مشروع مرسوم بشأن بعض التعويضات المخولة للقضاة

الحكومة ترفض مقترحات النواب بسبب “سوء الصياغة والكلفة”

المعرفة الفنية في عقدي الترخيص والامتياز التجاريين

12 يناير 2020 - 3:23 م المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

فريد الصالحي باحث في القانون الخاص. حاصل على دبلوم الماستر في قانون العقود والأعمال/الفوج الأول.

مقدمة:

     شهد العالم منذ منتصف القرن العشرين ثورة اقتصادية وتكنولوجية هائلة تمخض عنها ظهور شركات كبرى ذات رأسمال ضخم حاولت أن تخلق لنفسها فروعا شتى كي تتوسع في مختلف بقاع العالم من أجل السيطرة على أهم الأسواق التجارية في كل أرجاء المعمورة. فلقد أصبح اعتماد التجارة وتغلغلها في الأسواق العالمية يعتمد بدرجة كبيرة على مجموعة من المؤسسات التجارية العريقة التي لها من الإمكانيات ما يسمح لها بالقيام بالتوسع المطلوب في ظل وجود قوانين المنافسة[1].

     ولذلك فقد سارعت مجموعة من المشروعات الاقتصادية لخلق عدة آليات قانونية سعيا منها لتعزيز وتقوية تمركزها الاقتصادي، ومن هذه الآليات نجد عقدي الترخيص والامتياز التجاريين اللذان يتوليان مهمة توسيع المشروعات الاقتصادية عبر خلق شبكة تتكون من مجموعة من المرخص لهم منتشرين في عدة مناطق. لكن بالرغم من الاختلاف الذي قد يوجد بين العقدين السابقين، فإن المعرفة الفنية تعتبر عنصرا أساسيا في تكوينهما، بحيث لا يختلف مضمونها في كليهما، فهي آلية أساسية لانتقال وتسويق نجاح المقاولات التي غالبا ما توجد في الدول الصناعية الكبرى، وذلك عن طريق نقل إما تركيبة صنع منتوج أو كيفية تقديم خدمات أو لطريقة تسويق منتجات معينة عائدة لمقاولة معينة تعمل بالتعاون مع مقاولات أخرى مرخص لها باستعمال معرفتها الفنية تحت مراقبتها. لذلك فإن نقل المعرفة الفنية من مالكها المرخص إلى المرخص له المتلقي فيه نفع للطرفين، خاصة المرخص الذي يعتمد عليها لتحقيق ما يسمى بـ ”التمركز الاقتصادي”، بابتلاع والسيطرة على مجموعة من الأسواق.

     وانطلاقا مما سبق، يتبين أن لموضوعنا أهميتان؛ الأولى نظرية، والثانية عملية.

     فأما الأهمية النظرية، فتتمثل في غياب قانون منظم لعقدي الترخيص والامتياز التجاريين من جهة، والمعرفة الفنية من جهة أخرى، كعنصر لا غنى عنه في العقدين السابقين.

     أما الأهمية العملية للموضوع، فتتجلى في القيمة الاقتصادية للمعرفة الفنية، التي تبرر كثرة تداولها في العمل بين المقاولات الكبرى والمتوسطة.

     ولذلك يبدو لنا أن الموضوع يتمحور حول إشكالية أساسية هي كالتالي:

     إلى أي حد يمكن أن يؤثر الفراغ التشريعي الذي يمس العقدين محل البحث والمعرفة الفنية على تداول هذه الأخيرة في المحيط الاقتصادي المغربي؟

     وكمحاولة متواضعة منا للإجابة عن الإشكالية السابقة، ارتأينا تقسيم الموضوع إلى مطلبين، سنخصص الأول لماهية المعرفة الفنية (المطلب الأول)، على أن يتناول الثاني الإطار القانوني للمعرفة الفنية كعنصر من عناصر عقدي الامتياز والترخيص التجاريين (المطلب الثاني).

    المطلب الأول: ماهية المعرفة الفنية

     للإحاطة بماهية المعرفة الفنية كمفهوم اقتصادي وقانوني، لابد من تعريفها وإبراز خصائصها المميزة لها (فقرة أولى)، قبل أن ننتقل إلى تمييزها عن غيرها من المفاهيم والمؤسسات القانونية المشابهة (فقرة ثانية).

    الفقرة الأولى: تعريف المعرفة الفنية وخصائصها

     سنحاول إيراد بعض التعاريف التي أعطيت للمعرفة الفنية (أولا) على أن نورد بعد ذلك بعض الخصائص المميزة لها (ثانيا).

     أولا: تعريف المعرفة الفنية

     إن إعطاء تعريف جامع مانع للمعرفة الفنية ليس بالأمر السهل، خصوصا إذا علمنا حداثة هذا المفهوم -نسبيا- والاختلاف القائم بين موسع ومضيق له، وذلك بسبب تداخل ما هو اقتصادي بما هو قانوني[2].

     فعبارة ”المعرفة الفنية” تم أخذها من المصطلح الأمريكي[3] ”Know- How” ويقابلها في اللغة الفرنسية عبارة ”Savoir- Faire” ولغويا يمكن ترجمتها بـ .[4]Savoire-Comment

     ومن التعاريف التي أعطيت للمعرفة الفنية يمكن ذكر ما يلي:

     – عرفها تنظيم الإتحاد الأوربي بأنها:” مجموعة من الأسرار، الجوهرية والمحددة من المعلومات القابلة للتطبيق والتي لم يمنح لها أي براءة اختراع، ناتجة عن تجربة المرخص والمجربة من قبله ”[5].

     – المعرفة الفنية هي:” معارف جوهرية وأصلية، سرية وهي نتاج تجارب صناعية أو اقتصادية للمرخص قابلة للنقل لمقاولة أخرى بهدف تحسين أدائها ”[6].

     – المعرفة الفنية هي: ” مجموعة من المعارف العلمية المكتسبة والخبرات والتجارب المستخدمة في تطوير أساليب العمل والإنتاج والخدمات والتي تمنح لمستعمليها امتيازا تنافسيا، وقيمة اقتصادية تمكن من تنمية النشاط الذي تستخدم فيه وتعمل على تطويره ”[7].

     – وعرفت أيضا من قبل مدونة الامتياز التجاري الأوربية بأنها: ” مجموعة من المعلومات والتطبيقات العملية غير المسجلة الناتجة عن التجربة المكتسبة من قبل المرخص والتي تتميز بالسرية والجوهرية والتطابق ”[8].

     انطلاقا مما سبق يتضح لنا أن الأمر يتعلق بمجموعة من المعارف القابلة للتطبيق عمليا ليست في متناول الجميع، حيث تبقى حكرا على صاحبها طالما لم تصل إلى علم العموم فتفقد أهميتها والميزة التي كان يعول عليها صاحبها في مواجهة منافسيه.

     وهي تشمل من حيث النطاق الاقتصادي، الإنتاج أو الخدمات أو التسويق؛ أي قد تتعلق بأسرار صنع منتوج معين أو بطريقة تقديم خدمات معينة، كما قد ترتبط بكيفية تسويق منتوج ما.

     وبعد استعراض التعاريف السابقة، يتضح أن هناك خصائص أو عناصر مشتركة فيما بينها، رغم تباينها النسبي، والتي تتمثل أساسا في الصفات التالية:

– السرية

– الجوهرية

– التحديد

الأصالة

     ثانيا: خصائص المعرفة الفنية

      كما سلف، فإن للمعرفة الفنية خصائص معينة تعتبر في نفس الوقت بمثابة عناصر أساسية لازمة للقول بوجودها، وهي:

     أ- المعرفة الفنية سرية (secret): تجمع التعاريف السابقة كلها على ضرورة أن تكون المعرفة الفنية سرية، بمعنى أن لا يصل العلم بها إلى العموم. غير أنه في وقتنا الراهن ليس مستحيلا اكتشاف المعارف الفنية لمقاولة معينة عن طريق البحث والتجارب المكثفة، لذلك فإنه لا يشترط هنا السرية المطلقة بل فقط السرية النسبية، بحيث لا ينزع عنها وصف السرية إذا كانت معروفة بين فئة محددة من الأشخاص، الذين قد يكون مرخص لهم باستعمالها، كأن تكون ملكا لمجموعة من المقاولات في نفس الوقت، لكن قيمتها تختلف من مقاولة لأخرى[9]، وبالتالي لا يمكن قبول المعرفة الفنية إلا إذا كانت مجموعة من المعارف والمعلومات غير الشائعة بين العامة[10].

     ب- المعرفة الفنية جوهرية (substentie): المقصود بالجوهرية هنا الجدية والمنفعة، بمعنى أن المعلومات التي تتضمنها المعرفة الفنية يجب أن تكون هادفة في عمومها إلى خدمة ونفع الطرف مالكها أو المنتقلة إليه، وذلك بقابليتها للتطبيق عمليا[11]، لعرض أو إنتاج أو تقديم خدمات على وجه أحسن. فمن الضروري إذا أن تكون المعرفة الفنية جوهرية اقتصاديا أو كذلك من الناحية التكنولوجية[12].

     ج- المعرفة الفنية محددة (identifie): المراد بكون المعرفة الفنية محددة، هو أن يكون لمالكها تصورا دقيقا ومفصلا مدرج في سند أو في شكل آخر مشابه، وذلك من أجل تمكين متلقي هذه المعارف (عند نقلها مثلا)، من تكوين فكرة عنها[13] سواء قبل التعاقد أو بعده، بحيث لا يعقل أن تكون هذه المعارف غير مضبوطة وعشوائية ليس لصاحبها اليد الطولى عليها.

مقال قد يهمك :   جمال الطاهري: المرجوع إليه في تعديل قانون الالتزامات والعقود

     فهي تكون محددة بدقة ومفصلة تفصيلا يزيل عنها أي غموض أو إبهام، خاصة بالنسبة للتطبيق الجديد لوسائل معروفة[14]، هذا التحديد هو الذي يساعد أو يسمح من التحقق من توفر شرط السرية والجوهرية[15].

     د- المعرفة الفنية أصلية (original): أصلية لأنه يجب عليها أن تضيف قيمة جديدة للمتلقي، وذلك بإعطائه ميزة على منافسيه، التي ما كان ليصل إليها مانحها لو لم يتكبد نفقات وجهد غير عادي، كما لا يشترط أن تكون هذه الأصالة مطلقة وإنما يكفي أن تكون نسبية كما هو الأمر بالنسبة لخصيصة السرية[16].

     الفقرة الثانية: تمييز المعرفة الفنية عن غيرها من المفاهيم

     قد تختلط فكرة المعرفة الفنية مع مجموعة من المفاهيم المشابهة والتي تنتمي بدورها للحقل الاقتصادي والتجاري، مما قد يعمق فجوة وضع حدود تفصل بين كل منها. وبما أن هناك كثير من المؤسسات القانونية التي قد تتشابه مع المعرفة الفنية، فإننا سنقتصر على كل من العلامات وبراءة الاختراع.

     أولا: علامات الصنع أو التجارة أو الخدمة والمعرفة الفنية

     تنص المادة 133 من قانون حماية الملكية الصناعية[17] على أنه:” يراد في هذا القانون، بعلامات الصنع أو التجارة أو الخدمة كل شارة قابلة للتجسيد تمكن من تمييز منتجات أو خدمات شخص ذاتي أو معنوي”، وتضيف المادة 140 من نفس القانون أنه:” تكتسب الملكية في العلامة بتسجيلها”. إذا يتبين أن  هذه العلامات هي بمثابة التسمية أو الشارة التي يعطيها الصانع لمنتجه أو التاجر لسلعته المراد تسويقها أو صاحب خدمة معينة للخدمة التي يقدمها لزبنائه، وذلك بهدف تمييزها عن غيرها من المنتجات والسلع والخدمات[18]، لأن هذه العلامات تكون لصيقة بالمنتج المعروض للاتجار فيه أو بالخدمة المقدمة للزبناء أكثر من اتصاقها وارتباطها بالشخص الذي يصنع أو يعرض هذا المنتوج أو الذي يقدم هذه الخدمة للعموم[19]. كما يمكن أن تكون إحدى العناصر المعنوية المكونة للأصل التجاري.

     وانطلاقا مما سبق، يتضح لنا بعض الفروق الموجودة بين المعرفة الفنية وهذه العلامات، فالأولى من خصائصها أنها سرية عكس الثانية، التي لا يمكن أصلا اكتساب ملكيتها والاحتجاج بها تجاه الغير إلا بإتباع إجراءات معينة نص عليها القانون رقم 97-17 قصد حمايتها، أي أن العلامات السابق الإشارة إليها تتسم بالعلانية. كما أنه لا يمكن مساءلة الغير الذي تمكن من الوصول إلى معرفة فنية خاصة بمقاولة معينة بطرق مشروعة، وذلك عكس العلامات المسجلة لدى المكتب الوطني للملكية الصناعية والتجارية، لأنه إذا قام باستعمالها بدون إذن ممكن أن  يواجه بدعوى المنافسة غير المشروعة. غير أن هناك تشابها بينهما من حيث النطاق، إذ قد يتعلقان بالتوزيع أو الخدمات، بالإضافة إلى أنهما يشكلان حقوقا معنوية تندرج ضمن حقوق الملكية الفكرية.

     ثانيا: براءة الاختراع والمعرفة الفنية

     لقد نص المشرع المغربي على براءة الاختراع في المادة 16 من القانون رقم 97-17 بقوله:” يمكن أن يكون كل اختراع محل سند ملكية صناعية مسلم من الهيئة المكلفة بالملكية الصناعية، ويخول السند المذكور صاحبه أو ذوي حقوقه حقا استئثاريا لاستغلال الاختراع. ويملك الحق في سند الملكية الصناعية المخترع أو ذوو حقوقه مع مراعاة أحكام المادة 18 أدناه”.

     أما لدى الفقه فنجد التعارف التالية:

     – هي” الشهادة التي تمنحها الدولة في شخص المكتب المغربي للملكية الصناعية لمن توصل إلى اختراع جديد لمنتوج جديد أو إلى اكتشاف طريقة جديدة للحصول على إنتاج قديم”[20].

     – هي” الوثيقة التي يمنحها المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية للمخترع ليتمتع اختراعه بالحماية القانونية داخل الدولة المانحة للبراءة وكذا حتى يستطيع احتكار استغلال اختراعه لمدة وبقيود معينة”[21].

     إذا فلبراءة الاختراع شروط حددها القانون لكي تكون قابلة للتسجيل، وبالتالي تصبح في ملك صاحبها من غير أن يكون ممكنا استغلالها من قبل الغير إلا بترخيص من صاحبها، وهذا بخلاف المعرفة الفنية التي لا يتبع بشأنها مثل هذه الإجراءات، باعتبار أن السرية عنصر أساسي فيها.

     لكن رغم الاختلاف القائم -نسبيا- بين الاختراع والمعرفة الفنية، فإن هذه الأخيرة تتوحد معه في كونها مجموعة من المعارف التي لا تدرك إلا بالعلم والفكر والبحث والتجربة رغم عدم شمول المعرفة الفنية بالحماية القانونية. بالإضافة إلى ما سبق، فإنه عمليا قد تتوفر للمعرفة الفنية من الشروط ما يسمح بتسجيلها كبراءة اختراع ومع ذلك يفضل صاحبها الإبقاء عليها كمعرفة فنية للاستفادة منها أكبر مدة ممكنة، وذلك عن طريق إتباع  وسائل تجعل من الصعوبة بمكان الاطلاع عليها من قبل الغير، عكس براءة الاختراع التي حدد القانون مدة معينة بانقضاءها يفقد صاحبها كل حق اتجاهها فتصبح مباحة للكل[22].

     المطلب الثاني: الإطار القانوني للمعرفة الفنية كعنصر من عناصر عقدي الامتياز والترخيص التجاريين

     بعد إعطاء فكرة وجيزة عن المعرفة الفنية وتبيان خصائصها الأساسية، كان من الضروري أن نحاول البحث عن الإطار القانوني المنظم لها. لكن قبل ذلك لا بد من إعطاء فكرة مقتضبة حول كل من عقدي الامتياز والترخيص التجاريين وذلك لارتباطهما الوثيق بالمعرفة الفنية. لذا سنتناول مفهوم هذين العقدين في (فقرة أولى) على أن ننتقل بعد ذلك للحديث عن الإطار القانوني المنظم للمعرفة الفنية (فقرة ثانية).

     الفقرة الأولى: مفهوم عقدي الامتياز والترخيص التجاريين

     يستدعي الوقوف عند مفهوم هذين العقدين تعريف كل واحد منهما (أولا) كي تتضح لنا العناصر التي يقومان عليها (ثانيا).

     أولا: تعريف عقدي الامتياز والترخيص التجاريين

     تعددت التعاريف المعطاة لهذين العقدين تشريعا وفقها وقضاء[23]، بالإضافة إلى اختلاف مقاربتهما سواء من الناحية الاقتصادية أو القانونية، غير أن ما يهمنا هنا هو الجانب القانوني رغم عدم إنكارنا لصعوبة فصلهما عن الحقل الآخر.

     فالبنسبة  لعقد الامتياز التجاري نورد التعارف التالية:

     – في التشريع الأوربي، تم تعريفه من قبل الفدرالية الأوربية للامتياز التجاري fédération européenne de franchise  بأنه:” عبارة عن نظام معتمد لتسويق المنتجات أو الخدمات أو التقنيات الأخرى، يرتكز على تنسيق محكم ومستمر بين مجموعة من المقاولات المتمتعة بالاستقلالية المالية والقانونية، ومن خلاله يمنح أحد طرفيه ويسمى المرخص للآخر الذي يسمى المرخص له، -وذلك في إطار التزامات متقابلة- الحق في استغلال مقاولة تتماشى وأهداف المرخص، مستفيدا بذلك من الحق في استخدام الاسم أو العلامة التجارية المميزة للمنتوج أو الخدمات أو باقي الحقوق المتعلقة بالملكية الفكرية المملوكة للمرخص، والمكفولة بالمساعدة التقنية والتجارية على التسويق التي يلتزم هذا الأخير بتقديمها للمرخص له والتي تمتد إلى نهاية عقد الامتياز التجاري المبرم كتابة بين طرفيه”[24].

     أما الفقه الفرنسي فقد عرفه بكونه:” عقد يلزم بمقتضاه أحد طرفيه ويسمى المرخص بوضع علامته التجارية (Marque) ومعرفته التقنية أو الفنية (Savoire-Faire) واحتماليا توريد منتجاته تحت تصرف الطرف الآخر المسمى بالمرخص له، مقابل التزام هذا الأخير باستغلال هذه المعرفة التقنية واستخدام العلامة التجارية واحتماليا بيع المنتجات المملوكة للمرخص، وذلك بشكل حصري ودون أن يكون له الحق في التعامل مع منتجين آخرين”[25].

مقال قد يهمك :   محكمة النقض : لا يمكن مقاضاة فرع الشركة لعدم توفره على الشخصية المعنوية

     أما بالنسبة لعقد الترخيص التجاري، فنكتفي بإيراد تعريف الفدرالية المغربية للترخيص التجاري[26]، في مدونة السلوك التي وضعتها حيث عرفت عقد الترخيص التجاري بأنه: ” أسلوب لتسويق المنتجات أو الخدمات أو التكنولوجيا، يقوم على أساس التعاون المتبادل والمستمر بين مقاولات متباينة ومستقلة قانونيا وماليا، حيث يقوم المرخص له باتفاق مع المرخص، على إنشاء مقاولة مماثلة ومطابقة لتصور المرخص. هذا الحق الذي يمنح ويلزم المرخص له في مقابل تعويض مالي مباشر أو غير مباشر، باستعمال الاسم أو علامة المنتجات أو الخدمات، والمعرفة الفنية، ومختلف حقوق الملكية الفكرية المدعمة بالمساعدة التقنية أو التجارية، المستمرة طيلة مدة عقد الترخيص التجاري المكتوب والمعروف بين الطرفين على هذا الأساس”[27].

     وبعد هذا العرض، سننتقل في النقطة الموالية لتناول العناصر التي يقوم عليها هذين العقدين انطلاقا من التعاريف السابقة.

     ثانيا: عناصر كل من عقدي الامتياز والترخيص التجاريين

     إن المتمعن في التعاريف التي أعطيت لكل من الامتياز والترخيص التجاريين، سيلاحظ في أول وهلة التشابه الكبير بين العقدين، مما ينتج عنه تشابه في العناصر الأساسية التي يقومان عليها – رغم اختلاف أهميتها من عقد لآخر- بحيث يمكن جمع هذه العناصر في ثلاث ركائز هي كالتالي:

     أ- المعرفة الفنية[28]: لقد سبق وأن تناولنا المعرفة الفنية، وهي عبارة عن أفكار قابلة للتطبيق.

     ب- العلامات الفارقة: يقصد بالعلامات الفارقة تلك العلامات التي يستعملها التاجر ليعرف بها أو من أجل إعطاء الفرصة لزبناءه من أجل التمييز بينه وبين غيره من التجار، وأيضا من أجل التمييز بين منتجاته أو خدماته وتلك المقدمة من قبل غيره، تجنبا للتشابه بينهما[29]، مما قد ينعكس سلبا على التاجر، ولذلك فإنها تشمل كل من الاسم التجاري والشعار والعلامة التجارية.

     ج- المساعدات الفنية والتجارية: يعتبر هذا الشرط امتداد لشرط نقل المعرفة الفنية[30] وكمثال على هذه المساعدات قيام المرخص بتزويد المرخص له وتدريب موظفيه والإدارة..إلخ[31]، وتكون هذه المساعدات قبل وعند فتح المحل التجاري كما تكون أيضا متطلبة بعد فتح المحل التجاري من أجل تدعيم وحدة الشبكة[32].

     ونظرا لتوحد هذه العناصر في كلا العقدين، فإنه يثار إشكال في صعوبة التمييز بينهما. فما هي إذا الفروق والاختلافات القائمة بين الترخيص والامتياز التجاريين؟

     يبقى جوهر الاختلاف بين العقدين يرتكز أساسا حول الهدف المتوخى من كل منها والذي يتجلى بالنسبة لعقد الامتياز في وضع إطار اتفاقي للعلاقات المستقبلية بين المنتج والموزع وإلى تحقيق التكامل بينهما، وهذا خلاف عقد الترخيص الذي يهدف إلى تحقيق تنمية اقتصادية شاملة للمؤسسات التي تعتمده، بالإضافة إلى كون تقديم مبلغ أو واجب الدخول في شبكة المرخص يعد شرطا جوهريا في عقد الترخيص التجاري وهذا خلاف عقد الامتياز التجاري، أضف إلى ما سبق أن العلامة التجارية في عقد الامتياز هي الوسيلة التي تمكن المتلقي من القيام بعمله، بينما في عقد الترخيص هي غايته وأساس العقد[33]. كما أن هناك من يرى أن الترخيص التجاري أوسع وأشمل من الامتياز التجاري، هذا الأخير الذي يمكن اعتباره بمثابة تطبيق من تطبيقات الأول[34].

     لكن رغم كل ما سبق، فإننا نعتقد أن الخيوط التي تفصل بين العقدين رقيقة جدا، مما ينتج عنه صعوبة في وضع معايير للتمييز بينهما، بحيث أن الأهمية العملية واختلاف العمليات الاقتصادية كما يبدو، هي المحدد للجوء لهذا العقد أو ذاك، ويؤدي الأمر بالتالي إلى ازدياد أهمية عنصر ما على حساب العناصر الأخرى حت في العقد الواحد.

     الفقرة الثانية: التنظيم القانوني للمعرفة الفنية

     قبل الحديث عن الإطار القانوني للمعرفة الفنية، لابد من الإشارة إلى أنه ليس هناك أي تنظيم تشريعي في المغرب لكل من عقدي الترخيص والامتياز[35] التجاريين، عكس ما هو عليه الأمر في أوربا، حيث أن الفدرالية الأوربية للامتياز التجاري ساهمت في إخراج المدونة الأوربية للامتياز التجاري لحيز الوجود، والتي تم اعتمادها من طرف دول الاتحاد الأوروبي فيما بعد. كما قام المشرع الفرنسي بإصدار قانون دوبان (doubin) الذي يوقع على المرخص مجموعة من الالتزامات باعتباره الطرف الأقوى اقتصاديا في هذه العقود.

     لكن الملاحظ  في المغرب سواء تعلق الأمر بالامتياز أو بالترخيص أن أغلب العقود المبرمة في هذا الشأن يكون فيها المرخص طرفا أجنبيا، مالكا للشبكة التي يديرها، والطرف الثاني الذي هو المرخص له مستثمرا مغربيا يريد الاستثمار داخل المغرب، فيحرص الطرف الأول على تضمين العقد بندا يقضي بأنه في حالة نشوء أي نزاع بين الطرفين فإنه يتم الفصل فيه من قبل هيئة تحكيمية معينة تكون بالطبع خارج المغرب، والتي لا تكون بحاجة لقانون مغربي للبت في القضية، لكن هذا لا يعني أن المغرب لا يحتاج لقانون منظم للموضوع خصوصا إذا علمنا أن المستثمر لا يغامر عادة بالاستثمار داخل دولة لا تتوفر على هيكلة قانونية قادرة على استيعاب التصرفات القانونية المهمة المرتبطة بالمجال الاقتصادي.

     أما بالنسبة للمعرفة الفنية وباعتبارها أحد العناصر الأساسية التي يقوم عليها العقدين السابقين، فإنه من الضروري أن يتم حمايتها – أو من الأجدر-  كحق معنوي يستدعي حماية خاصة سواء تعلق الأمر بأطراف العقد عند انتقالها أو في مواجهة الأغيار المنافسين. إذن فهل ثمة قوانين خاصة تنظم وتحمي المعرفة الفنية في المغرب؟

     ليس هناك في المغرب قانون خاص بالمعرفة الفنية ينظمها ويبين التصرفات التي يمكن أن تكون محلا لها، وكذلك يقوم بحمايتها من أوجه التصرفات غير المشروعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن قوانين الملكية الفكرية[36] بدورها تخلوا من أي مقتضى يتناولها، خاصة قانون حماية الملكية الصناعية، هذا الأخير الذي نعتبره الإطار الأمثل لتنظيمها إذ ما أراد المشرع تناولها بالتنظيم مستقبلا في خطوة جريئة لما لا والمغرب قد رفع منذ أمد شعار عولمة اقتصاده.

     فالشركات التجارية الضخمة لا تتوصل إلى المعرفة الفنية إلا بعد مجهودات مضنية تتكبد في سبيلها  الأموال الطائلة، إضافة إلى طول الوقت الذي تستنزفه. لذا فإنه من الضروري أن يتم الاعتراف القانوني بالمعرفة الفنية “كحق معنوي” وتنظيم جميع الجوانب القانونية المرتبطة به، ابتداء من نقله إلى المرخص له وانتهاء بالمشاكل والتحديات التي قد تصاحب استخدامه، كالإعتداء عليه من قبل الغير.

     وتجدر الإشارة أن المؤسسات الأخرى القريبة من المعرفة الفنية، كبراءة الاختراع، لا يمكن أن نقيس عليها ونمدد الإطار التشريعي المنظم لها للمعرفة الفنية لتستفيد منه، وذلك لمجموعة من الاعتبارات، منها خضوع الاختراع للتسجيل من أجل الحصول على البراءة، كما أن الاختراع يرتبط بالتطبيق الصناعي ويتميز بالجدة المطلقة…[37]

مقال قد يهمك :   د.العربي محمد مياد : التقنية التنظيمية لعرقلة العمل التشريعي.

     خاتمة:

     لا يخفى على أحد ما للمعرفة الفنية من أهمية في الحقل الاقتصادي، هذه الأهمية التي تزداد يوما بعد يوم في ظل عولمة الاقتصاد وما ينتج عنه من اشتداد للمنافسة، يزيد في خلق مزيد من التشعب خصوصا على مستوى تحديد المقصود من المعرفة الفنية، وذلك حتى يتسنى تحديدها وتمييزها عن غيرها من المفاهيم المشابهة. بالإضافة إلى مشكل آخر يتعلق بالتنظيم القانوني الذي تخضع له هذه المعرفة، أو من المفروض أن تخضع له، من أجل حمايتها وكذلك تجنبا لصعوبة فض النزاع الذي قد يثار بشأنها.

     ومن خلال هذه الأسطر الوجيزة التي حاولنا من خلالها تناول المعرفة الفنية، ولو بجهد المقل، اتضح لنا حجم التحديات التي تواجه عقدي الامتياز والترخيص التجاريين، كآليتين يتم من خلالهما نقل المعارف الفنية. فإذا كان تحديد مفهوم دقيق وواضح للمعرفة الفنية من أجل تمييزها عما سواها من الأفكار والمؤسسات المشابهة إشكال تتخبط فيه حتى الدول الصناعية الكبرى، وذلك نظرا لعدة اعتبارات من بينها التطور السريع لفكرة المعرفة الفنية واختلاف مفهومها -نسبيا- من منطقة لأخرى، وأيضا تطورها بتطور الظاهرة الاقتصادية ذاتها. كما يوجد بالموازاة لما سبق، تحدي أكبر بالنسبة للمغرب يتجلى أساسا في الفراغ التشريعي، هذا الأخير الذي يشكل غيابه حجر عثرة أمام التطور الاقتصادي، لذلك فضرورة تنظيم هذين العقدين محل البحث أصبح ضروريا لمواكبة هذا التطور، بحيث أن المقاولات المانحة للمعرفة الفنية تبحث عن مقومات مساعدة للاستثمار والتنظيم القانوني إحداها.


الهوامش:

[1]– محمد أحمد الكندري، أهم المشكلات العملية التي يواجهها عقد الامتياز التجاري، مجلة الحقوق الكويتية، العدد: 24، دجنبر 2000، ص: 91.

[2]– أنظر في هذا الاختلاف: عبد المهدي كاظم ناصر، المعرفة الفنية وأثرها في عقد الفرانشيز، مجلة بابل، العلوم الإنسانية، المجلد 17، العدد: 2، 2009، ص: 274 وما يليها.

[3]– باعتبار أن المعرفة الفنية ظهرت بداية في الولايات المتحدة الأمريكية. أنظر في هذا الصدد:

– جلال وفاء محمدين، فكرة المعرفة الفنية والأساس القانوني لحمايتها -دراسة في القانون الأمريكي-، دار الجامعة الجديدة للنشر، ص: 17 وما يليها.

[4]– حنان البكوري، عقد الترخيص التجاري بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس أكدال، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، شعبة القانون الخاص وحدة البحث والتكوين في قانون الأعمال، السنة الجامعية: 2003-2004، ص: 51.

[5]-Règlement (UE ) N 330/2010 de la commission du 20 Avril 2010.

[6]– R.Freyburge et autres chercheurs, le savoire-faire dans la franchise, contrat de recherche de la fédération française de la franchise, 1998, université de Haute-Alsace.p :10.

[7]– حنان البكوري، المرجع المذكور، ص: 55.

[8]– زكرياء غطراف، القواعد الناظمة لعقود التوزيع، -عقد الامتياز التجاري نموذجا-، مقال منشور بمجلة الفقه والقانون، العدد الثامن، يونيو 2013، ص: 8.

[9]– حنان البكوري، المرجع المذكور، ص: 61-62.

[10]– R.Freyburge et autres chercheurs, le savoire-faire dans la franchise, op.cit.p :15.

[11]– حنان البكوري، المرجع المذكور، ص: 58-59.

[12]– R.Freyburge et autres chercheurs, le savoire-faire dans la franchise, op.cit.p :14.

[13]– سعيد غنايم، عقد الترخيص التجاري بين التنظيم والتطبيق، تقرير لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون، تخصص قانون الأعمال، جامعة الحسن الثاني، عين الشق، وحدة البحث والتكوين قانون الأعمال، 1998-1999، ص: 29.

[14]– حنان البكوري، المرجع المذكور، ص: 59.

[15]– voir l’article premier de règlement  (UE ) N 330/2010 de la commission.

[16]– محمد محسن إبراهيم النجار، عقد الامتياز التجاري –دراسة في نقل المعارف الفنية-، دار الجامعة  الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2001، ص: 5.

[17]– الظهير الشريف رفم: 1.00.19 صادر في 9 ذي القعدة 1420 (15 فبراير 2000) بتنفيذ القانون رقم: 17.97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية.

[18]– أنظر: فؤاد معلال، شرح القانون التجاري الجديد، الجزء الأول: نظرية التاجر والنشاط التجاري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة  الخامسة، 2016، ص:306.

[19]– محمد لفروجي، الملكية الصناعية والتجارية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2002، ص: 294.

[20]– عز الدين بنستي، دراسات في القانون التجاري المغربي، الجزء الثاني، الأصل التجاري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2001، ص: 92-93،

[21]– محمد محبوبي، النظام القانوني للمبتكرات الجديدة في ضوء التشريع المغربي المتعلق بحماية الملكية الصناعية والاتفاقيات الدولية، مطبعة فيديبرانت، الرباط، الطبعة الأولى، 2005، ص: 76.

[22]– أنظر في هذا المعنى: حنان البكوري، المرجع المذكور، ص: 55.

[23]– أنظر مثلا بخصوص عقد الامتياز التجاري ما أورده: ماجد عمار، عقد الامتياز التجاري، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992، ص: 8 وما يليها.

[24]– ترجمة شخصية غير رسمية أوردها: زكرياء غطراف، المرجع المذكور، ص: 6.

[25]– les contrats civiles et commerciaux. f.c.dutilleux et P.delebecque. 889 Precis Dallez 2002 (Le franchisage) P.le Tourneau. Collection Droit de Poche Economica 1994.

– أورده: زكرياء غطراف، المرجع المذكور، ص: 7.

[26]– تم إنشاء هذه الفدرالية في 16 أبريل 1997 من طرف بعض المهنيين والمهتمين بمجال الترخيص التجاري.

[27]– حنان البكوري، المرجع المذكور، ص: 33.

[28]– فمثلا: نجد أن جميع عقود الامتياز تتضمن التزاما لفائدة متلقي الامتياز يقضي بإلزام المانح بتحويل معرفة فنية حقيقية له. أنظر الموقع الالكتروني التالي:  Savoir-                                                   _du_http :www.franchis-Justice.com/definition

[29]– حنان البكوري، المرجع المذكور، ص: 73.

[30]– سعيد غنايم، المرجع المذكور، ص: 37.

[31]– عبد العالي بن الطويلة، عقد الترخيص التجاري بين النظري والتطبيقي، رسالة  لنيل دبلوم الماستر في القضاء والتحكيم، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية  والاجتماعية، وجدة، السنة الجامعية: 2009-2010، ص: 27.

[32]– فتيحة بوصولة، عقد الترخيص التجاري بين التوازن والاختلال، رسالة لنيل دبلوم الماستر في التجارة والأعمال، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، السنة الجامعية: 2011-2012، ص: 26.

[33]– حنان البكوري، المرجع المذكور، ص: 41.

[34]– زكرياء غطراف، المرجع المذكور، ص: 10.

[35]– يجب عدم الخلط بين عقد الامتياز التجاري وبين عقد الامتياز في المرافق العمومية، والذي أصبح يصطلح عليه بالتدبير المفوض.

[36]– المقصود بقوانين الملكية الفكرية كل من: قانون حماية الملكية الصناعية السابق الإشارة إليه، بالإضافة إلى قانون الملكية الأدبية والفنية الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم: 1.00.20، بتاريخ: 9 ذي القعدة 1420/5 فبراير 2000 بتنفيذ القانون رقم: 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، الجريدة الرسمية عدد: 11234796.

[37]– أنظر حنان البكوري، المرجع المذكور، ص: 67.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)