد عرفت سنة 1979 إحداث المجلس الأعلى للحسابات كجهاز قضائي مكلف بتأمين المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية وذلك بمقتضى القانون رقم 79-12. وكان من مهامه التأكد من قانونية عمليات مداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لرقابته ومعاقبة عند الاقتضاء كل تقصير في احترام القواعد المنظمة لتلك العمليات. كما كان يراقب تقييم تدبير الأجهزة الخاضعة لرقابته، ويرفع إلى جلالة الملك بيانا عن مجموع أنشطته. ويجب الإشارة هنا إلى أن ممارسة نشاط المجلس انطلقت محدودة نسبيا بحكم عدم توفره على الإمكانيات اللازمة.

هكذا و من أجل جعل المجلس الأعلى للحسابات يلعب دوره كاملا كمؤسسة عليا للرقابة، ارتقى به دستور 13 شتنبر 1996 إلى مصاف مؤسسة دستورية. فالباب العاشر من الدستور يوضح بأن المجلس الأعلى للحسابات يتولى ممارسة الرقابة العليا على تنفيذ قوانين المالية.

مقال قد يهمك :   المرأة و القانون موضوع ندوة علمية بطنجة

 فضلا عن ذلك وفي إطار سياسة اللامركزية واللاتركيز الإداري وبغية تحسين تدبير الجماعات المحلية، نص الدستور كذلك على إحداث المجالس الجهوية للحسابات التي كلفها بمراقبة حسابات الجماعات المحلية وهيئاتها وكيفية قيامها بتدبير شؤونها.

وبه فقد تم تطبيقا للمقتضيات الدستورية، إصدار القانون رقم 99-62 بمثابة مدونة المحاكم المالية[14] بتاريخ 13 يونيو 2002 وهذا القانون المتكون من ثلاثة كتب، بحيث طبع مرحلة هامة من مسار المجلس الأعلى للحسابات نظرا لأنه حدد بوضوح اختصاصات وتنظيمه وتسييره (الكتاب الأول) والمجالس الجهوية (الكتاب الثاني) وكذا النظام الأساسي لقضاة المحاكم المالية (الكتاب الثالث).

كما و قد تضمن الدستور الجديد للمملكة المغربية لسنة 2011  عدة مقتضيات جديدة من شأنها تدعيم مكتسبات المحاكم المالية بعد عشر سنوات من الممارسة الواسعة لمراقبة التدبير وتعزيز دور هذه المحاكم في المجالات الهامة المتعلقة بالحكامة العمومية.

و في هذا السياق، تم الرفع من نشاط نشر التقارير المنجزة من طرف المحاكم المالية، إذ سيعمل المجلس الأعلى للحسابات من الآن فصاعدا على نشر التقارير الخاصة المتعلقة بالمهمات الرقابية المنجزة، فضلا عن التقرير السنوي.

كما تم توسيع مجال المساعدة التي يقدمها للشركاء الآخرين. فبالإضافة إلى البرلمان والحكومة، يتولى المجلس الأعلى للحسابات تقديم المساعدة للسلطة القضائية[15].

و على العموم فإن الطبيعة المزدوجة لأجهزة الرقابة العليا بالأنظمة اللاتينية و التي تتراوح بين الطابع الإداري و قضائي تجعلها متميزة عن الطبيعة الإدارية لأجهزة الرقابة العليا على المال العام في الأنظمة الأنجلوسكسونية، إذ لا معنى لوجود أجهزة رقابة إدارية-على المال العام-  تنتمي هي الأخرى للسلطة التنفيذية المكلفة أساسا بتدبير الشأن العام و المال العام على السواء

 فكيف يمكن للعضو أن يساءل جسده، أو بالأحرى كيف يمكن لأجهرة الرقابة الإدارية عن المال العام أن تمارس مهامها الرقابية بشكل موضوعي على الأجهزة الحكومية المكلفة بتدبير المال العام و الحال أنها-أجهزة الرقابة المالية- هي الأخرى ذات طابع إداري؟

 و هنا نؤكد بأن توجه النظام اللاتيني في جعل أجهزة الرقابة العليا على المال العام ذات طابع مزدوج – إداري،قضائي- يعد فريدا من نوعه، إذ يراعى في ذلك ما تتطلبه الرقابة المالية من إستقلال لضمان الموضوعية.

و ختاما لا بد من الإشارة إلى أن التجربة المغربية في الرقابة العليا على المال العام من خلال إحداث محاكم مالية بموجب القانون 12.79 -المجلس الأعلى للحسابات و المجالس الجهوية للحسابات- تشكل نوذجا يحتدى به، بحيث خصها بمجموعة من الإختصاصات الإدارية و القضائية، و الجميل في الأمر أنه أسس لاستقلاليتها عن باقي الجهات القضائية هي الأخرى، بحيث نظمها في إطار مدون المحاكم المالية، و الأكثر من ذلك فقد خص الهيئات القضائية للمحاكم المالية من قضاة حكم و نيابة عامة و كتابتي الضبط و النيابة العامة بموجب نصوص قانونية خاصة مستقلة هي الأخرى عن مثيلاتها بباقي الجهات القضائية، و هو ما يمكن اعتباره منحى فريدا في إطار مبدأ استقلال القضاء المالي.

و أكثر من ذلك فإن مستقبل أجهزة الرقابة على المال العام يظل واعدا، إذ تم في متم يونيو 2021 توقيع مذكرة تعاون بين كل من  المجلس الأعلى للحسابات و رئاسة النيابة العامة و المجلس الأعلى للسلطة القضائية، و هو ما يعزو انفتاح المحاكم المالية على باقي المؤسسات الدستورية، و بالتالي يشكل قفزة ديمقراطية نوعية في مجال الرقابة على المال العام.


الهوامش:

[1]– خديجة بلكبير، مساهمة المحاكم المالية في الرقابة العليا – دراسة نظرية و تطبيقية مقارنة-، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية أكدال بالرباط، السنة الجامعية: 2007- 2008، ص: 85.

[2]– أحميدوش مدني، المحاكم المالية في المغرب – دراسة نظرية و تطبيقية مقارنة-، مطبعة فضالة بالمحمدية، الطبعة الأولى، سنة 2003، ص: 139.

[3]– صلاح الدين مصطفى أمين، الرقابة المالية العامة و ديوان الرقابة المالية في العراق بين ماضيه و مستقبله، بغداد، طبعة سنة 1997، ص: 33.

[4] – جيهان حسن أحمد خليل، دور السلطة التشريعية في الرقابة على الأموال العامة، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 2001، ص: 122-123.

[5] – محمد حلمي مراد، ديوان المحاسبة، بحث منشور بمجلة العلوم الإدارية العدد الثاني، سنة 1961، ص: 209.

[6] – صلاح العطيفي محمود، المخالفات المالية و رقابة الجهاز المركزي للحسابات، رسالة مقدمة للحصول على درجة الدكتوراه في الحقوق، القاهرة، سنة 1977، ص: 43.

[7] –  العوضى عثمان، الرقابة القانونية على مالية الدولة –دراسة مقارنة-، رسالة الدكتوراه، جامعة عين شمس، سنة 1992، ص: 308.

[8] – جيهان حسن أحمد خليل، مرجع سابق، ص: 125.

[9]– الموقع الإلكتروني الرسمي للجهاز المركزي للمحاسبات بمصر: https://asa.gov.eg/ .

[10] – أحمد إبراهيم، محكمة المحاسبة الفرنسية و أساليبها في الرقابة المالية، دار الفصول للنشر، 1977، ص: 51.

[11] – صلاح العطيفي محمود، مرجع سابق، ص: 20.

[12] – خديجة بلكبير، مرجع سابق، ص: 67.

[13] – عتيق السعيد، التدقيق بين الحكامة المالية و تحقيق التنمية المستدامة، مقال منشور بتاريخ 2 مارس 2016 بالموقع الإلكتروني  للعلوم القانونية: MarocDroit.ma .

[14] – ظهير شريف رقم 1.02.124 صادر في فاتح ربيع الآخر 1423 (13 يونيو 2002) بتنفيذ القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5030 بتاريخ 6 جمادى الآخرة 1423 (15 أغسطس 2002) ص 2294.

[15] – الموقع  الإلكتروني للمجلس الأعلى للحسابات بالمغرب:  http://www.courdescomptes.ma/ar/ .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)