التعاون الدولي لمكافحة الجريمة المنظمة: المنظمة الدولية للشرطة الجنائية نموذجا (تقرير أطروحة)

مقاربة الأمن وحقوق الإنسان في مواجهة التطرف: ظاهرة الإرهاب نموذجا (تقرير أطروحة)

الإضراب بالقطاع العام بين الحق الدستوري ومبدأ استمرارية المرفق العام.

27 أغسطس 2021 - 8:37 م المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

المضور عصام باحث في العلوم القانونية

يعد حق الإضراب من بين الحقوق المعترف بها عالميا في جميع المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالعمل، إذ يرتبط الأول جدليا بالثاني. هكذا، فقد عرف حق الإضراب عدة مراحل إلى أن وصل إلى مرحلة الاعتراف الدولي، فقد ظهر هذا الأخير نتيجة التمرد ضد الاستغلال التي عانته وتعانيه الطبقة العاملة من طرف الطبقة الرأسمالية (طول ساعات العمل، انخفاض الأجرة، غياب العطل…)، كما ساهمت الأفكار الاشتراكية في تقوية الإيمان بهذا الحق كسبيل للخلاص وكسب الحقوق تحث شعار “يا عمال العالم اتحدوا”.

فإذا كان الاعتراف بالحق في الاضراب ثمرة مجهود الطبقة العاملة في القطاع الخاص، فإن هذا الحق امتد ليشمل حتى الموظفين في القطاع العام في مواجهة الإدارة المشغلة التي قد تتعسف في حق موظفيها. لكن فإذا كان الإضراب في القطاع الأول يهدف من خلاله العمال الضغط على المشغل قصد النهوض بحقوقهم، فإنّه في القطاع الثاني -العام- وإن كانت الغاية منه الضغط على الإدارة لذات الهدف، فإن ذلك ينعكس على عموم المواطنين[1] من خلال تعطيل مصالحهم ضربا عرض الحائط مبدأ “استمرارية المرفق العام بانتظام واطراد”.

كجل إن لم نقل كل دول العالم، عرف المغرب عدة اضرابات منذ فترة الحماية[2] -وإن اتخدت طابع سياسي- وبعد الاستقلال إلى يومنا هذا دون أن ينظَّم قانونيا، اللّهم بعض الاشارات في بعض القوانين[3] ليتم الاعتراف به مع أول دستور للملكة سنة 1962 والذي علق تنظيمه على صدور قانون تنظيمي، وهو نفس المسلك الذي سلكته  جميع الدساتير المتعاقبة إلى آخرها 2011 دون صدور القانون التنظيمي الموعود به.

لقد كان الإضراب في القطاع العام في المغرب كما في فرنسا مجرما، وممنوعا في مراحل متقدمة تحت ذريعة تعطيل استمرارية المرفق العام، لكن ظهرت بوادر الاعتراف به للموظفين كما لأجراء القطاع الخاص مع صدور ظهير 1958 المتعلق بالحريات العامة، الذي لم يمنع ممارسة الإضراب ونفس الشيء بالنسبة للقانون الجنائي، الذي لم يجرم الإضراب رغم تجريمه لبعض الأفعال المصاحبة له كالمس بحرية الشغل، وظهير 24 فبراير 1958 المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية فقد خصص الباب الثاني لحقوق وواجبات الموظفين، ليزداد هذا الحق تكريسا مع صدور دستور 1962، وبعده إلى دستور 2011.

لكن وإن كان الإضراب حقا دستورية –بل حق مقدس- فإن ممارسته تخضع لبعض القيود سواء منصوص عليها في قوانين خاصة أو مستمدة من الاجتهادات القضائية التي دأبت عليها المحاكم في القضايا المعروضة عليها. ومن هذه القيود؛ أن ممارسته ممنوعة على بعض الفئات من الموظفين العمومين، كما قد يضر بمصالح باقي المواطنين نتيجة عرقلة سير المرفق، كما أن ممارسة الاضراب قد تجعل من مشنيه إرغام غير المضربين على الاصطفاف معهم مما يمس بحق وحرية العمل دون أن ننسى تطور ممارسة الحق الإضراب بحيث أصبحت بعض أنواعه ذات طابع تعسفي وغير مشروع![4]

كما أن المتتبع للشأن الاجتماعي سيقف مذهولا أمام الآثار التي تخلفها ممارسة الاضراب، والتي قدد تتجاوز علاقة المضرب بالإدارة إلى تهديد السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي.[5]

لكن بالنسبة للمغرب ورغم كل ما تم ذكره، ورغم الآثار الوخيمة التي تترتب على الاضراب مع استحضار أن العمالة المغربية لا تتجاوز في غالب الأحيان ومنذ مدة الاضرابات العادية، والتي لا يتوخى من ورائها هؤلاء إلاَّ أبسط الحقوق (الحد الأدنى للأجر، تخفيف ساعات العمل، التغطية الاجتماعية…) فإننا ما زلنا منذ 1962 ننتظر ولادة القانون التنظيمي الموعود به، والذي سينظم ممارسة حق الاضراب دون أن تظهر بوادر الاتفاق بين النقابات العمالية والمنظمات المهنية على قانون تنظيمي، مع العلم أنه تعاقبت عدة قوانين تنظيمية آخرها 97/15.[6]

من خلال ما سبق سوف نقتصر في هذه الورقة على الإضراب في القطاع العام وما يثيره من إشكالات من خلال الاجابة عن الأسئلة أدناه.

  • كيف يمكن اعتبار اضراب مشروع واخر غير مشروع؟
  • ماهي القيود التي تحد من ممارسة الاضراب في القطاع العام؟
  • ما هي اثار الاضراب على الموظف العمومي المضرب؟
  • القيود الواردة على ممارسة الحق في الإضراب.

المطلب الأول: القيود المكبّلة لممارسة الحق في الإضراب

كما هو معلوم فقد أصبح الحق في الإضراب مضمون دستوريا في أغلب دساتير دول العالم، والمغرب بدروه لم يشد عن القاعدة، بل ارتقى هو الآخر بالحق بالاضراب إلى مصاف الحقوق الدستورية منذ أول دستور سنة 1962 وباقي الدساتير المتعاقبة على المملكة إلى دستور 30 يوليوز 2011. لكن بقي تتظيمه معلقا على صدور قانون تنظيمي لم يكتب له الميلاد إلى يومنا هذا.

إن جميع النقابات العمالية ومجموعات العمال –في القطاع الخاص- والموظفين يرتكزون في ممارستهم لحق الإضراب على الفصل 14 من الدستور الذي يقرُّ بأحقية ممارسة الحق في الإضراب، ونفس السند تعتمده المحاكم الإدارية في  تعليلها وإضفائها للمشروعية على ممارسة الموظفين لحق الإضراب.[7] لكن هناك حالات لا يسعف فيها الفصل المذكور للسماح بممارسة الإضراب، سواء عندما يتعارض حق الاضراب مع مبدأ استمرارية المرفق العام (أولا) أو عندما يتعلق الأمر ببعض الفئات من الموظفين (ثانيا)

أولا: تعارض حق الإضراب مع مبدأ استمرارية المرفق العامة

تهدف المرافق العمومية إلى تقديم الخدمات اللازمة للمواطنين، ومن تم فإن توقف سيرها تترتب عنه آثار سلبية يكون من الصعب تفاديها، ما دام هذا التوقف من شأنه تأخير مصالح الأفراد وإرباك المجتمع ككل، لذلك فالحاجة تقتضي ضرورة مواصلة سير المرافق العمومية في تقديم خدماتها بانتظام واطراد كيفما كانت الصعوبات.[8]

ويشكل هذا المبدأ – سير المرفق بانتظام واطراد- الذي ابتدعه القضاء قبل أن يتم تكريسه دستوريا الأساس الذي تستند عليه معظم الأحكام التي تقوم عليها نظريات القانون الإداري في مجال القرارات الإدارية، العقود الإدارية، الوظيفة العمومية والمسؤولية الإدارية، كما أنه يعتبر الإطار المرجعي بالنسبة لباقي المبادئ التي تؤطر المرافق العمومية (المساواة، قابلية المرفق العمومي للتعديل والتغيير…).

هكذا نصت بعد ذلك أغلبت دساتير دول العالم ومنها المغرب عل هذا المبدأ، إذ ينص الفصل 154 من الدستور المغربي على مايلي: “يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والانصاف في تغطية التراب الوطني، والإستمرارية في أداء الخدمات.”

لكن المبدأ أعلاه يتعارض مع الحق في الإضراب المضمون دستوريا كذلك. فهذا الأخير وبلا شك يعطل سير المرفق العام، خاصة إذا طال أمد التوقق مما يؤدي إلى تجميد مصالح المواطنين طول مدة الإضراب. وهذا ما عشناه طول السنة مع اضرابات الأساتذة وكيف تعطلت المدارس العمومية باعتبارها مرافق حيوية يعول عليها لبناء المجتمع ككل.

مقال قد يهمك :   إعادة تقدير أساس الضريبة

هكذا، ومن خلال ما سبق فإن هناك من رجَّح مبدأ استمرارية المرفق العام على ممارسة حق الإضراب.[9] واخرون يرون العكس، باعتبار حق الإضراب حق مكفول دستوريا، إذ يرى الأستاذ “عبد العزيز العتيقي” حق الإضراب مضمون في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، إذ أبرز من خلالها أن حق الإضراب هو جوهر الحقوق والحريات النقابية، ويرتبط أساسا بحق التفاوض، مشيرا أن هذا الحق له علاقة جدلية بالحريات العامة كما تنص عليها المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.[10] في حين ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط إلى تبني موقف وسط، إذ بالرغم من إقرار هذا الحق فإنها أكدت على تحقيق مبدأ التوازن بين هذه الممارسة ومبدأ سير المرفق العام، إذ جاء في حكمها :” وحيث إن إضراب الموظفين هو امتناعهم عن تأدية أعمال وضائفهم بصفة مؤقتة تعبيرا عن عدم الرضى عن أمر معين، وهو من الحقوق المكفولة بمقتضى الدستور الذي نص في فصله 14 على أن حق الإضراب مضمون، وسيبين قانون تنظيمي الشروط والاجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق.

لكن حيث إنه أمام عدم إصدار الجهات المختصة للنص التنظيمي المشار إليه، فإن القاضي الإداري بما له من دور في خلق قواعد قانونية عندما يخلو المجال من التشريع، يكون ملزما بوضع ضوابط ومعايير من شأنها أن تضمن لهذا الحق البقاء والحماية من جهة، ومن جهة أخرى عدم التعسف في استعماله[11] لحسن سير المرفق العام بانتظام واضراد، وهذا المبدأ تم تأصيله من طرف مجلس الدولة الفرنسي من خلال قرار “دوهين” عندما أعطى الاختصاص للقضاء الإداري في خلق الموازنة بين مبدأ استمرارية المرفق العام والحق في ممارسة الحرية”.[12]

ولو أننا نسعى في صدور قانون تنظيمي ينظم ممارسة الحق في الاضراب، ويجد حلا لجميع الاشكالات المطروحة، وأمام صعوبة الإيمان بهذا الخلاص، فإنّنا نراهن على القضاء بالسير في اتجاه خلق التوازن بين الحق في ممارسة الاضراب باعتباره حق مقدس بالنسبة للعمال ومبدأ سير المرفق العام بانتظام واطراد لما في عرقلته من اثار سلبية على المجتمع ككل، بالنظر للخدمات التي يقدمها كل مرفق على حدى.

ثانيا: إستثناء فئة من الموظفين من ممارسة الحق في الإضراب

نظرا لعدة خصوصيات، ونظرا للطابع الحيوي للقطاعات التي يشغلها بعض الموظفين والتي لا يمكن تصور توقف العمل بها، يمنع على هؤلاء ممراسة الحق في الإضراب، بل حتى التكتل داخل إطار نقابي معين، إذ يفرض عليهم الانصياع والطاعة في أداء مهامهم دون توقف، اللَّهم إذا كان هذا التوقف نتيجة لأحد الأعذار المسموح لهم بها قانونا (عطل، توقف ناتج عن مرض…) ومن بين هؤلاء نجد موظفوا القطاع العسكري وشبه العسكري، موظفوا وزارة الداخلية، موظفوا الجمارك…فإذا تصفحنا مثلا الظهير الشريف رقم 1-08-67 ل 31 يوليوز 2008 في شأن هيئة رجال السلطة نجده ينص في مادته 11 “عملا بمقتضيات المادة السابقة يجب على رجال السلطة على وجه الخصوص:

عدم الانتماء إلى حزب سياسي أو منظمة نقابية؛

عدم الانقطاع عن العمل المتفق بشأنه؛

…”

وبالرجوع كذلك إلى مشروع القانون التنظيمي للإضراب رقم 97/ 15 نجده يوسع من الفئات المشمولة بالمنع من ممارسة الحق في الإضراب، إذ جاءت المادة 33 منه تستثني :

  • القضاة وقضاة المحاكم المالية؛
  • موظفو إدارة الدفاع الوطني وأفراد القواة المسلحة الملكية والدرك الملكي؛
  • موظفو الأمن الوطني والقوات المساعدة؛
  • رجال وأعوان ومساعدو السلطة. وجميع فئات الموظفين العاملين بوزارة الداخلية؛
  • الموظفون الديبلوماسيون والقنصليون؛
  • موظفو وأعوان إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة؛
  • موظفو وأعوان إدارة السجون وإعادة الإدماج؛
  • موظفو الهيئة الوطنية للوقاية المدنية وجميع الفئات الأخرى العاملة بها؛
  • موظفوا وأعوان المياه والغابات حاملو السلاح؛
  • القيمون الدينيون؛
  • مراقبو الملاحة الجوية والبحرية؛

كما لا يمكن للأشخاص الآتي ذكرهم ممارسة حق الإضراب:

  • الأشخاص الذين يتم تكليفهم بالسهر على بضمان حد أدنى من الخدمة؛
  • الأشخاص الذين يتم تكليفهم بالسهر على الصحة والسلامة المهنية أثناء فترة سريان الإضراب.”

وإن كان استثناء بعض الفئات من ممارسة الحق في الإضراب موجود في أغلب التشريعات، فإنه يتضح من خلال المادة أعلاه أنها وسعت من هذه الفئات المشمولة بالاستثناء حتى أصبح وكأنه القاعدة.

هكذا فإننا نظم صوتنا إلى صوت الأستاذ “محمد الشرقاني” الذي يرى أنه كان على مشروع القانون التنظيمي للإضراب أن يحصر المنع من ممارسة الحق في الإضراب على حاملي السلاح فقط، وتدرج باقي الفئات الأخرى في لائحة ما سمي بالمرافق الحيوية التي تستلزم توفر الخدمة الدنيا الأساسية.[13]

المطلب الثاني: آثار ممارسة الإضراب على الموظفين المضربين

يترتب على ممارسة الحق في الإضراب عدة اثار، فمادام هذا الأخير يتعارض مع مبدأ سير المرفق بانتظام واطراد تطفو إلى السطح مسألة هل الإضراب يوقف علاقة الموظف بالإدارة طول مدة الإضراب أم يعطي للإدارة الحق في إنهاء علاقتها بالموظف. كما تطرح مسألة مدى مشروعية الاقتطاع من الراتب اقتطاعا يناسب فترة التوقف.

 هكذا فالإضراب له أبعاد عميقة عكس ما يتصور تتراوح بين ما هو اجتماعي، واقتصادي…

أولا: علاقة الموظف المضرب بالإدارة

لقد عرفت فرنسا أول الإضرابات بفعل دخولها في الثورة الصناعية وذلك قبل ثورة   1789 بالرغم من منع التكتلات والتجمعات المهنية. ومنذ ذلك التاريخ تم القيام بالعديد من الإضرابات في جميع القطاعات والنشاطات وذلك بالرغم من القمع الذي كان يسلط على العمال المضربين، هذا المنع الذي سيتم بشكل مقنن مع قانون شابلي “chapelier” الصادر في 16 يونيو 1791 والذي منع كل تجمع مهني وكل عمل نقابي بفرنسا.[14] غير أن تلك الاحتجاجات والتمرد العمالي لم يتوقف رغم القمع الذي تعرضت له الطبقة الشغيلة، ودام ذلك إلى أن تم الاعتراف للعمال بحق التجمع فيما بينهم لاستغلال نتائج عملهم سنة 1848 بقانون 02/27، غير أن هذا القانون لم يعمر طويلا بحيث صدر قانون 27/02/1849 أجهز على ما تم اكتسابه من سابقه.

فقد ظل الحق في الإضراب يتأرجح بين المنع والإباحة المشروطة في القطاع الخاص، أما في القطاع العام فقد ظل إضراب الموظفين العمومين عملا غير مشروع قبل دستور 1946 يوجب توقيع الجزاء التأديبي باعتباره مخالفة تأديبية، كما اعتبر في بعض الحالات بمثابة جريمة جنائية ومخالفة تأديبية في آن واحد، ولا يتمتع الموظف العام في حالة ممارسة الإضراب بأي ضمانات تأديبية، إذ كان القانون الجنائي الفرنسي في فصوله من 123 إلى 126 يسمح بمتابعة تحالف الموظفين ضد الإدارة، وكانت عدم مشروعية الإضراب في تلك الفترة تجد أساسها في الإخلال بقاعدة استمرارية المرفق العام بانتظام واطراد[15]، وهذا المنع سيكرسه كذلك قانون 14 شتنبر 1941 المتعلق بالنظام العام للموظفين.

مقال قد يهمك :   رشيد مشقاقة يحدد مبررات الدعوة إلى توثيق الخطبة في المغرب

أما بالنسبة للمغرب فإن ظاهرة الإضراب لم تكن موجودة قبل الاستعمار الفرنسي بفعل الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة انذاك، لكن بعد أن تم فرض الحماية الفرنسية كان لزاما على المستعمر أن ينصاع إلى مطالب المعمرين، فتم إصدار قانون سنة 1936 والمتعلق بتنظيم الحق النقابي للعمال والموظفين الفرنسين والأجانب بالمغرب دون المغاربة. وبقي سيف الإدارة مسلط على من تخول له نفسه الخوض في الإضراب، إذ كان ينتهي المطاف بالموظف العمومي إلى التشرد.[16] هذا الموقف زكَّته كذلك  محكمة النقض في قضية “إدريس نداء” بتاريخ 25 أبريل 1984 الذي قضى بما يلي: “لكن خلافا لما ورد في الوسيلة، فإن الفصل 5 من مرسوم 5 فبراير 1958 المتعلق بممارسة الحق النقابي من طرف الموظفين، والذي يطبق على هذه النازلة ينص على أن كل توقف مدبر عن العمل وكل عمل جماعي مخالف لقواعد الانضباط، يعاقب عليه دون مراعاة للضمانات التأديبية فإن الإدارة معفاة من تمتيع الطاعن بالضمانات التأديبية التي ينص عليها الظهير المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية”

إذا كان لجوء سواء عمال القطاع الخاص أو الموظفين العمومين في المراحل الأولى إلى الإضراب يجعلهم خارج الإدارة أو المقاولة التي يعملون بها، بل وأحيانا خلف القضبان باعتبار الإضراب جريمة معاقب عليها كما مرَّ معنا سواء في فرنسا أو المغرب، لكن بفعل انتشار الوعي بالحقوق والحريات العامة أصبح الإضراب حق من الحقوق المعترف بها دوليا، مكفول لجميع العمال والموظفين للمطالبة بحقوقهم المشروعة دون جعلهم عرضة للفصل أو للاعتقال.

فمن خلال ما مرَّ من اضرابات في المغرب ورغم غياب أي تنظيم تشريعي للإضراب فإنه أصبح هذا الأخير يوقف عقد العمل أو العلاقة بين الموظف والإدارة طول مدة الإضراب ليس إلاَّ.[17] وهو نفس النهج الذي سلكه القضاء في تعريفه لإضراب الموظفين بأنَّه الامتناع عن تأدية عملهم بصفة مؤقتة تعبيرا عن عدم الرضى على أمر معين…[18] ونرى بدورنا أنه لا يمكن أبدا معاقبة المضرب بالطرد من العمل، بل يجب أن يجب أن يقتصر على مجرد وقف العلاقة بين المضرب والإدارة لا غير، اللَّهم إذا كان الإضراب غير مشروع غايته عرقلة استمرارية المرفق العام والاضرار به خاصة مع تعدد أنواع الإضرابات في الممارسة العملية.[19]

ثانيا: آثار الإضراب على أجرة الموظفين

يثار الجدل حين ممارسة أي إضراب من طرف أي كان سواء الموظفين التابعين للقطاع العام أو الأجراء التابعين للقطاع الخاص، هل يستحقون الأجرة رغم توقفهم عن الشغل أم لا يستحقونها عملا بمبدأ الأجر مقابل العمل.[20]

هناك موقفين في مسألة الاقتطاع من الأجرة، فواحد يرفض الاقتطاع (أ) وآخر يبرره (ب)

أ) الموقف الرافض:

يجب أولا الإشارة أن جل دول العالم -إن لم تكن كلها- تطبق مبدأ الأجر مقابل العمل، وبالتالي لا تعطي للموظفين والأجراء المضربين أجرتهم التي تتناسب ومدة الإضراب. أي لا يستحق الموظف الأجرة إلا عن أوقات عمله الذي أداه فعلا.

إن الموقف الرافض -الرافض للاقتطاع- تتزعمه دائما النقابات العمالية[21]  في كل مناسبة  ونفس المسلك يسلكه عدد من الفقه، إذ يرى الأستاذ “عبد العزيز العتيقي” أن الحق في الإضراب مضمون دستوريا منذ سنة 1962، وقبله القانون الأساسي للوظيفة العمومية الذي ألغى مرسوم 5 فبراير 1958 المتعلق بالحق النقابي للموظفين الذي كان ينص في فصله الخامس على أن “لكل توقف عن العمل بصفة مدبرة عن عمل جماعي أدى إلى عدم الانقياد بصفة بينة يمكن المعاقبة عنه علاوة على الضمانات التأديبية ويعم هذا جميع الموظفين”. كما يضيف نفس الأستاذ بأن الاستناد على مرسوم 1958 في ظل الدستور الجديد ذي الحمولة الحقوقية نوعا من ” الاستهتار” بالوثيقة الدستورية وهي ما زالت تشق طريقها آفاق التنزيل التشريعي .

كما يعتبر هذا الاستناد ضربا لديباجة الدستور – ولا ننسى أنها جزء من الوثيقة الدستورية بالنص الصريح – والتي تنص على التزام المغرب بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

والمغرب ملتزم باحترام الحريات النقابية مادام قد صادق على الاتفاقية رقم 98 المتعلقة بالحق النقابي والمفاوضة الجماعية منذ 1957 ومادام قد صادق على اتفاقية منظمة العمل الدولية المتعلقة بالحقوق الأساسية المرتبطة بالعمل (1998) وبالطبع فإن الإضراب إلى جانب التفاوض الجماعي هما الوسيلتان الأساسيتان لممارسة المنظمات النقابية لوظيفتها المطلبية المتمثلة في الدفاع عن المصالح الفردية والجماعية للفئات التي تمثلها. كما رفض نفس الأستاذ الاستناد كذلك على المبدأ المشهور -الأجر مقابل العمل- واعتبر أنَّه مقتصرا على عقود القانون الخاص، إذ نشأ في أحضان القانون المدني، وبالتالي غير جائز تمديد العمل به إلى مجال علاقة الموظف بالإدارة.[22]

ب) الموقف المؤيد للاقتطاع:

خلافا للموقف الرافض للاقتطاع، نجد العديد من الفقه ومعه الاجتهاد القضائي، بل جل التشريعات تؤيد الاقتطاع من الراتب طول مدة الإضراب.

فإن اتفق كل هؤلاء على الاقتطاع من الراتب، فإنهم اختلفوا حول الحجج التي استندوا عليها لتبرير موقفهم، فمنهم من ربطها بمشروعية الإضراب، أي يجب أن يكون الإضراب مشروعا، مستوفيا اجراءات وشكليات معينة، والتي إن غابت حق للإدارة الاقتطاع من الراتب. وهو ما صرحت به المحكمة الإدارية بمكناس في أحد أحكامها حيث جاء فيه ما يلي:  “…حق الإضراب حق دستوري أكدته جميع الدساتير المتعاقبة … عدم صدور تشريع تنظيمي يحدد كيفية ممارسة حق الاضراب، لا يعني إطلاق هذا الحق بلا قيود بل لابد من ممارسته في إطار ضوابط تمنع من إساءة استعماله مع مقتضيات النظام العام والسير العادي للمرافق العامة… وعدم ثبوت كون الإضراب الذي خاضه الطاعن فيه خروج عن الضوابط المذكورة لذلك لا يمكن اعتباره تقصيرا في الواجب المهني وبالتالي تكون عقوبة الانذار على هذه الواقعة لاغية”.[23]  هكذا ولاعتبارات النظام العام وحسن سير المرفق العام فإن ممارسة الإضراب تستوجب التقيد بنظام الإخطار أي الجهة الراغبة في خوض الإضراب لأسباب مهنية أن تخطر[24] الإدارة بذلك حتى تتمكن هذه الأخيرة من اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وأن يتم الإعلان المسبق عن الإضراب لتوضيح أسبابه ومدته ليتم تبليغه للجهات المعنية داخل أجل كافي ومعقول.[25]

مقال قد يهمك :   محكمة النقض توضح شروط قبول قاضي المستعجلات لدعوى الصعوبة في التنفيذ

وهناك من ربط مسألة الاقتطاع من الراتب بمبدأ الأجر مقابل العمل -وهذا موقف أغلب التشريعات المقارنة- هكذا فقد ذهبت المحكمة الإدارية بمراكش إلى اعتبار أن للإدارة حق تنظيم ممارسة الإضراب تحث رقابة قاضي المشروعية، وأن الاقتطاع أمر جوازي عملا بمبدأ العمل المنجز. نفس الموقف تبنته المحكمة الإدارية بفاس، إذ قالت أنه من حق الإدارة الاقتطاع من الأجرة طيلة المدة التي تغيب خلالها الموظف لممارسة الإضراب. ونفس الحكم تبنته كذلك المحكمة الإدارية بالرباط.

ونحن نرى أنه يجب الاقتطاع من راتب الموظف بما يتناسب ومدة توقفه عن العمل نتيجة الاضراب، وذلك حتى لا نفرغ الاضراب من محتواه باعتباره آلية للضغط تستوجب التضحية وإلا اعتبر – على رأي الأستاذ محمد الشرقاني – عطلة مؤدى عنها. وهذا المبدأ هو الذي تتبناه جميع دول العالم وإن كان المضربين يعوضون في بعض الدول نتيجة تطور واتحاد نقاباتها، إذ تلجأ هذه الأخيرة إلى تعويض المضربين لكي يزدادو صمودا للضغط على المشغل أو الإدارة ليرضخوا لمطالبهم، وهذا ما يسمى توازي القوى. وهذا النظام نجده في الدول القوية التي تشجع المبادرة الحرة كألمانيا وكندا…[26]


الهوامش:

[1]  للإشارة، فحتى الاضراب في القطاع الخاص قد تمتد اثاره إلى عموم المواطنين، وبالتالي تضرر المجتمع ككل، ومن أمثلة على ذلك اضراب عمال القطاعات الحيوية ( انتاج المواد الغدائية الضرورية، المخابز، قطاع النقل…)

[2]  لم يعرف المغرب اضرابات قبل الحماية نظرا للطابع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي كان سائدا…

للتوسع أكثر حول السياق التاريخي للإضراب في المغرب، أنظر:

– محمد الشرقاني، مدى مشروعية الإضراب العمالي بالمغرب، م.س، ص 30 وما بعدها

[3]  ظهير 1946 والذي يشترط ضرورة استنفاد مسطرتي المصالحة والتحكيم قبل اللجوء إلى الإضراب.

ظهير 24 فبراير 1958 المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية، فقد خصص الباب الثاني لحقوق وواجبات الموظفين.

[4]  عصام المضور، الاغلاق المضاد للاضراب، رسالة لنيل دبلوم الماستر القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة مولاي اسماعيل مكناس، 2018/2018، ص 20 وما بعدها

[5]  على سبيل المثال اضرابات 20يونيو 1981، أنظر حوار تحث عنوان ” الموت والحياة في إضراب 20 يونيو” منشور بمجلة زمان، العدد 93، يوليوز 2021، ص من 16 إلى 19

[6]  فكما هو معلوم عند المتتبعين للشأن الإجتماعي، فإنه كلما تمت صياغة مشروع قانون تنظيمي لتنظيم ممارسة الحق في الإضراب إلاَّ وثارت النقابات العمالية وعبرت عن رفضها له طالما لم تكن صياغته على طاولة الحوار الثلاثي، بل هناك من يرفضه رفضا تاما ولو تم التوافق حوله مادام التنظيم في حد ذاته يعني التقييد. وهذا الموقف هو الذي تتبناه النقابات العمالية بخصوص آخر مشروع قانون تنظيمي 97/15.

أنظر عصام المضور، خطورة تمرير القانون التنظيمي رقم 97/15 المتعلق بممارسة الحق في الاضراب، منشور ب https://www.maroclaw.com

[7] حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 141 في ملف عدد 5/1/33 أشار له أحمد أجعون، النشاط الإداري، دون ذكر الطبعة، مطبعة سجلماسة مكناس، 2016 ، ص 66

حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 192 بتاريخ 07/02/0/2006، ملف رقم 107/01/05، أشار له محمد مومن، حق الإضراب في الاجتهاد القضائي المغربي، م.س، ص 72 و 73

[8]   أحمد أجعون، النشاط الإداري، م.س، ص 62

[9]   محمد البدوي، الاضراب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، جامعة محمد الخامس الرباط، 1975 ص 70

[10]  عبد العزيز العتيقي، ندوة وطنية نظمها الاتحاد المغربي للشغل في إطار الحملة الدولية التي يقوم بها الاتحاد الدولي للنقابات دفاعا عن حق الإضراب،   يوم الأربعاء 18 فبراير 2015 بمقره المركزي بالدار البيضاء تحت شعار: ” حق الإضراب جزء لا يتجزأ من الحقوق والحريات النقابية “

[11]  اعتبر القضاء الفرنسي أن الاضراب يعد خطأ بالتعسف في استعمال الحق، مادام قد اتخد استنادا إلى أسباب لا تمت بصلة للدفاع عن المصالح المهنية.  أنظر عبد الحق الصافي، الوجيز في القانون المدني، الجزء الثاني، المصادر غير الإرادية للالتزام، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2015، ص 87

[12]  حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 192 بتاريخ 07/02/0/2006، ملف رقم 107/01/05، أشار له محمد مومن، حق الإضراب في الاجتهاد القضائي المغربي، م.س، ص 72 و 73

[13]  محمد الشرقاني، حدود دستورية مشروع القانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب، مجلة الأبحاث في القانون والاقتصاد والتدبير، العدد 12، دجنبر 2020، ص 71

[14]   محمد ملحاوي، حالة الإضراب في بعض التشريعات المقارنة، فرنسا ومصر نموذجا، مجلة المنارة عدد 22، 2018 ص 61

[15]   محمد ملحاوي، م.س، ص 62

[16]  عصام المضور، الإضراب في القطاع العام، بحث لنيل شهادة الإجازة في القانون العام، الكلية المتعددة التخصصات الناضور، جامعة محمد الأول وجدة، 2020/2021، ص 49، 50

[17]  عصام المضور، الإضراب في القطاع العام، م.س، ص 51

[18]  حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 192، ملف رقم 05/01/107، بتاريخ 07/02/2006 منشور بسلسلة الندوات والأيام الدراسية العدد 29، المطبعة والوراقية الوطنية الداوديات مراكش، ص 74

[19] عصام المضور، الاغلاق المضاد للاضراب، م.س، ص 21 وما بعدها

[20]  عصام المضور، الإضراب في القطاع العام، م.س، ص 51

[21]   أنظر بلاغات ندوات النقابات العمالية على صفحاتها بالفايسبوك CDT، FDT…وكذلك بعض التنسيقيات كالتنسيقية لبتي تحمل إسم “تنسيقية الأساتدة الذين فرض عليهم التعاقد”

[22]عبد العزيز العتيقي، الاقتطاع مم أجور الموظفين المضربين عمل غير مشروع، مقال منشور ب https://www.nachrat.com/ تم الاطلاع عليه يوم 30 ماي 2021 على الساعة 21h

[23]  حكم صادر عن المحكمة الادارية بمكناس بتاريخ 12/07/2001، عدد 63/2003غ، منشور بالمجلة المغربية للإدارة والتنمية عدد 42، ص 170

[24]  في ظل غياب القانون التنظيمي الذي ينظم ممارسة الحق في الإضراب، فإن أجل الاخطار هو ذلك الأجل المعقول الذي يزيل الشك حول إمكانية استجاب الإدارة لمطالب الموظفين. وتجدر الإشارة إلى قرار محكمة النقض الذي نقض قرار استند على مقتضيات مشروع القانون التنظيمي للإضراب رقم 97/15 في أجل الإخطار، قرار عدد 440، في ملف عدد 2017/1/5/844 بتاريخ 27/04/2017، منشور بمجلة القضاء المدني، عدد19/20، 2019.

[25]   قرار المجلس الأعلى، عدد 506 بتاريخ 13/09/1984، أشار له هشام بياض، م.س، ص 284

[26]  عصام المضور، الإضراب في القطاع العام، م.س، ص 55

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)