الرقابة القضائية على النائب الشرعي و بيع أموال القاصر في التشريع المغربي

الرشوة الجنسية موضوع دورة تكوينية جهوية لاتحاد قاضيات المغرب بمراكش

أسباب و مخاطر التهرب الضريبي الدولي على اقتصاد المغرب

16 أبريل 2019 - 3:46 م مقالات , القانون العام , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

المــدفـــر الأشــقر دكتور قي القانون العام.

يشكل التهرب الضريبي احد أخطر و أهم المشاكل الضريبية، لكونه ينعكس مباشرة على الموارد الجبائية للدول. و يحدث التهرب الضريبي الداخلي داخل إقليم الدولة بمخالفة التشريع الجبائي الوطني، وذلك دون أخذ بعين الاعتبار لجنسية المكلف و ما إذا كان من مواطني الدولة أو شخصا أجنبيا عنها، فالعبرة هنا ليست بالجنسية و لكن بما يترتب على التهرب من خسائر في الموارد الجبائية.

و يتمثل التهرب الضريبي الداخلي عمليا في  البحث عن وسيلة لتفادي أو تقليص أو تأجيل ضريبة  بوسائل لا تمثل غشا ضريبيا، فاللجوء الى استخدام المهارات في تدبير الضرائب دون اللجوء للغش مسموح به،[1]غير أن هذه الحرية في استخدام المهارات الضريبية لتفادي أداء ضرائب أكثر، ليست مطلقة، بل تقف عند حدود عدم التعسف في استعمال القوانين و استغلال ثغراتها تحت ذريعة المهارة.[2]

و للتهرب الضريبي أسباب متعددة، خاصة في الدول النامية التي تعرف ضغطا جبائيا مرتفعا كما هو الشأن بالنسبة للمغرب، كما أن تزايد و تفشي التهرب الضريبي له تداعيات خطيرة على الاقتصاد و على البرامج الحكومية في المجالات الاجتماعية و البنية التحتية و بشكل عام يؤثر على النمو الاقتصادي للدولة ككل. و بحسب تقارير المنظمات الدولية، فإن المغرب يوجد في الرتبة 45 في قائمة تضم 143 دولة من حيث حجم التهرب الضريبي.[3]مما يؤثر بشكل كبير على الموارد المالية للخزينة العمومية.

و سنحاول من خلال هذا المقال تحديد أسباب و أبعاد هذه الظاهرة على الاقتصاد المغربي.

الفقرة الأولى : أسباب التهرب الضريبي في المغرب

العديد من الأبحاث و الدراسات اهتمت بمحاولة التعرف على الأسباب التي تدفع المكلفين للتهرب من أداء واجباتهم الضريبية، و مع ذلك فمن الصعب ترجيح سبب معين و القول بأنه هو العامل الأساسي في تفشي هذه الظاهرة.

و بصفة عامة فإن أسباب التهرب الضريبي يمكن إجمالها في ارتفاع معدل الضغط الجبائي و أسباب تقنية، سياسية، اقتصادية و أخلاقية.

  • أ. الضغط الجبائي :

تعرف العلاقة الموجودة بين المداخيل الضريبية و الناتج الداخلي الإجمالي بالضغط الجبائي، و يعتبر مؤشرا للتقدير الكلي للضرائب على مستوى الاقتصاد الوطني، و يعد من أهم المؤشرات الكمية المستخدمة لتقييم النظم الضريبية.[4]

و يستعمل   الضغط الجبائي للتعبير عن الآثار المترتبة عن الاقتطاع الضريبي، لذا فإن مفهومه يختلف باختلاف الحديث عنه سواء كانوا أفراد أو مؤسسات أو الحياة الاقتصادية ككل، حيث يعرف على المستوى الكلي (macro économie) على انه أحد أهم العوامل التي تدفع الأفراد و الشركات إلى البحث عن منافذ لتجنب أداء الضرائب أو التقليص منها وهو ما يعرف بالتهرب الضريبي.

و يتحدد مفهوم الضغط الضريبي في العلاقة التي تقوم بين الاقتطاع الضريبي الذي يتحمله شخص طبيعي أو معنوي أو مجموعة اقتصادية، و الدخل الذي يحصل عليه هذا الشخص أو هذه المجموعة، أو بتعبير آخر يتحدد الضغط الضريبي  من خلال نسبة الاقتطاع الجبائي على الناتج الداخلي الصافي(الضغط الجبائي الوطني) في حين يتم قياس الضغط الجبائي الفردي في العلاقة القائمة بين الاقتطاع الضريبي للملزم و مجموع طاقته التكليفية،  حيث يتم ترجمة الطاقة التكليفية في مبلغ الدخل الذي يحصل عليه الفرد خلال فترة معينة ( سنة).[5]و يلاحظ أن نسبة الضغط الضريبي في المغرب هي 22 %بالنسبة للأجور التي تقترب من الحد الأدنى للأجر و 45% بالنسبة للدخول المرتفعة.[6]

أما على المستوى الماكرو- اقتصادي، فقد عرف الضغط الجبائي المرتبط بالاقتطاعات الإجبارية العائدة للدولة ما بين سنة 2002 و سنة 2014، زيادة بنسبة 1،9% حيث انتقل من 18% إلى 19،9%، في حين ارتفع الضغط الجبائي المترتب عن الرسوم المحلية ب 0،9% بانتقاله من 2،6%  إلى 3،5% (موزعة ما بين 1% تخص الرسوم الذاتية و الأتاوى و 2،5% برسم التحويلات من منتوج الضريبة على القيمة المضافة).[7]

و تتجلى أهمية الضغط الجبائي في التأثير المباشر الذي يحدثه على مستوى توجيه الاستثمار و لتأثره هو أيضا بالمستوى الذي يتواجد عليه الاقتصاد، فحجم الإنتاج الوطني للدولة يكون له دور فعال على مردودية الضريبة، أي أن حجم الإنتاج الضريبي يسير وفق توسع أو تراجع الاقتصاد، و من ثم فتقدير حجم الضغط الجبائي يتم  بقياسه إلى الناتج الداخلي الإجمالي للدولة.[8]

و تبرز هذه العلاقة في أن ثقل الضريبة قد يؤدي إلى عدم التشجيع على الادخار و بالتالي على الاستثمار وذلك وفق قاعدة اقتصادية تقول بأن توسع النشاط الاقتصادي في حالة ضغط ضريبي مخفف و الذي تتحول على إثره الضرائب المستخلصة إلى الارتفاع نتيجة توسع الوعاء الضريبي.[9]

فقد توصل العديد من الخبراء الاقتصاديين إلى وجود علاقة قوية بين كثرة الضرائب  المفروضة  و الانكماش الاقتصادي، حيث توصل الاقتصادي الأمريكي “آرثر لافير” في نهاية سنوات السبعينات لقاعدة اقتصادية تقول أن ” كثرة الضرائب تقضي على الضرائب” و التي شكلت أساس نظرية “الحساسية الضريبية’allergie fiscale l”  و التي صاغها في شكل منحنى سيحمل اسمه و هو “La Courbe de Lafeer” و يتعلق الأمر بحد أقصى للضغط الضريبي لا ينبغي تجاوزه للحفاظ على مناصب الشغل التي تذر الدخل و التي بدورها تشكل مصدرا  للضرائب، ويؤدي تجاوز الحد الأقصى لبروز مظاهر الركود الاقتصادي و تزايد حالات التهرب الضريبي مما ينعكس سلبا على الموارد الضريبية للدول حيث تتقلص العائدات الجبائية نتيجة تقلص الوعاء الضريبي.[10]

و إذا كان الضغط الضريبي يتحدد عبر ما تحدثه سياسة ضريبية معينة على سلوك الأفراد في المجتمع و تعديل خططهم في مجالات الإنفاق الاستهلاكي، الادخار و الاستثمار، فإن الجهد الضريبي يعتبر عملا إحصائيا ينتج عن مقارنة بين المعامل الضريبي الحقيقي )الضغط الضريبي( و المعامل الضريبي المتوقع أو ما يمكن تعريفه بالطاقة الضريبية التي تشير إلى حد أقصى من الأموال التي يمكن تحصيلها بواسطة الضريبة.[11]

مقال قد يهمك :   اجتهاد قضائي:مادام الاموال كافية للدين فإنه لا موجب بإجراء حجوز اخرى على أموال المدين

و لمعرفة حقيقة قياس معدل نسبة الضغط الضريبي الوطني و الفردي، يفترض مقارنته بذلك الموجود في دول أخرى سواء نامية أو متقدمة، و قد أظهرت دراسة لصندوق النقد الدولي أن الضغط الضريبي في المغرب مرتفع بالإضافة إلى غياب العدالة الجبائية بين الملزمين أفراد و شركات و هو ما يشكل أحد الأسباب الأساسية للتهرب الضريبي.[12]

  • ب.الأسباب التقنية :

يعتمد النظام الجبائي المغربي بالنسبة للضرائب الرئيسية ) الضريبة على الشركات، الضريبة على القيمة المضافة و حقوق التسجيل( على تصريحات الملزمين باعتبارها المصدر الرئيسي للمعلومات التي تعتمد عليها الإدارة الجبائية في المغرب للحصول على المعطيات المتعلقة بالمداخيل و الأرباح و رقم المعاملات الخاصة بالملزمين.[13]

 و قد أدى الاعتماد على التصاريح الضريبية للملزمين من قبل الإدارة الجبائية المغربية إلى شيوع ظاهرة التصريحات الناقصة أو الكاذبة،و التي يتوخى الملزم منها تقليص تكاليفه الضريبية عن طريق خفض قيمة الأرباح المحققة و المبالغة في احتساب التكاليف و النفقات المرتبطة بالتسيير.[14]

كما يضاف للأسباب التقنية للتهرب الضريبي في المغرب، تعقد النظام الجبائي المغربي و صعوبة تقييم الوعاء الضريبي من طرف مفتشي الضرائب، الناجم عن غموض التشريع الجبائي الذي يتفاقم بسبب كثرة النصوص المؤطرة للمجال الجبائي و كثرة التعديلات و التحيينات التي تخضع لها، و هوالأمر الذي دفع العديد من المنظمات الدولية لإصدار توصيات تحث على تبسيط  التشريع الجبائي و المحافظةعلى استقراره.[15]

حيث نلاحظ على مستوى النظام الضريبي المغربي تعددا في نسب التضريب و تضخم حجم الإعفاءات الضريبية التي أصبح مفعولها عكسيا على الاقتصاد المغربي و على العدالة الاجتماعية، حيث يصل مبلغ الإعفاءات الجبائية التي تم احصاؤها و تقييم كلفتها في النظام الجبائي المغربي ل 32 مليار درهم يستفيد منها بشكل أساسي قطاع التصدير و القطاع ألفلاحي و القطاع العقاري،[16] و هو ما يمكن أن يؤثر على الاستثمارات التي كان من الممكن أن توجه لهذه القطاعات بشكل مباشر من خلال استثمار العائدات الضريبية، مما تكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد ككل.

 لذلك من الضروري إرساء آليات لتقييم سياسة الإعفاءات و الدعم الجبائي، من أجل التمكن من قياس مدى وجاهتها، و أيضا الآثار التي يمكن أن تحدثها في النسيج الاقتصادي و الاستثمار على وجه العموم.[17]

  • ج.الأسباب الاقتصادية :

 تؤثر الوضعية الاقتصادية للملزم بالإضافة للظرفية الاقتصادية (conjoncture économique)على علاقته بالإدارة الضريبية، حيث تكون في كثير من الأحيان دافعا لسلوك الملزمين نحو التهرب الضريبي، فمواجهة الملزم لوضعية اقتصادية سلبية تجعل البعض منهم يفكر في التهرب من أداء الضرائب.[18]

فكلما كانت الضرائب مرتفعة كلما زادت رغبة الملزم في التهرب من أداء الضرائب المفروضة عليه، سعيا لتخفيف العبء الضريبي المفروض عليه، في حين أن الظرفية الاقتصادية الايجابية تدفع في الغالب الملزمين لأداء الضرائب المفروضة عليهم وفق القانون من أجل تفادي المخاطر المرتبطة بمحاولة التهرب الضريبي.[19]

فخلال فترة الازدهار الاقتصادي يلجأ التجار و المقاولون لتحميل المستهلك الضرائب المفروضة عليهم من خلال الرفع في الأثمان، و هو ما لا يصبح ممكنا خلال فترة الركود الاقتصادي نظرا لضعف القدرة الشرائية للمستهلك، مما يدفع التجار للتهرب الضريبي سعيا لخفض العبء الضريبي المفروض عليهم.[20]

كما يشكل النشاط الاقتصادي غير المهيكل أحد أهم الاسباب الاقتصادية للتهرب الضريبي، حيث لا تسمح طبيعة هذا النشاط للإدارة الجبائية بمعرفة حجم التعاملات أو الأرباح أو التحويلات المالية  التي تتم داخل هذا القطاع، مما يجعله بمنأى عن الضرائب المفروضة على القطاعات الاقتصادية المهيكلة.[21]

و في هذا السياق، اعتبر المجلس الاقتصادي  و الاجتماعي أن العبء الضريبي لا يتوزع بصفة عادلة بين الفاعلين الاقتصاديين، فعبء الضريبة على الشركات، تتحمله فئة قليلة من المقاولات، كما أن الضريبة على الدخل تعتمد بالأساس على المداخيل في شكل أجور في القطاعات المنظمة)  73 بالمائة من مجموع الضرائب على الدخل مصدره الأجر([22] وهو ما يشكل سببا مباشرا في اللجوء للتهرب الضريبي كوسيلة للتخفيف من العبء الضريبي.

  • د.أسباب نفسية و أخلاقية :

مجموعة من العوامل النفسية و السلوكية تؤثر على سلوك الملزمين تجاه واجباتهم الضريبية يمكن ان نلخصها في أربعة و هي :

  • العدالة: سلوك الملزم يتأثر عند إحساسه بغياب العدالة الجبائية ، خاصة عندما يشعر أن النظام الجبائي لا يعامله على قدم المساواة مع غيره من الملزمين؛
  • الأنانية: فالأفراد الذين لا يلتزمون بواجباتهم الضريبية، يعتبرون أنانيين و ينزعون للتهرب الضريبي  رفضا منهم للالتزام الجماعي بالمساهمة في التكاليف العامة؛
  • العادات الاجتماعية: فعندما يشعر المكلف أن عدم أداء الضرائب و التهرب منها هو عادة اجتماعية لا تؤثر على مكانته  الاجتماعية سلبا، يصبح من السهل عليه اللجوء للتهرب الضريبي كوسيلة للتخفيف من أعبائه المالية؛
  • عدم الرضى و غياب الثقة : انعدام الثقة و غياب التواصل بين الملزم و الإدارة الضريبية يؤدي إلى ضعف الالتزام بالضريبة. كما أن العديد من التقارير أشارت لعدم ثقة المغاربة في النظام البنكي الوطني بحيث يعمدون لإخفاء ثرواتهم بالجنات الضريبية أو البنوك الأوربية.[23]
مقال قد يهمك :   رقابة محكمة النقض على سلطة محكمة الموضوع في تحديد التعويض عن فسخ العقد.

و عليه يمكن القول أن مسألة توسيع الوعاء الضريبي، هي مسألة عدالة و إنصاف بقدر ما هي مسألة زيادة في الموارد المالية للدولة، فالتهرب الضريبي يعود في جانب كبير منه، ليس إلى ارتفاع مقدارها فحسب، وإنما إلى الشعور بأن الملزمين لا يؤدون الضرائب بالطريقة ذاتها، و أن قسمة الأعباء الضريبية ليست عادلة.[24]

الفقرة الثانية : مخاطر التهرب الضريبي على الاقتصاد المغربي

يشكل التهرب الضريبي مسا مباشرا بمبدأ العدالة في توزيع الأعباء العامة بين الأفراد، بحيث يتحمل البعض تمويل خزينة الدولة من خلال أداء الضرائب المترتبة عليهم طبقا للقوانين، في حين يتهرب البعض الأخر من هذه الالتزامات باستعمال طرق ملتوية و أساليب احتيالية لتجنب أداء القيمة الحقيقية لما في ذمتهم تجاه الإدارة الضريبية.

كما أن للتهرب الضريبي سلبيات متعددة تمس مختلف نواحي الحياة. فانخفاض موارد الدولة كنتيجة حتمية له، من شأنه أن إضعاف فاعلية السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة بغرض رفع معدل النمو و تحسين الخدمات العامة.

 إذ لن تتحقق الأهداف التي تحددها النظريات الرئيسية في الضرائب إذا انتشرت ظاهرة التهرب الضريبي في المجتمع و أصبحت هي القاعدة و ليست استثناء،[25] بل أكثر من ذلك ستضطر الدولة، لتغطية هذا النقص، إلى اللجوء لزيادة مواردها الضريبية بفرض ضرائب جديدة، أو بالزيادة في قيمة الضرائب الموجودة بالفعل، و هذا بدوره يؤثر سلبا على توزيع الدخل و مبدأ العدالة الضريبية و النمو الاقتصادي.

وكنتيجة حتمية لذلك سيزداد العبء الضريبي على الملزمين، و بخاصة ذوي الدخل الثابت، وفي نفس الوقت سيحاول المكلفون ذوي الدخل المتغير، أي الذين يمارسون أنشطة حرة اللجوء للتهرب الضريبي من أجل تخفيف العبء الضريبي عليهم. أي أن الدولة عندما تلجأ إلى فرض ضرائب جديدة أو الزيادة في قيمة الضرائب القائمة تكون قد عملت على الزيادة في الضغط الجبائي على الملزمين ذوي الدخل الثابت و قللت من عبئها على الملزمين ذوو الدخل المتغير و هذا ينافي مبدأ المساواة أمام التكاليف و الأعباء العامة.

و على غرار باقي دول العالم، لم يسلم المغرب من آفة التهرب الضريبي الدولي التي تمتص موارده الجبائية و تعيق مسيرته التنموية وتقف حائلا أمام توفير بنية تحتية حديثة و متجددة  و تقديم خدمات اجتماعية متطورة.

فالتهرب الضريبي يمس ثلاث ركائز تعد أساسية في كل دولة : فمن جهة أولى، فهو يمس المالية العمومية للدولية باعتباره يساهم في خسارة الدولة و الجماعات المحلية لمبالغ مهمة.

 ومن جهة ثانية، ينعكس التهرب الضريبي بشكل مباشر على الجانب الاجتماعي للمواطنين و يمس بمبادئ العدالة الاجتماعية في تحمل التكاليف العمومية و هو مبدأ دستوري في المغرب.[26]

و من جهة ثالثة فهو يؤثر على المشروعية السياسية للسلطة الحكومية المكلفة بالضرائب، لكونه يضرب في العمق الأساس الذي من أجله وجدت هذه السلطة، و يتمثل في جمع الضرائب من المواطنين و أنفاقها على الخدمات و المشاريع العمومية.

فالدراسات السابقة التي تم إنجازها حول النظام الجبائي المغربي، لم تتناول موضوع التهرب الضريبي إلا بشكل هامشي، فالإحصائيات الرسمية لسنة 2011 حول حجم التهرب الضريبي تشير أن 115.000 مقاولة خاضعة للضريبة على الشركات تصرح بالعجز في حساباتها بشكل متكرر، و هي وضعية غير طبيعية تجعل 2% فقط من الشركات تِؤدي 80% من الضريبة على الشركات.[27]

كما أن العديد من الأفراد و الشركات التي تقوم بالتهرب الضريبي تعمل على تهريب ثرواتها لبلدان أخرى توفر ملاجئ آمنة لا تطالها مراقبة الإدارة الضريبية، وهو ما يضاعف حجم الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد المغربي.

 فمن جهة يؤدي التهرب الضريبي الدولي إلى عدم استخلاص الموارد المالية الكافية لتنفيذ البرامج و السياسات العمومية، و من جهة ثانية يؤدي إلى تهريب الأموال و الثروات بالعملة الصعبة لبلدان أخرى، حيث يستفيد المتهربون من الأنظمة الجبائية التفضيلية و التي يطلق عليها الجنات الضريبية، للحصول على ملاذ آمن لثرواتهم وأرباحهم، معتمدين في ذلك على عدم وجود آليات تسمح بالكشف عن هذه الثروات بين بلدان الإقامة و بلدان الاستقبال.

خلاصة:

 إذا كانت القوانين الداخلية قد استطاعت إلى حد كبير وضع قوانين و إجراءات لرصد و تتبع ظاهرة التهرب الضريبي الداخلي و تقييد المكلف بالضريبة لما يشكله من خطورة على الموارد الجبائية للدولة، فإن الأمر يصبح مختلفا عندما يتعلق بالتهرب الضريبي الدولي، فيلاحظ قصور واضح للتشريعات الوطنية لمواجهة هذه الظاهرة.

وهو قصور يرجع لتجاوز التهرب الضريبي الدولي للحدود الاقليمية للدول مما يصبح معه التشريع الداخلي بدون تأثير انطلاقا من مفهوم السيادة الذي يحصر أثر نفاذ قانون معين في الحدود السياسية للدول مما يصبح معه ضروريا على المغرب تعزيز تعاونه الجبائي الدولي للحد من نزيف التهرب الضريبي على الاقتصاد المغربي.


لائحة المراجع :

  • بوزيدة حميد : النظام الضريبي الجزائري و تحديات الإصلاح الاقتصادي في الفترة )1992-2004(، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية، جامعة الجزائر، السنة الجامعية 2005-2006.
  • مدني أحميدوش :”ظاهرة الضغط الضريبي بالمغرب”، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 69، يوليوز –غشت 2006.
  • التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2014، الجزء الثاني، الكتاب الأول.
  • خليل الفاهمي.: “الضريبة و الاستثمار: نحو صياغة علاقة جديدة للمتغيرين، “، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 60، يناير-فبراير 2005.
  • النظام الضريبي المغربي : التنمية الاقتصادية و التماسك الاجتماعي، تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي، إحالة ذاتية رقم 9/2012.
  • سوزي عدلي راشد : “ظاهرة التهرب الضريبي و آثارها على إقتصاديات الدول النامية”، الدار الجامعية، الاسكندرية ، الطبعة الأولى 2008.
  • A . Jewell, M. Mansour, P. Mitra et C. dralevich: « Fiscalité équitable au moyen orient et en Afrique du nord », Edition du FMI Septembre 2015.
  • Aboulhassan, A. El Bouazzaoui, R. Remmal et A. El Boukri : « La fraude fiscale au Maroc », Edition Arabian Al Hilal, Rabat, 1996.
  • BURHER (J.): « Les délits pénaux fiscaux: une mise en perspective des droits français, Luxembourgeois et internationaux », Thèse de doctorat en Droit, université Nancy II, Janvier 2011.
  • Rapport du « Boston Consulting Group » (BCG) cité par B. Dinar : ″Sur la dimension éthique de l’argent : les phénomènes de fuite et de blanchiment de capitaux au Maroc″.
  • Le système fiscal marocain : développement économique et cohésion sociale, Rapport du conseil économique et social, auto saisine n° 9/2012.
  • SOUBEYRAN () : « La courbe de Laffer », La Revue Alternatives Economiques, n°309 du 01/01/2012.
  • Le système fiscal marocain, développement économique et cohésion sociale, synthèse, publication du Conseil Economique et Social, octobre 2012, P.4.
  • Abdelhamid Hassoune : ‘ l’évasion fiscale en Afrique – cas du Maroc : sortes d’évasion et comment la maitriser ?’ séminaire sur la réforme des politiques fiscales axées sur l’innovation et la modernisation des institutions en charge de la collecte et de la gestion du patrimoine public, publication de CAFRAD 29 novembre au 1er Décembre 2010 Tanger P 5
  • Dinar : ″Sur la dimension éthique de l’argent : les phénomènes de fuite et de blanchiment de capitaux au Maroc″ La Revue Ethique et Economique n° 12.2015, P.P. 15-29.
مقال قد يهمك :   هل لا يزال القانون الإداري المغربي مناسبا لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين؟

الهوامش :

[1]BURHER (J.): « Les délits pénaux fiscaux: une mise en perspective des droits français, Luxembourgeois et internationaux », Thèse de doctorat en Droit, université Nancy II, Janvier 2011, P 11

[2]Ibid. : P 11

[3] Rapport du « Boston Consulting Group » (BCG) cité par B. Dinar : ″Sur la dimension éthique de l’argent : les phénomènes de fuite et de blanchiment de capitaux au Maroc″, Op.cit. P.24.

[4] بوزيدة حميد : النظام الضريبي الجزائري و تحديات الإصلاح الاقتصادي في الفترة )1992-2004(، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية، جامعة الجزائر، السنة الجامعية 2005-2006، ص 160

[5]مدني أحميدوش :”ظاهرة الضغط الضريبي بالمغرب”، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 69، يوليوز –غشت 2006، ص 66.

[6]Le système fiscal marocain : développement économique et cohésion sociale, Rapport du conseil économique et social, auto saisine n° 9/2012, P.152.

[7] التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2014، الجزء الثاني، الكتاب الأول، ص 76.

[8]خليل الفاهمي.: “الضريبة و الاستثمار: نحو صياغة علاقة جديدة للمتغيرين، “، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 60، يناير-فبراير 2005، ص 75.

[9]خليل الفاهمي.: نفس المرجع، ص 76

[10]SOUBEYRAN (J.) : « La courbe de Laffer », La Revue Alternatives Economiques, n°309 du 01/01/2012.

[11]خليل الفاهمي.: مرجع سابق، ص 76

[12]A . Jewell, M. Mansour, P. Mitra et C. dralevich: « Fiscalité équitable au moyen orient et en Afrique du nord », Edition du FMI Septembre 2015, P.32

[13] M. Aboulhassan, A. El Bouazzaoui, R. Remmal et A. El Boukri : « La fraude fiscale au Maroc », Edition Arabian Al Hilal, Rabat, 1996, P. 55

[14] Le système fiscal marocain, développement économique et cohésion sociale, synthèse, publication du Conseil Economique et Social, octobre 2012, P.4.

[15]Abdelhamid  Hassoune : ‘ l’évasion fiscale en Afrique – cas du Maroc : sortes d’évasion et comment la maitriser ?’ séminaire sur la réforme des politiques fiscales axées sur l’innovation et la modernisation des institutions en charge de la collecte et de la gestion du patrimoine public, publication de CAFRAD 29 novembre au 1er Décembre 2010 Tanger P 5

[16]النظام الضريبي المغربي : التنمية الاقتصادية و التماسك الاجتماعي، تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي، إحالة ذاتية رقم 9/2012، مرجع سابق.31

[17]النظام الضريبي المغربي، مرجع سابق، ص 32

[18] M. Aboulhassan, A. El Bouazzaoui, R. Remmal et A. El Boukri : « La fraude fiscale au Maroc », Op.cit. P 30.

[19]Ibid. P.30

[20]Ibid. P.30

[21] M. Aboulhassan, A. El Bouazzaoui, R. Remmal et A. El Boukri : « La fraude fiscale au Maroc », Op.cit. P.30

[22]النظام الضريبي المغربي، مرجع سابق: ص 22

[23] B. Dinar : ″Sur la dimension éthique de l’argent : les phénomènes de fuite et de blanchiment de capitaux au Maroc″, Op.cit. P.24.

[24]النظام الضريبي المغربي، مرجع سابق: ص 28

[25]سوزي عدلي راشد :”ظاهرة التهرب الضريبي و آثارها على اقتصاديات الدول النامية”، الدار الجامعية، الاسكندرية ، الطبعة الأولى 2008.، ص 5

[26]ينص الفصل 39 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 “على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور.” كما ينص الفصل 40 من نفس الدستور “على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”

[27]النظام الضريبي المغربي : التنمية الاقتصادية و التماسك الاجتماعي، تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي، مرجع سابق، ص 148

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)