د. بنصغير : عوار فاحش يشوب مشروع قانون رقم 13-103 يتعلق بمحاربة العنف ضدّ النساء

مرسوم الحق في الولوج إلى المعلومة.. إجراء أم إغراء؟

التشريع المغربي في مجال مكافحة زراعة الكيف و إشكالية التنمية.

23 فبراير 2018 - 10:37 م وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-
  •  عبد السلام بوهلال : أستاذ باحث كلية الآداب والعلوم الإنسانية مكناس

يرتبط الكيف بالمغرب في أذهان الكثيرين زراعةً وتصنيعا وتسويقا بجبال الريف عموما، وبمنطقة كتامة تحديدا، والتي تخصصّ سكانها منذ القديم في هذه الزراعة التي انتقلت من زراعة تكميلية إلى نظام الزراعة الأحادية. ومن شدة ارتباط الكيف بكتامة تخلت له عن إسمها وأصبحت تنعت لدى الكثيرين “ببلاد الكيف”.

الامتدادات المجالية السريعة للكيف دفعت بالدولة إلى سن مجموعة من القوانين بغية محاربة زراعته والحد من انتشاره إلى الأقاليم الأخرى من المملكة المغربية.

فما طبيعة النصوص القانونية التي أصدرها المشرع المغربي للحد من انتشار الكيف؟ وما مدى نجاعتها؟ وماهي المقاربة التي تبناها المغرب لمواجهة تطور انتشار هذه الزراعة؟ وماهي منطلقات التنمية ببلاد الكيف؟

1. النصوص القانونية المنظمة لمكافحة زراعة الكيف قبل الاستقلال

أ. مرحلة الترخيص بزراعة الكيف

تميزت هذه المرحلة بكون زراعة الكيف وبيعه وتصنيعه واستيراده كانت عمليات مشروعة داخل المغرب، ويعتبر ظهير 4 ماي 1915 أول نص تشريعي صدر في المغرب يهتم بهذه الزراعة وانصب على تنظيم عملية احتكار جلب الدخان والكيف وشمل منطقة الحماية الفرنسية، ووضع هذا الظهير الكيف والدخان في كفة واحدة، إذ خول شركة حصر الدخان احتكار عمليات بيعهما واستيرادهما وتصنيعهما.

ثم تلاه صدور ظهير6 فبراير 1917 والصادر بالجريدة الرسمية للمنطقة الخليفية رقم 5 بتاريخ 10 مارس 1917 الذي ينظم زراعة الكيف بمنطقة الاحتلال الاسباني.

ثم جاء الظهير الذي يضبط زراعة الكيف المعروف ب “ظهير ضبط الكيف” والصادر بتاريخ 03/11 1919 وبموجبه تم السماح للفلاحين بزراعة الكيف، شريطة تقديمهم بطلب إلى إدارة “سكا تبغ” للحصول على الرخصة من أجل مزاولة زراعتهم بحرية مطلقة. وقد تخصص مركزان في هذا النوع من الزراعة: مركز بمنطقة مراكش في الجنوب: “الحوز”، ومركز في منطقة الحسيمة: “كتامة”. ويحق لشركة التبغ وحدها تسليم الرخص للفلاحين التي تعينهم بنفسها لجمع المحصول لحسابها، وتقوم بتوجيه لائحة بأسماء هؤلاء إلى السلطات المعنية.

وبعد الرواج الذي عرفته زراعة وتجارة الكيف آنذاك، أخضع المشرع ثمن بيع الكيف إلى ضريبة بموجب ظهير 25 يوليوز1929والذي حدد نسبة الضريبة في 15% من ثمن بيع الكيف والتبغ على الشركة الدولية ذات المصلحة المشتركة للتبغ بالمغرب داخل منطقة الاحتلال الفرنسي والتي بدورها حملت تكاليف هذه الضريبة للفلاحين والمستهلك. وتكملة للظهير السابق صدر ظهير 12 رجب 1351 الموافق ل12 نونبر 1932 بجعل نظام لأنواع التبغ والكيف بالمغرب

مقال قد يهمك :   ملاحظات على القرار الدستوري بشأن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في المغرب

ويعتبر الظهير الصادر في 22غشت 1935 بالجريدة الاسبانية للمنطقة الخليفة عدد 24 بتاريخ 22 غشت 1935 الظهير الوحيد الذي يحصر النطاق الترابي لمجالات زراعة الكيف ويحددها في ثلاث مناطق هي: “كتامة وبني سدات وبني خالد” والحامل لتوقيع الخليفة السلطاني بالمنطقة الشمالية مولاي الحسن بن المهدي بن اسماعيل.

ب. مرحلة منع زراعة الكيف بمنطقة الحماية الفرنسية.

تم القضاء نهائيا على زراعة الكيف بالمنطقة الاستعمارية الفرنسية، عند صدور ظهير 20 شعبان 1313 الموافق ل 24 أبريل 1954 المتعلق بمنع زراعة الكيف. إذ بموجب هذا الظهير تم إلغاء صلاحيات التراخيص مع القيام بمراقبة صارمة لشبكات الإنتاج. ولتشجيع موظفي الدولة المكلفين بذلك، تم إصدار مرسوم رقم 2.56.038 بتاريخ 27 ذو القعدة 1375 الموافق ل 30 يونيو 1956، يقضي بإعطاء جوائز مالية للأعوان المكلفين بزجر ترويج مادة الكيف.

لكن رغم ذلك فالأمر كان مختلفا في المنطقة الاستعمارية الإسبانية، لأن مجال تطبيق ظهير 1954 كان يقتصر على المنطقة الخاضعة للسيطرة الفرنسية، وعليه كان يتعذر تطبيق النصوص الصادرة عن السلطات الفرنسية على مجمل التراب الوطني. فبقيت زراعة الكيف مشروعة بالشمال .

2. النصوص القانونية المنظمة لمكافحة الكيف بعد سنة 1956.

لم يتم منع زراعة الكيف بشكل نهائي في المنطقة الشمالية من المملكة المغربية إلا بعد صدور قرار مشترك لنائب رئيس الوزارة ووزير المالية ووزير الصحة العمومية في11 يناير 1960، وظهير شريف رقم 1.60.138 في تتميم الظهير الصادر في 20 شعبان 1373 الموافق ل 24 أبريل 1954.

ومن أجل تقوية حجية منع الكيف في المغرب وسد النقائص الكثيرة التي اعترت الميدان التشريعي في هذا المجال، جاء الظهير الشريف بمثابة قانون عدد 1.73.282 الصادر في 28 ربيع الثاني 1394 الموافق ل 21 ماي 1974.المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين على هذه المخدرات، « يعاقب بالحبس من خمسة إلى عشر سنوات وبغرامة يتراوح قدرها من 5000 إلى 50000 درهم كل من استورد أو أنتج أو نقل أو صدر أو أمسك بصفة غير مشروعة المواد أو النباتات المعتبرة مخدرة» (الفصل الثاني من ظهير )1974.

وهكذا انتظر المغرب عدة قرون -إذا اعتبرنا القرن الخامس عشر هي بدايات الانتشار الأولى لزراعة الكيف به- حتى يصبح له قانون يحرم بصفة نهائية هذه الزراعة في كافة التراب الوطني، أي بعد أن تغلغلت داخل مجتمعات المناطق الجبلية وأضحت تشكل لدى السكان المصدر الرئيسي للعيش.

فالمنع جاء في ظرفية تاريخية حرجة بالنسبة للسكان المعتمدين على محصول الكيف في جميع الميادين، لهذا لم يكن من السهل القضاء عليه؛ لأن الأجيال، توارثته وكونت بصدده رصيدا ثقافيا هاما (صناعة الحبال؛ تغذية الدواجن، سماد للأرض؛ استعمالات طبية…)، فضلا عن المردودية الاقتصادية المهمة للمنتوج. إلا ان هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لم يتم مراعاته، مما جعل القانون المذكور يفشل في انتزاع نبتة الكيف من أعالي الريف.

مقال قد يهمك :   محمد الهيني : قضاء المساطر المرجعية على لسان المتهم الضحية.

وبالإضافة إلى هذه المقاربة القانونية، لجأت السلطات الحكومية إلى مقاربة إدارية، تمثلت في إحداث لجنة وطنية للمخدرات من أجل مكافحة المخدرات بموجب مرسوم رقم2.77.626 بتاريخ 19 شوال 1397الموافق ل31 أكتوبر 1977، وهي هيئة وزارية تستوحي من توصيات منظمة الأمم المتحدة، وتعمل بتعاون الإدارة العامة للأمن الوطني و الدرك الملكي و القوات المساعدة و القوات المسلحة الملكية ومصالح الجمارك وشركة التبغ والسلطة المحلية، وضعت تحت الرئاسة الفعلية لوزارة الصحة العمومية، تضم ممثلين عن الوزارات المهتمة بظاهرة المخدرات، وتتولى هذه اللجنة اقتراح إجراءات تطبيق الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية في مجال مكافحة المخدرات، وإعداد البرامج الإعلامية حول مخاطر المخدرات، وبحث الوسائل الكفيلة بتحقيق مكافحة فعالة للإنتاج والترويج غير مشروع. وحيازة وبيع ونقل واستعمال المخدرات

مواكبة التشريع المغربي للتشريع الدولي في ميدان مكافحة القنب الهندي.

ووعيا منه بخطورة المخدرات، بادر المغرب إلى الانخراط في مجال التعاون الدولي، من أجل كبح انتشار المخدرات عموما والكيف بشكل خاص، باعتباره “المخدر” الأكثر شيوعا داخل البلاد، وذلك بمصادقته على جل الاتفاقيات الدولية والعربية المتعلقة بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية.

خاتمة:

إن تتبعنا للنصوص القانونية الصادرة في ميدان زراعة الكيف بالمغرب، نجدها مرت بمرحلتين أساسيتين، فقد حاول المشرع في البداية إيجاد إطار قانوني لضبط الزراعة، قبل أن يلجأ إلى تجريمها ومنعها بشكل مطلق في النهاية. كما عزز المغرب منع هذه الزراعة بمصادقته على مجموعة من الاتفاقات الدولية والنصوص العربية التي اهتمت بمحاربة المخدرات.

فهل نجح المشرع المغربي في القضاء على زراعة الكيف بواسطة هذه المقاربة القانونية المحضة؟

يبدو أن المغرب لم يتمكن من ذلك لأن واقع الحال يؤكد على أن زراعة الكيف مازالت تشكل مصدر العيش الوحيد للسكان في العديد من المناطق بجبال الريف، كما أنها تستوعب عددا هائلا من العمال الزراعيين خلال مواسم احرث وحصاد تصنيع هذه النبتة، كما تشكل المنطقة سوق استهلاكية واسعة، يلجأ إليها التجار من مناطق مختلفة لتصريف منتجاتهم وسلعهم المختلفة، مما يجعل من مجال زراعة الكيف قطب ذو إشعاع اقتصادي واجتماعي مهم.

مقال قد يهمك :   الأستاذة سليمة فراجي : عن مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء.

إن عدم فعالية المقاربة القانونية الأمنية في انتزاع الكيف من أعالي جبال الريف، سيدفع بالمغرب إلى تبني مقاربة اجتماعية تمحورت حول البحث عن بديل زراعي للكيف كالكبار وبعض الأشجار المثمرة.. لكن مآلها كان الفشل، لأنه ثبت بالملموس أن ليس هناك في الوقت الحالي أي منتوج فلاحي يمكن أن يضاهي مردوديته مردودية الكيف في تلك الظروف الطبيعية الهشة والصعبة، زيادة على تمسك السكان المحليين وتشبثهم بزراعتهم المفضلة على جميع المستويات.

لقد أدى محدودية مقاربات الدولة في القضاء على زراعة الكيف إلى تبلور فريق يدعو إلى تقنينها وحجتهم في ذلك أن للكيف ومشتقاته فوائد طبية وصناعية عديدة… يتكون هذا الفريق من مجموعة من الفاعلين على رأسهم الائتلاف المغربي من أجل الاستعمال الطبي والصناعي للكيف، إضافة إلى بعض الأحزاب السياسية والباحثين الجامعيين والحقوقيين…الخ

إذن، لقد حان الوقت في اعتقادنا كي تعترف الجهات الرسمية باستحالة إيجاد البديل الزراعي للكيف، ومن تم البحث عن صيغة ملائمة لضبط وحصر هذه الزراعة في معاقلها التاريخية، مع توجيه الانتاج إلى الطب، الصيدلة، الصناعة، النسيج…الخ، مع تكثيف جهود مختلف الفاعلين لرد الاعتبار لمناطق زراعة الكيف التي تعيش تهميشا كبيرا كي تحقق نهضة تنموية شاملة عن طريق تقوية البنيات التحتية الأساسية، وتدعيم التجهيزات الاجتماعية والثقافية والرياضية، وخلق تعاونيات ووحدات صناعية صغرى لتثمين المنتوجات الغابوية والفلاحية، وتنمية المراكز القروية، وتشجيع الاستثمارات بهذه المناطق الجبلية… من أجل خلق مناصب شغل التي ستخفف من تركيز اهتمام القرويين على زراعة الكيف.

ومن شأن مثل هذه الخطوات أن تنقل مجالات زراعة الكيف إلى نظام سوسيو اقتصادي جديد، ستتغير معه مختلف الميكانيزمات المحددة للتنمية بهذه المجالات.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً