حسن فتوخ : صلاحية المحافظ في التقييد و التشطيب

مسطرة الإنقاذ وفق آخر المستجدات التشريعية-ماهيتها و إجراءاتها و آثارها- (تحميل pdf)

الإطار القانوني للوعد بالتعاقد و آثاره و الطبيعة القانونية للعربون و تطبيقاته

11 أكتوبر 2018 - 12:58 ص فضاء المكتبة , عروض الماستر , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

مقدمة : 

معلوم أن الشخص يتمتع بحريته في الخضوع لأي التزام تعاقدي، بكن عند قبوله الدخول في التزام معين، فإنه سيخضع له طيلة مدة نفاذه، طالما أن محل الالتزام لا يتعارض مع الآداب العامة أو الأخلاق الحميدة.[1]

لكن قد يسبق مرحلة التعاقد النهائي مرحلة تمهيدية تؤدى على وجه محقق أو غير محقق إلى المرحلة النهائية.

ومن هذا المنطلق تعد المرحلة السابقة على إبرام العقد النهائي، من أهم مراحل هذا الأخير، وأخطرها على الإطلاق، لما تحتويه من تحديد لأهم ومعظن التزامات وحقوق طرفي العقد، وبما ينشأ عنها من مشاكل قانونية عديدة، سواء فيما يتعلق بالإخلال بالالتزامات السابق تحديدها في هذه المرحلة، أو ما يتعلق منها بنطاق ونوع المسؤولية المدنية التي تنشأ على الطرف المتسبب في عدم بلوغ إلى الغاية من المفاوضات، وهي إبرام العقد النهائي.[2]

وأبرز صور هذه المرحلة التمهيدية، هناك الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي والعربون، وسنقتصر في دراستنا هذه على صورتين فقط ويتعلق الأمر بالوعد بالتعاقد وكذلك العربون.

وتتجلى أهمية الموضوع، في كون هذه المراحل السابقة عن التعاقد تمنح للطرفين فرصة التعرف على الالتزامات المتبادلة وتساعد على معرفة مدى قدرة الطرف الآخر على إبرام العقد النهائي كما تمنحه فرصة الاستعداد والتحضير لبعض الإجراءات التي يتطلبها إبرام العقد النهائي.

كما أن هذه المراحل تساعد القضاء على تفسير العقد المستقبلي.

والموضوع قيد الدراسة يثير عدة إشكالات على رأسها نوع المسؤولية التي تترتب على الإخلال بأصول المفاوضات، هذا بالإضافة إلى الإشكال المتعلق بالأساس القانوني الذي تستند عليه هذه المرحلة، كما يثار إشكال بالنسبة للقدرة على التراجع والمسؤولية التي تترتب عن الإخلال بالاتفاق.

ومن خلال هذه الإشكالات سوف نحاول الإجابة عنها في مبحثين:

  • المبحث الأول: الإطار القانوني للوعد  بالتعاقد وآثاره
  • المبحث الثاني: الطبيعة القانونية للعربون و تطبيقه

المبحث الأول : الإطار القانوني للوعد بالتعاقد وآثاره

يعتبر الوعد بالتقاعد من الحالات الخاصة في التعاقد، فهو كثير الوقوع في حياتنا المعاصرة حيث أصبح التطور العمراني والاقتصادي يلح على تنظيمه لكيفية دقيقة[3]، ونظرا لما يؤدي إليه من ارتباط بين الأشخاص وما يضمنه من تحقيق لآمالهم التي يعجزون عن تحقيقها على الفور، فقد أصبح أسلوبا عمليا لإنجاز مصالحهم المستقبلية.

وباعتباره حالة خاصة في التعاقد تستقر ضمن المرحلة التمهيدية للعقد فإننا نحاول التعريف بمفهوم الوعد بالتعاقد مع الوقوف على خصائصه وشروطه بمطلب أول، لنخلص لما ينتج عنه من آثار سواء كان من طرف واحد أو تبادليا في المطلب الثاني.

المطلب الأول : مفهوم الوعد بالتعاقد وخصائصه و شروطه

إن المحلة التمهيدية للعقد تؤدي على وجه محقق أو غير محقق إلى مرحلة العقد النهائي[4]، ولعل أبرز صور هذه المرحلة هي الوعد بالتعاقد والذي سنحاول أن نعرف بمفهومها في الفقرة الأولى لننتقل إلى إبراز خصائصه والشروط التي يجب أن تتوفر لقيامه في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: مفهوم الوعد بالتعاقد

لم يتعرض المشرع المغربي للوعد بالتعاقد ولم ينظمه مع أن مصطلح الوعد قد تكر في مجموعة من النصوص الفصل 788[5] من ق.ل. الخاص بعقد الوديعة، يعد بمقتضاه أحدهما الآخر بإبرام عقد معين مستقبلا خلال مدة معينة، ما يستفاد منه أن الوعد بالتعاقد يقم في مرحلة وسط بين الإيجاب والتعاقد النهائي.[6]

والوعد بالتعاقد باعتباره من العقود التمهيدية يختلف عن عقود المفاوضات وكذا العقود الجزئية أو المرحلية، لأن الوعد بالتعاقد يروم الأطراف إلى الالتزام به في عقودهم، حيث يشمل ما ارتضوه من عناصر أساسية وجوهرية والتي هي أساسي الوعد بالتعاقد.

والحقيقة أن الوعد بالتعاقد يتضمن في إنشاءه جميع أركان العقد النهائي فيما عدا عنصر أساسي يبقى مفتقرا إليه، وهو قبول الموعود له، والذي بمجرد صدوره يتحول العقد إلى عقد نهائي.

وهكذا يتضح أن الوعد بالتعاقد عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين أو كل منهما نحو الآخر بأن يعقد العقد الموعود به متى أظهر الموعود له رغبته خلال المدة المتفق عليها، فهو عقد كامل يتم بإيجاب من الوعد، وقبول من الموعود له، لكنه يمهد لعقد يراد إبرامه فيما بعد.[7]

فالوعد بالبيع مثلا هو عقد يلتزم بمقتضاه الواعد ببيع شيء إذا أظهر الموعود له رغبة في الشراء في مدة معينة، وهو عقد كثير ما يلجأ إليه في الحياة العملية خاصة مع تعقد المعاملات وتتبعها، ومن ذلك ما تلجأ إليه شركات البناء العقارية لتسيير تأجير مبانيها حيث تضمن عقود الإيجار الصادرة منها ببيع العين إلى المستأجر.

أيضا قد يفتح مصرفا حسابا لعميل قبل أن يقرضه شيئا، فيكون هذا وعدا من المعرف بالإقراض عندما يريد العميل أن يقترض.[8]

ويلاحظ  من خلال هذه الصور أن الوعد بالتعاقد ملزم بجانب واحد هو الواعد، أما الموعود له فلم يلتزم بشيء.

وكخلاصة يمكن القوال أن الوعد بالتعاقد هو عقد غير متبادل يضم في إنشاءه جميع عناصر العقد النهائي ما عدا عنصر القبول بالعقد من قبل الموعود له، يلتزم بمقتضاه الواعد بإبرام عقد ما لمصلحة الموعود له الذي ما أبدى رغبته بإبرام هذا العقد في المستقبل تحول الوعد غير المتبادل إلى عقد نهائي ومن تاريخ القبول به.[9]

أيضا فإن الوعد بالتعاقد، قد يتخذ صورة وعدين متقابلين يحق بمقتضاه لكلا الطرفين أن يتخذ موقفه الواعد والموعود، بحيث إذا ثبت أحدهما على صفته المناقضة للأولى تمت هذه لمرحلة من العقد[10]، وهذا ما اسماه البع بعقد التواعد في حين أسماه آخرون العقد الابتدائي.[11]

وسواء كان الوعد بالتعاقد من جانب واحد، أو ملزم للجانبين فإنه يجب أن يكون مؤقتا أي يتعين أن تحدد الفترة الزمنية التي يق لها للمستفيد من الوعد أن يجني منفعته منها وإلا اعتبر هذا الوعد بالتعاقد منتهيا.[12]

ومن أمثلة الوعد بالتعاقد الملزم للجانبين، الوعد بالبيع مثلا: صاحب الشيء المبيع يلزم ببيعه إذا أبدي المتعاقد الآخر رغبته في ذلك خلال مدة معينة، ويكون المتعاقد الآخر ملزما بشراء هذا الشيء إذا أبدى صاحبه رغبته في ذلك من خلال مدة معينة، وبالتالي يصبح العقد وعدا مزدوجا أو متبادلا.

ولمعرفة ما قد يرتبه الوعد بالتعاقد من آثار سواء في حالته الأولى أي الملزمة لجانب واحد والأكثر انتشارا، وفي حالته الثانية النادرة الوقوع أي عند التزام الجانبين، فلا بد من البحث في الشروط التي يجب أن تثبت له.

الفقرة الثانية : شروط الوعد بالتعاقد

وحيث أن الوعد بالتعاقد، خطوة ممهدة للعقد النهائي، فإن شروط هذا الأخير من حيث الانعقاد والصحة، قد تكون مطلوبة في عقد الوعد ذاته[13]، ولا يحول دون الوصول إلى العقد النهائي، إلى ظهور رغبة الموعود له إذا كان العقد ملزم لجانب واحد، أو حلول ميعاد العقد النهائي في حال كان الوعد متبادلا أي ملزما للجانبين.

وتأسيسا على ما سبق، فإن الوعد إذا كان ملزما لجانبي العقد فإن الأهلية المطلوبة في الاتفاق النهائي هي نفسها التي تكون مطلوبة في العقد الابتدائي.

أما إذا كان الوعد ملزما لجانب واحد فتقدر الأهلية بالنسبة للواعد وقت الوعد، فيجب أن يكون أهلا للتعاقد النهائي في هذا الوقت، حتى ولو فقد الأهلية وقت التعاقد النهائي بأن حجز عليه مثلا[14]،  أيضا فإن عيوب الإرادة تصدر بالنسبة إليه –أي الواعد- وقت الوعد، أما بالنسبة للموعد فيصبح أن يكون قاصرا وقت الوعد لأن الأهلية لا تشترط فيه إلا وقت إبداء رغبته في التعاقد أي وقت التعاقد النهائي، ومع ذلك سحب أن تتوفر فيه أهلية التعاقد –أي التمييز-.

وسواء كان هذا ملزما لجانب واحدا أو متبادلا، فإن مشروعية المحل والسبب مفروض توافرها الأركان اللازمة في العقود عموما لا يكفي لقيام الوعد بالتعاقد، وعليه يجب توافر الشروط التالية:

  • توفر جميع الشروط الجوهرية اللازمة لإبرام العقد النهائي، فمثلا إذا كان العقد الموعود به بيعا، يجب التوافق على المبيع والثمن بالطريقة التي يجب تعيينها وتحديدها في عقد البيع ذاته[15]، حيث أن الاتفاق على المسائل الأساسية التي يرتكز عليها العقد، كافية لعدم الحاجة إلى اتفاق جديد بين العرفين.
  • بروز المدة التي يجب أن يبدي خلالها الموعود له رغبته في إنشاء العقد النهائي، إلا أن هذه المدة لا يشترط تعيينها بصراحة، لأنها تستخلص ضمنيا من الظروف، فإذا ورد ضمن عقد إيجار، فإن المدة التي يجب على الموعود له أن يبدي رغبته خلالها هي مدة الإيجار.[16]
  • إذا كان العقد المراد إبرامه في المستقبل عقدا شكليا، فيجب أن يتم الاتفاق على الوعد في نفس الشكل الذي يستلزمه القانون للتعبير عن الإرادة في العقد نفسه.

 فإذا تخلفت هذه الشكلية فإنه لا يكون وعدا مؤديا للغرض المقصود منه، والحكمة من ضرورة ورود العقد في نفس الشكل الذي يتطلبه القانون لقيام العقد النهائي، هي أن إبرام عقد معين إذا تم صحيحا، كان من شأنه أن يؤدي إلى قيام العقد القريب عنه، إذا رغب فيه الموعود له فلو سلمنا أن يجيء الوعد في غير الشكل الذي رسمه القانون لقيام العقد الموعود إبرامه، لأمكن لهذا العقد الأخير أن يقوم من غير اتباع ذاك الشكل، وبهذا يتمثل الوعد بالتعاقد طريقا للإفلات أو التملس من الشكل الذي يرسمه القانون، في حين أنه مقرر لغرض متعلق بالنظام العام.[17]

وعليه، فإن مراعاة الشكل القانوني في هذه المرحلة من العقد، ما هو إلا حماية لأصحاب العلاقة من جهة ومحافظة على تطبيق الأحكام الإلزامية لمختصة بالشكل ومنع الوصول إلى التعاقد عن طرق ملتوية.[18]

وفي الأخير تجدر الإشارة، أن الوعد بالتعاقد الذي يتم عبر وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة، ومنها ما يتم عبر شبكة الانترنيت، يتم وفقا للشروط والأحكام التي يستلزمها القانون لانعقادها وفقا للصورة التقليدية.[19]

المطلب الثاني : الآثار المترتبة على الوعد بالتعاقد

إذا انعقد الوعد بالتعاقد صحيحا مستوفيا لشروطه على النحو المقدم سلفا، فإن الأمر الذي يترتب عليه يجب التمييز فيه بين مرحلتين.

فإذا كان الوعد تبادليا فإن حلول ميعاد العقد النهائي هو الذي يفصل ما بين هاتين المرحلتين أما إذا كان الوعد من طرف واحد فإن الذي يفصل بين المرحلتين هو ظهور رغبة الموعود له في التعاقد النهائي.[20]

وعلى إثر ما سبق سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين نتناول في الأولى أثر الوعد قبل حلول الميعاد أو ظهور الرغبة لنتطرق في الفقرة الثانية أثره بعد الوعد قبل حلول الميعاد أو ظهور الرغبة لنتطرق في الفقرة الثانية أثره بعد حلول الميعاد أو ظهور الرغبة.

مقال قد يهمك :   مدى إلزامية توصية مؤسسة وسيط المملكة

الفقرة الأولى: مرحلة ما قبل ظهور الرغبة أو حلول الميعاد

الوعد بالتعاقد في هذه المرحلة ينتج آثارا خاصة تختلف عن الآثار التي ينتجها العقد النهائي، ففي فترة ما قبل إبداء الرغبة يكون الطرفين في حالة ترقب وانتظار.[21]

لكن هذا لا يفهم منه أن هذه المرحلة لا يتخللها موجبات، فالوعد قبل حلول الميعاد وظهور رغبة الموعود له، يكسب حقوقا شخصية، ولا يرتب إلا التزامات حتى ولو كان التعاقد النهائي من شأنه أن ينقل حقا عينيا كما في البيع.[22]

فبالنسبة للواعد فغنه يلتزم في هذه المرحلة بالإبقاء على عرضه بالتعاقد لمصلحة الموعود طيلة مدة الوعد، والأعراض عن كل تصرف قد يقف مانعا دون ممارسته الموعود له لحقه في الخيار بين التعاقد وعدمه، وبالتالي لا يستجيب للواعد الرجوع عن عرضه بل يتوجب عليه انتظار قرار الشخص الموعود.

بالتالي فإن الوعد سواء كان من جانب واحد أو متبادلا، فإنه في حالة البيع مثلا: لا يكتسب الموعود به في هذه المرحلة إلا حقا شخصيا، في ذمة الواعد، ولا تنتقل إليه ملكية الشيء الموعود ببيعه، ويبقى الواعد مالكا للشيء ويحق له التصرف فيه إلى حين التعاقد النهائي.

وإذا هلك الشيء قضاء وقدرا ت** الواعد تبعة هلاكه، ليس فقط لأنه لم يقم بالتسليم، بل لأنه لا يزال هو المالك، وبالتالي لا يكون مسؤولا عن الضمان نحو الموعود له.

أما بالنسبة للموعود له[23]، فإنه مقابل التزام الواعد بالإبقاء على وعده حقه كمستفيد في الخيارين التعاقد أو عدمه، حيث يبقى له وحده وبإرادته المنفردة تحويل هذه العلاقة مع الواعد من مجرد وعد بالتعاقد إلى مرحلة العقد النهائي.[24]

وللموعد أيضا، خلال هذه الفترة الممنوحة له لإبداء الخيار، أن يتنازل عن حقه إلى شخص آخر، أما إذا توفي الموعود له أثناء مدة الخيار، فغن هذا الحق ينتقل لورثته الذين يحق لهم بدورهم إما الإبقاء عل العقد، أو اعتبار كأن لم يكن وفي حالة انقسامهم، فلا يمكن للراغبين منهم بالتنفيذ إلا أن يأخذوا العقد بكامله لمصلحتهم، وذلك لعدم إمكانية تجزيئ الخيار بالنسبة للواعد.

وتأسيسا لما سبق، فإنه إذا زال أحد أركان العقد خلال المدة الممنوحة للخيار كما في حال هلاك المحل مثلا، فإن الوعد بالتعاقد يقسط وهذا الإخلال بتنفيذ الالتزام يرتب المسؤولية العقدية للعاقد المخل الذي يلتزم بتعويض الطرف لآخر عن الضرر المترتب له جراء ذلك، إذا أبدي رغبته بالخيار.[25]

الفقرة الثانية : مرحلة ما بعد ظهور الرغبة وحلول الميعاد

تبتدئ هذه المرحلة في الوعد المتبادل بحلول الميعاد المحدد لإبرام العقد، أما بالنسبة للوعد الملزم لجانب واحد فهي تحل بظهور رغبة الموعود له في إبرام العقد الموعود به.

فبحلول الميعاد المحدد لإبرام العقد النهائي، التزم كلا الطرفين بإجراءه ومتى وقع العقد الموعود التزاما بأحكامه[26]، وينشأ عندئذ العقد النهائي بأثر فوري أي من تاريخ إبرامه.[27]

أما بالنسبة للوعد الملزم بجانب واحد، فإن انقضاء المدة المحددة دون إبداء رغبة التعاقد تسقط الوعد بالتعاقد، ويتحلل الواعد من التزاماته دون حاجة لإرسال أي إنذار إلى الموعود له.

أما إذا ظهرت الرغبة التعاقد من جانب الموعود صراحة أو حتى ضمنيا، طالما أن إبداء الرغبة شأنه القبول لا يخضم لصيغة شكلية معينة لأنه إما أن يكون صريحا أو يستنتج من تصرف الموعود.

إلا أنه عندما يكون العقد الموعود شكليا، فإن إبداء رغبة التعاقد يجب أن يحصل بالشكل الذي يفرضه القانون.[28]

بالتالي فإنه بمجرد ظهور هذه الرغبة، يتم التعاقد النهائي، دون حاجة لرضاء جديد من الواعد ويعتبر التعاقد النهائي تاما من وقت ظهور الرغبة لا من وقت الوعد.[29]

وإذا كان التنفيذ بطلب تدخل الواعد شخصيا، كما لو كان العقد الموعود به شكليا لابد أن يشترك الواعد في إبرامه.[30]

أما إذا أخل الواعد بأي التزام ناشئ عن هذا العقد، كان للموعود له، في العقد الملزم لجانب واحد، أو للطرف الثاني في العقد التبادلي، أن يلجأ لقضاء، ليستصدر حكما يقرر قيام العقد، مند قبوله، والتزام الواعد بكل آثاره.[31]

فيحق له أن يطالب بالتنفيذ الجبري العيني تحت طائلة فرض غرامة تهديدية، كما يحث له أن يطلب التنفيذ بمقابل، أي الحصول على تعويض عادل في مواجهة المدين الممتنع الذي تثار مسؤوليته العقدية.[32]

والحكم الذي يستصدره الموعود من المحكمة، متى حاز قوة الشيء المقضي، قام مقام العقد الابتدائي[33]، ويستثنى من هذه لقاعدة العقد الشكلي إذا لم يكن لوعد به قد استوفى الشكل المطلوب حيث أن الحكم فيه لا يقوم مقام العقد.

أما إذا كنت طبيعة العقد الموعود به تتنافى مع التنفيذ العيني الجبري، فإن حق المتعاقد يؤول إلى طلب التعويض بسبب عدم إبرام العقد النهائي.[34]

وخلاصة لما سبق، يتبين أن الوعد بالتعاقد متى قام صحيحا، انتج أثره والذي يتركز في تحمل الواعد بالتزام بعمل، وهو إبرام العقد المراد إبرامه لصالح الموعود له، إذا رغب هذا الأخير فيه وذلك خلال المدة المحددة وإلا برأت الواعد نهائيا.

أما إذا أبدي الموعود له رغبته في إبرام العقد الموعود به، خلال المدة المحددة لذلك، التزم الواعد بأن يبر بوعده في إبرام العقد الموعود، فإن فعل قام العقد النهائي، وإن نكل اعتبر مخلا بالتزام يفرضه عليه عقد الوعد، وأمكن للموعود له، طلب التنفيذ العيني لهذا الالتزام وذلك باستصدار حكم ينشئ العقد الموعود بإبرامه.[35]

المبحث الثاني : الطبيعة القانونية للعربون و تطبيقاته

لقد كان العربون ولا يزال من أهم الأدوات القانونية التي يلجأ إليها  المتعاقدون، قصد توثيق عقودهم والتزاماتهم التي حصل الاتفاق بشأنها إذن فالعربون ينطوي على فكرة ضمان تنفيذ الالتزام بصورة عامة وبالتالي فهو يساهم إل حد كبير في حماية حقوق المتعاقدين باعتباره أداة رادعة للطرف المخل بالعقد، والتعاقد بالعربون لا يقتصر على نوع معين من العقود دون سواه، فهو يشمل العقود الناقلة للملكية كالبيع، كما يشمل تلك التي تقتصر عل نقل المنافع كالكراء، إلا أن الذي يتعين التذكير به هو أن معظم المعاملت التي تستند إل دفع العربون غالبا ما تكون من صنف العقود الابتدائية والتي يتم بها التمهيد لتكوين عقود نهائية فيكون العربون بذلك واحدا من جملة الأدوات التي يتم بها ضمان تنفيذ العقود النهائية.

وحتى نتمكن من حصر بعض معالم هذا الموضوع، فإننا سنحاول إعطاء نظرة موجزة عن الطبيعة القانونية للعربون في بعض الأنظمة القانونية (المطلب الأول) كما ستناول تطبيقاته في بعض العقود المسماة وتمييزه عن بعض الضمانات القانونية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الطبيعة القانونية للعربون

للعربون في كل من الفقه والقانون عدة مفاهيم قانونية تختلف باختلاف المنظور الذي أعطي لهذه المؤسسة، فتباينت بخصوصها النظريات الفقهية، الأمر الذي انعكس بدوره على الصيغ التشريعية التي استعملت في النصوص المنظمة للعربون في كل من القانون المقارن (الفقرة الأول)، والقانون المغربي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : العربون في القانون المقارن

العربون هو مبلغ من المال يدفعه أحد المتعاقدين للآخر عند إبرام العقد، وغرضهم من ذلك، إما حفظ الحق لكل منهما في العدول عن العقد بأن يدفع من يريد العدول قدر هذا العربون للطرف الآخر، وإما تأكيد العقد والبث فيه عن طريق البدء في تنفيذه بدفع العربون.[36]

وعليه، فقد انقسم الفقه إلى مدرستين، الأولى ذات أصل لاتيني، والأخرى ذات أصل جرماني.

فبالنسبة للمدرسة الأولى، ترى بأن العربون مجرد أداة عدول عن عملية التعاقد يمكن بمقتضاها لكل من المتعاقدين أن يتراجع عن العقد مقابل فقد العربون من طرف من أعطاه، أورده مضاعفا إذا حصل العدول من تسلمه.

أما بالنسبة للمدرسة الثانية، بأن العربون علامة على إبرام العقد أي عدول أو تراجع عن تنفيذ= مقتضيات العقد إلا ويستوجب الفسخ مع ثبوت الحق في المطالبة بالتعويض الذي تقدرهن المحكمة على أساس حجم الضرر الذي لحق الطرف المتضرر من جراء العدول عن إتمام العقد.[37]

وعلى ضوء هذين الاتجاهين الفقهيين فقد اختلفت القوانين الوضعية المعاصرة في تحديد الدلالة الواجبة الأخذ بها بالنسبة للعربون، فالقوانين اللاتينية كالقانون الفرنسي[38] والقانون الإيطالي تذهب بصفة عامة إلى ترجيح دلالة العدول عن العقد.[39]

ومعظم القوانين العربية أخذت بدلالة العدول عن العقد، فالقانون المصري تأثر بالتقنيات اللاتينية، حث نصت المادة 103 من القانون المدني المصري على أن: “دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد بأن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه إلا إذا قضي الاتفاق بغير ذلك، فإذا عدل من دفع العربون فقده، وإذا عدل من قبضه رد ضعفه هذا ولو لم يترتب على العدول أي ضرر”.

كما أن باقي التشريعات العربية تم اقتباسها من القانون المدني المصري كالقانون المدني السوري والقانون الكويتي والليبي، إذ نصت هذه القوانين على أن دفع العربون يعد دليلا على أن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عن العقد خلال المدة التي يجوز له فيها ذلك.[40]

بينما أخذت القوانين الجرمانية، كالقانون المدني الألماني، وتقنين الالتزامات السويسري بدلالة التأكيد على العقد، أي أن العربون بمثابة دفعة أولية من ثمن الصفقة يتعين على من دفعه إتمام ما تبقى من الثمن المتفق عليه، ومن التشريعات العربية التي سلكت هذا الاتجاه نجد المشرع العراقي[41]، حيث اعتبرت المادة 92 من القانون لمدني العراقي[42]، أن دفع العربون يشكل دليلا على أن العقد قد أصبح باتا لا يجوز العدول عنه إلا إذا قضى الاتفاق بعكس ذلك.

إذن يتبين من خلال ما سبق أن للعربون إحدى الدلالتين، إما دلالة العدول وإما دلالة البت.

الفقرة الثانية: العربون في التشريع المغربي

نظم المشرع المغربي أحكام العربون في المواد 288 إلى 290 من قانون الالتزامات والعقود، إذ ورد في الفصل 289 بأنه: “إذا نفذ العقد خصم مبلغ العربون مما هو مستحق، على من أعطاه”، مثلا إذا كان من أعطى العربون هو المشتري أو المكتري خصم من ثمن البيع أو من الكراء، وإن كان من أعطى العربون هو البائع أو المكري ونفذ العقد وجب رده، كما يجب رد العربون أيضا إذا ألغي العقد بتراضي عاقديه، أما الفصل 290 فقد جاء فيه بأنه: “إذا كان الالتزام غير ممكن التنفيذ أو إذا فسخ بسبب خطأ الطرف الذي أعطى العربون كان لمن قبضه أن يحتفظ به ولا يلزم برده إلا بعد أخذ التعويض الذي تمنحه له المحكمة إن اقتضى الأمر ذلك”.

مقال قد يهمك :   محمد بحماني : دعاوى التعويض و دور صندوق التأمين في المنازعات العقارية

ومن خلال هذه المواد يتضح لنا أن المشرع المغربي يميل للأخذ بالمذهب الجرماني خلافا لكل التشريعات العربية التي تأثرت  بالاتجاه اللاتيني، وبالتالي يعتبر العربون بمثابة دفعة أولية من الثمن الإجمالي المتفق عليه الأمر الذي يعني أنه لا يحق لأي من الأطراف أن يتراجع بصورة انفرادية عن إتمام العقد.[43]

وباعتبار أن العربون في إطار التشريع المغربي أداة لتأكيد العقد وليس وسيلة للتراجع عنه، فإنه بذلك يعد خطوة جدية نحو تنفيذ العقد وأي عدول أو تراجع انفرادي بدون موافقة الطرف الآخر يعد إخلال بالالتزام الرباط بينه وبين الطرف الآخر.[44]

ووفقا للمادة 290 من ق.ل.ع[45] فقد أقر المشرع المغربي الحق لمن أدى العربون، في العدول عن العقد بإراداته المنفردة، ولكنه أعطى للطرف الآخر الحق في حبس العربون وعدم رده.[46]

ووفقا للفصل 288 من ق.ل.ع فالعربون أداة لضمان تنفيذ العقد، حيث ينص هذا الفصل على ما يلي: “العربون هو ما يعطيه أحد المتعاقدين للآخر بقصد ضمان تنفيذ تعهده”، إذن فهو يختلف عن جملة المؤسسات القانونية المشابهة له كالكفالة النقدية والشرط الجزائي[47] المدرج في العقد إلى غير ذلك من الضمانات ولم يشر الفصل 288 إلى إمكانية العدول عن العقد في التعريف، مما يدل على رغبة المشرع في محاولة قصر مدلول العربون على افتراض أنه بدء في التنفيذ[48]… وأي تراجع عن مواصلة التنفيذ إلى ويعد إخلال بالتزام قانوني.

وبالتالي يحق للطرف المتضرر من جراء عدول الطرف الآخر عن إتمام العقد أن يحصل على التعويض المناسب الذي تحدده المحكمة في إطار سلطتها التقديرية، وعليه فقابض العربون في حالة امتناع دافعه عن التنفيذ لا يمتلك العربون وإنما يحبسه إلى حين الحكم له بالتعويض عن الضرر الناجم عن عدم التنفيذ، وبعد ذلك يستطيع تملكه على أساس أنه يمثل جزءا من التعويض المحكوم به أو يمثل مبلغ هذا التعويض فقي حالة تساوي ما قدم من عربون مع المبلغ المحكوم به كتعويض، أما إذا تبين أن مبلغ التعويض المحكوم به يقل عما قدم من عربون وجب في هذه الحالة أن يخصم مبلغ التعويض مما قدم من عربون ويرد الباقي إلى الممتنع عن التنفيذ.[49]

وخلاصة القول فإن القواعد والأحكام الواردة في الفصلين 289 و290 من ق.ل.ع تعد في أصلها من صنف القواعد المكملة التي يمكن للأطراف الاتفاق على مخالفتها، ولعل ما يؤكد ذلك بعض القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى وكذا محاكم الموضوع، من بينها قرار المجلس الأعلى الذي قضى بأنه: “إذا المبلغ المدفوع مسبقا من طرف المشتري هو المعبر عنه قانونا بالعربون في الفصلين 288 و289 فإن دلالته وإعطاؤه حكمه القانوني، وهو هو جزء من الثمن فينعقد به البيع باتا أم أنه مجرد عربون مصحوب بخيار العدول عندما يكون منوطا بنية المتعاقدين، وهي مسألة موضوعية يستقل قضاة الموضوع باستخلاصها من وقائع الدعوى وينود العقد.

لما اعتبرت الطاعنة أن المبلغ الذي اعترفت الطاعنة بقبضة كتسبيق هو جزء من الثمن وليس عربونا فإن لم يبقى مجال للاحتجاج بالفصلين 288 و289 من ق.ل.ع”.[50]

كما ورد في حكم آخر للمحكمة الابتدائية بتازة أن “مسبق الثمن هو جزء من الثمن وليس عربونا، لأن هذا الأخير لا تطبق أحكامه إلا عندما يكون المبلغ المؤدى غايته ضمان تنفيذ الالتزام”.[51]

فمن خلال هذه الأحكام يتبين أن القضاء المغربي يحترم إرادة الطرفين في حالة الاتفاق على مخالفة أحكام العربون المضمنة في الفصول من 288 إلى 290، كما إذا اتفقا على أن المبلغ المؤدى هو مسبق الثمن وليس عربونا.

المطلب الثاني : تمييز العربون عن غيره من الضمانات القانونية وتطبيقاته

بما أن العربون عبارة عن مبلغ من النقود (وهي الحالة الغالبة) أو كمية من البضاعة المتعاقد عليها، يصفها أحد المتعاقدين للآخر وقت التعاقد، الغاية منه هو الوصول إلى أحد الهدفين، إما تأكيد وصول الطرفين إلى الاتفاق على العقد وإبرامه، وإما أن يكون المتعاقدان اشترطا أن لكل منهما حق العدول عن العقد مقابل ترك العربون لمن دفعه أورده مضاعفا ممن قبضه، فالعربون والحالة هذه يطرح إشكالات بشأن تمييزه عن بعض الضمانات المشابهة له (الفقرة الأولى)، والذي يجد مجاله الخصب في الحياة العملية في بعض العقود المسماة كما هو الشأن بالنسبة لكل من عقد البيع (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تمييز العربون عن بعض الضمانات القانونية

سبق أن رأينا بأن دلالة العربون في التشريع المغربي تنصرف إلى كونه وسيلة لتأكيد العقد وليس وسيلة للتراجع عنه، وأن أي إخلال بالالتزام الرباط بين طرفيه يعطي للمتضرر حق حبس العربون وعدم ردع إلى غاية الحكم له بالتعويض المناسب، بالإضافة إلى أن نص الفصل 288 من قانون الالتزامات والعقود العربون ضمانا لتنفيذ التعهد الذي يمنحه أحد المتعاقدين للآخر.

أمام هذه الدلالة التي يضفيها المشرع المغربي على العربون، يظهر تساؤل بفرض نفسه بقوة ويتعلق بالتشابه القائم بينه وبين بعض الضمانات القانونية كما هو الشأن بالنسبة لعقد الرهن والشرط الجزائي –نموذجا- الأمر الذي يحتم علينا إبراز أوجه الاختلاف بين هذه المؤسسات القانونية حتى يتسنى الباحث التمييز بينها.

أولا: تمييز العربون عن عقد الرهن

إن تشبيه العربون بالرهن هنا يحتم القيام بنفس التشبيه بين حالة الامتناع عن تنفيذ العقد الذي يقدم فيه العربون، وحالة امتناع المدين الراهن عن أداء دينه الأصلي.

وعليه فإذا كان الدائن المرتهن يجوز له أن يتملك المرهون المتمثل في النقود أو ما يقوم مقامها من السندات لحاملها في حدود ما له من حق عندما يمتنع الراهن عن أداء دينه الأصلي كما يقضي بذلك الفصل 1224 من ق.ل.ع[52]، فإن قياس العربون على الرهن يقتضي أن يتملك قابض العربون هذا العربون عندما يمتنع دافعه عن تنفيذ التزامه[53]، والحال أن حائز العربون لا يتملكه وإنما يلزم برده إذا كان الالتزام غير ممكن التنفيذ مع حفظ حقه في المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء عدم تنفيذ الالتزام.

ويرى بعض الفقه[54] أن حق قابض العربون في حبسه يعتبر ضربا من الرهن مادام يرمي هو الآخر إلى تنفيذ الالتزام العقدي أو ما يمكن أن يحكم به من تعويض بسبب المسؤولية العقدية، كما يرمي إلى تأمين الدين (تنفيذ العقد) المترتب في ذمة المدين (الملتزم).

ثانيا: تمييز العربون عن الشرط الجزائي

إذا كان العربون يرتب التزاما في ذمة من أعطاه لا يمكنه التحلل منه إلا باتباع أحد الخيارين إما تنفيذ العقد وإما الالتزام بالتعويض، فإن ذلك يظفي إلى حد ما على العربون طابع الغرامة، وبعبارة أخرى يجعله بمثابة شرط جزائي

ففي حالة الامتناع عن التنفيذ والذي يطابق عمليا العدول عن العقد فإنه يرتب في ذمة الممتنع التزاما بأداء مبلغ مالي في شكل تعويض أو غرامة، فإذا كانت هذه الغرامة تؤدي عن الامتناع عن التنفيذ كنا أمام الشرط الجزائي الذي يتلاءم بالأساس مع العقود البتية والقطعية اللزوم، أما إذا اعتبرناها كمقابل للرجوع في العقد فغن هذا المعنى يجعل من العقد الذي يقدم فيه العربون عقد مصوفا أي عقد معلقا على شرط[55]، غير أن القضاء المغربي يستبعد هذا فهو لا يعتبر العربون بمثابة شرط جزائي حيث ذهبت محكمة الاستئناف بالرباط إلى أن “المبلغ المقدم من البائع ضمانا التنفيذ البيع، لا يمثل مقدار الشرط الجزائي”[56]، كما لا يعتبره بمثابة مقابل العدول أو الرجوع، وذلك عندما لا يحدد المتعاقدان أحد هذين المعنيين صراحة للعربون إذ في هذه الحالة لا يجوز الاحتجاج بوجوب تطبيق أحكام العربون، وقد صدر عن المجلس الأعلى بهذا الشأن قرار هذا العقد يعتبر لاغيا إذا لم يتم البيع داخل الأجل المحدد، يجعل اعتبار ذلك العقد عربونا أمرا غير ممكن”.[57]

الفقرة الثانية : العربون في عقد البيع

قد يقع الاتفاق على العربون في البيع الابتدائي، فيبرم المتعاقدان بيعا ابتدائيا ويحددان ميعادا لإبرام البيع النهائي، ويتفقان في البيع الابتدائي على عربون يدفعه المشتري للبائع.[58]

ولقد تناول المشرع المدني الفرنسي أحكام العربون في المادة 1590 حينما نص على أنه: “إذا اقترن الوعد بالبيع بدفع عربون كان لكل من العاقدين حق العدول عن العقد فإذا عدل من دفع العربون خسره، وإذا عدل من قبضه وجب عليه رد ضعفه”.

كما أن المادة 103 من القانون المدني المصري تنص على أن: “دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد أن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه إلا إذا قضى الاتفاق بغير ذلك فإذا عدل من دفع العربون فقده وإذا عدل من قبضه رد ضعفه…”.

يتضح لنا من هذه النصوص بأن مجرد دفع العربون في عقد البيع لا يعني بأن البيع قد تم بصفة نهائية بل يفيد احتفاظ المتعاقدين بحق العدول لكن مقابل دفع ثمن هذا العربون.

أما بالنسبة لقانون الالتزامات والعقود المغربي فعند تناوله لأحكام البيع بالعربون نجده متأثر بالفقه الإسلامي وخاصة الفقه المالكي، فالمالكية تشترط لصحة البيع بالعربون أن يكون قد دفع على أساس أن يكون جزء من الثمن إن تم البيع، أو يرد العربون على المشتري في حالة عدم إتمام البيع، ويعتبر البيع بالعربون باطلا إذا كان على أساس عدم إمكانية رده للمشتري إذا لم يتحقق البيع بينهما، وعلة البطلان أن البائع يثري من غير سبب مشروع وهذا غير حائز وفقا لقواعد الفقه الإسلامي.[59]

ومن هنا نستنتج أن هذا الاتجاه الفقهي، يذهب إلى جعل التعامل بالعربون أمرا جائزا ومسموحا به إذا حصل الاتفاق على رده لصاحبه، أما إن كان الأمر على العكس من ذلك فالبيع فاسد يستوجب الفسخ.

ووفقا لأحكام قانون الالتزامات والعقود، يخصم العربون مما هو مستحق على من أعطاه في حالة تنفيذ العقد (وذلك طبقا للفقرة الأولى من الفصل 289)، فإذا أعطى المشتري العربون توجب خصم هذا العربون من الثمن، أما إذا كان البائع هو الذي أعطى العربون توجب على المشتري رده عند تنفيذ العقد، ويجب رد العربون في حالة إلغاء العقد بالتراضي (الفقرة الثانية من الفصل 289 من ق.ل.ع).[60]

مقال قد يهمك :   محكمة النقض : صرف المؤسسة البنكية لشيك متعرض عليه يعتبر خطأ يرتب مسؤوليته

وإذا اقترن الفسخ بخطأ من صاحب العربون، فإن الطرف الذي قبضه، لا يلتزم برده تلقائيا أو كاملا، بل يكون له أخذ ما يوازي الضرر اللاحق به نتيجة ذلك[61]، وهو ما نص عليه الفصل 290 من ق.ل.ع بقوله: “إذا كان الالتزام غير ممكن التنفيذ، أو إذا فسخ بسبب خطأ الطرف الذي أعطى العربون، كان لمن قبضه أن يحتفظ به، ولا يلتزم برده إلا بعد أخذه التعويض الذي تمنحه له المحكمة، إذا اقتضى الأمر ذلك”.

وهو ما تبنته استئنافية الرباط في أحد قراراتها، حيث قضت “…بأن العربون الذي يدفعه المشتري، له في التشريع المغربي طابع الحجة على إبرام العقد لا طابع العقاب تعد لمن يخل بشروط العقد.

يجب في حالة عدم تنفيذ المشتري التزامه أن يعوض البائع عن جميع الأضرار التي أحدثتها له عدم التنفيذ”.[62]

خاتمة : 

وخير ما نخلص له في عرضنا هذا، هو الأهمية القصوى لمثل هذه المراحل الهامة في تكوين ونشأة العقد، بحيث إذا ما نظرنا لها من زاوية الأطراف نجدها مراحل إن صح التعبير يطلق عليها المراحل الجنينية للعق، مراحل المعاينة والتفقد، لكون الأطراف يعاينون ويتفقدون كل الظروف المحيطة بالعقد قبل الإقدام على إبرامه بكيفية نهائية.

فإذا ما نظرنا للجانب المتعلق بالمفاوضات باعتبارها الخطوات الأولى التي يتدارس فيها الأطراف جل عناصر العقد المزمع إبرامه من جانبهم، فإنها مراحل يكون فيها الأطراف على بينة من أمرهم، بشأن الالتزام الذي سيلقى على عاتقهم والذي لا يمكن التحلل منه إلا لظروف واعتبارات محددة قانونا.

فإذا كان الأطراف في إطار المفاوضات يحددون غالبية أركان وشروط العقد اللازمة لإبرامه، فإنه بالنسبة للمراحل التي تلي المفاوضات والتي تأخذ مرحلة وسط بين المفاوضات والعقد النهائي، فإنها مراحل حاسمة في تكوين العقد بحيث تكون أكثر قوة إلزامية من حيث قربها لإبرام العقد النهائي، فالأطراف يكونون في وضعية شبه وضعية أطراف العقد النهائي على اعتبار أن المسؤولية المترتبة على الإخلال بهذه المراحل هي مسؤولية عقدية في غالبيتها.

وبالرغم من أن المشرع المغربي قد نظم العربون في المواد من 288 إلى 290 من قانون الالتزامات والعقود، إلا أن هذه الفصول غير كافية، كما أن المشرع المغربي لم ينظم الوعد بالتعاقد وبالتالي يهيب مشرعنا إلى تنظيمها في شق مستقل يندرج ضمن ق.ل.ع وذلك راجع بالأساس إلى الأهمية التي تعرفها وستعرفها مستقبلا، مثل هذه الالتزامات  بأن الشخص الذي يريد أن يلزم نفسه بالتزام ما لابد له أن يعرف ما لم من حقوق وما عليه من التزامات.


الهوامش :

(*) من عروض الماستر المنجزة من طرف طلبة ماستر قانون العقود و العقار بكلية الحقوق بوجدة.

[1] – محمد علي جواد، العقود الدولية –مفاوضات-إبرامها- تنفيذها، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2010، ص: 15.

[2] – بلحاج العربي، الإطار القانوني للمرحلة السابقة على إبرام العقد، دار وائل للنشر طبعة 2010، ص: 11.

[3] – المختار بن أحمد عطار، الوسيط في القانون المدني (مصادر الالتزام )، الطبعة الثانية 2007، ص: 87.

[4] – عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، مصادر الالتزام، الجزء الأول، المجلد الأول، الطبعة الثانية، مطبعة نهضة مصر، ص: 249.

[5] – ينص الفصل 788 من ق.ل.ع “ومع ذلك فإن الوعد بتسليم وديعة اقتضاها يسفر المودع أو أي مبرر آخر مشروع، يعتبر التزاما منن الواعد يمكن أن يؤدي إلى تحميله بالتعويضات في حالة عدم تنفيذه، ما لم يثبت أن أسبابا مشروعة وغير متوقعة حالت بينه وبين آداء ما تعهد به”.

[6] – عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص: 251.

[7] – إدريس العلوي العبدلاوي، “النظرية العامة للالتزام –نظرية العقد”، طبعة أولى 1996، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ص: 263.

[8] – عبد الرزاق السنهوري، م س، ص: 205.

[9] – هدى عبد الله، دروس في القانون المدني، العقد، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 2008، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ص: 125.

[10] – المختار بن أحمد عطار، مرجع سابق، ص: 88.

[11] – عبد الحق صافي، القانون المدني، المصدر الإرادي للالتزامات، العقد، الكتاب الثاني، آثار العقد، الطبعة الأولى 2007، ص: 229.

[12] – المختار بن أحمد عطار، مرجع سابق، ص: 89.

[13] – عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص: 255.

[14] – عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص: 256.

[15] – بلحاج العربي، م س، ص: 141.

[16] – أحمد حسن المرعي، نظرية الالتزام في القانون المغربي، -العقد-، دار الثقافة، الطبعة الأولى 1381، ص: 82.

[17] – إدريس العلوي العبدلاوي، مرجع سابق، ص: 239.

[18] – هدى عبد الله، مرجع سابق، ص: 122.

[19] – بلحاج العربي، مرجع سابق، ص: 143.

[20] – عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص: 257.

[21] – هدى عبد الله، مرج سابق، ص: 135.

[22] – عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص: 257.

[23] – نفس المرجع، نفس الصفحة.

[24] – هدى عبد الله، مرجع سابق، ص: 132.

[25] – عبد الحق صافي، مرجع سابق، ص: 229.

[26] – عبد الرزاق السنهوري، المرجع السابق، ص: 258.

[27] – عبد الحق الصافي، آثار العقد، مرجع سابق، ص: 229.

[28] – هدى عبد الله، مرجع سابق، ص: 140.

[29] – عبد الرزاق السنهوري مرجع سابق، ص: 258.

[30] – أحمد حسن برعي، مرجع سابق، ص: 83.

[31] – إدريس العلوي العبدلاوي، مرجع سابق، ص: 240.

[32] – عبد الحق صافي، آثار العقد، مرجع سابق، ص: 230.

[33] – الشرقاني.

[34] – الفصايلي الطيب، النظرية العامة للالتزام، الجزء الأول، دار البديع، الطبعة الثانية 1997، ص: 64.

[35] – إدريس العلوي العبدلاوي، مرجع سابق، ص: 240.

[36] – أحمد حسن البرعي، مرجع سابق، ص: 84.

[37] – عبد القادر العرعاري، مصادر الالتزام الكتاب الأول “نظرية العقد”، الطبعة الثانية 2005، مطبعة الكرامة، الرباط، ص: 74.

[38] – تنص المادة 1590 من القانون المدني الفرنسي على أنه: “إذا اقترن الوعد بالبيع بدفع العربون كان لكل من العاقدين حق العدول عن العقد فإذا عدل من دفع العربون خسره وإذا عدل من قبضه وجب عليه رد ضعفه”.

[39] – هدى عبد الله، دروس في القانون المدني –العقد”، مرجع سابق، ص: 143.

[40] – هدى عبد الله، مرجع سابق، ص: 143.

[41] – عبد القادر العرعاري، مرجع سابق، ص: 75.

[42] – تنص المادة 92 من القانون المدني العراقي على ما يلي: “يعتبر دفع العربون دليلا على أن العقد أصبح باتا لا يجوز العدول عنه إلا إذا قضى الاتفاق بغير ذلك، فإذا اتفق المتعاقدان على أن العربون جزاء العدول عن العقد كان لكل منهما حق العدول، فإذا عدل من دفع العربون وجوب عليه تركه وإن عدل من قبضه رده مضاعفا”.

[43] – عبد القادر العرعاري، مرجع سابق، ص: 76.

[44] – تشند فكرة عدم جواز العدول الفردي عن العقد إلى مبدأ مشهور في القانون المدني هو كون العقد شريعة المتعاقدين وهو منصوص عليه في الفصل 230 من ق.ل.ع.

[45] – الفصل 290 من ق.ل.ع “إذا كان الالتزام غير ممكن التنفيذ، أو إذا فسخ بسبب خطأ الطرف الذي أعطى العربون، كان لمن قبضه أن يحتفظ به، ولا يلزم برده، إلا بعد أخذه التعويض الذي تمنحه له المحكمة، إن اقتضى الأمر ذلك”.

[46] – أحمد حسن البرعي، مرجع سابق، ص: 85.

[47] – الشرط الجزائي هو الشرط المدرج في العقد الذي يتفق الأطراف بمقتضاه على تحديد المبلغ النقدي لتعويض الطرف المضرور في حالة الإخلال بالالتزام.

[48] – إدريس العلوي العبدلاوي، م س، ص: 255.

[49] – محمد شيلح، العربون في قانون الالتزامات والعقود المغربي بين دلالتي التسبيق ومقابل الرجوع،- أو مشكل الفصل 288 من ق.ل.ع.م، مجلة القانون والاقتصاد، العدد 7 سنة 1991، ص: 98.

[50] – قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 14/3/1995 تحت عدد 931 منشور بمجموعة قرارات المجلس الأعلى المادة المدنية 58-96، ص: 267 وما يلبيها.

[51] – حكم صادر عن ابتدائية تازة بتاريخ 7/11/2005 تحت عدد 615 في الملف عدد 189/04 منشور  بمجلة العرائض عدد 22، ص:178 وما يليها.

[52] – ينص الفصل 1224 على أنه: “إذا كان المرهون نقودا أو سندات لحاملها تقوم مقام النقود، كان للدائن أن يستوفي دينه منها إن كان من نفس النوع، وليس عليه أن يسلم المدين  إلا ما فضل من دينه”.

[53] – محمد شيلح، مرجع سابق، ص: 98.

[54] – مرجع سابق، ص: 98.*********

[55] – نفس المرجع، ص: 96-97.

[56] – قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 3 ديسمبر 1925 دون ذكر نوع الملف والعدد، أورده محمد سيلح، مرجع سابق، الهامش رقم (26)، ص: 97.

[57] – قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 5/5/04 تحت عدد 1406 في الملف عدد 3612/01 منشور بمجلة المحامي عدد 53، ص: 164 وما يليها.

[58] – عبد الرزاق أحمد السنهوري، “الوسيط في شرح القانون المدني الجديد –البيع”، الجزء الرابع، الطبعة الثالثة الجديدة 1998، مطبعة بيروت لبنان، ص: 86.

[59] – إدريس الفاخوري، محاضرات في مادة القانون المدني “العقود المسماة”، السنة الجامعية: 1983-1984، ص: 33.

[60] – أستاذنا إدريس الفاخوري، م س، ص: 34.

[61] – الطاهر القضاوي، الوعد بالبيع، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، السنة الجامعية: 1993-1994، ص: 226.

[62] – قرار استئنافية الرباط رقم 2588 تاريخ 25/04/1994، منشور لدى عبد العزيز توفيق “التعليق على ق.ل.ع بقضاء المجلس الأعلى ومحاكم النقض العربية لغاية 1998، الجزء الأول”الالتزامات” مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1999، ص: 243.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.