الإصلاح الجبائي المحلي لبنة أساسية نحو تنزيل النموذج التنموي الجديد

خصوصيات الكراء الطويل الأمد لأملاك الجماعات الترابية: قراءة في ضوء القانون الجديد 57.19

المفتشية العامة للشؤون القضائية “دراسة أولية على ضوء المستجدات التشريعية “

19 أغسطس 2021 - 2:34 م المنبر القانوني
  • حجم الخط A+A-

 عادل الفيضا طالب باحث بماستر العقار و التوثيق التابع لكلية العلوم القانونية و الاقتصادية

و الاجتماعية المحمدية

        نص الباب العاشر من دستور المملكة[1] المعنون “بالحكامة الجيدة” في الفقرة الثانية من الفصل 154 منه على ما يلي ” تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة و الشفافية و المحاسبة و المساواة و تخضع في تسييرها للمبادئ و القيم الدمقراطية التي أقرها الدستور ” و جاء الفصل 155 منه ايضا، ليؤكد على ضرورة ممارسة أعوان المرافق العمومية وظائفهم وفقا لمبادئ احترام القانون و الحياد و الشفافية و النزاهة و المصلحة العامة.

و بناء على ما سبق، فالمبادئ المشار إليها أعلاه تهم المرافق العمومية بما فيها مرفق القضاء ، و بغية تحقيقها و تنزيل مضمونها، ثم إحداث نظام لتفتيش المحاكم ، هذا الأخير وجدنا تعريفا له في مشروع قانون التنظيم القضائي 38.15 في مادته التاسعة و التسعون ، حيث عرف نظام تفتيش المحاكم بأنه” تقييم تسييرها و أداء العاملين بها من قضاة و موظفي هيئة كتابة الضبط لمهامهم ” ، و للإشارة فقد تحدث مشروع قانون التنظيم القضائي عن تفتيش المحاكم في المواد من 99 الى 115 مقسما إياه الى تفتيش قضائي و تفتيش إداري و مالي تشرف عليه المفتشية العامة التابعة للوزارة المكلفة بالعدل.

 و ما يهمنا في هذا المقام هو النوع الاول،  أي التفتيش القضائي الذي تقوم به المفتشية العامة للشؤون القضائية هذه الأخيرة ، تم الإشارة إليها في القانون رقم 100.13 الصادر سنة 2016 و المنظم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية[2] في مادته 53 ، و جعلها تعمل تحت إشراف المفتش العام و أيضا ربط تحديد اختصاصاتها و تأليفها و قواعد تنظيمها و حقوق و واجبات اعضائها بقانون خاص بها ، و انتظرنا الى حين 2 غشت 2021 ، حيث صدر القانون رقم 38.21 المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية[3] ، هذا الأخير الذي حمل في طياته 36 مادة مقسمة على ستة ابواب ، الباب الأول خصص للأحكام التمهيدية من المادة 1 الى المادة 3 و الباب الثاني جاء بعنوان تأليف المفتشية العامة من المادة 4 الى المادة 9 ، أما الباب الثالث فقط تناول من خلاله المشرع اختصاصات المفتشية العامة و ذلك من المادة 10 الى المادة 27، وبالنسبة قواعد تنظيم المفتشية العامة فقد كانت عنوان الباب الرابع من المادة 28 الى المادة 32 ، و جعل المشرع الباب الخامس لحقوق و واجبات اعضاء المفتشية العامة من المادة 33 الى المادة 34 و الباب الأخير أي السادس، كان للمقتضيات الختامية من المواد 35 الى 36.

و سوف نحاول من خلال هذه المقال الكشف عن المقتضيات القانونية المنظمة للمفتشية العامة للشؤون القضائية مع مناقشة مضمونها و بيان فعاليتها في تحقيق المبادئ الدستورية المشار اليها اعلاه.

ان موضوع المفتشية العامة للشؤون القضائية ، كغيره من المواضيع المستجدة ، يفرض علينا تمحيص تحليل إطاره التشريعي ، و لأجل ذلك اخترنا مناقشة الموضوع من خلال محاولة الإجابة على الاشكالية التالية :

إلى أي حد سوف تساهم المفتشية العامة للشؤون القضائية ، في مساعدة المجلس الاعلى للسلطة القضائية ، على تحقيق مبادئ الحكامة الجيدة و تصحيح الاختلالات الموجودة ؟

و تتفرع هذه الاشكالية الى عدة تساؤلات فرعية نحصرها في التالي :

  • من ماذا تتألف المفتشية العامة للشؤون القضائية ؟ و ما هي اختصاصاتها ؟
  • ما هي الضمانات التي تساهم في فعالية المفتشية العامة للشؤون القضائية ؟

سوف نحاول الإجابة عن الاشكالية الرئيسية و كذا مختلف التساؤلات الفرعية من خلال التصميم التالي :

المطلب الاول : تأليف المفتشية العامة للشؤون القضائية و اختصاصاتها

المطلب الثاني : الضمانات التشريعية المقررة لحسن سير المفتشية العامة للشؤون القضائية

المطلب الاول : تأليف المفتشية العامة للشؤون القضائية و اختصاصاتها

الفقرة الاولى : تأليف المفتشية العامة لشؤون القضائية

حصرت المادة الرابعة من القانون المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية ، تأليف هذه الأخيرة في ، المفتش العام و نائبه ، و مفتشين و مفتشين مساعدين .

اولا : المفتش العام للشؤون القضائية

يعتبر المفتش العام للشؤون القضائية ، الجهاز الذي يوجد على رأس هرم المفتشية العامة للشؤون القضائية[4] ،اذ ان اعمل المفتشية العامة تكون تحت اشرافه و مراقبته .

 و قد تم احداث هذا الجهاز لأول مرة ، بمقتضى القانون المنظم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خاصة الفقرة الثانية من المادة 53 ، هذه الأخيرة ضبطت أيضا طريقة تعينه ، اذا يعين بظهير من بين ثلاثة قضاة من الدرجة الثانية باقتراح من الرئيس المنتدب للمجلس[5]و بعد استشارة أعضائه و ذلك لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة ، غير أنه حسب نفس المادة يمكن وضع حد لهذه التعيين قبل مرور5 سنوات الاولى او داخل المدة المجددة.

ورغم إحداث جهاز المفتش العام ، إلا أن عدم صدور القانون المحدد لتأليف و اختصاصات المفتشية العامة للشؤون القضائية و كذا طريقة اشتغالها و حقوق و واجبات أعضائها كان يجعل مهام المفتش العام قابلة للنقاش و ذلك لوجود مفتش عام دون المفتشية العامة التي سوف يشرف عليها.

و ظلت هذه الوضعية الغير سليمة إلى حين 02 اغسطس2021 اذ عرف هذا التاريخ، الإفراج على القانون المنظم للمفتشية العامة للشؤون القضائية ، تحت رقم 38.21 ليخرج حيز التنفيذ ، بعد شهرين من التاريخ أعلاه.

مقال قد يهمك :   المساطر المرجعية بين الشرعية و الواقع العملي

و عند تمحيص مقتضيات هذا القانون، نجد مضمون المادة 5 هو نفسه مضمون المادة 53 في فقرتها الثانية من قانون 100.13 المنظم للمجلس الاعلى للسلطة القضائية الذي كان في مرحلة سابقة ، و ايضا نجد على ان للمفتش العام سلطات واسعة بغض النظر عن مهمة الإشراف على المفتشية العامة فهو ايضا يتدخل ( عن طريق الأخذ باقتراحه ) في تعين باقي أعضاء المفتشية العامة للشؤون القضائية [6].

ثانيا : باقي أعضاء المفتشية العامة للشؤون القضائية

نصت المادة الرابعة من قانون 38.21 المحددة لتأليف المفتشية العامة ، بالإضافة الى المفتش العام ، على عدة اجهزة اخرى يمكن أجمالها في نائب المفتش العام و مفتشين ثم مفتشين مساعدين ، و اذا تجمع هؤلاء طريقة التعيين ، الذي يتم من قبل المجلس باقتراح من المفتش العام فانه يختلفون من حيث الشروط و المهام المسندة اليهم ، اذا ان نائب المفتش العام لابد و أن يكون من بين القضاة ذوي الخبرة و المرتبين في الدرجة الاستثنائية، و عند تعيبنه اناط به المشرع مهمة مساعدة المفتش العام في ادارة شؤون المفتشية العامة ، و النيابة عنه في حالة غيابه او تعذر القيام بمهامه كل ذلك حسب المادة 6، بغض النظر عن مهامه التفتيشية.

أما بالنسبة للمفتشين ، فيشترط قبل تعيينهم أن يكونوا من بين من بين القضاة ذوي الخبرة و المرتبين في الدرجة الاولى على الأقل.

و بخصوص المفتشين المساعدين فقط اشترط المشرع قبل تعينهم ، ان يكونوا من القضاة المرتبين في الدرجة الثانية و الثالثة ، حيث يعملون على إعداد التقارير التي يسندها اليهم المفتش العام و يساعدون المفتشين على القيام بمهامهم حسب المادة 8 من قانون 38.21 ، هاته الأخير ، منعتهم أيضا من إجراء أبحاث و تحريات من تلقاء نفسهم ، بل فقط لهم امكانية  مساعدة المفتشين على القيام  ذلك.

الفقرة الثانية : اختصاصات المفتشية العامة للشؤون القضائية

تختص المفتشية العامة للشؤون القضائية حسب المادة 10 من القانون رقم 38.21، في تنسيق و تتبع التفتيش القضائي اللامركزي الذي يقوم به المسؤولين القضائيين على مستوى كل دائرة ، و ايضا  دراسة و معالجة الشكايات و التظلمات التي تحال من قبل الرئيس المنتدب ، بالإضافة الى اعداد تقارير و دراسات حول وضعية القضاء و منظومة العدلة .

لكن التفتيش القضائي المركزي للمحاكم( أولا ) ، يظل من بين أبرز الاختصاصات الى جانب القيام بالأبحاث و التحريات( ثانيا)

أولا : التفتيش القضائي المركزي للمحاكم

هذا النوع من التفتيش تقوم به بعثة اشار اليها المشرع في المادة 13 من قانون 38.21 و يهدف من خلاله المشرع ، الى تتبع و تقييم الاداء القضائي للمحاكم بالاعتماد على معايير موضوعية، تتمثلا في النجاحة و الفعالية و ايضا دون اغفال المحدد الاساسي و هو جودة العمل القضائي للمحاكم المزمع تفتيشها.

و عموما فبعثة التفتيش المركزي يتم تعينها من قبل المفتش العام و قد ضبط القانون المشار اليه اعلاه مهامها، حيث تعمل بداية على تلقي الإفادات من المسؤولين القضائيين بالمحاكم  و ايضا  تقوم بالاستماع لأي شخص ترى ضرورة في إفادته ، و قد نص القانون المنظم للمفتشية على إلزام المسؤولين القضائيين على ضرورة تمكين البعثة جميع الاحصائية والمتوفرة و المستندات و كذا المعلومات المطلوبة من البعثة ، و في مرحلة لاحقة تقوم بعثة التفتيش المركزي بإعداد  مشروع تقرير مفصل عن ما قمت به من مهام و ايضا تسجل به الملاحظات المرصودة ، ثم يحال هذا المشروع  فورا اعداده من قبل البعثة الى المسؤولين القضائيين بالمحكمة موضوع التفتيش المركزي قصد الاطلاع و ابداء تعقيباتهم المعززة بالمستندات المدعمة عند الاقتضاء  داخل اجل 30 يوما من تاريخ التوصل به ، و ذلك تحت طائلة رفع التقرير على حاله ، اي خالي من اي تعقيب الى المفتش العام ، حسب المادة 14 من قانون 38.21 و يمكن القول بأن المشرع سعى من خلال هذا المقتضى تمكين المسؤولين القضائيين من حق التعليل الذي قد يغير شيء في توجه البعثة عند صياغتها للتقرير النهائي الذي يتضمن التوصيات التي قد تكون كفيلة بتصحيح و معالجة الاختلالات المرصودة وذلك بتنسف مع الرئيس المنتدب و رئيس النيابة العامة في حدود اختصاصاتهم.

و بعد كل ذلك يرفع المفتش العام التقرير النهائي مع ما سجله من اقتراحات في الموضوع  الى الرئيس المنتدب قصد عرضه على المجلس الاعلى للسلطة القضائية و أيضا يحيل الشق المتعلق بالنيابة العامة الى رئيس النيابة العامة.

هذا و نصت المادة 17 من القانون المنظم للمفتشية العامة على انه كلما وقفت البعثة بمناسبة قيامها بمهامها على بعض الاختلالات التي كان القضاة سببا فيها سواء تعلق الامر بالقضاء الجالس او القضاء الواقف ان تقوم بالبعثة بالأبحاث و التحريات الازمة بعين المكان مع اشعار المجلس و رئيس النيابة العامة اذا كان الإخلال منسوب لقاض من قضاة النيابة العامة .

ثانيا: الأبحاث و التحريات

تحدث المشرع عن الأبحاث و التحريات التي تقوم بها أجهزت المفتشية العامة للشؤون القضائية في الفرع الثالث ضمن الباب الثالث المعنون باختصاصات المفتشية العامة من قانون 38.21 ،حيث خصص له ستة مواد من المادة 21 الى المادة 27.

  • حالات اللجوء للأبحاث و التحريات

يتم اللجوء الى الابحاث و التحريات بحسب المقتضيات المشار إليها أعلاه في ثلاثة حالات و هي :

مقال قد يهمك :   وكالات الحوض المائي على ضوء قانون الماء رقم 36.15

الحالة الاولى :  رصد المفتشية العامة لإخلال منسوب لأحد القضاة

بعد رصد المفتشية العامة لبعض الاختلالات المنسوبة للقضاة تقوم بناء على طلب من الرئيس المنتدب بالأبحاث و التحريات الازمة و ذلك مع إشعار رئيس النيابة العامة، اذا كانت الاخلال منسوب الى قاض من قضاة النيابة العامة[7].

الحالة الثانية : رفع القاضي تقرير يفيد امكانية تهديد استقلاليته

نص دستور المملكة في الفقرة الثانية من الفصل 109 على ما يلي ” يجب على القاضي ، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر الى المجلس الاعلى للسلطة القضائية “، وجاء في الفقرة الأخير من نفس الفصل على انه “يعاقب القانون كل من حاول الأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة “

و تكرسا لهاته المقتضيات الدستورية وايضا المواد 104 و 105 من القانون المنظم للمجلس الاعلى للسلطة القضائية فالمفتشية العامة بتكليف من هذا الاخير ، تقوم بمهمة البحث و التحري حول التقارير التي يحيلها القضاة بشأن تهديد استقلاليتهم و التأثير عليهم بوسائل غير مشروعة.

الحالة الثالثة : تتبع و تقدير ثروات القضاة و أزواجهم و أولادهم 

حسب المادة 23 من القانون رقم 38.21 المنظم للمفتشية العامة للشؤون القضائية ، تقوم هذه الاخير بتكليف من الرئيس المنتدب و بعد موافقة المجلس الاعلى للسلطة القضائية بتقدير ثروة القضاة و أزواجهم و أولادهم و أيضا يمكنهم الاطلاع على التصاريح بالممتلكة الخاصة بالقضاة موضوع التفتيش و ذلك قصد مطابقتها بالواقع.

  • الصلاحيات الممنوحة للمفتشين قصد تيسير عمليات البحث و التحري

أعطى المشرع للمفتشين بمناسبة قيامهم بمهامهم التفتيشية ، عدة صلاحيات تيسر عليهم عملية البحث و التحري و من بين هاته الصلاحيات نجد :

  • امكانية اطلاع المفتشين على ملف القاضي موضوع التفتيش و على التقارير المنجزة من لدن المسؤولين القضائيين و التي تحدد سلوكه و أدائه لمهامه و ايضا اي وثيقة مفيدة في الأبحاث و التحريات مع أخد نسخة منها.
  • امكانية قيام المفتشين باي اجراء او تكليف لأي جهة للقيام بما من شأنه تسهيل مهمتهم لكن السؤال هنا هل المفتشين يحق لهم تكليف جهة تنتمي للمحكمة المزمع تفتيشها ام قد تكون جهة خارجية ؟ لكن عمومية الصياغة لا تسعفنا في الاجابة لأن في انتظار ما سوف يزفر عليه الواقع العملي او ربما توصيات المجلس الاعلى للسلطة القضائية.
  • امكانية المفتشين الاستعانة بذوي الخبرة عن الاقتضاء ، و نشير هنا على ان الخبرة يستعان بها في الكشف عن طبيعة بعض المسائل التي لا تدخل في اختصاصات المفتشين و لم يسبق لهم التعامل معها.
  • يجوز للمفتشين ايضا الحصول على اي معلومة من طرف ادارات الدولة و باقي اشخاص القانون العام و كذلك الاشخاص الاعتبارية الخاضعة للقانون الخاص كمؤسسة الائتمان و الهيئات المعتبرة في حكمها … و ذلك بناء على طلب يوجهه المفتش العام الى مسؤولي هذه الادارة و المؤسسات.
  • و حماية ايضا لموظفي الادارة و العاملين لدى اشخاص القانون العام او الاشخاص الاعتبارية التابعة للقانون العام فقد ازال المشرع عن هاته الفئة ، مسؤولية إفشاء السر المهني، عندما يرتبط الامر بمهام المفتشية، حيث نص على عدم مواجهة المفتشين عند قيامهم بمهامهم ،بمقتضيات كثمان السر المهني و هذه المسألة فيها كذلك تيسير لعمل المفتشين.

و عموما بعد إجراء التحريات و الابحاث الازمة يتم إعداد تقارير حول العملية تعرض على المفتش العام و يقوم هذا الاخير برفعها إلى الرئيس المنتدب الذي يتفضل بعرضها على المجلس الاعلى للسلطة القضائية.

المطلب الثاني : الضمانات التشريعية المقررة لحسن سير المفتشية العامة لشؤون القضائية.

نص المشرع من خلال القانون 38.21 رقم ، على مجموعة من المقتضيات ، التي نراها نحن ضمانات، سوف تساهم لا محال في فعالية المفتشية العامة للشؤون القضائية و تيسير عملها.

الفقرة الاول : استقلالية المفتشية العامة عن وزارة العدل و الحريات

نظام تفتيش المحاكم  بالمغرب عموما ، لم يتبلور كما هو عليه الحال اليوم ، إلا نتيجة لمجموعة من المتغيرات و التحولات التشريعية ، فهذا النظام ظهر بشكل رسمي أول مرة بمقتضى ظهير 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي[8] و ذلك في القسم الثاني ضمن تسعة فصول ، أي من الفصل 13 الى الفصل 21، و في هذه المرحلة كان التفتيش سواء في شقه القضائي أو  في شقه الإداري و المالي موكول للمفتشية العامة التابعة لوزارة العدل و الحريات.

لكن هذا الوضع لم يعد مسموح به بعد دستور 2011 ، الذي اعترف أولا بالقضاء كسلطة ثم أكد على استقلاليها عن السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية.[9]

و في هذا السياق ثم اصدار قانون رقم 100.13 المنظم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي كان في صلب التوجهات الدستورية ، اذ نص هذه الأخير في المادة 53 من فقرته الثانية على ان ” المجلس يتوفر على مفتشية عامة للشؤون القضائية ، يحدد القانون تأليفها و اختصاصاتها و قواعد تنظيمها و حقوق و واجبات أعضائها”.

و يمكن القول بأن مضمون المادة 53 من القانون المنظم للمجلس الاعلى ، جاء منسجما من المبادئ الدستورية و توجهات الدولة نحو استقلال السلطة القضائية ، اذ ان التفتيش القضائي أصبح من اختصاصات جهاز يتنمى للقضاء و يعتبر من هياكل المجلس الأعلى للسلطة القضائية(المفتشية العامة للشؤون القضائية).

لكن ما يعاب على المشرع في هذا المقام، أنه بمقتضى قانون 100.13 ، حسم مسألة تعين المفتش العام ، لكن دون تحديد دقيق لاختصاصاته و ذلك نظرا لعدم صدور القانون المنظم للمفتشية العامة للشؤون القضائية ، و بالتالي ظلت المهام التفتيشية للمجلس الاعلى للسلطة القضائية كما ذكرنا سابقا ، محل نقاش لوجود مفتش عام دون المفتشية العامة للشؤون القضائية.

مقال قد يهمك :   إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالنفقة

و لكن سنة 2021 ، عرفت إصدار القانون رقم 38.15 المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية ،التي تعتبر بصريح  القانون أعلاه في المادة 3  منه ، من الهياكل الإدارية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ، و تتبع له في أداء مهامها.

و عندما نطلع على تأليف المفتشية العامة، المشار إليه أعلاه ،نجده يتكون من أجهزة تنتمي للجسم القضائي دون أن تكون تابعة للسلطة التنفيذية او السلطة التشريعية ، كما أن المواد المالية و برامج التكوين و الوسائل التقنية المساعدة لمهام المفتشية سوف يضعها المجلس الاعلى للسلطة القضائية ، رهن إشارة المفتشية ، تحاشيا لأي احتكاك مع وزارة المكلف بالعدل.

الفقرة الثانية : كثمان السر المهني

عرف المشرع من خلال القانون رقم 38.21 إفشاء السر المهني، بأنه إفشاء المعلومات و محتوى الوثائق  التي سبق الحديث عنها أعلاه ، لغير الاجهزة المعنية بها.

و يمكن القول بأن كثمان السر المهني واجب على اي شخص ينتمي للمفتشية العامة للشؤون القضائي ولاسيما المفتش العام و نائبه و المفتشون و المفتشون المساعدون و الموظفون و يبقى هذا الالتزام بحسب مقتضيات المادة 34 من نفس القانون قائما و لو بعد انتهاء مدة عملهم بالمفتشية العامة ، و ذلك تحت طائلة المسائلة.

الفقرة الثالثة: واجب التجرد و الحياد

حتى لا يتم التفتيش بطريقة كيدية أو يقترن بسوء نية ، نص المشرع مجموعة من المقتضيات ، التي تنص على ضرورة الاعتماد على معيار التجرد ، الى جانب مجموعة من المعايير الموضوعية الأخرى (الكفاءة و الخبرة …)، عند تعيين نائب المفتش العام و المفتشين المساعدين.

و من أجل حماية المكلفين بالتفتيش من سلطة الخاضعين للتفتيش ، نجد المشرع في المادة 24 ، قد نص على ضرورة تعيين المفتشين المكلفين بالتحري و البحث من درجة تفوق أو توازي على الاقل درجة القاضي الخاضع للبحث و التحري.

و أيضا نجد المادة 29 من قانون 38.21 تنص على عدم جواز إسناد مهمة تفتيش محكمة لمفتش سبق له أن اشتغل بها ، إلا بعد مرور3 سنوات من تاريخ انتهاء مهامه بهذه المحكمة.

و بناء عليه فكل هاته المواد جاءت بصيغة الأمر و تشكل في فحواها ضمانة مهمة للقاضي من جهة و لحسن سير و نجاعة المفتشية العامة للشؤون القضائية.

خاتمة :

        تأسيسا على ما سبق ، يمكن القول بأن الإفراج على قانون 38.21 المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية ، من جهة أولى ، فيه  تكريس لاستقلالية السلطة القضائية ، و من جهة ثانية هو دعامة قوية للمجلس الاعلى للسلطة القضائية من أجل تنزيل واقعي لمبادئ الحكامة الجيدة المنصوص عليها في الدستور ، لكن رغم ذلك سجلنا بعض الملاحظات التي نرى فائدة في الكشف عنها :

  • الملاحظة الأول : القانون رقم 38.21 المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية ، لم يشر في اي مقتضى على إمكانية تفتيش المسؤولين القضائيين التابعين للمحاكم موضوع التفتيش القضائي .
  • الملاحظة الثانية: نظام التفتيش بالمغرب و خاصة في شقه القضائي ، يعاني من كثرة النصوص القانونية المنظمة ، بين القانون المنظم للمجلس الاعلى للسلطة القضائية ، و قانون 38.21 المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية ، و ايضا نجد مشروع قانون التنظيم القضائي 38.15 و المزمع اصدراه ، يتحدث في بعض مقتضياته عن نظام التفتيش و المفتشية العامة لشؤون القضائية.
  • الملاحظة الثالثة: القانون رقم 38.21 لم يحدد ما إذا كانت التقارير النهائية المنجزة من طرف المفتشية العامة للشؤون القضائية ، سوف يتم نشرها للجمهور ؟ أم سوف تبقى فقط بين يدي المجلس الاعلى للسلطة القضائية ؟ و عموما فالمنطق السليم و كذلك توجهات الدولة  و المنتظم الدولي و مبدأ الشفافية ، يفرض نشرها للجمهور .

الهوامش

[1]  ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011) بتنفيذ نص الدستور و الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5964 بتاريخ 28 شعبان 1432 ( 30يوليوز 2011)

[2] ظهير شريف رقم 1.16.40 صادر من جمادى الآخرة 1437 (24 مارس 2016) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية .

[3] القانون رقم 38.21  المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية الصادر في الجريدة الرسمية عدد7009 ذو الحجة 1442 الصادر في 2 أغسطس 2021.

[4]  انظر المادة 4 من قانون 38.21 المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية .

[5]  اي المجلس الاعلى للسلطة القضائية

[6] انظر المواد 6 و 7 و 8 من قانون 38.21 المنظم للمفتشية العامة للشؤون القضائية .

[7]أنظر المادة 21 من قانون 38.21 المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية .

[8]  ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.74.338 بتاريخ جمادى الثانية 1394 الموافق ل 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للملكة و الصادر في الجريدة الرسمية عدد2533 بتاريخ 04/09/1974

[9]  جاء في الفصل 107 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ما يلي « السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية و عن السلطة التنفيذية

الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية “

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)