مجلة مغرب القانون

ابتدائية وجدة تعتبر الإيذاء النفسي لقاصر إساءة جسدية وتطبق اتفاقية نيويورك لحقوق الطفل

مغرب القانون/ وجدة

  أصدرت المحكمة الابتدائية يوجدة بتاريخ 02/05/2023 في قضايا العنف ضد النساء والأطفال ملف جنحي رقم : 37-2113- 2022 حكم عدد:33 اجتهادا قضائيا حديثا -يتوفر موقع مغرب القانون على نسخة منه- يعتبر الإيذاء النفسي ضد قاصر جريمة يعاقب عليها القانون تمامًا مثل الإساءة الجسدية طبقا للفصل 408 من القانون الجنائي، ويمكن أن تأخذ الإساءة النفسية للأطفال أشكالاً عديدة مثل الإهانات،  التهديدات اللفظية، الرعب ، والترهيب أو  الإذلال.

 ويعتبر هذا الحكم الحديث مسايرة للاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل الصادرة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 نوفمبر 1989 التي تنص في ديباجتها على :

” … أن الأمم المتحدة قد أعلنت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن للطفولة الحق في رعاية ومساعدة خاصتين،

واقتناعا منها بأن الأسرة، باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع والبيئة الطبيعية لنمو ورفاهية جميع أفرادها وبخاصة الأطفال، ينبغي أن تولى الحماية والمساعدة اللازمتين لتتمكن من الاضطلاع الكامل بمسؤولياتها داخل المجتمع…”.

  • وقد جاء في تعليل هذا الحكم ما نصه:

” حيث تابعت النيابة العامة المتهمة من أجل جنحة الإيذاء في حق قاصر والسب والشتم   الأفعال المنصوص عليها وعلى عقوبتها الفصول  443 و 444 و 400 و 408 من  القانون الجنائي.

وحيث يعاقب طبقا للفصل 408  من مجموعة القانون الجنائي بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات كل من جرح أو ضرب عمدا طفلا دون الخامسة عشرة من عمره أو تعمد حرمانه من التغذية أو العناية، حرمانا يضر بصحته، أو ارتكب عمدا ضد هذا الطفل أي نوع آخر من العنف أو الإيذاء، فيما عدا الإيذاء الخفيف.

وحيث تخلفت المتهمة عن الحضور أمام هيئة المحكمة رغم استدعائها دون جدوى، مما يتعين الاكتفاء بتصريحاتها التمهيدية الموثوق بها عملا بنص المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية والتي أكدت فيها أنها أنه بتاريخ 2022/04/10 حوالي الساعة الخامسة زوالا عاد ابنها القاصر المسمى ع.م  و ملابسه ملطخة بالتراب و عند استفساره عن الأمر أخبرها  بأن الشاكي قام بإسقاطه أرضا بينما كان يلهو معه، فتوجهت للحي من أجل التكلم مع الشاكي إلا أنه قام بالهروب منها  و عندما لمحته فقامت بملاحقته للمنزل، و عند طرقه للباب بالقوة لأنها كانت شديدة الغضب قام القاصر بفتح الباب الرئيسي  للمنزل فقامت بسبه و شتمه و الصراخ في وجهه و تأنيبه عما فعله لابنها القاصر فتدخلت شقيقته القاصر التي أخبرته بأن الشاكي لم يقم بتعنيف ابنها و غادرت المنزل حيث أنها قامت بلطخ الباب الرئيسي بالقوة و توجهت بعدها لمنزلها، نافيا أن تكون قد عرضته للعنف الجسدي.

مقال قد يهمك :   العقوبات التي جاء بها القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء.

     وحيث نصت اتفاقية حقوق الطفل الصادرة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 نوفمبر 1989 في مادتها 37 على أن تكفل الدول الأطراف: أ. ألا يعرض أي طفل … أو لغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية . وحيث يقصد بالعنف ضد الأطفال بأنه كل سلوك كان لفظي أو غير لفظي، وفيه إساءة للطفل، تؤدي حتما  إلى اضطرابات نفسية، و الشعور بالنقص وفقدان الثقة في نفسه، من خلال إشارات أو عبارات لفظية سيئة أو جارحةٍ أو مهينة،  وقد يشمل أيضًا تهديدات، تسبب في أضرار جسدية مرئية، ولكنه يسبب ألمًا في نفس الضحية، و يظل جريمة مثل الإيذاء الجسدي.

وحيث إن قيام المتهمة بتعريض القاصر للسب والشتم بألفاظ مهينة وملاحقته إلى غاية منزله وترهيبه من خلال صراخها العالي في وجهه وخلق نوع من الخوف لديه من خلال طرق باب منزله الرئيسي بالقوة،  رغم العلاقة غير المتكافئة بينهما يعتبر بتقدير المحكمة  أحد أساليب الإيذاء النفسي الذي  يقع في دائرة التجريم وفقا لفصول المتابعة لما ينتج عنه من الشعور بالقلق،  وأن ما ساقته المتهمة في محضر استماعها من تبريرات لإساءة معاملة القاصر وإضفاء الطابع الشرعي لها يبقى غير مقبولا ومحظورا بنص الفصل المتابع به، ولا يتوافق مع الحماية المطلوبة لسلامته الجسدية والنفسية وهو ما يثبته استئناسا التقرير الطبي المدلى به،  مما يتعين مؤاخذتها وعقابها عليها.

وحيث انه يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ماعدا في الأحوال التي يقضى فيها القانون بخلاف دلك ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم.

وحيت أن المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شان التثبت من الجنح والمخالفات يوثق بمضمنها إلى أن  يثبت العكس  بأي وسيلة من وسائل الإثبات طبقا للمادة 290 من ق ج.

مقال قد يهمك :   اعمارة : وزارة التجهيز منكبّة على إعداد مشروع قانون لتنظيم الوعاء العقاري العمومي

وحيت إن المحكمة من خلال تصريحات المتهم التمهيدية جاءت صريحة وصادرة عن إرادة حرة غير مكرهة ومنسجمة مع وقائع القضية ومتطابقة معها ، بعد دراستها للقضية وما راج أمامها ثبت لديها واقتنعت بارتكاب المتهمة للمنسوب إليها وفقا لما ذكر ويتعين ادانتها من اجلها.

وقد قضت المحكمة في هذه النازلة علنيا ابتدائيا وغيابيا:

” بمؤاخـــــــــــــذة المتهمة من أجل ما نسب إليها وعقابها بشهر  (01)  واحد حبسا موقوف التنفيذ وغرامة قدرها ( 500.00) درهم مع الصائر والإجبار في الحد الأدنى

وبه صدر هذا الحكم في قاعة الجلسات رقم 7 بالمحكمة الإبتدائية بوجدة علنيا في التاريخ أعلاه وكانت امحكمة مشكلة من السادة :

الأستاذ  علي أحنين              رئيسا

بحضور الأستاذ   خالد خراجي          وكيلا للملك

بمساعدة السيدة خديجة بياض           كاتبا للضبط “

      يشار إلى أن المغرب كان من بين البلدان الأولى التي بادرت في نفس سنة إقرار الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل إلى التوقيع عليها من طرف جلالة الملك الحسن الثاني شخصيا، رحمه الله سنة 1989 بمدينة نيويورك الأمريكية.

   ولا شك أن المغرب حقق تقدما مهما في مجال حقوق الطفل، بفضل جهود متراكمة، على المستويات التشريعية والتنظيمية، التي بذلت لتكريس هذه الحقوق منذ التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل عام 1989، ثم بالانخراط في هذه المنظومة من   خلال التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات والبروتوكولات مثل البروتوكول الاختياري الثالث لاتفاقية حقوق الطفل المتعلق بإجراء تقديم البلاغات سنة 2013 وهي نفس السنة التي تم التوقيع فيها على ثلاث اتفاقيات لمجلس أوروبا تتعلق على التوالي ب اتفاقية «لانزاروت» الخاصة بحماية الأطفال من الاعتداء والاستغلال الجنسي والاتفاقية المتعلقة بممارسة حقوق الطفل و الاتفاقية بشأن العلاقات الشخصية للطفل. كما صادقت بلادنا على مجموعة من الاتفاقيات الدولية التي لها تأثير مباشر على حقوق الطفل، سواء تعلق الأمر بحماية الأطفال من التعذيب والمعاملة القاسية أو حماية العمال المهاجرين التي تضمن حماية لأفراد أسرهم، وحماية الأطفال من الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومن الاتجار بالبشر، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد الفتاة.

مقال قد يهمك :   التصنيف القانوني لقرارات الآليات الدولية لحقوق الإنسان

كما شكل دستور 2011 منعطفا تاريخيا إضافيا، ارتقى بحق الطفل في الحماية وجعله حقا دستوريا، إذ نص في الفصل 32 على أن الدولة تسعى لـ «توفير الحماية القانونية، والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية». كما نص على أن «التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة»، وأحدث مجلسا استشاريا للأسرة والطفولة.

كما عمل المغرب على تعزيز الترسانة القانونية  لحماية الطفولة سنة 2016، باستصدار مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية من بينها:

  • القانون رقم 19.12 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعمال المنزليين، الذي يمنع تشغيل الأطفال أقل من 18 سنة في العمل المنزلي،
  • والقانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، الذي تضمن مقتضيات تهم حماية حقوق الأطفال في وضعية إعاقة،
  • وإخراج القانون رقم 78.14 المتعلق بالمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، باعتباره مؤسسة دستورية ستتولى مهمة تأمين تتبع وضعية الأسرة والطفولة، وإبداء آراء حول المخططات الوطنية المتعلقة بهذه الميادين، وإثراء النقاش العمومي حول السياسات العمومية في مجال الأسرة والطفولة، وضمان تتبع وإنجاز البرامج الوطنية،
  • وأيضا إخراج القانون رقم 27.14 المتعلق بالإتجار بالبشر، الذي يشدد العقوبة في حال ارتكاب جريمة الاتجار بالبشر ضد قاصر دون 18 سنة.
error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)