غميجة : دور العدالة الجنائية في ميدان الاقتصاد و الأعمال

عبد النبوي : يتعين ملاءمة التشريعات الوطنية مع مستجدات الجريمة المعلوماتية

التصنيف القانوني لقرارات الآليات الدولية لحقوق الإنسان

7 ديسمبر 2018 - 3:28 م مقالات , القانون العام , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-
  • من إعداد : عبد الله أشخلف باحث في القانون الدولي.

مقدمة :

يرغب الباحث من خلال اهتمامه بموضوع الشكاوى الفردية، إثارة الإنتباه لتعميم الثقافة الحقوقية المنبثقة من هذا الموضوع لدى كل الفئات الاجتماعية، لكي لا ينحصر الاهتمام لدى المختصين بالقانون الدولي لحقوق الإنسان وداخل المؤسسات الاكاديمية فقط، سيما أن هذا الموضوع يطرح قضايا حقوقية وإنسانية من الواقع اليومي المعاش لجميع الأفراد، كما يجب أن يحتل حيزا مهما من ضمن انشغالات جميع الأشخاص بكل مستوياتهم العلمية والمعرفية، علما أنه يشكل منفذا مهما لحماية الأفراد عند تعرضهم لأي انتهاك من قبل السلطات أو عندما لا ينصفهم القضاء الوطني، فهي آلية يمكن أن تراجع الأحكام النهائية للمحاكم الوطنية والتي لا تقبل الطعن، كما يمكن اعتبار ما تقدمه الهيئات الدولية ضمن الحماية الدولية لحقوق الإنسان ثورة حقيقية لتكريس عالمية حقوق الإنسان التي لا تقبل التجزئة ولا يمكن الاتفاق على مخالفتها أو الحد منها، وبالمقابل فهي في تطور دائم يجب توسيعها والرفع من جودة خدماتها. كما أن تحديد الطبيعة القانونية للهيئات الدولية ليس من الأمور النظرية فقط، بل إنه يفيد في معرفة المعاملة التي ستلقاها قرارات اللجان المنبثقة من الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وكذلك قرارات الهيئات غير التعاقدية، عند إرادة تنفيذها في الدولة التي صدر في حقها.

فمعرفة الطبيعة القانونية للهيئات الدولية لحقوق الإنسان تعين إلى حد كبير في تحديد الوصف القانوني لقرارات هذه الهيئات عند إرادة تنفيذه.

إذ القول بالطبيعة الحقوقية والإنسانية لعمل الهيئات الدولية يؤدي إلى اعتبار قرارات الهيئة الدولية تطبيقا لأحكام الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان تلتزم به الدولة الطرف بمجرد صدورها باعتبارها غير قابلة للتجزئة، ولا يمكن الاتفاق حول مخالفتها أو الحد منها، بينما القول بالطبيعة القضائية لهذه الهيئات الدولية يؤدي إلى اعتبار قراراتها حكما بالمعني الدقيق للأحكام القضائية التي تستدعي التطبيق والتنفيذ، وهذا ما نحاول الاجابة عنه من خلال الولاية المسندة للهيئات الدولية لحقوق الإنسان، وموقها ضمن قرارات وأحكام القضائية الدولية والمحلية. فرغم أن الآليات الدولية لحقوق الإنسان تعتبر هيئات دولية دائمة، ولها ولاية محدد تأهلها لإصدار قرارات مستندة على إطار معياري يتجسد في الإتفاقيات التسعة لحقوق الإنسان، ومبادئ وقيم حقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا، إلا أن جل الباحثين والخبراء الدوليين لا يصنفون الهيئات الدولية لحقوق الإنسان ضمن المحاكم الدولية أو القضاء الدولي. ولقد شكل ذلك ضرورة علمية وبحثية بهدف تصنيف الهيئات الدولية باعتبارها جهازا قائما بذاته، حددت له اختصاصات تمس بموقع أقوى القرارات الصادرة من المحاكم الوطنية التي تصدر احكاما نهائية وغير قابلة للطعن والحائزة لقوة الأمر المقضي به[1].

مما لا شك فيه أن أثر الشيء يتبع طبيعته، لذلك كان من الضروري دراسة التصنيف القانوني للهيئات الدولية والتي تستدعي بالنتيجة دراسة الطبيعة القانونية لقرارات هذه الهيئات، حتى يتم معرفة الآثار المترتبة على ذلك، ومنها تمتع قرارات الهيئات الدولية لحقوق الإنسان بالحجية أمام القرارات النهائية للمحاكم المحلية، سيما أننا أمام قواعد ملزمة في القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي لا يعتبر سوى حدا أدنى لحقوق الإنسان، مما يجعل قواعد حقوق الإنسان تتطور باستمرار، يستحبه تطورا موازيا لعمل الاليات الدولية في اتجاه توسيع الاختصاصات والصلاحيات وطبيعة الولاية، والقيمة القانونية لقرارات الهيئات الدولية لحقوق الإنسان، وهذا ما رصده الباحث من خلال تحول كل من -الآراء، وجهات نظر، ملاحظات، اقتراحات- التي وردت في الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان إلى قرارات ملزمة، وقادرة عن المس بحجية قرارات المحاكم المحلية حيث لم تعد هذه الهيئات استشارية،[2] بل هيئات لها تأثير كبير على أحكام المحاكم تؤدي إلى مراجعة أحكام المحاكم الوطنية ، وعلى التأثير في التشريع الوطني من خلال مبدأ الملاءمة وتنزيل قواعد القانون الدولي، إلى جانب رصد وتتبع مدى تفاعل الدولة مع هذه القرارات بهدف تطبيقها وتنفيذها.

سوف ندرس في المطلب الاول الطبيعة الشبه القضائية للهيات الدولية لحقوق الإنسان، وفي المطلب الثاني نبرز الطبيعة الحقوقية والإنسانية لهذه الهيئات.

المطلب الأول : الطبيعة الشبه القضائية لقرارات الاليات الدولية

إن تقديم الملتمسات الفردية إلى اللجان المنبثقة من الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وكذلك تقديم البلاغات الفردية إلى الهيئات غير التعاقدية، تفرض نوع خاص من الإجراءات المتعلقة بالمقبولية، والنظر في الأسس الموضوعية للشكاوى الفردية، كما تفرض تحديد حدود الولاية التي تتمتع بها كل هيئة من هذه الهيئات، إلى جانب وضع النظم الداخلية للهيئات الدولية لحقوق الإنسان. وتحديد كيفية التعامل مع ادعاءات الأطراف والمسالك التي تتخذها هذه الهيئات لأجل إصدار قراراتها وأراءها، مع وجود منظمات دولية ووطنية متعددة ومهمة تقوم بالتنسيق مع الهيئات الدولية لحقوق الإنسان في إطار إنجاز مهامها في التحقيق أو تقصى الحقائق وأثناء قيامها بزيارات ميدانية أو انجاز تقارير متعلقة بانتهاكات تمس حقوق الأشخاص. كل هذه العمليات والاختصاصات والصلاحيات سوف تساعد على معرفة الطبيعة القانونية للهيئات الدولية لحقوق الإنسان، لذا سوف ندرس الطبيعة القانونية لكل من هيئة الخبراء في إطار الهيئات التعاقدية وكذلك هيئة المقررين الخاصين في إطار الهيئات غير التعاقدية لنحدد الطبيعة القانونية التي تنتمي إليها كل من الهيئتين.

الفرع الأول: الخبراء الدوليون للهيئات التعاقدية هيئة شبه قضائية

في غياب الاجتهاد الفقهي حول الطبيعة القانونية للهيئات الدولية، وإعطائها تصنيفا ضمن المؤسسات القضائية الدولية، استقر رأي جل الباحثين والخبراء الدوليون، إلى جانب ممارسة المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، على أن الهيئات الدولية لها طابع شبه قضائي. وإن قراءة في النظم الداخلية التي تحكم الهيئات الدولية والاختصاصات الموكلة إليها، وطبيعة ولايتها، وكذلك قراءة في بنود الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، سوف تمكننا من تقريب الصورة حول الطبيعة القانونية للجان الدولية المنبثقة من الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وفي هذا الإطار يمكن اعتماد المقارنة بين المؤسسات القضائية الدولية مع الهيئات الدولية لحقوق الإنسان، من خلال تحديد أوجه التشابه والاختلاف بين الطبيعة القانونية للجان الدولية لحقوق الإنسان والطبيعة القانونية لجميع المؤسسات القضائية الدولية والوطنية وكذلك التحكيم الدولي، عمدنا إلى هذه المقارنة لاعتبار أساسي يتجلى في تقاطعها جميعا في قاسم مشترك هو النظر في النزاع أو الخصام الذي يحدث بين الأطراف، فكل من القضاء بجميع أشكاله، والتحكيم والآليات الدولية الشبه القضائية، تلتقي في حل الخلافات القائمة بين طرفين أو أكثر بهدف تحقيق العدالة، واسترداد الحقوق وتطبيق القانون، وهذه هي غاية المؤسسات القضائية[3].

الفقرة الأولى : أوجه التشابه

  • الجانب المهم من ولاية الهيئات الدولية لحقوق الإنسان: هو الفصل في المخاصمة القائمة بين الأفراد والدول، والسعي لتحقيق الإنصاف، واسترداد الحقوق، وتعويض الضحية، وجبر الضرر الناتج عن الانتهاكات الجسيمة، ويحدث ذلك من خلال إصدارها قرارا ملزما، وهذا يدخل ضمن الأعمال القضائية في خطوطه العريضة.
  • إن نظام الالتماسات الفردية المنبثقة من الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، يخضع لإجراءات تحدد شروطا شكلية وأخرى موضوعية: فالشروط الشكلية تتعلق بشكل الملتمس التي حددت لها الإتفاقيات شروطا تزيد وتنقص حسب الإتفاقية إلا أنها متشابهة في العموم. أما الشروط الموضوعية فتتعلق بمقبولية الملتمس والنظر في أسسه الموضوعية. وليس هناك تغليب المعايير الموضوعية على حساب المعايير الشكلية في نظام الالتماسات الفردية.[4]
  • قرارات الهيئات الدولية ملزمة وتحوز حجية الشي المقضي به، كما أن هذه القرارات تعتبر من الناحية الهرمية القانونية أعلى من أحكام المحاكم الوطنية وغير قابلة للطعن. مما يعطي فرضية أن هذه القرارات قضائية بامتياز، وتعلوا قيمتها القانونية على أحكام المحاكم الوطنية رغم غياب أدوات التنفيذ المادية[5].
  • خبراء الهيئات التعاقدية وإن لم يحملوا صفة القضاة، إلا أنهم هيئة قائمة بذاتها ومستقلة ودائمة وليست مؤقتة، وخاضعة لإجراءات تحددها نظمها الداخلية، ولها مقر في كل من جنيف ونيويورك.
  • الهيئات الدولية التعاقدية لحقوق الإنسان لها ولاية في اصدار قرارات ملزمة في نزاع بين الأفراد والدول[6]، منصوص عليه في الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، مما يعنى استنادها إلى معيار قانوني رضائي لا يدع المجال لتملص الدول من التزاماتها.
  • ليس لأطراف النزاع الحق في اختيار هيئة الخبراء التي تتولى النظر والبث في الملتمس، واللجان الدولية لحقوق الإنسان تتكون من 10 إلى 25 خبير، ويبقى للجنة التابعة لإتفاقية الحق في تحديد أعضاء الهيئة المكونة من خمسة أفراد تتولى البث في الملتمس[7].
  • يعتبر عمل الهيئات الدولية صلحا من جانب وقضاء من جانب أخر، فالهيئات الدولية عند تلقيها الملتمس تعمد إلى إجراء صلح بين الضحية والدولة المنتهكة لحقوق هذه الضحية، وإذا لم يتفق الطرفان أو عند تعنت الدولة، تلتجئ الهيئة إلى النظر في النزاع وفق الولاية الشبه القضائية وتنتهي بإصدار قرار ملزم.
  • يحق لكثير من لجان الإتفاقيات الدولية بإصدار نداءات عاجلة لوقف أي إجراء تقدم عليه الدولة يؤدى إلى المس بحياة الأفراد الجسدية والروحية والنفسية، وهذا النداء يشبه ولاية المدعي العام في القضاء الوطني.
  • هناك هيئات دولية تعاقدية يحق لها انجاز تحقيق[8] وتقصى الحقائق على رأسها اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب، وهذا الاختصاص أو الولاية تشبه ولاية قاضى التحقيق في القضاء الوطني أو المحكمة الجنائية الدولية، وتزيد عليها الهيئات الدولية في تقصى الحقائق الذي هو قريب لاختصاص الشرطة القضائية.
  • إن أعضاء الهيئات الدولية لحقوق الإنسان مستقلة، وغير خاضعة لأي تأثير من جانب الدول أو الأفراد، ولقد حددت شروط مشددة تتعلق بقواعد السلوك الهيئات[9] الدولية حفاضا على الاستقلالية والنزاهة والأخلاق العالية والكفاءة العلمية والمهنية والمهارات الفنية.

الفقرة الثانية : أوجه الاختلاف

  • في نظام الشكاوى الفردية يعرف الضحية والمعتدى مسبقا فاختصاص الشبه القضائي للهيئات الدولية لحقوق الإنسان لا يخرج عن نطاق انتهاكات الدول للحقوق الأساسية للأفراد. خلافا للأنواع الأخرى من القضاء أو التحكيم الدولي والوطني، الذي تتعدد فيه طبيعة الأطراف.
  • إن أدوات تنفيذ قرارات الهيئات الدولية مرتبطة بالاعتبارات الحقوقية والإنسانية والأخلاقية، إلى جانب الاعتبارات السياسية، وقواعد ومبادئ القانون الدولي، على رأسها مبدأ حسن نية الدول للوفاء بالالتزامات، في حين أن حكم المحاكم يتطلب إجراءات تنفيذية خاصة منصوص عليها في القانون والمساطر القانونية.
  • عدم الالتزام بأحكام المحاكم سواء الوطنية أو الدولية يترتب عنها جزاء وعقوبات وتتولى أجهزة محدد فرض العقوبات، في حين أن عدم تنفيذ قرارات الهيئات الدولية لحقوق الإنسان لا ترقى إلى مستوى توقيع الجزاء على من يمتنع عن تنفيذ القرارات[10]. رغم أن الممارسة الدولية والمسؤولية الأخلاقية تتجه نحو تكريس تنفيذ هذه القرارات ولو بنوع من التماطل وطول المدة التي يستجاب فيها للقرار.
  • الالتجاء إلى الهيئات الدولية التعاقدية لتقديم الالتماس يتوقف على رغبة الفرد لذا فهو ليس اجباريا، على خلاف المحاكم التي غالبا ما تثير النزاع على أنظارها بمجرد وقوع مخالفة للقانون.
  • رغم أن الهيئات الدولية تملك هيئة خبراء ورئيسا لهذه الهيئة ولها ولاية للنظر في التماسات الأفراد، إلا أنها تفتقر إلى وجود المدعى العام على غرار باقي المحاكم لتحريك الدعاوى. وتبقى المؤسسات الدولية الغير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني تلعب دورا شبيها بدور المدعي العام وتساعد الضحايا في التعرف على الإجراءات الفعالة لتحريك الدعوى وسبل تحقيق الانصاف.
  • من شروط قبول الالتماسات الفردية هو استنفاذ كل الطرق الطعن الداخلية، وهذا يعني أن ولاية الهيئات الدولية التعاقدية لا تتدخل إلا بعدما يحوز حكم المحاكم الوطنية للحجية ولقوة الأمر المقضي به، وهذا الشرط يمركز القرارات الصادرة من الهيئات الدولية في أعلى الهرمية القانونية لأنه يراجع أحكام لا تقبل الطعن على المستوى الوطني، وفي نفس الوقت هو نوع من الاحترام للمؤسسات القضائية الوطنية لأن الهيئات الدولية لا تعتبر بديلا عن القضاء الوطني وإنما هي اصلاحا لهفوات القضاء الوطني عند فقدانه الاستقلالية وعدم رغبته في تحقيق العدالة والانصاف.
  • الإجراء في نظام الالتماسات الفردية سري، ولا يحق للضحايا الاطلاع عن تفاصيل مجرى قضاياهم، مما يقلل من مصداقية الإجراء كما هو معمول به في القضاء بشكل عام[11].
  • في نظام الالتماسات الفردية ليس هناك درجات التقاضي فالقرار يأخذ الشكل النهائي بمجرد صدوره من اللجنة المعنية التابعة للإتفاقية، فهو يشبه في هذه الحالة قرار التحكيم.
  • إن المؤسسات القضائية بكل أنواعها تختص بتطبيق القانون، في حين الهيئات الدولية تنفرد إلى جانب تطبيق القانون تنفيذه كذلك، مما يعني ازدواجية الوظيفة لدى الهيئات الدولية لحقوق الإنسان، وتعود هذه المسألة إلى غياب أجهزة تقوم بتنفيذ قرارات الهيئات الدولية، وتعمد الهيئات الدولية لحقوق الانسان إلى الرصد والتتبع لتنفيذ القرارات الصادرة عنها داخل الدول المعنية.
  • الهيئات الدولية لا تصدر قرارات بالبراءة أو الإدانة.

الفرع الثاني : الطبيعة القانونية للمقريين الخاصين و أعضاء اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان

إن هيئة المقررين الخاصين بنظام الإجراءات الخاصة، وأعضاء اللجنة الاستشارية للمجلس الدولي لحقوق الإنسان يعتبرون آلية غير تعاقدية، وهنا يطرح السؤال على الطبيعة القانونية لهاتان الهيئتان وللقرارات التي تصدرها ضد الانتهاكات التي تقترفها دول في حق الأفراد، ولا تربطها بنظام البلاغات الفردية أية رابطة قانونية أو التزام دولي؟ لقد سبق الإشارة في الفقرة السابقة، إلى أن الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ونظام الشكاوى الفردية المرتبطة بها اختيارية، أي لا تطبق إلا على الدول التي صادقت على الإتفاقية وقبلت بنظام الالتماسات الفردية، يعني أن هناك رابطة قانونية رضائية يمكن للدول القبول بها أو رفضها مما ينعكس على القيمة القانونية للقرارات التي تتخذها هيئات المعاهدات التعاقدية. في حين أن نظام البلاغات الفردية لمجلس حقوق الإنسان تفرض التزامات على الدول رغم عدم قبولها بالولاية الشبه القضائية للهيئات الدولية غير التعاقدية (الإجراءات الخاصة – اللجنة الاستشارية). ونلاحظ أن الهيئات الدولية غير التعاقدية ليس لها إطارا معياريا واضحا على غرار الالتماسات الفردية، مما يطرح السؤال عن نوعية المرجعية القانونية المعتمدة في نظام الهيئات غير التعاقدية؟

مقال قد يهمك :   ملاطي يقارب ضوابط إدماج العقوبات السالبة للحرية بين النص القانوني والممارسة القضائية

لقد أكدت ديباجة ميثاق الأمم المتحدة على الإيمان بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، وعلى العمل على رفع مستوى الحياة في مناخ أوسع من الحرية وتعهدت كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وفقا للميثاق بالعمل على تحقيق المقاصد التي أنشأت من أجلها الأمم المتحدة بما في ذلك: تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية، والعمل على تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا، وعلى أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، وبدون تفريق بين الرجال والنساء، ومراعاة تلك الحقوق والحريات فعلا. وبناء على ما سبق فإن كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ملتزمة قانونا، وفقا للميثاق، بالعمل على تعزيز احترام حقوق الإنسان، وهو التزام مستقل يقع على عاتقها جميعا بغض النظر عما إذا كانت الدولة المعنية طرف في أيا من الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أم لا[12]. وقد عملت الأمم المتحدة على تطوير آليات لرصد مدى وفاء الدول الأطراف فيها بالتزامها وفقا للميثاق بالعمل على حماية وتعزيز حقوق الإنسان. وتعرف هذه الآليات بآليات غير تعاقدية ترصد حقوق الإنسان استنادا إلى الميثاق. ومن هنا يتضح أن المرجعية القانون للآليات غير التعاقدية، هي المبادئ والقيم التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة، وجميع الإعلانات[13] والصكوك الدولية الخاص بحقوق الإنسان. ومن أبرز وأهم مؤسسة دولية تعني بحقوق الإنسان هي مجلس حقوق الإنسان التابع للجمعية العامة للأمم المتحدة وكان من بين أجهزته الفرعية اللجنة الاستشارية المكونة من خبراء تمثل هيئة دولية شبه قضائية تبث في البلاغات الفردية وتتناول جميع أنواع حقوق الإنسان وفقا لقرار 1503، وكذلك حافظ المجلس على نظام الإجراءات الخاصة التي ورثها عن لجنة حقوق الإنسان السابقة لتكون هيئة دولية شبه قضائية ثانية ضمن هيئات مجلس حقوق الإنسان، تنظر في القضايا المتعلقة ببلد معين أو القضايا المواضيعية وفق القرار 1235.

الفقرة الاولي : خبراء اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان كهيئة شبه قضائية

يمنح الإجراء 1503 مع الأخذ بعين الاعتبار القرارين 1/5 و2/5، إلى اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان صلاحية فحص الأنماط المستمرة من الانتهاكات الجسيمة والموثقة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية في أي بلد في العالم. ويمكن لأي فرد أو مجموعة من الأفراد تدعي وقوعها ضحية لمثل هذه الانتهاكات أن تقدم شكوى إلى اللجنة الاستشارية للمجلس الدولي لحقوق الإنسان، كما يمكن لأي شخص آخر أو مجموعة أخرى ممن لديهم معرفة مباشرة وموثوقة بهذه الانتهاكات تقديم هذه الشكوى. مما يعني أن اللجنة الاستشارية تعتبر هيئة شبه قضائية من خلال ما تخوله الولاية من صلاحية البث في انتهاكات ترتكبها الدول في حق الأفراد ويمكن القول أن الإجراءات التي تعتمدها اللجنة الاستشارية وطبيعة نظامها الداخلي قريبة إلى نظام الالتماسات الفردية المنبثقة من الإتفاقيات الدولية فهيئتها الشبه القضائية مكونة من خمسة أعضاء ويسمون ب” خبراء” مثلها من الهيئات الفرعية[14] التي تنشأها لجان معاهدات حقوق الإنسان، وهذا عكس إجراء نظام الإجراءات الخاصة التي يحق لفرد واحد “مقرر خاص” البث في البلاغ، كما سوف نرى لاحقا.

تتكون اللجنة الاستشارية للمجلس الدولي لحقوق الإنسان من 18 خبير، يتم اختيارهم من قبل المجلس ويجوز لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تقترح أو تقر مرشحين، كل من منطقته. وينبغي للدول، لدى اختيار مرشحيها، أن تستشير مؤسساتها الوطنية المعنية بحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والقيام في هذا الصدد بإدراج أسماء الجهات التي تؤيد مرشحيها. من قبل الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان.[15] لا تعتمد اللجنة الاستشارية قرارات أو مقررات[16]، رغم أن اللجنة هي التي تسهر على انجاز المهمة الكبرى المتعلقة بمقبولية البلاغ والنظر في أسسه الموضوعية من خلال فريقين عمل:

أولا : الفريق العامل المعني بالبلاغات

 يقوم بدور شبيه لدور النيابة العامة في تكييف القضايا بدون أن يكون له صلاحية اصدار الأوامر، من خلال عملية النظر في المقبولية. كما يقوم الفريق بدور شبيه بدول قاضي التحقيق من خلال فتح مجال مواجهة الأفراد مع الدول بناء على المستندات التي اعتمدها كل طرف. ويمكن أن يكون عمل الفريق المعني بالبلاغات شبيه بالتقاضي كدرجة أولى دون صلاحية إصدار قرار يتعلق بالفصل في الملتمس، لأن الفريق يدقق بالجوانب الشكلية للشكوى الفردية وقبولها يعني إلى حد ما ضمانة على صدقية الشكوى وتأكيدا على مرورها إلى الدرجة الثانية المعنية بالحالات، التي سوف تعرف طريقها إلى إصدار قرار نهائي بشأنها. إن إجراءات النظر في المقبولية الشكوى وشروطها الشكلية تعتبر دقيقة وصارمة، مقارنة مع نظيراتها على مستوى التقاضي الوطني.

يقوم أعضاء الفريق العامل المعني بالبلاغات بالبث في مقبولية بلاغ المحال إليها وتقييم الأسس الموضوعية لإدعاءات الانتهاكات، بما في ذلك ما إذا كان يتبين من البلاغ وحده أو بالاقتران مع بلاغات أخرى أنه يكشف عن نمط ثابت من الانتهاكات الجسيمة المؤيدة بأدلة موثوق بها لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. ويقدم الفريق العامل المعني بالبلاغات إلى الفريق العامل المعني بالحالات ملفا يتضمن جميع البلاغات المقبولة والتوصيات الخاصة بها. وعندما تتطلب إحدى القضايا مزيدا من النظر أو معلومات إضافية، يجوز للفريق العامل المعني بالبلاغات أن يبقيها قيد استعراضه حتى دورته التالية وأن يطلب تلك المعلومات من الدولة المعنية. وللفريق العامل المعني بالبلاغات أن يقرر رفض قضية ما عند النظر في مقبوليتها. ويصدر الفريق العامل المعني بالبلاغات جميع قراراته بعد التطبيق الصارم لمعايير المقبولية ويشفعها بالمبررات الواجبة. ولهذا الغرض تعقد اللجنة الاستشارية دورتين على الأكثر في السنة لا تتجاوز مدتهما عشرة أيام عمل. ويمكن ترتيب دورات إضافية على أساس مخصص بموافقة مسبقة من المجلس[17]. كما يجوز للدول الأعضاء والجهات المراقبة، بما في ذلك الدول غير الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان والوكالات المتخصصة والمنظمات الحكومية الدولية الأخرى والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، فضلا عن المنظمات غير الحكومية، أن تشارك في أعمال اللجنة الاستشارية استنادا إلى ترتيبات من بينها قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي 1996/31، والممارسات التي كانت تتبعها لجنة حقوق الإنسان والتي يتبعها المجلس الآن، مع ضمان مساهمة هذه الكيانات بأكبر قدر ممكن من الفعالية[18].

ثانيا : الفريق العامل المعني بالحالات

 هذا الفريق يمكن اعتباره بمثابة الدرجة الثانية في التقاضي حسب نظام القضاء المحلي دون أن يكون للفريق صلاحية إصدار القرار، إن الشكوى لا يمكن أن يتسلمها الفريق المعني بالحالات مباشرة من الأفراد، إلا إذا مرت من خلال الفريق المعني بالبلاغات الذي يضع شروطا وإجراءات صارمة لقبول البلاغ. كما أن الفريقان يعتبران هيئة شبه قضائية متكونة من خمسة أعضاء، وأعضاء كل لجنة تختلف عن الأخرى مما يعني أن الفريقان درجتان مختلفتان من حيث درجة التقاضي، مع الإشارة إلى أن درجات أحكام المحاكم المحلية مستقلة في اتخاذ القرارات، ويكاد يغيب التنسيق والتعاون بين مرحلة وأخرى. في حين أن التنسيق والتعاون بين الفريقان المشكلان للجنة الاستشارية يلازم البلاغ من بدايته إلى نهايته، بل يحق لفريق المعني بالبلاغات حضور جلسات الفريق المعني بالحالات، كما يحق لبعض المنظمات الحائزة للصفة الاستشارية متابعة جلسات الفريقين مع اصدار توصيات، كل هذا يعطى لقرارات الهيئات الدولية مصداقية وفعالية وموضوعية قل نظيرها في باقي المؤسسات القضائية سواء منها الدولية أو المحلية، ويتناغم هذا مع التوجه الجديد للقانون الدولي المرتكز على حماية حقوق الإنسان. كما نشير إلى أن أعضاء الفريق المعني بالحالات يرشحون من قبل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مما يعني أن الدول بشكل من الاشكال ممثلة إلى حد ما في تشكيلة الفريق، خلافا للفريق المعني بالبلاغات الذي تعينه اللجنة الاستشارية للمجلس حقوق الإنسان، وهذا يعطي قيمة قانونية للقرارات التي يتخذها مجلس حقوق الإنسان المرفوعة له من الفريق المعني بالحالات.

 يطلب إلى الفريق العامل المعني بالحالات، بأن يقوم بناء على المعلومات والتوصيات المقدمة من الفريق العامل المعني بالبلاغات، بموافاة المجلس بتقرير عن الأنماط الثابتة للانتهاكات الجسيمة المؤيدة بأدلة موثوق بها لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وأن يقدم إلى المجلس توصيات بشأن الإجراء الواجب اتخاذه، ويكون ذلك عادة في شكل مشروع قرار أو مشروع مقرر فيما يتعلق بالحالات المحالة إليه. وعندما تتطلب إحدى الحالات مزيدا من النظر أو معلومات إضافية، يجوز لأعضاء الفريق العامل المعني بالحالات إبقاء تلك الحالة قيد الاستعراض حتى دورته التالية. وللفريق العامل أيضا أن يقرر رفض النظر في قضية ما.[19]

كما ينبغي أن تكون جميع قرارات الفريق العامل المعني بالحالات مدعمة بالمبررات الواجبة وأن تبين أسباب وقف النظر في حالة من الحالات أو الإجراء الموصي باتخاذه بشأنها. وينبغي أن تتخذ قرارات وقف النظر بتوافق الآراء، فإذا تعذر ذلك فبالأغلبية البسيطة للأصوات[20]. ثم يقوم المجلس، كلما اقتضى الأمر ذلك، ولكن على الأقل مرة واحدة في السنة، بالنظر في الأنماط الثابتة للانتهاكات الجسيمة المؤيدة بأدلة موثوق بها لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يوجه انتباهه إليها الفريق العامل المعني بالحالات[21]، ويقوم بإصدار قرارات بشأن الشكاوى المحالة إليه، وهذا يعنى أن مجلس حقوق الإنسان يعتبر بمثابة المحكمة العليا التي تصدر أحكام نهائية حائزة لقوة الأمر المقضي به ولا تقبل الطعن، كما تكسب هذه القرارات الحجية أمام أحكام المحاكم الوطنية، التي غالبا ما تكون ملزمة بقبولها. وتعتبر قرارات الهيئات الدولية بمثابة آلية لمراجعة الأحكام النهائية للقضاء الوطني، كما تعتبر جزء من اختصاصاتها الموضوعية.

الفقرة الثانية : المقرر الخاص كهيئة شبه قضائية يحاكي القضاء الفردي في المحاكم الوطنية

لقد أطلق مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة اسم “أصحاب الولايات” على المقريين الخاصين بنظام الإجراءات الخاصة ونظرا لحساسية عمل المقريين الخاصين أنشأ مجلس حقوق الإنسان مدونة قواعد سلوك خاصة بأصحاب الولايات المعنيين بنظام الإجراءات الخاصة في قراره رقم 2/5 لسنة 2007، تأكيدا على المعايير والشروط الصارمة التي يجب أن يتقيد بها أصحاب الولايات حيث يجب أن يمارسوا مهامهم ممارسة يتقيدون فيها تقيدا دقيقا بشروط ولاياتهم، وأن يحرصوا بوجه خاص على ألا تتجاوز توصياتهم نطاق هذه الولايات أو ولاية المجلس ذاته[22]. وأن يسترشد المجلس في عمله بمبادئ العالمية والحياد والموضوعية واللاانتقائية، وبالحوار والتعاون الدوليين البناءين، بهدف النهوض بتعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحق في التنمية.

إن أصحاب الولايات الخاصة يمكن أن يشكلوا فرق عمل للنظر في بلاغ من البلاغات المقدمة إليهم، كما يمكن أن يتولى المسؤولية شخص واحد يسمى ب “المقرر الخاص”[23] وهذا خلافا للهيئات الدولية الأخرى لحقوق الإنسان التي تتشكل من خمسة أعضاء في تتولى مهمة النظر في الملتمس أو البلاغ، والمقرر الخاص في نطاق ولايته يمكن أن يقوم بوظائف متعددة تتعلق بالمراحل المعهودة للقضاء بشكل عام. فالمقرر الخاص يمكن أن يتولى الوظائف التالية:

  • 1: النداءات العاجلة إجراء يحاكي أوامر المدعي العام

يجوز لأصحاب الولايات أن يلجؤوا إلى توجيه نداءات عاجلة في حالات الانتهاكات المزعومة التي يكون فيها عامل الوقت حاسما لأنها تنطوي على الوفاة أو تشكل خطرا على الحياة، أو تنطوي على إلحاق ضرر بضحايا يكون ضررا وشيكا أو قائما ذا طابع خطير للغاية ولا يمكن معالجته في وقت مناسب[24]، بالإجراء المنصوص عليه في المادة 9 من مدونة قواعد السلوك لأصحاب الولايات. لقد استحدث الفريق العامل هذا الإجراء المسمى ب “الإجراء العاجل” من أجل الحالات التي توجد فيها مزاعم موثوقة على نحو كاف تفيد بأن شخصا ما قد يكون محتجزا بصورة تعسفية وقد يكون فيها عامل الوقت حاسما لكون الانتهاكات المزعومة تنطوي على التسبب في الوفاة أو إيجاد أوضاع تشكل خطرا على الحياة أو إلحاق ضرر وشيك أو قائم ذي طابع شديد الخطورة بالضحايا في حال استمرار الاحتجاز. وفي حالات استثنائية، يجوز أيضا اللجوء إلى الإجراء العاجل في ظروف أخرى، عندما يرى الفريق العامل أن الوضع يقتضي هذا الإجراء. وفي هذه الحالات، يرسل نداء عاجل إلى حكومة الدولة المعنية من خلال القنوات الدبلوماسية، يطلب فيه أن تتخذ الحكومة التدابير المناسبة لضمان احترام حق الشخص المحتجز في عدم حرمانه من حريته تعسفا وفي محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة ونزيهة واحترام الحق في الحياة وفي السلامة البدنية والعقلية. وعند تناول هذه البلاغات، يشدد الفريق العامل على أن أيا من هذه النداءات العاجلة القائمة على أسباب إنسانية لن يشكل بأي حال من الأحوال حكما مسبقا على التقييم النهائي للفريق العامل بشأن ما إذا كان الحرمان من الحرية تعسفيا أم لا، باستثناء الحالات التي سبق أن حدد الفريق العامل فيها الطابع التعسفي لهذا الحرمان من الحرية[25]. والملاحظ أن هذا الاختصاص يدخل ضمن شبه اختصاص النيابة العامة أو المدعي العام في النظام القضائي المحلى، غير أن هذا الأخير يسخر الشرطة القضائية لوقف أي إجراء أو القيام بأي تدخل، في حين يقوم المقرر الخاص بنفسه بهذا الدور، فهو من يوجه الدعوة للدول لوقف إجراء يؤدى لانتهاكات في حق الأفراد كما يتحرك نحو الدول المعنية لأجل اقناعها بعدم اتخاذ أية خطوة يمكن أن تؤدى إلى نتائج وخيمة، ولقد استطاع نظام الإجراءات الخاصة انقاذ عدد مهم من الحالات الإنسانية التي كانت مهددة بالتعرض للتعذيب أو الإعدام في حالة تسليمها إلى الدول الأصل[26]. رغم أن المقريين الخاصين لا يوجهون أوامر ملزمة إلى الجهات المعنية، وإنما يوجهون نداءات تحضيرية عند وقوع الانتهاك، أو أثناء وقوعه، أو قبل وقوعه إذا كان هناك إشارات دالة على حدوث الانتهاك. تبقى هذه النداءات لها دلالتها الإنسانية والأخلاقية، تجد الدول صعوبة في تجاوزها أو تجاهلها، لأن ذلك له عواقب في المنتظم الدولي.

  • 2 : تحقيقات المقرر الخاص تحاكي عمل قاضى التحقيق

دون المساس بالواجبات المنصوص عليها في إطار الولاية، يقوم أصحاب الولايات بتقصي الحقائق، استنادا إلى معلومات موضوعية موثوقة مستمدة من مصادر ذات صلة وجديرة بالثقة، تحققوا من صحتها حسب الأصول، إلى أبعد حد ممكن[27]. يتخذ الفريق العامل ما يلزم من إجراءات بناء على المعلومات المقدمة إليه بموجب البلاغات التي يرسلها إليه الأفراد المعنيون مباشرة أو أسرهم أو ممثلوهم، أو المنظمات غير الحكومية لحماية حقوق الإنسان، أو التي يتلقاها من الحكومات والمنظمات الحكومية الدولية بخصوص حالات احتجاز تعسفي مزعومة. ويحال البلاغ إلى الحكومة المعنية من خلال القنوات الدبلوماسية مع دعوتها إلى موافاة الفريق العامل في غضون 60 يوما بتعليقاتها وملاحظاتها على الادعاءات المزعومة، فيما يتعلق بالحقائق والقوانين المنطبقة وكذلك بخصوص تقدم ونتيجة أي تحقيقات قد يكون تم إصدار أمر بإجرائها. والرد الذي ترسله الحكومة إلى الفريق يحال إلى المصدر لتقديم أي تعليقات أو ملاحظات نهائية عليه[28]. ويستدعي ذلك التحضير لزياراتهم بتعاون وثيق مع البعثة الدائمة للدولة المعنية المعتمدة لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف، إلا إذا سمت الدول المعنية سلطة أخرى لهذا الغرض، ووضع الصيغة النهائية للبرنامج الرسمي لزياراتهم مباشرة مع مسؤولي البلد المضيف بدعم إداري ولوجستي من وكالة الأمم المتحدة المحلية و/أو ممثل المفوض السامي لحقوق الإنسان الذي قد يساعد أيضا في ترتيب عقد اجتماعات غير رسمية.[29] وهذا التحقيق الذي ينجزه الفريق العامل أو المقرر الخاص بعد حصوله على الإذن من الدولة المعنية بالزيارة، يشبه إلى حد ما ولاية قاضي التحقيق في القضاء المحلى. لأن المقرر الخاص ينجز تحقيقا بكل معني الكلمة، بهدف الحصول على الأدلة التي تثبت أو تنفى وجود انتهاكات ممنهجة ورسمية، كما أن المقرر الخاص يحيل كل تقرير من الدولة المعنية على مقدم البلاغ كما يحيل ادعاءات هذا الأخير على أنظار الدولة المعنية، وفي الأخير يعتمد المقرر الخاص نتيجة حول وقوع الانتهاك من عدمه بناء على ما سبق من الأدلة، كما يعتمد المقرر الخاص في جمع الأدلة على منظمات المجتمع المدني كشهود في الادعاء المزعوم، ويلجئ إلى الهيئات الدولية الأخرى التي تشتغل على نفس موضوع الادعاء لأجل جمع المعلومات والتنسيق معها، تحقيقا للفعالية والمصداقية وكنوع من الخبرة المهنية، وهذا التحقيق الذي يقوم به المقرر الخاص، له مصداقية وموضوعية أقوى بكثير من التحقيق الذي ينجزه قاضي التحقيق الوطني، إذا نظرنا إلى الوسائل المعتمدة والأطراف المساهمة ودرجة الشفافية والموضوعية والاهتمام الدولي والوطني.

مقال قد يهمك :   حكيم وردي: إنكار العدالة

المطلب الثاني : الطابع الحقوقي والإنساني لعمل الهيئات الدولية لحقوق الإنسان

عرفت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية تغيرا جوهريا في القواعد التي حكمت القانون الدولي التقليدي، حيث تراجعت القيمة القانونية لعدة مبادئ كانت مصنفة ضمن القواعد الأساسية للقانون الدولي وللعلاقات الدولية[30]، لم يستثنى منها حتى القواعد الأمرة التي لا يجوز مخالفتها، كما أن الدول لم تعد وحدها الأشخاص الوحيدة للقانون الدولي.

إن هذه الثورة القانونية أحدثتها الحروب[31] التي خلفت الملالين من القتلى والمرضى والمعاقين والمشردين واللاجئين… كما أحدثت وقع كبير وأثر عميق على الضمير الإنساني، مما جعل جل الشعوب وبعض القادة السياسيين والدارسين… ينادون بإعطاء حقوق الإنسان اعتبارا خاصا ومقاما رفيعا ضمن الاهتمام القانوني الدولي، ولقد أضفى ذلك إلى ظهور ما يسمى بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يحمي حقوق الأفراد أثناء السلم، والقانون الدولي الإنساني الذي يدافع عن حقوق الأفراد أثناء النزاعات المسلحة، والقانون الدولي الجنائي الذي يعيد الاعتبار للضحايا ويعاقب الجناة ويمنع الإفلات من العقاب.

إن الاعتبار الأول للقانون الدولي لحقوق الإنسان وهيئاته الفرعية، هو حماية الأفراد من الانتهاكات الجسيمة والممنهجة، عكس القانون الدولي العام، الذي يهدف إلى الدفاع عن مصلحة الدول في إطار الشرعية الدولية، فالاعتبار الإنساني هو إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومصلحة الدول هي إطار القانون الدولي العام. لذا فالطابع الإنساني ينعكس بشكل أساسي على عمل الآليات الدولية لحقوق الإنسان ويظهر من خلال تجاوز القانون الدولي لحقوق الإنسان مبدأ التعامل بالمثل[32]، الذي لا يجوز العمل به في إطار حماية حقوق الإنسان، وإن القانون الدولي العام ليس سوى تحقيق التوازن في مصالح الدول في إطار الاعتماد المتبادل، في حين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يحدد القواسم المشتركة للإنسانية وقواعد العيش المشترك، وهذه القواعد الجديد للقانون الدولي لحقوق الإنسان ترتكز على الجوانب الإنسانية والحقوقية، التي لا يجب الوقوف ضدها أو الحد منها بل يجب توسيعها فهي تتطور باستمرار وتكشف عن حقوق جديدة موازاة مع تطور الحياة في كل المجالات.

الفرع الأول : الطابع الحقوقي لعمل الهيئات الدولية لحقوق الإنسان

لقد أشرنا في الفقرات السابقة إلى أن العلاقات الدولية تنظم مصالح الدول بمختلف أشكالها وأنواعها، وتتخذ من القانون الدولي العام إطارا معياريا، وتجد في سياسة الاعتماد المتبادل فضاء للتعاون بهدف ضمان مصالحها. في حين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان غير قائم على أساس المصالح الشخصية، بل هو القانون الذي يحمى حقوق الإنسان، وهذه الأخيرة غير قائمة على منطق الربح والخسارة، بل هي حقوق طبيعية ملتصقة بشخص الإنسان، تجد في القواسم المشتركة للإنسانية حدا أدنى لحفظ الحقوق، وفي العيش المشترك فضاء لتحقيق الكرامة الإنسانية. وإن المساس بحقوق الإنسان لا يعني المساس بمصلحة مادية يمكن تعويضها عند حدوث الضرر، وإنما يعني ذلك وقوع انتهاكات تضع الدولة المعنية أمام المسائلة الإنسانية والأخلاقية، يمكن أن يؤدى بها إلى فقدان مصداقيتها وإلى عزلة دولية[33].

كما يمكن أن نلاحظ من خلال المحطات الأساسية التي مر بها القانون الدولي لحقوق الإنسان في اتجاه التأثير في التشريعات الوطنية والقضاء المحلى، وفي إطار قاعدة التطور والتدرج الذي يطبع تكريس حقوق الإنسان، بأن جل الأنظمة السياسية حاولت مواكبة أجيال حقوق الإنسان، كما انتقلت من منطق الحريات العامة إلى الحريات الأساسية، ومن دولة الحق والقانون إلى دولة المؤسسات ومجتمع الحقوق والحريات، كما انتقل القضاء من منطق المحاكمة العادلة إلى المحاكمة المنصفة. هذا طبعا مع استمرار اكتشاف حقوق أخرى وعلاقات متعدد يكون هدفها تحقيق انصاف من نوع خاص، وجودة في الخدمات المتعلقة بالحقوق، سيما أن المجتمع الدولي أصبح يضعف أو يتراجع أمام ظهور المجتمع العالمي الذي يكبح سلطان الدول ويناصر حقوق الأفراد والأشخاص. مما يجعل القانون بشكل عام مسيج بمنطق حقوق الإنسان.

لذا فإننا نقصد بالطابع الحقوقي لعمل الهيئات الدولية ذلك الاختصاص القائم على أساس حماية الحقوق الأساسية للإنسان المصاحبة بالانتهاكات الجسيمة والممنهجة، ويمكن للهيئات الدولية لحقوق الإنسان أن تتخذ من قرارات وأحكام المحاكم المحلية موضوع للمراجعة والرقابة في حالة غياب العدالة والانصاف في قراراتها، كما أن المحاكم وبكل أنواعها تحمي الحقوق لكن من منطلق العمومية والتجريد الميزة للقاعدة القانونية، ومن مبدأ فصل السلط. لذا نجد أن أهم عمل يقوم به المقررون الخاصون للإجراء ات الخاصة بخصوص البلاغات الفردية هي فضح ممارسات الدول، التي تخرق قواعد ومبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا تتجاوب مع التنبيهات والتحذيرات التي يوجهها أصحاب الولايات، فطبيعة الحماية التي تختص بها الهيئات الدولية لا تخرج عن إطار انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها الدول. كما حددت وظيفة اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان في العمل على إنشاء إجراء لتقديم الشكاوى من أجل معالجة الأنماط الثابتة للانتهاكات الجسيمة والمؤيدة بأدلة موثوق بها لجميع حقوق الإنسان وجميع الحريات الأساسية التي تقع في أي جزء من أجزاء العالم وفي أي ظرف من الظروف[34]. وتتخذ من جميع اتفاقيات حقوق الإنسان والمبادئ وقيم التي كرستها الإعلانات الدولية وميثاق الأمم المتحدة اطارا معياريا، وينسحب هذا عن عمل لجان المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي أشارت إليها الإتفاقيات في نص من نصوصها، كما نصت على نظام الشكاوى الفردية في أحد بنودها، أو في البروتوكول اختياري الملحق بها، يحدد فيه اختصاصات أعضاء اللجنة المعنية الملقاة عليها مهمة تنفيذ بنود الإتفاقية التي تسعى لحماية حقوق الأفراد من الانتهاكات الجسيمة.

الفرع الثاني : الطابع الإنساني لعمل الهيئات الدولية لحقوق الإنسان

ساهمت الماسي التي شاهدتها الحرب العالمية الثانية في ظهور توجه جديد، يدعو إلى الاهتمام بالإنسان وجعل الجوانب الإنسانية والأخلاقية ضمن قواعد القانون الدولي العام، ولقد أدت هذه الدعوة إلى ظهور فرع جديد في القانون الدولي العام وهو القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي كان من جملة مبررات وجوده:

  • مبررات ذات طابع تاريخي وأخلاقي تعكس إهتمام القانون الدولي منذ مدة ليست بالقصيرة بمستوى إنساني معين واعتبارات مختلفة تعني بالفرد تقود إلى ضرورة إحترام المبادئ الإنسانية الأساسية في مختلف الظروف عموما.
  • اعتبارات تتعلق بتطور النظرة إلى دور الفرد في إطار القانون الدولي الذي اهتم بالأفراد سواء بصفتهم الإنسانية أو بوصفهم أعضاء في جماعة معينة.
  • اعتبارات مستمدة من القناعة بعدم كفاية الضمانات الوطنية التي يوفرها النظام القانوني الداخلي لحماية حقوق الإنسان، فضلا عن تطور المطرد لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان بحيث أصبحت هي التي توجه المشرع الوطني باتجاه اعتماد خطوات أو تبني سياسات جديدة ومحددة تتعلق بتوفير ضمانات أكثر لحقوق الأفراد[35].

كما لم يقف المجتمع الدولي في اهتمامه بمسألة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية عند مجرد التأكيد على الحقوق والحريات ووضع المعايير الدولية بشأنها، وإنما امتد كذلك إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فقد أصبح المجتمع الدولي في ظل قواعد القانون الدولي المعاصر وخلافا لما كان عليه الحال في ظل قواعد القانون الدولي التقليدي طرفا أصيلا معنيا بمسألة حقوق الإنسان وصار يقف إزائها على قدم المساواة مع الدول المعنية أو تلك التي ينتمى إليها الأفراد الذين تنتهك حقوقهم، وعلى نحو يجسد وبحق تلك الظاهرة المعروفة في نطاق أبحاث القانون الدولي العام بظاهرة الازدواج الوظيفي ولكى يتسنى للمجتمع الدولي الاضطلاع بدوره في هذا الخصوص، كان من الطبيعي أن يوجد لنفسه آليات محددة للضغط على الدول من أجل حثها على احترام حقوق الإنسان والمواطن داخل إقليم كل منها .وقد اتخذت هذه الآليات أو الضمانات صورا عديدة في التطبيق العملي، فإلى جانب أساليب الضغط المعنوي أو الأدبي التي تتمثل عادة في توجيه اللوم كالإدانة اللفظية في المحافل الدولية والتي تزخر بها قرارات وتقارير العديد من المنظمات الدولية الحكومية بها وغير الحكومية كقرارات الأمم المتحدة وتقارير منظمة العفو الدولية، تمارس بعض المنظمات الدولية سلطة رقابة وإشراف دوليين حقيقيين فيما يتصل بمدى التزام الدول بالقواعد والمعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان[36]، وفي القمة العالمية (للأمم المتحدة، نيويورك، 6-8 سبتمبر 2000)، اعترفت الدول بحقوق  الإنسان كأساس لا يمكن الاستغناء عنه لعالم يعمه السلام والرخاء والعدل، وأعادوا التأكيد على مسؤوليتهم الجماعية للحفاظ على حقوق الإنسان على المستوى العالمي، والتزموا بالعمل من أجل مستقبل مشترك لكل شعوب العالم، بالتأسيس على المشترك الإنساني بمختلف تنوعاته، وتبنت القمة إعلان الأمم المتحدة للألفية الذي يضع الأهداف الراسخة لإرشاد وتشجيع الحكومات في جهودها للتوصل لعولمة ذات وجه إنساني[37].

مقال قد يهمك :   الطفل قبل الولادة بين مدونة الأسرة و القانون الجنائي

كما أصبح المجتمع المدني على المستوى المحلى من بين الأطراف الذين يعتمد عليهم في التحقيق وتقصى الحقائق بخصوص الشكاوى الفردية، كما يساهم المجتمع المدني عبر التوصيات في اختيار أصحاب الولايات التي تبث في الشكاوى الفردية، إضافة لرفعه تقارير موازية عند مطالبة الدول بتقديم تقاريرها حول وضعية حقوق الإنسان، ويحدث هذا طبعا بدوافع إنسانية وأخلاقية لا يرجى من ورائها أية منفعة مادية أو مصلحة شخصية. ولا يخفى على أحد أن الاهتمام بحقوق الإنسان قد أضحى يمثل ولا شك إحدى السمات الأساسية المميزة للنظام الدولي الذي أرسيت دعائمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدعم من منظمة الأمم المتحدة[38]، وكل الإعلانات والإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، إلى جانب عمل المؤسسات الدولية وعلى رأسها المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمجلس الدولي لحقوق الإنسان التابعان للجمعية العامة للأمم المتحدة. ولقد تفرع عن هذه المؤسسات الدولية عدة وكالات متخصصة وهيئات دولية تسهر على حماية حقوق الإنسان، وعلى رأسها الهيئات التعاقدية وغير التعاقدية التي لها الطابع الشبه القضائي كونها تنظر وتبث في شكاوى تقدم لها من الأفراد ضد انتهاكات الدول، وغالبا ما تقدم هذه الهيئات أعمالها بدون مقابل مادي عكس القضاة في مختلف المحاكم التي تتقاضى أجرا عن أعباءها مما يعني أن التقاضي أمام الهيئات الدولية هو عمل إنساني بالدرجة الاولى.

خاتمة :

مواكبة للتطورات المهمة في حقوق الإنسان والذي يسعى إلى الحفاض على كرامة الإنسان انطلاقا من التمتع بالحقوق إلى الاستمتاع بكل الحقوق الواردة في الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والتي لا تعتبر إلا حدا أدنى وليس المثل الأعلى أو الكمال. مما يعني أن الاتجاه المرسوم لحقوق الإنسان ينظر دائما نحو الأعلى ونحو الاحسن والأفضل. ولقد ترجم في بعض الدول الديمقراطية والتي تحترم حقوق الإنسان إلى فكر وسلوك وممارسة يأطره القانون القائم على أساس قواعد العيش المشترك. حيث كانت بدايات حقوق الإنسان تتحدث عن الحريات العامة، ثم الحريات الأساسية، ثم الحقوق الأساسية، كما كانت تنادي حقوق الإنسان بدولة الحق والقانون، التي تطورت إلى دولة المؤسسات، ثم إلى دولة الحقوق والحريات، مما خلق وصنع أجيالا لحقوق الإنسان.

لقد شكلت الاليات الدولية لحقوق الإنسان الحلقة الأساسية في هذا التطور بعدما انتقل الفرد من الشخص الطبيعي إلى الشخص الدولي، متحديا المبادئ التقليدية للقانون الدولي العام بكل حزم، وأرغم الدول على أن تقف أمام هذه الهيئات الدولية خلال المخاصمة كطرف في النزاع مقابل الفرد.

لذا فان تصنيف هذه الهيئات ضمن المؤسسات الدولية التي تصهر على حماية حقوق الإنسان له وزنه في القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويمكن لهذا التصنيف المحدد للهيئات الدولية لحقوق الإنسان ضمن المحاكم الوطنية والدولية أن يكون بمثابة الشعاع الذي يضيء طريق الذين انتهكت حقوقهم ومس بكرامتهم، كما يمكن أن تكون دعامة لتدويل القانون والحقوق والمبادئ والقيم التي تحمي الإنسان.


الهوامش :

[1]  بالرجوع إلى موقع المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، تجد عشرات من القرارات التي أصدرتها الهيئات الدولية التعاقدية وغير التعاقدية، ضد أحكام صدرت من أعلى المحاكم المحلية، وقبلت به هذه الأخيرة، وقد تراجعت المحاكم المحلية عما أصدرته من قرارات حازت قوة الامر المقضي به.

[2]  هذه الخلاصة يعبر عنها السيد “ألفريد دوزاياس” الخبير المستقل لتعزيز نظام دولي ديموقراطي وعادل في سياق الحديث عن اللجنة المعنية بحقوق

الإنسان بما يلي ” أعضاء هذه اللجنة أنفسهم يعتبرون بأن الهيئة لا تعدو أن تكون هيئة استشارية، لا تتوفر على سلطة قضائية، وأن تطبيق استنتاجاتها

متروك لإرادة الدول المعنية”.

[3]  الحالة التي يمكن أن يحال فيه البلاغ أو الملتمس إلى الهيئات الدولية بدون رغبة الضحية: هو تبنى المنظمات المجتمع المدني للإثارة البلاغ، وكذلك المؤسسات الدولية غير الحكومية، أو أحد أقارب الضحية، خصوصا إذا كان الضحية في السجن أو تحت الإقامة الجبرية أو الاختفاء القسري.

[4]    أي عيب في الشروط الشكلية في نظام الشكاوى الفردية يحمل نوع من الحساسية، والتأثر على مصداقية قرارات الهيئات الدولية، خصوصا أن الدول تتخذ من أي عيب يشوب الشروط الشكلية ذريعة للانتقاص من عمل الهيئات الدولية المتمثلة في الحد من انتهاكات الدول لحقوق الأفراد.

[5]  يبقى الرصد والتتبع الذي تقوم به الهيئات الدولية لحقوق الإنسان، بعد إصدارها لقراراتها مهما لتنفيذ هذه القرارات، إلى جانب احراج الدول في المحافل الدولية عند تقديمها لتقاريرها الدورية، وكذلك ضغط المنظمات الدولية غير الحكومية والمجتمع المدني والرأي العام العالمي.

[6]   نصت الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان على إمكانية تقديم شكاوى فردية بين الدول الا أنه من الناحية الواقية لم يفعل منذ ظهور هذا النظام.

[7]  هذا الإجراء معتمد في المحاكم الوطنية وكذلك المحاكم الدولية.

[8]  في إطار عملها الأساسي، تقدم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الخبرة والدعم إلى اللجان والبعثات. ويتضمن هذا وضع الإرشادات، وتقديم المشورة بشأن منهجية التحقيق والقانون الدولي الواجب التطبيق، وتطوير أدوات التحقيق، وإنشاء أمانات مجهزة بموظفين متخصصين، وتقديم الدعم الإداري واللوجستي والأمني، وإجراء الاستعراضات والعمليات القائمة على الدروس المستفادة. ومنذ عام 1992، قدمت المفوضية الدعم إلى اللجان والبعثات ونشرت 50 لجنة وبعثة تقريباً.

[9]  للمزيد من التفاصيل، انظر القرار 2/5، المتعلق بمدونة قواعد السلوك لأصحاب الولايات في إطار الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان.

[10]  في الواقع هناك عدد مهم من القرارات التي تصدرها محكمة العدل الدولية إلا انها لا تنفذ، رغم ذلك تبقى قرارات بالمعني القضائي. ولقد صاحب كتابة هذا البحث صدور قرار من محكمة العدل الدولية يوم الأربعاء 3 أكتوبر 2018، ضد الحظر الذي تمارسه الولايات المتحدة الامريكية على الشركات العالمية بعدم التعامل مع إيران. الا أن الرئيس الأمريكي عبر علانية عدم تطبيق هذا القرار وبالنسبة اليه لا يعني شيء.

[11]  وطبقاً للفقرة 106 من القرار 5/1، الخاص ببناء مؤسسات مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة، يتم إعلام كل من صاحب البلاغ والدولة المعنية بالإجراءات في كل مرحلة، ويخص هذا الإجراء ولاية اللجنة الاستشارية التابعة للمجلس.

[12]  أنظر ديباجة ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945 المنعقد في سان فرانسيسكو الامريكية.

[13]  يعتبر الإعلان العالمي مرجعية مهمة في مجال حقوق الإنسان رغم أن بنزده لم تأتي في بدايتها بإلزام معين، لكن مع مرور الوقت تحولت مبادئ حقوق الإنسان إلى قواعد ملزمة بل هناك من هذه المبادئ التي تحولت إلى قواعد أمرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

[14]  أعضاء الهيئات التعاقدية يسمون ب “الخبراء” مثل أعضاء اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة والعدد المكون للهيئة التي تتولى البث في الالتماس هي خمسة أعضاء كذلك.

[15]  المادة 66 من القرار 1/5، الخاص بناء مؤسسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لسنة 2007.

[16]  المادة 77 من القرار 1/5 السابق.

[17]  المادة 76 من القرار 1/5 السابق.

[18]  المادة 83 من القرار 1/5 السابق.

[19]  المادة 98 من القرار 1/5 السابق.

[20]  المادة 99 من القرار 1/5 السابق.

[21]  المادة 103 من القرار 1/5 السابق.

[22]  المادة 7 من القرار 2/5، الخاص بمدونة قواعد السلوك لأصحاب الولايات في إطار الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان.

[23]  اعتمدت المحكمة الأوروبية هذا الأسلوب في البروتوكول رقم 14، حيث كلف البروتوكول قاض واحد من قضاة المحكمة بمهمة البث في قبول الشكاوى الفردية أو رفضها، في الوقت الذي كان تبث هذه المحكمة بتلك الشكاوى من قبل لجنة مؤلفة من ثلاث قضاة.

[24]  المادة 10 من القرار 2/5 السابق.

[25]  الموقع الشبكي للمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة قسم الشكاوى الفردية والنداءات العاجلة والمداولات.

[26]  على المستوى الوطني يمكن اعتبار قضية المواطن السوري ” الفروق حاج علي ” نموذجا وسابقة في المحاكم الوطنية، وهي منشورة في الموقع الرسمي لوزارة حقوق الانسان.

[27]  الفقرة (أ) المادة 6 من القرار 2/5 السابق لمجلس حقوق الإنسان

[28]  الموقع الشبكي للمفوضية المرجع السابق.

[29]  الفقرتين (ج) و(د)، من المادة 11 من القرار 2/5 السابق.

[30]  من بين القواعد الأساسية للقانون الدولي والعلاقات الدولية هناك: مبدأ السيادة، مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، المعاملة بالمثل…

[31]  إن ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945 اعطى اهتمام كبير لموضوع حقوق الإنسان حيث جاء هذا الاهتمام في ديباجة الميثاق، وبعد ذلك بسنة أي سنة 1946 أسست لجنة حقوق الإنسان، كما جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، وكذلك اتفاقيات جنيف الأربعة سنة 1949 إلى جانب عدد مهم من المواثيق والمؤسسات التي أعطت اهتماما كبيرا لحقوق الإنسان مدشنا عهدا جديدا قائما على احترام حقوق الإنسان وألسنة الحقوق.

[32]  أكدت المحكمة الاوربية لحقوق الإنسان مبدأ خضوع الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان لمبدأ المعاملة بالمثل وذلك في حكمها الصادر في 18 يناير 1978 والذي قررت فيه أن الإتفاقية الاوربية لحقوق الإنسان تختلف عن المعاهدات الدولية التقليدية، بوصفها تنشئ التزامات موضوعية تتجاوز مبدأ المعاملة بالمثل بين أطرافها. للمزيد من التفاصيل انظر عادل المسدي، الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان مضمونه ونطاقه الإقليمي، بحث مقدم إلى مؤتمر حقوق الإنسان وحمايتها على المستويين الوطني والدولي، كلية الحقوق جامعة السلطان قابوس، يومي 19/17 ديسمبر 2013.

[33]  وفي هذا الاتجاه أكدت محكمة العدل الدولية المفهوم المتقدم في القضية الخاصة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والعقاب عليها بين البوسنة والهرسك من جهة، ويوغسلافيا من جهة أخرى (مرحلة الدفوع الأولية)، حيث أشارت إلى ضرورة النظر إلى هذه الإتفاقية من حيث موضوعها والغرض منها باعتبارها من الأسس الجوهرية للنظام القانوني الدولي المعاصر، إذ أنها اتفاقية يجب أن تبقى محفورة في الضمير الإنساني العالمي مما يستوجب تطبيقها بصورة موضوعية، ففي الحكم الصادر بتاريخ 11 يوليو 1996 ذكرت المحكمة أن الحقوق والواجبات الواردة في الإتفاقية هي حقوق للجميع والتزامات على الجميع وبالتالي، فإن التزام كل دولة بمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ليس محدودا إقليميا بالإتفاقية الدولية في القانون الدولي الإنساني. للمزيد انظر المجلة الدولية للصليب الأحمر مختارات من أعداد عام 2003.

[34]  المادة 85 من القرار 1/5، لمجلس حقوق الإنسان السابق.

[35]  للمزيد من التفاصيل انظر، حقوق الإنسان والقانون الدولي لحقوق الإنسان (أحكام وفتاوي محكمة العدل الدولية)، زيد عدنان العكيلي، وأحمد غالب محي، مجلة الأستاذ، العدد 209، الجلد الأول، سنة 2014، ص 789 -790.

[36]  أحمد الرشيدي، الضمانات الدولـية لحقوق الإنسان وتطبيقاتها في بعض الدساتير العربية، سلسلة بحوث سياسية رقم (110)، سبتمبر 1996، ص 18ــ19 .

[37]  ليا لفين، حقوق الإنسان أسئلة وأجوبة، ترجمة علاء شلبي، ونزهة جيوسي إدريسـي، اليونسـكو، سنة 2009، بـاريس، ص 7

[38]  إن ميثاق الأمم المتحدة بخصوص حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية يدور حول الأفكار الرئيسية الآتية: 1) الربط بين مسألة المحافظة على السلم والأمن الدوليين. واحترام حقوق الإنسان، وهذا ما يستفاد من مقدمة الميثاق ومن المادة الأولى منه والمادة 76 . 2) جعل حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية من الواجبات الأساسية التي تقع على عاتق الأجهزة المختلفة للمنظمة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)