TIKNIL/Belha:  La participation des citoyens dans la prise de la décision publique locale

محكمة التحكيم الرياضية تحسم ملفّ الوداد والترجي

المدارس الفكرية التي أسست إلى علم العقاب الحديث  

27 أغسطس 2020 - 11:26 م مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

ابراهيم الدريف خريج ماستر العدالة الجنائية والعلوم الجنائية بكلية الحقوق بفاس

تقديم

        إذا كانت السياسة العقابية تقوم على حق الدولة في العقاب أي السند الشرعي الذي تعتمده السلطة في إنزال العقاب على المجرم، فإن هذا الحق أسست له مجموعة من المذاهب الفكرية التي أسست إلى على العقاب الحديث، لكن قبل الحديث عن هذه المذاهب لابد من الحديث عن السياسة العقابية في الفكر القديم .

       ففي المجتمعات البدائية القديمة التي كان يطبعها نظام القبلية كان الانتقام وردة الفعل المتمثلة في مقابلة العدوان بالعدوان هو قانون القبائل وأسلوب حياتها، فكان الانتصار دائما للطرف القوي، وفي المجتمع الإقطاعي تطور مفهوم العقوبة مع سيطرة النفوذ الديني مع الكنيسة التي جمع رهبانها بين السلطتين الدينية والدنيوية، فكانت الجريمة تعتبر بمثابة خطيئة دينية، فاتسمت العقوبة بالقسوة والشدة.

       ومع نشوء وتطور الدولة كتنظيم سياسي خلال القرون الوسطى، حيث انتقل نتيجة لذلك حق العقاب إليها، فانفردت به ومارسته نيابة عن الجماعة، إلا أن ممارستها لهذا الحق اتسم خلال تلك القرون بالظلم والاستبداد والتجاوز في سلطة القضاة، وقسوة النظام العقابي الذي كان في مجمله يعتمد على العقوبات البدنية، كالشنق وقطع الرأس والإلقاء من مكان مرتفع وربط أرجل وأيدي الجاني بأربعة أحصنة كلها تأخذ اتجاهات مختلفة حتى تقطع أوصاله، وما إلى ذلك من طرق التنكيل.

      وفي ظل الظلم والاستبداد وعدم المساواة بين الجناة في العقوبة، والقسوة في العقوبة التي كانت تتسم بعدم التناسب والتلازم بين الجريمة والعقوبة التي كانت تحكمها المزاجية وهوى الحاكم الذي كان سائدا في أوروبا، انبثقت ثورة فكرية قادها مفكرون مثال “جون جاك روسو”  و “فولتير” و”مونتيسكيو” و”جون لوك”.

فكما يقول مونتيسكيو في مؤلفه ” عن روح القوانين ” l’esprit des lois”أنه من قبيل المبدأ الأبدي أن كل إنسان يحوز سلطة يسعى إلى إساءة استخدامها إلى أن يجد حدود تحده” وتبعه روسو في كتابه ” العقد الاجتماعي”contrat social “مناديا بوجوب رد العقوبات إلى الحد الأدنى الذي به تتحقق حماية المجتمع من المجرم ومنعه من إيذاء غيره، أما فولتير فكان من رأيه أن الغاية من العقاب ليس الانتقام من المجرم بل الدفاع عن الصالح العام.

    وانطلاقا من أراء هؤلاء الفلاسفة، الذين مهدوا الطريق إلى ظهور ثورة فكرية أخرى التي حاولت التأسيس والتأصيل للعقوبة خلال القرن الثامن عشر من خلال ظهور المدرسة التقليدية أو مدرسة الردع العام )المطلب الأول( وظهور مدارس اهتمت بشخصية المجرم أو ما سمي بالمدارس العلمية )المطلب الثاني( وكذا ظهور المدارس التوفيقية التي حاولت التوفيق بين المدارس السابقة )المطلب الثالث(.

المطلب الأول: مدارس الردع العام

     شكلت مذاهب الردع العام إطارا مرجعيا لعلم العقاب “la pénologie “، وقد جاءت لمواجهة الفكر العقابي السائد في أوربا خلال القرن الثامن والذي تميز بالظلم والاستبداد والتجاوز في سلطة القضاة، وقسوة العقوبة، فكانت المدرسة التقليدية (الفقرة الأولى) والمدرسة التقليدية الحديثة (الفقرة الثانية) من أبرز أقطاب مذاهب الردع العام القائم على الاهتمام بالجريمة، وإهمال شخص المجرم، وفقا لمبدأ الشرعية الجنائية.

الفقرة الأولى: المدرسة التقليدية

     ظهرت المدرسة التقليدية على يد مؤسسها ” بيكاريا” الذي جاء بمجموعة من المبادئ الجوهرية ضمنها في كتابه الشهير ” في الجرائم والعقوبات” des délits et peines”خلال القرن الثامن عشر و نادى بسلب القضاة  تحكمهم في تحديد العقوبات وضرورة إسناد ذلك لجهات تشريعية وهو من أسس لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، أي لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص[1].

     وقد قادت نقاشات هذه المدرسة إلا أن أساس حق المجتمع في العقاب يقوم على فكرتين، تبناهما فريقان:

  • فريق يرى بأن أساس العقاب يقوم على فكرة العقد الاجتماعي التي جاء بها جون جاك روس، وانطلاقا من هذه الفكرة يذهب بيكاريا إلى أن الجريمة تمثل خرقا للعقد الاجتماعي يجبر الدولة الالتجاء إلى العقاب فأمام تنازل الأفراد عن حقهم في الدفاع عن أنفسهم وأموالهم، مقابل قيام الدولة بهذه المهمة نيابة عنهم، وبالتالي يصبح هدف الدولة في توقيع العقوبة هو تحقيق المصلحة الاجتماعية، ولهذا يجب أن يتحدد مقدار العقوبة بمقدار جسامة الضرر الذي أحدثته الجريمة[2].
  • في حين يستند فريق آخر إلى المنفعة الاجتماعية إلا أنهم لا يرجعون ذلك إلى فكرة العقد الاجتماعي كما هو الأمر عند بيكاريا، حيث يرى بنتام أنه لا معنى لأي إجراء بدون مصلحة، هذه المصلحة هي التي تحدد العقاب وأسلوبه، فلا معنى للقسوة حيث لا توجد فيها مصلحة، كما يجد في عقوبة الحبس الأكثر تجاوبا مع المصلحة الاجتماعية…. وقد قدم بنتام النموذج الأمثل لما يجب أن تكون عليه هذه المؤسسات، حيث تأخذ شكل دائري يتوسطها مقر مرتفع يقيم به المدير مشرف منه على كافة ما يجري في زنزاناتها[3].كما يرى أنه لا مانع من تشديد العقوبة متى كان ذلك محققا للمنفعة الاجتماعية.
مقال قد يهمك :   وجود أبناء من زوج أجنبي يعطي الحق للمحكمة بالحكم بثبوت الزوجية

 رغم الخلاف حول أساس العقاب إلا أن أنصار هذه المدرسة يتفقون فيما بينهم على أن غرض العقوبة هو الردع العام. وأن أساس المسؤولية الجنائية هو حرية الاختيار وأن جميع الناس متساوون في قدر هذه الحرية، ومن تم يجب التساوي بينهم في قدر هذه العقوبة.

  • فكرة العدالة المطلقة لدى كانط

       في حين ذهب كانط إلى أن غرض العقوبة هو تحقيق العدالة المطلقة وغايتها هو إرضاء الشعور بالعدالة وأعطى كانط مثل مشهور أطلق عليه اسم ” الجزيرة المهجورة”  انطلق فيه من فرضية أن جماعة من البشر تعيش على جزيرة اتفقت على إنهاء معيشتها المشتركة في تلك الجزيرة فيجب عليها أن تنفذ آخر حكم بالإعدام صدر فيها  لأن العدالة توجب ذلك بالرغم أن تنفيذ هذا الحكم أصبح عديم الجدوى لهذه الجماعة وهي على وشك المغادرة.

الفقرة الثانية :المدرسة التقليدية الحديثة

      تعتبر المدرسة التقليدية الحديثة امتدادا للمدرسة التقليدية في تصورها للسياسة العقابية فهي تأخذ بمبدأ  حرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجنائية، وقد أرست هذه المدرسة مبدأ جديد يعتمد تناسب العقوبة مع درجة مسؤولية المجرم فنادت على عكس المدرسة التقليدية بالمسؤولية المخففة رافضة مبدأ العقوبة الموحدة على جميع الجناة. لأن حرية الاختيار ليست لدى الكافة سواء، إذ من المؤكد أن كل إنسان يختلف عن غيره في كثير من الظروف والميول[4]، وبذلك حاولت إيجاد نوع من التوازن العلمي بين الجبرية والحرية.

وكان لهذه المدرسة فضل كبير في انتشار العديد من القواعد الفقهية الجنائية العقابية أهمها: مبدأ التفريد العقابي، التخفيف العقابي، الظروف القضائية المخففة، وقف التنفيذ.

إلا أنه ما يعاب على هذه المدرسة أنها أغفلت الاهتمام بشخص المجرم، وصعوبة قياسها لدرجة حرية الاختيار.

المطلب الثاني: مدارس الردع الخاص

     أمام فشل النظام الجنائي التقليدي المبني على فكرة القانون الطبيعي، فعلى الرغم من الأفكار التي جاءت بها ظلت معدلات الجريمة وحالات العود مرتفعة، ظهرت المدرسة الوضعية (الفقرة الأولى) وحركة الدفاع الاجتماعي (الفقرة الثانية) التي ركزت اهتمامها على شخص المجرم واعتبروا أن غرض العقوبة هو الردع الخاص.

الفقرة الأولى: المدرسة الوضعية

    ظهرت المدرسة الوضعية بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر بفعل مجهودات الطبيب الشرعي” سيزار لومبروزو” صاحب كتاب “الإنسان المجرم” l’homme criminelle ” والعالم الاجتماعي انريكو فيري صاحب كتاب “السوسيولوجيا الجنائية” la sociologie criminelle” ومن مؤلفاته أيضا ” نظرية تقييد ورفض حرية الاختيار”والقاضي رافايل جارو فالو صاحب كتاب “علم الإجرام” la criminologie”[5]. وقد جاءت هذه المدرسة بعد فشل المدرسة التقليدية في مكافحة الظاهرة الإجرامية ولاعتبارات علمية تتجلى أساسا في القفزة الكبرى الذي حدثت في القرن التاسع عشر في الأخذ بالمنهج العلمي القائم على المشاهدة والتجربة ونبذ التفكير العقائدي والميتافيزيقي لمواجهة الظاهرة الإجرامية، ويقوم فكرها الفلسفي على عدة عناصر أولها استعمال المنهج التجريبي في الظاهرة الإجرامية الذي يقوم على أساس البحث العلمي، ثانيا أن هذه المدرسة رفضت مبدأ حرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجنائية واعتناق مبدأ جديد هو مبدأ الحتمية أو الجبرية في التصرف، فلومبروزو يرجع حتمية الجريمة إلى عوامل ترجع إلى التكوين العضوي والنفسي للجاني، حيث خلص من خلال دراسته إلى نماذج من المجرمين العتاة أثناء عمله في ثكنات الجنود والسجون والمستشفيات إلى أن أسباب الجريمة ذاتية وداخلية لأنها كائنة في شخص المجرم أي في تركيبته العضوية، وقال بأن توافر صفات تكوينية أي خلقية في الشخص تعود به إلى الإنسان البدائي يصبح حتما مجرما وتبعا لذلك يمكن التعرف على الشخص المجرم من خلال التحقق من هذه الصفات البدائية وبهذا يكون لومبروزو قد ربط بين سلوك الفرد وملامحه وصفاته العضوية- التكوينية أو الخلقية- وفسر ارتكاب الجريمة تفسيرا عضويا بأن اعتبر وقوع الجريمة يرجع إلى الصفات العضوية التي يتصف بها المجرمون فمن توافرت فيه هذه الصفات سيرتكب حتما جريمة.

   * أما انريكو فيري وإن كان قد أيد أستاذه لومبروزو في حتمية الجريمة بتوافر صفات عضوية ونفسية في المجرمين فإنه يرى أن الإنسان يكون مدفوعا إلى الجريمة تحت وطأة ظروف خارجية, وقد قسم فيري العوامل التي تفسر حتمية الجريمة إلى ثلاثة أنواع:

  • عوامل انتربولوجية تتصل بالتكوين العضوي والجثماني للإنسان المجرم
  • عوامل طبيعية ( المناخ+الظروف الاقتصادية)
  • عوامل اجتماعية:أي أن الإنسان ككائن اجتماعي يتواجد منذ  ولادته في مجتمع إنساني ويثأتر بسلوك من يحيطون به ( المدرسة +الأسرة)

      وبالتالي فقد نجحت هذه المدرسة في الاهتمام بشخصية المجرم وأعطت تصورا جديدا للمسؤولية الجنائية بتأسيسها على مفهوم الخطورة الإجرامية وضرورة وضع تدابير جزائية كأساس جديد للعقاب ونادت بوضع خطة للوقاية من الجريمة من خلال مكافحة الأسباب المؤدية لها كالفقر والجهل والمرض .

مقال قد يهمك :   القيمة القانونية للوثيقة المشهود بمطابقتها للأصل وانتهاء صلاحيتها بمرور الزمان

      ورغم الأفكار الجديدة  التي جاءت بها هذه المدرسة والتي تمثلت أساسا في استخدام منهج علمي وطرح فكرة التدابير ومكافحة العوامل المؤدية للإجرام، إلا أنها تعرضت لانتقادات عدة خصوصا في الجانب المتعلق بإنكار حرية الاختيار والتسليم بالحتمية الإجرامية، حيث بالغت في ذلك لدرجة أنها اعتبرت أن الإنسان مجرد آلة تتأثر ولا تأثر[6].

الفقرة الثانية: السياسة العقابية عند حركة الدفاع الاجتماعي.

      ظهرت حركة الدفاع الاجتماعي على يد مؤسسها الفقيه الايطالي “جراماتيكا” والمستشار الفرنسي “مارك أنسل” وقد اعتبر جراماتيكا الاتجاه المتطرف في حركة الدفاع الاجتماعي، بحيث نادى بوضع نظام جنائي جديد تختفي منه المصطلحات التقليدية من قبيل المجرم، الجريمة، المسؤولية الجنائية، واستبدالها بتدابير الدفاع الاجتماعي، الفرد المضاد للمجتمع، المسؤولية الاجتماعية ، وتدابير الدفاع الاجتماعي.

      وقد اعتمد مجموعة من المبادئ والركائز كأساس للدفاع الاجتماعي باعتبار أن خدمة الفرد وتحقيق صالحه، هو أصل المجتمع وغايته، لذلك يجب تعويض المسؤولية الشخصية والخطورة الإجرامية  بمفهوم الانحراف الاجتماعي[7] .

     كما يرى جراماتيكا ضرورة بناء سياسة عامة شاملة للإصلاح الاجتماعي، تتناول النظام العائلي والاقتصادي والتثقيفي والصحي. وأن المجتمع هو المسؤول عن سلوك الجاني.

     وهذا الطابع الإنساني الخاص  جعل أفكار “جراماتيكا” عرضة للنقض.لأن المطالبة بإلغاء القانون الجنائي والاستعاصة عنه  بتشريع الدفاع الاجتماعي وإلغاء مفهوم الجريمة والعقوبة والمسؤولية الجنائية، تعتبر مناهضة لمبدأ الشرعية الذي يعد من أهم الضمانات الأساسية للحرية الفردية، بدعوى الفعل الاجتماعي أو المناهض للمجتمع[8].

      أمام هذا الاتجاه المتطرف، ظهر اتجاه معتدل على يد “أنسل مارك”  وهو من ساهم في تصحيح مسار حركة الدفاع الاجتماعي من خلال كتابه ” الدفاع الاجتماعي الجديد” [9] La défense sociale nouvelle “الذي نشر لأول مرة سنة 1954، والذي تضمن العديد من الأفكار أساسها أن القانون الجنائي غايته حماية المجتمع من السلوك الإجرامي، وبذلك فهو خلافا لجراماتيكا لا يرفض أنسل القانون الجنائي ولا ينكر مبدأ الشرعية ولا يلغي المسؤولية الجنائية، ونادى بضرورة تناسب الجزاء مع الفعل الإجرامي مع اتفاقه مع مؤسس هذه المدرسة في أن يكون العقاب هدفه هو إصلاح الجاني وتأهيله لإعادة إدماجه في المجتمع باعتماد التدابير الحمائية كوسائل علاجية ومناهج تهذيبية أو تربوية، وبالتالي إضفاء الروح الاجتماعية السامية على القانون الجنائي الحديث، كما أنه يجب على القاضي أن يكون ملف خاص بالمجرم تدون فيه نتائج فحص شخصيته حتى يتمكن من تقدير المسؤولية على أسس واقعية .

       وبالرغم من الانتقادات الموجهة لحركة الدفاع الاجتماعي فقد كان لها صدى كبير في التشريعات الجنائية الحديثة، ويعود لها الفضل في العديد من الإصلاحات التي عرفتها السياسة العقابية المعاصرة، وخاصة في تنفيذ العقوبة كمرحلة من أهم المراحل تأثيرا على حقوق الجاني الأساسية.

المطلب الثالث: المدارس التوفيقية

    تعتبر هذه المدرسة نتاج للجدال الفكري والفلسفي الذي صاحب مختلف المدارس الفقهية السابقة، وهي تحاول في كل ذلك إيجاد صيغة توفيقية تجمع بين محاسن تلك المدارس بطبيعة الحال، وما يمكن قوله أيضا عن هذه المدرسة أنها ولدت من رحم علماء القانون الجنائي وعلم العقاب لذلك حاولت أن لا تهمل شخص المجرم ولا تغفل الجريمة والعقوبة.

1- الاتجاه الفرنسي ﺠﺎﺀ ﺒﻔﻜﺭﺓ ﺃﻥ ﺤﺭﻴﺔ الاختيار ﺃﺴﺎﺱ ﺍﻟﻤﺴﺅﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺌﻴـﺔ ﻭﺒـﺫﻟﻙ اﺴـﺘﺒﻌﺩ ﻓﻜـﺭﺓ ﺍﻟﺠﺒﺭﻴﺔ ﻭﺃﺸﺎﺭ ﺇﻟﻰ ﻭﺠﻭﺏ توقيع ﺍﻟﻌﻘﻭﺒـﺔ الملائمة، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻤﻌﻴـﺎﺭ التلازم ﻻ ﻴﺤـﺩﺩ ﺒﺤﺠﻡ ﺍﻟﻀﺭﺭ ﺇﻨﻤﺎ ﻴﺤﺩﺩ ﻤﻥ ﺨﻼل ﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﻤﺠـﺭﻡ، ﻭﻭﺠـﻭﺏ ﺘﻔﺭﻴـﺩ ﺍﻟﻌﻘـﺎﺏ ﻟـﺫﻟﻙ ﺍﻟﻤﻌﻴﺎﺭ، ﻭﻗﺩ ﺍﻋﺘﻤﺩ ﺭﻭﺍﺩ ﻫـﺫﺍ ﺍلاتجاﻩ ﻋﻠـﻰ ﺃﺴـﻠﻭﺏ ﺍﻟﺒﺤـﺙ ﺍﻟﻌﻠﻤـﻲ ﻓـﻲ ﺘﺤﻠﻴـل ﻭﺩﺭﺍﺴﺔ ﺃﺴﺒﺎﺏ ﺍﻟﻅﻭﺍﻫﺭ ﺍﻹﺠﺭﺍﻤﻴﺔ[10].

2-المدرسة الوضعية الايطالية الثالثة

     ﺃﻓﻜﺎﺭ ﻫـﺫﺍ ﺍﻻﺘﺠـﺎﻩ ﺠـﺎﺀﺕ ﻤﺘـﺄﺜﺭﺓ ﺒـﺎﻟﻔﻜﺭ ﺍﻟﺨـﺎﺹ ﺍﻟـﺫﻱ ﺴـﺎﺩ ﺍﻟﻤﺩرسة ﺍﻟﻭﻀﻌﻴﺔ ﻭﻓﻜﺭﺓ ﺍﻟﺠﺒﺭﻴﺔ ﻓﻲ ارتكاب  ﺍﻟﺠﺭﻴﻤـﺔ، وﺒﺤـﺙ ﺃﻨﺼـﺎﺭ ﻫـﺫﺍ ﺍﻻﺘﺠـﺎﻩ   ﻓـﻲ ﺃﺴﺒﺎﺏ ﻭﻋﻭﺍﻤل ﺍﻟﺴﻠﻭﻙ ﺍﻹﺠﺭﺍﻤﻲ ﻋﻥ ﻁﺭﻴـﻕ ﺍﻟﺒﺤـﺙ ﺍﻟﻌﻠﻤـﻲ ﻭﺍﻟﺘﺠﺭﺒـﺔ ﻭﺍﻋﺘﻤـﺩﻭﺍ ﻜﺫﻟﻙ ﻓﻜﺭﺓ ﺍﻟﺤﻤﺎﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺩﺍﺒﻴﺭ و إصلاح ﺍﻟﺠﺎﻨﻲ ، ﺘﺭﻜـﺯ ﻫـﺩﻑ ﺍﻟﻌﻘﻭﺒـﺔ ﻟـﺩﻴﻬﻡ ﻋﻠـﻰ ﻓﻜﺭﺓ ﺍﻟﺭﺩﻉ ﺍﻟﻌﺎﻡ، ﻭﺍﻗﺘﺭﺤﻭﺍ ﺃﻥ ﺘﻭﻗـﻊ ﺍﻟﻌﻘﻭﺒـﺔ على ﺍﻟﺠـﺎﻨﻲ ﺍﻟﻜﺎﻤـل الأهلية، ﺃﻤـﺎ الجاني الذي لم تكتمل أهليته تتخذ إزاءه التدابير الاحترازية التي تحول دون قيامه بالفعل[11].

3-الاتحاد الدولي لقانون العقوبات  

    يعتبر الاتحاد الدولي لقانون العقوبات من  الاتجاهات الوسطية التي عملت على التوفيق بين أفكار ومبادئ المدارس السابقة، وقد تأسس  على يد ثلاثة من كبار أساتذة القانون الجنائي، وهم فون ليست، وفان هامل، وأدولف برنز.

      ﻭﻗﺩ ﺘﻡ ﺘﻜﻭﻴﻥ ﻫﺫﺍ ﺍﻻﺘﺤﺎﺩ ﺒﻬﺩﻑ ﺘﻭﺠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴـﺔ ﺍﻟﻌﻘﺎﺒﻴـﺔ ﺇﻟـﻰ ﺍﻟﺤﻴـﺎﺓ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴـﺔ، ﺒﻐﺽ ﺍﻟﻨﻅﺭ ﻋﻥ ﺍﻷﺴﺎﺱ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﺍﻟﺫﻱ ﺘﺭﺘﺩ ﺇﻟﻴﻪ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴـﻴﺔ،    ﺤﻴـﺙ ﺘﺒﻨـﻭﺍ ﺍﻟﻤـﻨﻬﺞ ﺍﻟﺘﺠﺭﻴﺒﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺙ والإحصاء، ﻜﻤﺎ سلموا ﻟﻜـل ﻤـﻥ ﺍﻟﻌﻘﻭﺒـﺔ ﻭﺍﻟﺘـﺩﺍﺒﻴﺭ ﺍلاحترازية ﻤﻌﺎ ﺒﺩﻭﺭ ﻤﻌﻘﻭل ﻓﻲ ﻤﻜﺎﻓﺤـﺔ ﺍﻟﺠﺭﻴﻤـﺔ، ﻭﺒـﺫﻟﻙ ﺘـﺘﻠﺨﺹ ﻭﺠﻬـﺔ ﻨﻅـﺭﻫﻡ ﻓـﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻘﻭﺒﺔ ﻟﻬﺎ ﺩﻭﺭ ﺃﺴﺎﺴـﻲ ﻓـﻲ ﺼـﻴﺎﻨﺔ ﺍﻟﻤﺼـﺎﻟﺢ ﺍﻟﺘـﻲ ﻗـﺭﺭ ﺍﻟﻤﺸـﺭﻉ ﺃﻥ ﻴﺤﻤﻴﻬـﺎ ﺒﻨﺼﻭﺹ ﺍﻟﺘﺠﺭﻴﻡ ، ﻭﺒﺫﻟﻙ اعترفوا ﺒﺄﻥ ﺍﻟﻌﻘﻭﺒﺔ ﻜﺠـﺯﺍﺀ ﺠﻨـﺎﺌﻲ ﺘﺤﻘـﻕ ﻭﺘﻜﻔـل ﺍﻟـﺭﺩﻉ ﺍﻟﻌﺎﻡ ، ﺃﻤﺎ ﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺘﺩﺒﻴﺭ فإن قيمته تظهر في الحالة التي تكون فيها العقوبة قاصرة أو عاجزة عن تحقيق الأغراض المنوطة بها.

مقال قد يهمك :   واجبات المحامين ذات الصلة بحقوق المتقاضين في ضوء المعايير الدولية وقانون المحاماة المغربي

4 -ﺍﻟﺠﻤﻌﻴﺔ ﺍﻟﺩﻭﻟﻴﺔ ﻟﻠﻘﺎﻨﻭﻥ ﺍﻟﺠﻨﺎئي:

      ﺘﻭﻗﻑ ﻨﺸﺎﻁ ﺍلاﺘﺤﺎﺩ ﺍﻟﺩﻭﻟﻲ ﻟﻠﻘﺎﻨﻭﻥ ﺍﻟﺠﻨـﺎﺌﻲ ﺒﺴـﺒﺏ ﺍﻟﺤـﺭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴـﺔ ﺍﻷﻭﻟـﻰ ﻭﺒﺫﻟﻙ ﺘﻡ ﺤﻠﻪ ﺒﻌﺩ ﻭﻓﺎﺓ ﻤﺅﺴﺴﻴﻪ، ﻭﻅﻬﺭﺕ ﺍﻟﺠﻤﻌﻴـﺔ ﺍﻟﺩﻭﻟﻴـﺔ ﻟﻠﻘـﺎﻨﻭﻥ ﺍﻟﺠﻨـﺎﺌﻲ ﻟﺘﺤـل محله مند عام 1924، ﻭﻫﻲ ﺘﻌﻤل ﻟﻐﺎﻴﺔ ﺍﻵﻥ ﻭﻤﻘﺭﻫـﺎ ﻓـﻲ ﻤﺩﻴﻨـﺔ ﺴـﻴﺭﺍﻜﻭﺯﺍ بإيطاليا، ﻭﻗﺩ ﺠﺎﺀﺕ ﻟﺘﺭﺙ ﺃﻨﺸﻁﺔ ﻭﺃﻓﻜـﺎﺭ ﺍلاﺘﺤـﺎﺩ، ﻤـﻊ ﺍﻟﺘﺭﻜﻴـﺯ ﻋﻠـﻰ ﻓﻜـﺭﺓ ﺍﻟﺠﻤـﻊ ﺒـﻴﻥ ﺍﻟﻌﻘﻭﺒﺔ ﻭﺍﻟﺘﺩﺍﺒﻴﺭ ﺍلاحترازية على الجاني لتحقيق الردع العام والخاص[12].

  • الإتفاقيات الدولية :

    مما لاشك فيه أن “علم العقاب”la pénologie ” كعلم قائم بذاته يستمد مصادره الأساسية من الاتفاقيات الدولية المتخصصة في حماية حقوق الإنسان بصفة عامة، وحماية حقوق السجناء بصفة خاصة ومن هذه الاتفاقيات نجد:

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة سنة 1948.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .
  • اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو أللإنسانية والمهينة المعتمدة من نفس الجمعية سنة 1984.
  • المؤتمر المعتمد من طرف الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد بجنيف عام 1955.

خاتمة

      من كل ما سبق ذكره يمكن القول بأن أفكار هذه المدارس الفقهية كان لها أثر بشكل إيجابي على التشريعات الجنائية المعاصرة وعلى السياسة العقابية في مختلف دول العالم ومن بينها التشريع الجنائي المغربي، حيث أحدثت تغييرا جذريا في الممارسات العقابية  والتجريمية، ولعل فهم أي تشريع عقابي لابد أن يمر من دراسة الخلفيات التي استند إليها المشرع في وضعه، لاسيما وقد اتضح لنا جليا تأثير هذه الاتجاهات الفقهية والفكرية على العديد من التشريعات.

   ولقد أدى التطور الكبير في الفكر العقابي إلى تغيير النظرة إلى العقوبة، فبعدما كان غرضها إيلام الجاني والقصاص منه، أصبحت تهدف بشكل أساسي إلى إصلاح الجاني وإعادة تأهيله، فكان نتيجة لذلك ظهور العقوبة السالبة للحرية لتحل محل العقوبات البدنية.  


المراجع

المراجع باللغة العربية

  • اسحق ابراهيم منصور: موجز في علم الإجرام وعلم العقاب،ط 2، ديوان المطبوعات الجزائر 1991،
  • علي عبد القادر القهوجي، فتوح عبد الله الشادلي، علم الإجرام وعلم العقاب، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية.
  • رمسيس بهنام، النظرية العامة للمجرم والجزاء، منشأة المعارف الإسكندرية.
  • سليمان عبد المنعم سليمان، أصول علم الجزاء الجنائي، نظرية الجزاء الجنائي، فلسفة الجزاء الجنائي، أصول المعاملة العقابية، دار الجامعة الجديدة للنشر الإسكندرية،
  • منصور رحماني : علم الإجرام والسياسة الجنائية ط1 دار العلوم للنشر والتوزيع، الجزائر 2006
  • عبد القادر الكيحل: المعاملة العقابية بالمغرب: دراسة تحليلية نقدية للقانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية. أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص كلية الحقوق بفاس، نوقشت سنة 2013،2014
  • عماد محمد ربيع، فتحي توفيق الفاعوري، محمد عبد الكريم العفيف، أصول علم الإجرام والعقاب،ط 1 دار وائل للنشر والتوزيع الأردن.2010

المراجع باللغة الفرنسية

  • PINATEL . traité élementaire de science pénitentiaire et de défense sociale.lib.du recueil sirey ;1950

–    V/M ANCEL.la défense sociale nouvelle , un mouvement de politique criminelle humaine, édition cujas, paris 1954


الهوامش:

[1]  اسحق ابراهيم منصور: موجز في علم الإجرام وعلم العقاب،ط 2، ديوان المطبوعات الجزائر 1991، ص134

[2]  علي عبد القادر القهوجي، فتوح عبد الله الشادلي، علم الإجرام وعلم العقاب، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية،1999،ص14.

[3]  رمسيس بهنام، النظرية العامة للمجرم والجزاء، منشأة المعارف الإسكندرية، دت ص88.

[4]  سليمان عبد المنعم سليمان، أصول علم الجزاء الجنائي، نظرية الجزاء الجنائي، فلسفة الجزاء الجنائي، أصول المعاملة العقابية، دار الجامعة الجديدة للنشر الإسكندرية، 2001 ص 170.

[5]  منصور رحماني : علم الإجرام والسياسة الجنائية ط1  دار العلوم للنشر والتوزيع، الجزائر 2006 ص158

[6]  منصور رحماني: المرجع السابق، ص 159

[7] J.PINATEL . traité élementaire de science pénitentiaire et de défense sociale.lib.du recueil sirey ;1950 p 430

[8]  عبد القادر الكيحل: المعاملة العقابية بالمغرب: دراسة تحليلية نقدية للقانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية. أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق بفاس، نوقشت سنة 2013. 2014 ص 197

[9] V/M ANCEL.la défense sociale nouvelle , un mouvement de politique criminelle humaine, édition cujas, paris 1954

[10]     عماد محمد ربيع، فتحي توفيق الفاعوري، محمد عبد الكريم العفيف، أصول علم الإجرام  والعقاب،ط 1 دار وائل للنشر والتوزيع الأردن.2010 ص 180

[11] عماد محمد ربيع، فتحي توفيق الفاعوري، محمد عبد الكريم العفيف، المرجع السابق، ص180.

[12]  المرجع نفسه، ص 181

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)