مكناس: أطروحة جامعية تقارب بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة

ليلى الهريم: تدبير الإدارات العمومية لمنازعاتها القضائية

عبد الرحيم العلام: الإضراب عن الطعـام بين الضرر والاضطرار

15 أبريل 2021 - 9:21 م في الواجهة , متفرقات قانونية
  • حجم الخط A+A-
عبد الرحيم العلام دكتور في القانون العام

قبل التفصيل في الموضوع تجدر الإشارة إلى أنه من باب المستحيل الادعاء بأنه في مقالة من هذا النوع، يستطيع صاحبها الإحاطة المُجمِلة بتاريخ الإضراب عن الطعام وحيثياته وتفاصيله، لا سيما في ظل نُدرة الكتابات حول الموضوع؛ فما يمكن للباحث أن يقدمه في هذا السياق، هو الإشارة إلى أهم المحطات الهامة من تاريخ الإضرابات عن الطعام، وأبرز المناسبات السياسية التي عرفت الاحتجاج عن طريق الامتناع عن الأكل، بناء على ما استندت إليه الموسوعة الحرة من مراجع، وما نُشر من قصاصات إخبارية عن حالات متفرقة من الإضرابات المتتالية.

فمن غير المعلوم ما إذا كان العالم القديم قد عرف الاحتجاج السياسي عن طريق الإضراب عن الطعام، كما لم يُعلَم ما إذا كان هذا السلوك قد عرفته الأمم ما قبل الحداثة السياسية. لكن ما أضحى معروفا هو أن الإضراب عن الطعام من إبداع بعض الأمم المعاصرة. وذلك كون الإضراب عن الطعام هو أسلوب احتاجي من أجل رفع ظلم أو إحقاق حق، حيث يمتنع المُضرب عن الأكل لكنه يحتفظ بشرب الماء والملح. ويكون الإضراب إما لفترة محدودة (أقل من شهر) أو غير محدودة؛ إذ يقرنه المُضرب بتحقيق مطالبه، وإلا فإنه يستمر في إضرابه إلى أن تُقبض روحه.

لم يُعرَف الإضراب عن الطعام كنوع من الاحتجاج السياسي بداية، بل لقد ظهر في بعض الدول من أجل أمور جنائية. وتخبرنا الموسوعة الحرة (وكيبيديا) أن الامتناع عن الأكل اُستخدم في ايرلندا ما قَبل المسيحية، وذلك من خلال امتناع الضحية عن الأكل أمام منزل الجاني لإشعاره بعار ترك إنسان جائع أمام بيته، للضغط عليه من أجل الاعتذار أو رد الديون وإحقاق العدل. والأمر نفسه ساد في الهند القديمة قبل أن يتم إلغاؤه في الهند المعاصرة.

غير أن فعل الإضراب عن الطعام سيعرِف تحولا مُهمّا، وسينتقل من الأفعال الفردية التقليدية إلى فضاء الاحتجاج السياسي، وذلك بدخول عالم الاستعمار ووقوع الأسرى والسجناء السياسيين. وكانت المدرسة الهندية المعاصرة هي من أبدعت في صيغ الإضراب عن الطعام من أجل تحقيق مكاسب سياسية ضد الاحتلال البريطاني للبلد؛ إذ اشتهر داعية اللاّعنف “المهاتما غاندي” بأنه كان من أوائل الذين انتهجوا أسلوب الامتناع عن الأكل من أجل إحراج البريطانيين الذين سجنوه لفترات متتالية لصده عن رفع مطلب استقلال بلاده عن بريطانيا، وذلك لاقتناع غاندي ورفاقه بأن هذه الوسيلة تقع ضمن السبل اللاعُنفية لمقاومة الاحتلال من خلال إحراجه أمام الرأي العام.

وبالفعل، لقد كثرت الإضرابات عن الطعام التي كان يُباشرها أعضاء المقاومة الهندية الذين تم سجنهم، ومنهم من توفي جراء إضرابه الذي كان يستمر لمدة تتجاوز المائة يوم. لكن هذه الإضرابات المتتالية أحرجت الحكومة البريطانية ودفعتها إلى الاستجابة لمطالب المضربين عن الطعام الذين ذاع صيتهم بين أبناء شعبهم (تعرض الموسوعة الحرة أسماء العديد من هؤلاء).

مقال قد يهمك :   صعوبات تنفيذ الأحكام القضائية وأهم إشكالاتها القانونية

بدورهم عاد الإيرلنديون إلى إرثهم التاريخي وحوّلوه من احتجاج فردي ضد الجُناة أمام بيوتهم، إلى احتجاج بطعم سياسي، فلقد قام السياسيون الموجودون في السجون البريطانية مع بداية القرن 20 بنهج أسلوب الإضراب عن الطعام من أجل الضغط على الحكم البريطاني لكي يسمح بتأسيس الجمهورية الإيرلندية المستقلة؛ إذ لقي العديد من المضربين عن الطعاهم حتفهم نتيجةً لذلك. وهو ما أجّج الرأي العام ضد ساسة بريطانيا، وساهم في حفْز المقاومة الشعبية، مما هيأ الظروف لقيام ايرلندا الحرة.

ويعود للسجناء الإيرلنديين الفضل الكبير في نقل النقاش حول الإضراب عن الطعام من بُعده المحلي ومنحه أبعادا سياسية عالمية، لا سيما مع الاستماتة التي أبداها سجناء الجيش الجمهوري الإيرلندي أثناء خوضهم الإضراب عن الطعام سنة 1980، وتنويعهم لطرق ممارسة هذا النوع من الاحتجاج؛ إذ راهنوا على خلق أكبر مدة من الإحراج لصالح الحكومة البريطانية، وذلك من خلال الإضراب المتسلسل الذي لا يعتمد على المشاركة الجماعية وإنما على التتابع. حيث لم يعد عدد المشاركين هو المقياس، وإنما يضرب شخص واحد عن الطعام وإذا لم تتحقق المطالب ومات نتيجة إضرابه، انتشر الخبر بين الرأي العام وخلق دوافع جديدة للاحتجاج، ثم يقوم سجين آخر بالإضراب عن الطعام. وهكذا تبقى قضية السجناء حية كلما توفي أحد المضربين. الأمر الذي لم يكن ليريح الحكومة التي غالبا ما تسارع إلى الاستجابة لمطالب السجناء مع أول ضحية يسقط نتيجة الإضراب عن الطعام.

ويؤرخ الفيلم المتميز “جوع” لإحدى أهم معارك الإضراب عن الطعام في ايرلندا الشمالية، حيث ذاع صيت السجين السياسي “بوبي ساند” الذي كان أول رفاقه العشرة يسقط نتيجة الإضراب عن الطعام، وهو ما أضاف روحا معنوية كبيرة للجيش الجمهوري الإيرلندي نتيجة للتعاطف الشعبي الكبير الذي خلّفه موت بوب ساند.

لم يقتصر الاحتجاج السياسي عبر الإضراب عن الطعام على توجه سياسي أو أيديولوجي محدد، بل لقد شمل كل التوجهات وتم خوضه ضد أنظمة سياسية مختلفة الأيديولوجيات؛ فلقد واجه النظام السياسي اليساري في كوبا العديد من محطات الإضراب السياسي عن الطعام، وتُخلد الموسوعة الحرة مجموعة من الأسماء التي خاضت إضرابات عن الطعام من أجل نيل بعض الحقوق السياسية. ومن أشهر الكوبيين المضربين عن الطعام، يبرز اسم الشاعر “بيدرو لويس بوايتيل” الذي عاش من دون طعام لمدة 53 يوما، توفي على إثرها في 1972، وقد روى أحداث أيامه الأخيرة صديقه المقرّب الشاعر “أرماندو فالداريس”. وحديثا، خاض العديد من النشطاء الكوبيين إضرابات متفرقة من أجل رفع الرقابة على مواقع الانترنت، أو تحسين ظروف السجناء وغيرها من القضايا.

وفي الدول الإسلامية، خاض مجموعة من السجناء السياسيين في تركيا إضرابات طويلة عن الطعام تعددت أسبابها وتنوعت هوية منفذيها. فنتيجة للانقلابات العسكرية المتتالية، ازداد منسوب القمع الموجه ضد مجموعة من الحركات السياسية، وتم اعتقال النشطاء في ظروف غير إنسانية. الأمر الذي دفع هؤلاء إلى سلك الإضراب عن الطعام من أجل نيل حقوقهم وإحراج النظام السياسي؛ إذ تم تسجيل أول إضراب في تاريخ تركيا سنة 1984 احتجاجاً على أساليب التعذيب والمعاملة الوحشية التي يتلقاها السجناء السياسيون، وقد أودى هذا الإضراب بحياة أربعة من اليساريين الثوريين (الموسوعة الحرة).

مقال قد يهمك :   الحق في الصمت دراسة مقارنة

ولم يقتصر الإضراب عن الطعام على السجناء، وإنما هناك العديد من الإضرابات التي خيضت من خارج السجون من أجل المطالبة بتحسين الأوضاع السياسية والمعيشية. نموذج ذلك ما عرفته تونس في 18 أكتوبر 2005، عندما أقدم أعضاء مجموعة من الهيئات السياسية والمدنية من مختلف التوجهات (يساريون، ليبراليون، إسلاميون…) على خوض “إضراب الجوع” داخل أحد المقرات السياسية. الأمر الذي لقي تجوابا محليا ودوليا لافتا، ومن الذين شاركوا في الإضراب وزراء وبرلمانيون في تونس ما بعد الثورة، من قبيل “سمير ديلو” عن حركة النهضة، وأحمد نجيب الشابي، الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي…

وتبقى أهم وأكبر موجات الإضراب عن الطعام وأكثرها اشتهارا وتفاعلا تلك التي خاضها السجناء الفلسطينيون في سجون ما يسمى “إسرائيل” عام 2012، في إطار ما أطلق عليه معركة الأمعاء الخاوية. وقبل هذا الإضراب، خاض السجناء الفلسطينيون في معتقلات الاحتلال العديد من الإضرابات ابتدأت بإضراب سجن الرملة بتاريخ 1969، وإضراب معتقل كفار يونا 1969، وإضراب السجينات الفلسطينيات في سجن نفي ترستا 1970، علاوة على العديد من الإضرابات التي توّجت بالإضراب الجماعي الذي خاضه أكثر من 1800 سجين فلسطيني احتجاجا على الأوضاع المزرية التي قامت بها “إسرائيل” بعد وقوع الجندي “شاليط” في الأسر. وانتهت هذه المعركة بتوقيع اتفاق بين السجناء وإدارة السجون الاسرائيلية برعاية مصرية. وخلال هذه المعركة السياسية حُطّمت كل الأرقام القياسية لمُدَد الإضراب عن الطعام في التاريخ، حيث اشتهر المعتقل “سامر العيساوي” بأنه خاض أكبر مدة من الإضراب عن الطعام تجاوزت 9 أشهر، انتهت بإطلاق سراحه في إطار صفقة تبادل.

ويسجل في هذه الفترة أن “إسرائيل” حاولت أن تمرّر قانونا يسمح بالإطعام القسري للسجناء وإجبارهم على إنهاء إضرباهم، وهنا تدخلت العديد من منظمات حقوق الإنسان من أجل ثنيها عن تصرفها، حيث رفض الخبير الأممي المكلف من قِبل مجلس حقوق الإنسان ذلك، قائلا: “إن عملية الإطعام القسرى والعلاج الطبى رغما عن السجناء هى عملية قاسية وغير إنسانية، ومن غير المقبول إجبار الشخص أو استخدام القوة لتغذيته أو غير ذلك من وسائل الإكراه النفسى والبدنى ضد الأفراد الذين اختاروا الإضراب عن الطعام احتجاجا على احتجازهم دون تهمة وفى ظروف احتجاز ومعاملة قاسية”.

وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر معارضتها للإطعام القسري، وشددت على ضرورة احترام خيارات المحتجزين والحفاظ على كرامتهم الإنسانية، بناء على اتفاقي مالطا وطوكيو المنقحين في سنة 2006.

وينص إعلان مالطا الذي تبنته الرابطة الطبية العالمية على أن “كل قرار تم بشكل غير إرادي وتحت التهديد والإلزام هو عديم القيمة الأخلاقية، حيث لا يصح إلزام المضربين عن الطعام بتلقي علاج يرفضونه، واعتبار الإطعام الإجباري لمن يرفض ذلك بأنه عمل غير مبرر، ويجب على الأطباء حماية المضربين عن الطعام من أي إجبار، وإن الإطعام الذي يصاحبه التهديد أو الإلزام أو استعمال التكبيل يعتبر شكلا من أشكال التعامل المذل واللاإنساني، حتى ولو كان الهدف منه منفعة المضرب عن الطعام، ويُرفض الإطعام القسري لبعض المحتجزين بهدف تخويفهم وإجبارهم على إيقاف الإضراب عن الطعام”.

مقال قد يهمك :   هل ينجح العقل البنكي في تنزيل استراتيجية الخروج من الأزمة بالمغرب؟

وربما قد يغيب عن البعض منا أن حق المرأة في التصويت لم يكن حقا أصيلا حتى في أعتى الديمقراطيات، وإنما ظلت المرأة ممنوعة من هذا الحق إلى وقت قريب. كما لم يكن منحة من الأنظمة السياسية التي تسيطر عليها العقلية الذكورية، وإنما جاء نتيجة تضحيات جِسام قامت بها المرأة وقلة من الرجال الذين تبنوا المطالب العادلة للنساء.

ومن النضالات التي سلكتها المرأة في هذا المضمار، يبرز سلوك الإضراب عن الطعام؛ فلقد خاضت العديد من النساء السجينات في بريطانيا وأمريكا إضرابات متفرقة عن الطعام في بداية القرن 20، واشتهرت في هذا السياق المناضلة البريطانية “ماريون دونلوب” التي كانت أول من بدأ الإضراب عن الطعام في العام 1909، وقد أُطلق سراحها حيث إن السلطات لم ترغب في إظهارها بمظهر الشهيدة، رغم أن هناك العديد من رفيقاتها قد توفين نتيجة الامتناع عن الطعام أو نتيجة محاولة الحكومات إطعامهن بالقوة. وتُوجت هذه النضالات بالسماح للمرأة بحق الاقتراع في العديد من الدول الأوروبية، وبالتعديل 19 للدستور الأمريكي الذي ساوى بين المرأة والرجل في الحقوق السياسية.

بدوره عرف المغرب الكثير من الإضرابات المحدودة وغير المحدودة عن الطعام، انتهت إما بتحقيق مطالب المضربين أو وفاتهم، وتنوّعت مشارب المضربين عن الطعام وهوياتهم السياسية. غير أن أشهر تلك الإضرابات كان إضراب 8 نونبر من سنة 1977 الذي أعلنت عنه مجموعة السجن المركزي بالقنيطرة وانتهى بوفاة المناضلة اليسارية “سعيدة المنبهي” بعد 45 يوما من الإضراب عن الطعام، تلته مجموعة من الإضرابات العمالية والطلابية، وإضرابات المعطلين عن العمل.

وبرز أيضا إضراب بعض الصحافيين السجناء، وعلى رأسهم علي المرابط الذي خاض إضرابا طويلا عن الطعام، ومصطفى الحسناوي الذي أوقف إضرابه عن الطعام بعد 20 يوما، وذلك نتيجة لتدخل المجلس الاستشاري لحقوق الانسان. فضلا عن الإضرابات المحدودة التي قام بها السجناء السلفيون على خلفية أحداث 16 ماي.

غير أن أهم إضراب عن الطعام عرفه المغرب الراهن هو الذي خاضه الطالب “مصطفى المزياني” وانتهى بوفاته بعد 70 يوما من الإضراب، والإضرابات المتتالية التي خاضها المؤرخ “المعطي منجب”، إضافة إلى الإضرابات المتتالية التي نفذها معتقلو حراك الريف. كما يخوض كل من الصحافي “سليمان الريسوني”، والصحافي “عمر الراضي” إضرابا عن الطعام، وقد نقلت بعض المواقع الإلكترونية أن سليمان الريسوني امتنع أيضا عن شرب الماء، وأكيد أن هذا الإضراب عن الطعام كغيره من الإضرابات التي انتهت بوفاة من يخوضها، قد تكون له تداعيات سياسية ومجتمعية

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)