نواب الأمة يصادقون على المادة 9 المثيرة للجدل ويمنعون الحجز على ممتلكات الدولة

قراءة في الفقرة الأولى من المادة 218 من مدونة الحقوق العينية

الغرامة في جرائم الأعمال بالمغرب

13 نوفمبر 2019 - 10:53 م المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

يسرى الرزكي طالبة بماستر القانون المدني والأعمال بطنجة 

مقدمة

يعتبر القانون الجنائي للأعمال قانون جديد ، جاء نتيجة لبروز جرائم جديدة ومتعددة ذات صبغة اقتصادية اضافت إلى الجرائم التقليدية المنصوص عليها في حقل القانون الجنائي العام ، وذلك إثر اتساع نطاق الاقتصاد الحر والتطور التكنولوجي والعلمي المتزايد والمتسارع الذي ساهم لا محال في توفير مزايا عدة ورفاهية للبشرية إذ تمكن من خلالها مشاركة الأفراد كفاعلين في بناء الحياة الاقتصادية ، ولم تتح هذه المزايا فقط للناس الشرفاء ، بل استغلها غير الأسوياء من المخالفين والمجرمين ، وانحرفت معها رسالة التجارة عند البعض وارتقت إلى مرتبة الأعمال الإجرامية المهددة حتما لوظائف النشاط التجاري والاقتصادي ، وبما أن المال هو المحور الأساسي لإقتصادات الدول ، فإنه بظهور فئة من رجال الأعمال سعى إلى الثراء الفاحش والسريع مستثمرة في سبيل ذلك كافة التسهيلات التي تقدمها الدولة لتشجيع الاستثمار والمستثمرين ، فظهرت العديد من الانتهاكات والممارسات غير المشروعة ما حتم على المشرعين في كل بقاع العالم بالتدخل وراء زجر هذه الجرائم والمخالفات التي تهدد بالنظام العام الاقتصادي وكينونته وذلك بأن سعت هاته التشريعات إلى سن قوانين خاصة والخروج عن المقتضيات الواردة في حقل القانون الجنائي العام ، في سبيل تنظيم وحماية المعاملات المالية والتجارية ، ومن هاته التشريعات نجد المشرع المغربي الذي عمل على اصدار موجة من التشريعات والقوانين الخاصة المرتبطة بحق الأعمال منها ” قانون حرية الأسعار والمنافسة ” و” القانون البنكي ” و” قانون الملكية الفكرية ” و” قانون حماية المستهلك ” وغيرهما ، هذا بالإضافة إلى قانون الشركات ” و” القانون الجمركي ” الذي ضمنهما بمقتضيات زجرة لردع ومعاقبة مرتكبي الجرائم الاقتصادية وتحقيق الحماية الكافية لكل المتدخلين في الحياة الاقتصادية .

وبالرجوع إلى قانون الشركات التجارية نجد أن المشرع المغربي قام بإصلاح قانوني لتقويم الاستثمارات وإنعاش الاقتصاد الوطني ، وتوفير حماية جنائية كافية ، تهدف إلى احترام حقوق كافة الفرقاء فانصبت الجهود على اصباغ الطابع الزجري على الأحكام المنصوص عليها في القوانين الجديدة للشركات لاسيما شركات المساهمة ، التي تعد مرجعا عاما الأحكام المتعلقة بأهم الجوانب الخاصة بباقي الشركات ، وذلك عن طريق النص على جرائم عديدة ، قد ترتكب في مختلف مراحل حياة الشركة التجارية ، سواء في مرحلة الانشاء أو عند مباشرة أعمال الإدارة والمراقبة وكذا التصفية ، وذلك ضمانا لحماية جنائية فعالة لحقوق كل من الشركة والشركاء والمساهمين فضلا عن المتعاملين مع الشركة وعموما النظام العام الاقتصادي والاجتماعي .

وبما أن إرادة المشرع تتدخل فيها العديد من الؤثرات تضغط عليه ، فإننا نجد أن العديد من الاصلاحات التي أدخلها المشرع المغربي على قانون الشركات كانت تحت وطأة وتأثير الفاعلين الاقتصاديين بحذف العقوبات الحبسية في العديد من الجرائم والإبقاء على الغرامة المالية وذلك لمعاقبة الجاني بنقيض قصده ، وكذلك في الجرائم الجمركية التي يغلب عليها طابع الغرامة .

لكن التساؤل الذي يتبادر إلى الذهن هو أنه إذا كانت الغرامة الأكثر اتساقا وتناسبا مع مجال الأعمال ، فإلى أي حد توفق المشرع المغربي في توجيه العقوبات المالية نحو تحقيق الوظيفة العقابية والردعية في أوساط جرائم الأعمال ؟

هاته الإشكالية الرئيسية تتفرع عنها العديد من الاشكالات الفرعية أهمها :

  • ما هو النظام العقابي المالي في القانون الجنائي للأعمال ؟
  • ثم ما هي أوجه خصوصية الغرامة وفق بعض القوانين الخاصة للأعمال ؟

هي مجمل الاشكالات والتساؤلات التي سنحاول الاجابة عنها من خلال موضوع هذا العرض .

المنهج المعتمد :

يقوم هذا العرض على أساس ثلاثة مناهج أساسية وهي المنهج التحليلي والمنهج الوصفي والمنهج المقارن .

يتجلى المنهج التحليلي في تحليل المقتضيات القانونية الزجرية المتعلقة بموضوع الغرامة في القانون الجنائي للأعمال أهمها قانون الشركات التجارية ومدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة ، وكذا المنهج الوصفي بوصف مبالغ الغرامة في القانون الجنائي للأعمال ، وكذا المنهج المقارن الذي اعتمدناه في هذا العرض عن طريق المقارنة بين المقتضيات الزجرية المتعلقة بالغرامة بين القانون الفرنسي والقانون المغربي والمصري كذلك .

خطة البحث :

ومن مقدمة العرض فإن الموضوع سيتم تقسيمه إلى مبحثين سيتم التناول في الأول ” النظام العقابي المالي في القانون الجنائي للأعمال ” ثم في المبحث الثاني عن ” الغرامة المالية وفق بعض القوانين الخاصة للأعمال.

المبحث الأول : النظام العقابي المالي في القانون الجنائي للأعمال

ظل المشرع المغربي في المجموعة الجنائية وفيا لنهجه في الاقتباس من المرجعية القانونية الفرنسية فأقام سياسته العقابية على محور العقوبات السالبة للحرية كقطب مركزي تلتق حوله العقوبات المالية ، وما فتئ دور المال في الحياة الاقتصادية يزداد أهمية باستمرار إلى أن أصبح مهيمنا في العصر الراهن ، وتعد الجريمة في الميدان الاقتصادي إحدى الأنشطة التي تصاعد حضور المال فيها بشكل خطير ، سواء من خلال توقف النشاط الإجرامي على تمويلات ضخمة ، أو أحيانا وعلى آليات ووسائل باهظة … من هنا كان لابد لنا بالحديث عن المقصود بالغرامة المالية ومزاياها في ( المطلب الأول ) ثم إلى الغرامة كجزاء جنائي تقليدي في جرائم الأعمال ومحدوديتها ( المطلب الثاني ) .

المطب الأول: تعريف الغرامة الجنائية و مزاياها

الغرامة الجنائية كعقوبة جنحية ، تمس الذمة المالية للجاني ، يمكن الحكم بها كعقوبة أصلية و منها (الفصل 261 من القانون الجنائي) و قد يحكم بها إلى جانب عقوبة الحبس ( الفصول 209 و 262 و 263 و 270 و 282) و هذا هو الوضع في نصوص القانون الجنائي المغربي ز باعتبارها كعقوبة جنائية أصلية تمتاز عن غيرها من العقوبات بالعديد من المميزات ، ولهذا ارتأينا أن نتطرق في هذا المطلب إلى فقرتين اثنتين نناقش في الفقرة الأولى الغرامة الجنائية في حين سنخصص الفقرة الثانية لمزايا الغرامة الجنائية.

الفقرة الأولى: تعريف الغرامة الجنائية

إن مفهوم الغرامة حسب مقتضيات الفصل 35 من القانون الجنائي هي :

” إلزام المحكوم عليه بأن يؤدي لفائدة الخزينة العامة مبلغا معينا من النقود بالعملة المتداولة قانونا في المملكة” وهذا التعريف لم يضفي الغرامة في تركيبتها من أي أنواع العقوبات الأصلية كما لم يذكر السبب الداعي لهذا الإلزام بالأداء ، علما أن بعض العقوبات المالية المدنية و الذعائر و العقوبات الإدارية تؤدي بدورها لفائدة الخزينة العامة .

فالغرامة الجنائية هي الجزاء الموقع على المحكوم عليه من طرف محكمة مختصة نتيجة عمل يعده المشرع جريمة تؤذي بعد صيرورة الحكم نهائيا لفائدة الخزينة مع الصائر بالعملة المتداولة قانونا في المملكة[1]. أما المشرع المصري فقد عرف الغرامة بأنها إلزام المحكوم عليه بأن يدفع على خزينة المحكوم مبلغا يقدر في الحكم ( المادة 23 من قانون العقوبات المصري).

ولبساطة و وضوح معنى الغرامة جعل بعض القوانين لا تهتم بوضع تعريف لها على الرغم من أن وضع التعريفات هي ليست من مهام المشرع و لا يجوز إيراد التعريفات في النصوص التشريعية ، أما على صعيد الفقه فقد عرف الغرامة بأنها (إلزام المسؤول عن الجريمة بدفع مبلغ من النقود يقدره الحاكم القضائي إلى خزينة خزانة الدولة و بمجرد صدور الحكم القضائي للغرامة تنشأ علاقة دين و المدين فيها هو المحكوم عليه و الدائن هو الدولة)[2].

ويبدو لنا أن هذه التعاريف التي أفردها بعض الفقهاء يغلب عليها التشابه أو تكون بصيغة متشابهة للتعاريف  التي توردها النصوص القانونية .

وإن وضوح و بساطة معنى الغرامة لن يمنعنا من الاجتهاد و السعي في إيراد تعريف مانع و جامع لمعنى الغرامة فهي ” عقوبة مالية أو مصادرة مالية يستوجب دفعها من قبل المحكوم عليه إلى الخزانة العامة بعد ثبوت الحكم عليه بالإدانة”. [3]

الفقرة الثانية: مزايا الغرامة الجنائية

إن الغرامة الجنائية تمتاز عن غيرها من العقوبات بمزايا عديدة :[4]

1- أنها على خلاف سائر العقوبات الأخرى ، لا تمثل أي اعتداء على جسد الإنسان أو حريته و لا تمس بطرفه أو سمعته ، كما ,إنها لا تنال من مكانته في الوسط الاجتماعي الذي يعيش  فيه ولا يترتب على تنفيذها إبعاد الشخص من العائلة أو حرمانه من مزاولته عمله أو مهنته ..الخ.

2 -أن عنصر الإعلام في الغرامة أمر محقق ذلك أنها ستقطع جزئ من  الذمة المالية للمحكوم عليه ، و هي لهذا السبب لا يمكن أن يألفها المحكوم عليه مهما تكرر الحكم بها هو ذلك بخلاف عقوبات أخرى كعقوبة سالبة الحرية التي تؤذي إلى التعود عليه وبالتالي إلى الانتقاص من أثرها الرادع.

3 – تتميز عقوبة الغرامة بمرونتها و قابليتها للتجزئة و هذا ما يسمح بملائمتها دائما مع ظروف الجريمة و مدى جسامتها مع ظروف الفاعل…

4- تـتـميز عقوبة الغرامة بأنها من العقوبات التي يمكن الرجوع فيها بسهولة إذا ما تبين الخطأ في توقيعها، إذ يكفي أن ترد الخزانة العامة إلى المحكوم عليه ما سبق وأن تحمله على وجه الخطأ، و ليس الأمر كذلك بالنسبة لعقوبات الأخرى.

5 – تشكل عقوبة الغرامة مصدر إيراد الدولة بحيث يمكن الإنفاق منه في تحسين مرافق العدالة، وذلك بخلاف العقوبات السالبة للحرية التي ترهق خزانة الدولة بنفقات باهظة.[5]

المطلب الثاني : الغرامة كجزاء جنائي تقليدي في جرائم الأعمال و محدودية العقاب فيه

تعتبر الغرامات من الجزاءات الأساسية التي يتم اللجوء إليها قصد زجر الجرائم الاقتصادية ، وذلك معاملة للمجرم و تكديس المال و الثروة حيث يكون من الأفيد معاقبة الجاني ، بنفس الطريقة التي ارتكب بها الفعل ألجرمي .إن الغرامة تبقى قبل توحدها على تحقيق الردع سواء أكان من العام أو الخاص إلا أن الممارسة العملية والواقع أثبت محدودية العقاب فيها .

من هنا فإننا سوف نتطرق إلى الغرامة المالية كجزاء تقليدي في (الفقرة الأولى) ثم إلى محدودية الغرامة الجنائية و ذلك في ( الفقرة الثانية)  .

الفقرة الأولى: الغرامة المالية كجزاء جنائي تقليدي في جرائم الأعمال.

نص المشرع المغربي على غرار نظيره الفرنسي على جزاء الغرامة المالية في كثير من المنصوص المشكلة للقانون الجنائي للأعمال، كقانون الشركات التجارية و قانون حماية المستهلك و القانون الجمركي… فاعتماد عقوبة الغرامة المالية ، لم يسلم بدوره من الانتقاد ، من رأي جانب من الفقه خاصة عندما تتعلق الغرامة المالية بالشركات تجارية تثير على المذمة المالية   للشركة ، إذ في الغالب يتم  أداء هذه الغرامة بشكل أو بآخر من أموال الشركة ، ما جل بفشل العقوبة الناشئة في مجال الشركات التجارية. [6]

مقال قد يهمك :   موقف القضاء من المسطرة القانونية و الاتفاقية لفصل أجير بنكي عن العمل

لكن مع ذلك تبقى الغرامة المالية الجزاء الأنجع في مجال الأعمال ما دام يحقق هدفين إثنين أولهما ، أنه يزيل عن المستثمرين شبع العقوبات السالبة للحرية ، كما يحقق فائدة أهم، تتمثل في تحقيق موارد للخزينة ، تتمثل في أداء مبالغ معينة كغرامات ، و يتحول بذلك النص الجنائي المشتمل فقط الغرامة إلى أداة جنائية تخفف من حالات الاعتقال ، و الوضع في السجون و ما يستتبعه ذلك من مصاريف تكون الدولة ملزمة بتحملها ، من أجل توفير ظروف العيش للنزيل في السجن ، بالإضافة إلى مصاريف الاعتقال المتمثلة في أداء أجور الموظفين و التنقلات و غيرها ، كما أن فائدة الغرامة لا تقف عند هذا الحد ، بل إنها تقلل من حالات الاعتقال بل وتتحول إلى مصدر للأموال العمومية.[7]

فبالرجوع إلى حضور الغرامات المالية في القانون الجنائي للأعمال المغربي نجدها متواجدة في معظم النصوص القانونية المتعلقة بالقانون الجنائي للأعمال ، مثال ذلك في قانون 17.97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية الذي تضمن مجموعة من الغرامات  كجزاء على الأفعال الجريمة الماسة بحقوق الملكية الصناعية و التجارية فالمادة 213 من القانون 17.97 نصت على أنه ” لكل مساس عن عمد بحقوق مالك براءة كما هي محددة في المادة 53 و 54 يعتبر تزييفا، ويعاقب عليه بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر، و بغرامة من 50.000 درهم إلى 5.000.00 درهم أو إحدى هاتين العقوبتين فقط”. بل وإن المادة المذكورة قد شهدت من خلال الفقرة الثانية عندما رفعت الغرامة إلى الضعف بشروط وصلت على تحديد هذا في الوقت الذي رفعت فيه الماد 5 من قانون 17.95. من العقوبة و الغرامة متى كان المتهم أجيرا، يعمل مع صاحب البراءة أو متواجد بالمؤسسة التي تستغل براءة الصنع، حيث رفعت هذه المادة من الحد الأدنى للغرامة و ذلك من 100.000 درهم إلى 500.000 درهم.[8]

و في نفس السياق نجد المادة 216 من قانون 17.97 قد نصت على جزاء الغرامة و قد حددته ما بين 50.000 إلى 500.000 درهم وذلك عندما تتعلق الجريمة بتقديم بيانات أو معلومات مرتبطة ببراءة اختراع أو تصاميم تم إيداعها لدي الجهات الخاصة ، لكنها لم تسلم بعد.

الفقرة الثانية : محدودية الغرامة في القانون الجنائي

هنا نجد السؤال يفرض نفسه ، هو هل الجزاءات المالية على اختلاف مبالغها كافية لتحقيق الردع بنوعيه العام و الخاص ؟ و هل هي غرامات مرتفعة يتعين خفضها ، كما طالب بذلك المستثمرين و رجال الأعمال فيشخص الإتحاد العام لمقاولات المغرب و الجمعية المغربية للشركات .

للجواب على هذا السؤال لا بد لنا من التمييز بين المقاولات الصغرى و المتوسطة و المقاولات الكبرى ذات المعاملات و التداولات الضخمة ، فغرامة بمبلغ 50.000 درهم أو أكثر منها إلى حدود 500.000 درهم من شأنها التأثير  على المقاولة الصغرى لدرجة قد تعدم و جودها أصلا.[9]

فعقوبة مثل التي ذكرنا بالنسبة لمقاولة صغرى يعني استنفاد رأسمالها مع بقائها مدينة بالمبلغ المتبقي لذلك فإن مبلغ الغرامة يجب أن يراعى فيه الجانب الاستثماري ، و رفع هذا النوع من المقاولات في الاستثمار و خلق فرص الشغل خاصة بالنسبة للجرائم الشكلية التي تقتصر على أشخاص محددين ، ويمكن تجاوزها بجبر الضرر أو إصلاح الخلل بالتصالح بين الفاعل و الضحية .

إلا أن هذا النوع من النقاش وليس له مجال فيما يتعلق بالشركات الضخمة ذات رأسمال هائل ، ذلك أن الغرامة لا يمكن أن تؤثر فيها  و بالتالي لا يمكن أن تؤثر بالكيفية المطلوبة على مقاولة رأسمالها ملايير الدارهم ، مما يعني فشل أي سياسة جنائية لا تراعي هذا المعطى ، فالاختلاسات المالية أي كان شكلها ، قد تعادل أو تفوق الملايير.[10]

فإذا ما نظرنا إلى الغرامات في مجال الأعمال نجد لها تطبيقا واسعا ، فوجود العقوبة المالية في هذا المجال أمر بديهي لأنه يجب أن يكون من الجزاء من جنس الفعل كما أنها تعتبر حلا نافعا لمواجهة بعض المجرمين خاصة أعضاء أجهزة الإدارة و التسيير ، و بالتالي القول بأنها الأكثر ملائمة لجرائم الأعمال مقارنة مع العقوبات الحبسية ، إلا أن أثرها يظل محدودا.[11]

و طبعا أن مثل هذه المبالغ المالية الهزيلة التي تتوزعها مجموعة من جرائم الأعمال ، يصعب تصورها بتحقق الردع العام فيها بغرامة قدرها 10.000 درهم أو 50.000 درهم أو حتى أضعاف هذه الغرامات عشرات المرات مادام معظم رجال الأعمال يدخلون في حسابات هما الغرامات الني من الممكن أن يتعرضوا لها بالموازات مع كيفية الربح و الخسارة فإن هذا لن يحقق أي أثر ردعي ، و ما يزيد صعوبة تحقيق الردع بهذا النوع من الجزاءات هو أن مجال الأعمال يتميز بوجود أشخاص معنوية كما من الأموال ما يجعلها لا تأبى للغرامة المالية التي يفرضها عليها القانون ، لعل أن الأرباح التي تحققها من خلال المخالفة أكثر من الغرامة المالية المقررة قانونا لهذا الفعل دليل ذلك نسبة العود على الرغم من الغرامات المرتفعة التي تفرضها الدول على مرتكبي الأعمال.[12]

المبحث الثاني : الغرامة المالية وفق بعض القوانين الخاصة للأعمال

أفرز التطور الذي عرفه مجال المال والأعمال إلى سعي المشرع المغربي مواكبة للعديد من التشريعات في كل بقاع العالم إلى السعي وراء تحيين ترسانته القانونية وخلق أخرى جديدة تتماشى والتطورات الاقتصادية الحاصلة في المجتمع ن وذلك بإصداره للعديد من القوانين الخاصة في ميدان الأعمال أهمها القانون البنكي وقانون حرية الأسعار والمنافسة وقانون حماية المستهلك وغيرها من القوانين وصولا إلى قانون الجمارك وقانون الشركات التجارية اللذان حملهما المشرع المغربي بعقوبات زجرية ذات طابع مالي في أحيان عديدة وذلك استجابة للفاعلين الاقتصاديين في هذا المجال .

ومن هنا فإننا سنعمل على الاكتفاء بالقواعد الزجرية أو الغرامة المالية بالنسبة لقانونين خاصين ، هما قانون الشركات والقانون الجمركي .

بحيث سنتطرق لفاعلية الزجر للعقوبات المالية في قانون الشركات ( المطلب الأول ) ثم لمكانة العقوبات المالية في النظام الجمركي وذلك في ( المطلب الثاني ).

المطلب الأول: خصوصية الغرامة المالية في القانون الجنائي للشركات التجارية

يتميز القانون الجنائي للشركات التجارية، بكون أغلب العقوبات المنصوص عليها من خلاله هي عبارة عن عقوبات مالية، تخص أعضاء أجهزة الإدارة أو التسيير و بالخصوص جرائم توزيع أرباح صورية ، و نشر و تقديم قوائم تركيبية غير صادقة ، و إساءة استعمال أموال و سلط الشركة.[13]

هكذا برزت بالمغرب العديد من المقترحات [14] لتعديل قانون الشركات و ذلك بإلغاء العقوبة الحبسية في الجرائم البسيطة ، و التي تأخذ شكل جرائم اصطناعية أو شكلية ينعدم فيها العنصر المعنوي ، وبما أن موضوع العرض هو حول الغرامة في جرائم الأعمال فإننا سنعمل بالتطرق إلى الغرامة كعقوبة منفردة في القانون الجنائي للشركات التجارية ( الفقرة الأولى) ثم لفعالية الزجر للعقوبات المالية في قانون الشركات( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الغرامة كعقوبة منفردة في القانون الجنائي للشركات التجارية.

يبدو أن الأصل في ظل القانون الجنائي للشركات التجارية هي عقوبة الغرامة، ولعلها فعليا الأكثر تناسبا مع هذا النوع من الإجرام.

عقوبة الغرامة ، على خلاف العقوبة الحبسية ، تأتي في أحيان كثيرة منفردة ( مثلا المادة 378، المادة 389، المادة 390، المادة 391 ، من القانون 17.95 ، و المادة 108 و المادة 109 و المادة 110 و المادة 5.96).

ويبدو أن ليس هناك علاقة تناسب حقيقية في ذهن المشرع بين مقدار معين للغرامة ، و مقدار العقوبة الحبسية المقترنة بها ، و هكذا نجد مثلا الحبس من شهر إلى سنة مقرون مرة بغرامة من 35.000 إلى 350.000 درهم ( المادة 397 من القانون 17.95) و مرة أخرى مقرون بغرامة من 12.000 إلى 120.000 درهم ( المادة 398 من القانون 17.95) [15].

و إن كان عدد الطبقات التي كانت موجودة ثمانية عشر طبقة مختلفة من عقوبة الغرامة فإنها أصبحت تسعة عشر بعد التعديل المدخل بالقانون 20.05 و هو ما يعكس نوعا من التنوع المفرط ، كما أن من هذه الطبقات من يضم الغرامة منفردة و منها من يضمها مقترنة بالعقوبة الحبسية ، على أن مجمل الطبقات كانت مقترنة بالعقوبة الحبسية ، إلا أن التعديل المدخل عبر القانون 20.05 ساوى بينها و بين الطبقات غير المقترنة بها نتيجة حذف العقوبة الحبسية في عدد من التجريمات . وهكذا نجد هناك طبقات غير مقترنة بالعقوبة الحبسية:

الطبقة الأولى: الغرامة من 1.000 إلى 5.000 درهم ( المادة 419 قانون 17.95 و المادة 112 من القانون 5.96).

الطبقة الثانية : الغرامة من 2.000إلى 10.000درهم ( المادة 438 و المادة 449 و المادة 450  قانون 17.95 و المادة 111 و المادة 126 و المادة 127 من قانون 5.96).

الطبقة الثالثة: الغرامة من 3.000 إلى 15.000 درهم ( المادة 385 من قانون 17.95).

الطبقة الرابعة: الغرامة من 10.000 إلى 20.000 درهم ( المادة 449 و المادة 450 من قانون 17.95 و المادة 126 و 127 المادة 129 من قانون 5.96).

الطبقة الخامسة: الغرامة من 7.000 إلى 35.000 درهم ( المادة 400 من القانون رقم 17.95).

الطبقة السادسة: الغرامة من 23.000 إلى 200.000 درهم ( المادة 386 من القانون رقم 17.95).

الطبقة السابعة: الغرامة من 30.000 إلى 300.000 درهم ( المادة 388 قانون 17.95).

الطبقة الثامنة : و تضم غرامة غير تضريبية و هي 2.000.000 درهم كجزاء عن قيام شركات المساهمة المبسطة بدعوة الجمهور للاكتساب ( المادة 439 من قانون 17.95)[16]

في حين نجد ثمان طبقات 6 جاءت منفردة  و 6 جاءت مقترنة بالعقوبة الحبسية :

الطبقة الأولى: الغرامة من 2.000 إلى 20.000درهم:

– منفردة: المادة 110 و المادة 117 من القانون رقم 5.96

مقال قد يهمك :   الوزير الداودي:سبب إفلاس المقاولات عائد للمجتمع وليس للدولة

– مقرونة بالحبس: المادة 106 و المادة 115 من القانون رقم 5.96

الطبقة الثانية : الغرامة من 4.000إلى 20.000 درهم:

– منفردة: المادة 378 و المادة 391 و المادة 395 من القانون رقم 17.95

– منفردة بالحبس: المادة 407 و المادة 424 قانون 17.95

الطبقة الثالثة: الغرامة من 5.000 إلى 25.000درهم:

– منفردة: المادة 416 و المادة 421 قانون 17.95

– مقرونة بالحبس: المادة 422 قانون 17.95

الطبقة الرابعة: الغرامة من 6.000 إلى 30.000درهم، وهي ثاني أكثر الغرامات تواجدا ضمن القانون الجنائي للشركات التجارية

– منفردة: المادة 390، 393، 394، 395، 396، قانون 17.95

– مقرونة بالحبس: المادة 383 و المادة 348 من القانون 17.95

الطبقة الخامسة : الغرامة من 2000 إلى 40.000درهم

– منفردة: المادة 1098 قانون 5.96

– مقرونة بالحبس: المادة 113 قانون 5.96

الطبقة السادسة: الغرامة من 5.0000 إلى 40.000 درهم و هي أكثر غرامة تواجدا ضمن القانون الجنائي للشركات التجارية

– منفردة 389 و المادة 392 و المادة 411 و المادة 413 قانون 17.95

– مقرونة بالحبس: المادة 379 و المادة 383 و المادة 387… قانون 17.95

الطبقة السابعة: الغرامة من 10.000 إلى 50.000درهم

– منفردة: المادة401 و المادة 402و المادة 420 قانون 17.95 و المادة 108 و 116 قانون 5.96.

– مقرونة بالحبس: المادة 403 قانون 17.95

الطبقة الثامنة: الغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم

– منفردة: المادة 396 و المادة 417 قانون 17.95

– مقرونة بعقوبة الحبس: المادة 405 قانون 17.95 و 107 قانون 5.96

و نجد ثلاث طبقات جاءت دائما مقترنة بالعقوبة الحبسية [17]

الفقرة الثانية : فعالية الزجر للعقوبات المالية في قانون الشركات التجارية.

تجدر الإشارة إلى أن الأحكام الزجرية بقوانين الشركات التجارية المرتكبة تطبق قبل صدور القانون رقم 20.05 و القانون رقم  21.05 – على مؤسسي و مسيري الشركات المذكورة ، إلا عندما لا تقبل الأفعال المعاقب عليها بموجب تلك الأحكام ، تكييفا جنائيا أشد وفق لمقتضيات القانون الجنائي ، بحيث كانت المادة 376 من قانون شركات المساهمة و المادة 102 من قانون باقي الشركات[18] يجعلان القاضي يأخذ بالتكييف الأشد للفعل المجرم بعد المقارنة بين قانون الشركات و القانون الجنائي [19]، غير أن المشرع عمل بضغط من الفاعلين الاقتصاديين على إلغاء هذه القاعدة بموجب المادة الرابعة من القانون رقم 20.05 المغير و المتمم للقانون رقم 17.95 و المادة الثانية من القانون رقم 21.05 المغير و المتمم لقانون 5.96 و ذلك في إطار التخفيف من المسؤولية الجنائية لمؤسسي و مسيري الشركات التجارية و تليين الجانب الزجري لقوانين الشركات التجارية و للتأكيد على خصوصية قانون الأعمال و نشأة قانون جنائي خاص بهذه الشعبة من القانون.[20]

هكذا و يمكن القول إجمالا بأن الأفعال التي تكون نطاق المسؤولية الجنائية عن الخروقات التي تصيب الشركات تتسم بطابع شكلي . متى استهدفالمشرع من خلالها دفع المؤسسين وأجهزة الإدارة أو التسيير على الحرص على إقامة أعمالهم وتصرفاتهم على أسس صحيحة ، مادام أن عالم التجارة والأعمال ، يقتضي الصدق والنزاهة ، إذ أن أي فعل من أفعال التضليل مهما كان بسيطا من شأنه أن يمس بعدد من الأعمال بل قد تدمر السوق وتفرض على المتعاملين الانزواء ، وتفضيل الاحتفاظ بأموالهم على استثمارها في ظروف غير مناسبة عديدة المخاطر .

وعلى هذا الاساس ، اقتضت أهمية الشركات التجارية – وعلى رأسها شركات المساهمة – أن يسأل المؤسسون وأعضاء الإدارة الأولون جنائيا ، بهدف الحفاظ على مصالح الشركة والشركاء أو المساهمين وكذا الأغيار ، إذ تمثل قاعدة ” لا يعذر أحد بجهله للقانون ” سندا جوهريا لمحاسبتهم . بحيث يعاقب المسؤول عن تأسيس الشركة عند إقدامه على ما من شأنه أن يلحق الضرر بحقوق الأطراف المذكورة ، لأن الشركة التجارية يجب أن تحترم على الأخلاق والسمعة النظيفة لتضمن نجاحها ، ولذلك فحماية للمصالح وحرصا على استقرار المقاولة ،يشترط في مؤسس الشركة أن يكون سلوكه مخلصا من الشوائب ، وملفه الاجتماعي خاليا من أية جريمة تدنس سيرته ، لا سيما ما يتعلق منها بالأعمال التجارية[21] .

ومن هنا يتبين أن اختيار المشرع المغربي للعقوبة المالية على غيرها بالرغم من أن الواقع العلمي يثبت Escaraعدم فعاليتها ، كان الهدف منه فقط ملء خزينة الدولة وفي هذا يقول الفقيه ،

“يتعين تغير الرؤية والاعتراف بأن شركات المساهمة لم تخلق فقط لأجل تمويل القسم المالي للنيابة العامة “[22].

واستنتاجا مما سبق ومن مختلف انقاشات التي أثيرت لا على مستوى الفقه أو القضاء بمناسبة الحديث عن سياسة العقاب في مجال الأعمال يمكن القول بأن القانون الجنائي للأعمال بالمغرب ، له مجموعة من الخصوصيات على هذا المستوى ، منها ما هو سلبي يجب اصلاحه .

المطلب الثاني : مكانة العقوبات المالية في النظام الجمركي

تحتل العقوبات المالية مكانة مهمة ضمن السياسة الجمركية ، بحيث وسيلة قانونية لضمان المصالح المالية والاقتصادية ، غير أن التوظيف القانوني لهذه العقوبات لم يكن سليما .

ذلك أن المشرع المغربي لم يستعمل مصطلحا قانونيا واحدا يرتب أثار قانونية محددة ، ذلك أنه نص على أن المصادرة والغرامات الجبائية يغلب عليهما الطابع المدني .. عاد من خلال بعض المقتضيات القانونية الأخرى واعتبرها ” عقوبات مالية مدرجة ضمن العقوبات الجمركية ويجب الحكم بها عن طريق المحاكم الزجرية ، وهذا بخلاف التوجه الذي سلكه كل من المشرع الفرنسي الذي عدد بشكل واضح الطبيعة القانونية لهذه الغرامة .

ولهذا سوف نتطرق من خلال هذا المطلب إلى غموض مفهوم العقوبة المالية ( الفقرة الأولى ) ثم لضعف التناسب في العقوبات المالية (الفقرة الثانية ) .

الفقرة الأولى : غموض مفهوم العقوبة المالية

بالرجوع إلى القانون الجمركي المغربي  نلاحظ أنه تارة يستعمل عبارة ” الغرامات الجنائية “[23] وتارة أخرى يميل إلى استعمال ” الغرامات المالية “[24] ، واستعمال هذه العبارات الفضفاضة وغير الواضحة لا تساعد الباحث في تحديد الآثار القانونية لهذه الغرامات ، خصوصا وأن المشرع لم يكتف باستعمال غرامة جمركية وحيدة ضمن قواعد الجزاء الجمركي ، فإلى جانب الغرامة الجمركية التي استعان بها من أجل التصدي للغش المرتكب في قيمة البضاعة المستوردة أو المصدرة أو في الرسوم الجمركية المفروضة على هذه البضائع ، فقد استعمل المشرع نوعان آخر من الغرامات الجمركية إما لردع بعض أو التصرفات المرتكبة في حق موظفي إدراة الجمارك أثناء ممارسة مهامهم[25] ، وإما لعدم الامتثال لبعض الأوامر الجمركية كعدم الوقوف أو عدم تقديم السجلات أو الوثائق الممسوكة بحكم القانون لأعوان الجمارك[26] .

وإذا علمنا أن بعض الفقه[27] يبرر هذا الغموض بعدم اختصاص المشرع بتحديد التكييف القانوني للقواعد الجزائية لأن ذلك يبقى من اختصاص الفقه والقضاء ، فإن الأمر يزداد غموضا بينما توقفنا النظريات الفقهية والقضائية المتعددة حول الطبيعة القانونية للغرامة بين من يضفي عليها صفة التعويض المدني ، وبين من يعتبرها جزاء يجمع بين التعويض والعقوبة ويطلق عليها اصطلاح ” الغرامة المختلطة ” ، واتجاه ثالث يعتبر هذه الغرامات من قبيل الغرامات الإدارية ، غير أن جل التبريرات القانونية المقدمة من طرف هذه النظريات تلتقي في خاصيتين أساسيتين : الطابع المدني والجنائي لهذه الغرامة الجمركية[28] .

الفقرة الثانية : ضعف التناسب في العقوبات المالية :

حظيت خاصية التناسب في النظام العقابي بنقاش فقهي وقضائي كبيرين ، ذلك أن تقدير العقوبة كرد فعل ضد الجريمة أثار الكثير من التساؤلات القانونية خاصة ما تعلق منها بكيفية تحديد مقدارها وعلى أي أساس ؟ وهل يجب تقديم مصلحة المجتمع على حساب حق الضحية في هذا الشأن ؟

إن مختلف الاجابات المقدمة في هذا الصدد متعارضة ومتناقضة فيما بينها ، بالنظر لارتباط تقنيات تقدير العقوبة بالدور الأخلاقي والاجتماعي وعلى الخصوص الدور الإيديلوجي ، وهذا ما أدى إلى تشكيك مستمر في طريقة قياس العقوبة[29] لأنه من الصعوبة العثور على معيار وحيد يساعد على تحقيق الأهداف المرسومة دون تعرضه للنقض .

وقد أدى ظهور الجرائم الاصطناعية وكذا تعاظم أهمية المصالح الاقتصادية والمالية في المجتمع إلى ازدياد حدة غموض خاصية التناسب في الجزاءات المحددة لهذه الجرائم ، خاصة ما يتعلق بالعقوبات المالية ، وهذا هو حال القانون الجمركي بحيث أن تقدير هذه العقوبات المالية الجمركية ، يخضع لعدة مقاييس نفعية ترتبط بالمصالح المالية والاقتصادية لا تأخذ بعين الاعتبار المبادئ العامة المنصوص عليها في القانون الجنائي ، الشيء الذي نظاما عقابيا يتسم بالشدة والصرامة تظهر من خلال ارتفاع الغرامات المالية وتمديد نطاق المصادر لكل البضائع والوسائل المرتبطة بموضوع الغش المرتكب ، بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية والقانونية التي تغضي بضرورة تناسب العقوبة مع حجم الضرر الناتج عن الجريمة ، أضف إلى ذلك تحكم الإدارة في تحديد هذه العقوبات ولا مجال لتدخل القضاء في هذا التقدير إلا بشكل محدود .

ويبرز بعض الفقه أن هذا التشدد في العقوبات المالية ناتج عن بنية التجريم في الحقل الجمركي ، حيث يرى من جهة أولى هذا التجريم من حيث طبيعته يدخل في حقل التجريم الاصطناعي ، ولا يشكل بالتالي سوى عمل مضر بحقوق ومصالح إدارة الجمارك ، وهي مصالح مادية ونفعية تتركز في إطار تنظيم اقتصادي ومالي ، ومن جهة ثانية أن الدافع الأساسي من ارتكاب المخالفات الجمركية يستهدف أساس نية تحقيق الربح والكسب[30] .

وعلى ضوء ما سبق ، يتضح أن حضور خاصية التناسب في العقوبات المالية تبدو ضعيفة بحيث لا يأخذ المشرع بعين الاعتبار في تقدير هذه العقوبات درجة خطورة الجريمة ونسبة الضرر اللاحق بالمصالح الاقتصادية والمالية ، وإنما عمد إلى تبني نظام يقوم على مقاييس قانونية تختلف باختلاف طبيعة العقوبة المعتمدة بحسب ما إذا كانت غرامة مالية أو مصادرة ، مما يحد نسيا من السلطة التقديرية للقضاء[31] .

خاتمة

ومما سبق يتبين الأثر الرادع للعقوبة الجنائية الذي يعد عاملا أساسيا في مكافحة الجرائم عامة بما فيها جرائم الأعمال ، فمن المفترض أن التهديد بالعقوبة يصرف الكثير عن السلوك الاجرامي كما أن توقيعها سيحول دون عودة من وقعت عليه لارتكابها مرة أخرى ، وإذا كان من المسلم به أن الأوضاع الاقتصادية للمجتمعات تؤثر على السلوك الاجرامي ، فإن المنطق يقتضي أن يكون لهذه الأوضاع أثر على الأهداف بمعاملة المدنيين بنقيض قصدهم خاصة في مجال الأعمال .

مقال قد يهمك :   أحمد دحمان : تلقي التعرضات و شروط تقديمها و قرارات المحافظ بشأنها

فإذا ما نظرنا إلى الغرامات في مجال الأعمال نجد لها تطبيق واسعا ، فوجود العقوبة المالية في هذا المجال أمر بديهي لأنه يجب أن يكون الجزاء من جنس الفعل كما أنها تعتبر حلا ناجعا لمواجهة بعض المجرمين خاصة أعضاء أجهزة الإدارة والتسيير في الشركات التجارية .

كما أن تطبيقها يزيل شبح العقوبات السالبة للحرية عن المستثمرين هذا من جهة ، ومن جهة أخرى تحقيق موارد للخزينة .

غير أن ما تجدر الإشارة إليه أن المشرع المغربي وتحت وطأة وتأثير اللوبيات الاقتصادية هدف من خلال تعديل قانون الشركات وبالضبط قانون 21.05 بأن انصاغ إلى مطالبهم وعمل على حذف العقوبة الحبسية في العديد من الجرائم خاصة الخروقات الماسة بتأسيس الشركات التجارية وكذا خفض مبلغ الغرامة .

وهو المقتضى الذي خرج به عن المشرع الفرنسي في هذا المجال .

وما يمكن التطرق إليه في هذا المجال أنه إذا كان تبرير هذه الاصلاحات هو الحفاظ على النظام العام الاقتصادي والاجتماعي وجلب الرأسمال الأجنبي ، فإن الإحاطة بترسانة قانونية زجرية بين خليط من العقوبة الحبسية والغرامة لا يمكن أن يسقط فيها المستثمرين ورجال الأعمال حسني النية ، بل رجال الأعمال ذوي النية السيئة فقط ورغبتهم في النهب والاختلاس .

وأخيرا ما يمكن قوله إجابة عن الإشكالية الرئيسية التي طرحناها أن الغرامة المالية لوحدها في جرائم الأعمال لا يمكن أن تحقق الردع سواء من العام أو الخاص . وبالتالي تفعيل العقوبات السالبة للحرية كذلك ورفعها في الحالات الخطيرة الماسة بالاقتصاد ومصالحه ، وأن لا تبقى هذه العقوبات حكرا أو حبرا على ورق مضافة في نصوص قانونية غير منفعلة وإنما يجب تفعيلها لأنه وإن كان القانون الجنائي للأعمال لا ينص على هاته العقوبات إلا أنه من المستبعد العثور على مجرمي الأعمال في الحبس ، ذلك أن الحبس يتسع فقط لمرتكبي الأفعال ذات الطابع المادي الملموس ولا يجد مثيلا للجرائم الاصطناعية وذلك لعدة اعتبارات .


لائحة المراجع

الكتب :

* إدريس بلمحجوب، ” العقوبات السالبة للحرية و العقوبات المالية ” ، الجزء الأول 1988 .

* محمود نجيب، ” دروس في العقوبة «، المطبعة العالمية، القاهرة 1973،

*لحسن بهي: الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية بالمغرب”، مكتبة دار السلام، الرباط، الطبعة الثانية.

* ابن خده رضي ” محاولة في القانون الجنائي للشركات التجارية «، الطبعة الثانية، سنة 2012

*نور الدين الفقيهي : الأحكام العامة للشركات التجارية ، طبعة أبريل 2016

الأطارح والرسائل :

*  أسامة ولد النعيمة ” الغرامة الجنائية في القانون المغربي و المقارن” رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ، جامعة عبد المالك  السعدي ، كلية العلو القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، طنجة  سنة 2017-2018،

* هشام زربوح ،” خصوصية القانون الجنائي للأعمال بالمغرب ” ، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، جامعة مولاي إسماعيل ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، مكناس ، سنة 2013 -2014 .

* شيماء خراطة ، ” سياسة التجريم و العقاب في ميدان الأعمال “، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ، جامعة عبد المالك السعدي ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، بطنجة ، سنة2015-2016 .

*  يوسف أعزيزي ، ” توجهات السياسة الجنائية في مجال الأعمال “، رسالة لنيل الماستر في القانون الخاص ، جامعة محمد الأول ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، سنة 2013-2014 .

* سعاد حميدي ،” الإجراءات الزجرية في مواجهة الشخص لمعنوي” ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص ، جامعة عبد المالك السعدي ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، بطنجة ، سنة 2010-2011.

* سمير محمد الجنزوري : الغرامة الجنائية ، حراسة قانونية في طبيعة القانون للغرامة وقيمتها العقابية ، دكتوراه في العلوم الجنائية ، جمعية القاهرة السنة 1967.

* لعناية القادري : الإطار القانوني للقواعد الزجرية الجمركية عقلى ضوء مستجدات العولمة – دراسة تحليلية للقانون الجمركي المغربي – أطروحة لنيل دكتوراه في القانون الخاص ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة س ج 2016 – 2015 .

المقالات :

* محيي الدين امزازي : العقوبة ، منشورات جمعية البحوث الدراسة القضائية ، 1993 ص 188 و 189 .

* مبار عبد المحسن عبد الغني / مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية و السياسية ، ” التعويض و الغرامة و طبيعتها القانونية” ، دراسة تحليلية مقارنة ، العدد 6 السنة .


الهوامش :

[1] إدريس بلمحجوب، ” العقوبات السالبة للحرية و العقوبات المالية ” ، الجزء الأول 1988 ، ص: 158

[2] محمود نجيب، ” دروس في العقوبة «، المطبعة العالمية، القاهرة 1973، ص: 61

[3] بيير فارس حسب – مبار عبد المحسن عبد الغني / مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية و السياسية ، ” التعويض و الغرامة و طبيعتها القانونية” ، دراسة تحليلية مقارنة ، العدد 6 السنة 2/ مرجع أورده أسامة ولد النعيمة ” الغرامة الجنائية في القانون المغربي و المقارن” رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ، جامعة عبد المالك  السعدي ، كلية العلو القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، طنجة  سنة 2017-2018،

[4] إدريس بلمحجوب، العقوبات السالبة للحرية والعقوبات المالية  ، مرجع سابق ، ص: 161

[5] عبد الرحمن أبوتوتة،مرجع سابق ، الغرامة الجنائية في القانون المغربي والمقارن ص : 17

[6] لحسن بهي: الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية بالمغرب”، مكتبة دار السلام، الرباط، الطبعة الثانية، سنة2007

[7]هشام زربوح ،” خصوصية القانون الجنائي للأعمال بالمغرب ” ، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، جامعة مولاي إسماعيل ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، مكناس ، سنة 2013 -2014 ، ص:145

[8] هشام زربوح ،  خصوصيات القانون الجنائي للأعمال بالمغرب مرجع سابق أعلاه ، ص : 146

[9]هشام زربوح ،  خصوصيات القانون الجنائي للأعمال بالمغرب مرجع سابق أعلاه ، ص ، ص: 174

[10]شيماء خراطة ، ” سياسة التجريم و العقاب في ميدان الأعمال “، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ، جامعة عبد المالك السعدي ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، بطنجة ، سنة2015-2016 ،ص: 73

[11]يوسف أعزيزي ، ” توجهات السياسة الجنائية في مجال الأعمال “، رسالة لنيل الماستر في القانون الخاص ، جامعة محمد الأول ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، سنة 2013-2014 ، ص : 101

[12] يوسف اعزيزري ، السياسة الجنائية في مجال الأعمال مرجع سابق ، ص : 101

[13] يمثلها أساسا الإتحاد العام لمقاولات المغرب

[14] عاد حميدي ،” الإجراءات الزجرية في مواجهة الشخص لمعنوي” ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص ، جامعة عبد المالك السعدي ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، بطنجة ، سنة 2010-2011، ص :261

[15] بن خدة رضى : محاولة في القانون الجنائي للشركات التجارية ، الطبعة الثانية سنة 2012 ص 326 .

[16] بن خدة رضى : محاولة في القانون الجنائي للشركات التجارية ، م س 2012 ص 327 .

[17] ( مزيد من التفصيل أنظر “ابن خده رضي ” محاولة في القانون الجنائي للشركات التجارية «، الطبعة الثانية، سنة 2012، ص: من 326 إلى المادة 329.

[18] كانت المادة 376 من قانون شركات المساهمة تقتضي قبل نسخها بموجب القانون رقم 20.05 بما يلي :

لا تطبق الأحكام الزجرية المنصوص عليها في هذا القانون إلا إذا كانت الأفعال المعاقبة بمقتضيا مالا تقبل تكييفا ص  جنائيا أشد حسب أحكام القانون الجنائي.

[19]أي أن مقتضيات قانون الشركات لا تطبق إلا في حالة عدم وجود الأشد منها في القانون الجنائي ، فكان من الممكن قبل هذا التعديل تطبيق مثلا الفصل 540 من القانون الجنائي الذي نص على تحديدات قانونية تشكل جريمة النصب كثيرا ما تقترن لأجل المس بمصالح مالية بطريقةغير مشروعة … أنظر الفصل 540 من م ق ج .

[20]أنظر تقرير لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب لتقديم مشروع القانون رقم رقم 20.05 المغير والمتمم للقانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة ، دورة أبريل 2007 ، طبع مصلحة الطباعة والتوزيع بمجلس النواب .

[21]نور الدين الفقيهي : الأحكام العامة للشركات التجارية ، طبعة أبريل 2016 ص 154 155 .

[22] سعاد حميدي : الاجراءا الزجرية في مواجهة الشخص المعنوي  ص 262 .

[23] أنظر الفصلين 208 و 214 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة .

[24] أنظر الفصلين 215 و 217 و 227  من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة

[25] أنظر الفصول 38 و 293 و 294 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة

[26] أنظر الفصول 32 و 293 و 294 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة

[27] سمير محمد الجنزوري : الغرامة الجنائية ، حراسة قانونية في طبيعة القانون للغرامة وقيمتها العقابية ، دكتوراه في العلوم الجنائية ، جمعية القاهرة السنة 1967 ص 120 و 121 .

[28] لعناية القادري : الإطار القانوني للقواعد الزجرية الجمركية عقلى ضوء مستجدات العولمة – دراسة تحليلية للقانون الجمركي المغربي – أطروحة لنيل دكتوراه في القانون الخاص ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة س ج 2016 – 2015 ص 85 و 86 .

[29] محيي الدين امزازي : العقوبة ، منشورات جمعية البحوث الدراسة القضائية ، 1993 ص 188 و 189 .

[30] لعناية القادري : الإطار القانوني للقواعد الزجرية الجمركية عقلى ضوء مستجدات العولمة – دراسة تحليلية للقانون الجمركي المغربي ص 97 .

[31] لعناية القادري : الإطار القانوني للقواعد الزجرية الجمركية عقلى ضوء مستجدات العولمة – دراسة تحليلية للقانون الجمركي المغربي ص 97 و 98 .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)