الهرشيش عبد الصماد: إشكالية الفصل 47 من دستور 2011

8 ديسمبر 2019 - 5:42 م مقالات , القانون العام , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

الهر شيش عبد الصماد

باحث في القانون العام و العلوم السياسية

 جامعة محمد الـخــــامس   


ملخص:

يسعى الباحث من خلال هذه الدراسة إلى تحليل الفصل 47 الذي أثار نقاشا حادا في الآونة الأخيرة، كما يستعرض بعض التجارب المقارنة لفهم منطوق الفصل 47 من دستور 2011.


الفصل 47

“يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

للملك، بمبادرة منه بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم.

ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة.

ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية.

يترتب عن استقالة رئيس الحكومة إعفاء الحكومة بكاملها من لدن الملك.

تواصل الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة”


مقدمة:

نلاحظ اهتمام مجموعة من الفاعلين في الآونة الأخيرة بالفصل 47 من الدستور الذي أثار دون أدنى شك نقاشا عموميا غير عادي. في هذا الصدد٬ سنحاول في هذه الدراسة فهم دلالة منطوق الفصل 47 الذي طبع الحياة السياسية المغربية، إلى درجة أن هناك من اعتبره ظاهرة دستورية[1].

إضافة إلى ما تقدم، فالفصل المثير للجدل يكتسي أهمية خاصة،كما أنه يثير بعض الإشكالات لأنه ركز على قضية تعيين رئيس الحكومة بشكل مطلق في غياب أي توقع لأية أزمة سياسية محتملة.

وفي الواقع، ومنذ الوهلة الأولى، يتبدى لنا أن هذا الفصل ينطوي على قراءات متعددة.ونتيجة لذلك؛ سنحاول في هذه الورقة الإجابة على الإشكالات التالية:

  1. لماذا يطالب البعض اليوم بتعديل الفصل 47 من الدستور؟
  2. هل رئيس الحكومة مقيد دستوريا بأجل محدد لرفع حصيلة المشاورات إلى الملك؟
  3. إذا لم يتمكن رئيس الحكومة المكلف من تشكيل الحكومة، ما هي المخارج الدستورية المتاحة لتجاوز الانسداد الحكومي؟

قبل الإجابة عن الإشكالات المطروحة، نقترح في هذه الورقة التفكير بأهمية التأويل في القانون الدستوري لفهم منطوق الفصل 47 من دستور 2011.

  1. أهمية التأويل في القانون الدستوري

إن التأويل له أهمية بالغة في القانون الدستوري، لأنه يجعل الوثيقة الدستورية تنفتح على التطورات التي يعرفها محيط اشتغالها.

بفضل التأويل يتم تجاوز غموض النص الدستوري ويمنحه حياة طويلة بالاستجابة للمتطلبات الجديدة للحياة السياسية عبر تنافس التأويلات والقراءات المتجددة[2].

إضافة إلى ما تقدم، فالتنافس بين التأويلات المتباينة تمنع النص الدستوري من أن يصبح ميتا لحظة إنتاجه ويجعله يعيش عصرا ذهبيا مكررا بفعل ديناميكية التأويل. فالوثيقة الدستورية لم تعد كما نعتها  Burdeau George بقايا معبد رمزي مسكون بالأشباح. ولكن فضاء مفتوحا يسمح بتأ طير التطورات السياسية اللاحقة[3].

يتضح بجلاء أن التأويل يلعب دورا مهما في القانون الدستوري، لأن الوثيقة الدستورية تتطور بفعل الدينامية التي يعرفها المجتمع، لذلك، يمكن القول بأن الفصل 47 من دستور 2011 يحتمل قراءات متعددة، هذا ما يساهم في إغناء الصرح الدستوري.

ولكن السؤال الذي يطرح بقوة، لماذا يطالب البعض بتعديل الفصل 47 من الدستور؟

  1. المطالبة بتعديل الفصل 47

تجب الإشارة إلى أن الفصل 47 شكل نقلة نوعية مهمة فيما يتعلق بتعيين رئيس الحكومة المتصدر لنتائج الانتخابات التشريعية.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض تعتبر رفض مستخدمي الشركة فتح الباب و تسلم الطي بمثابة توصل صحيح

فالفقرة الأولى من الفصل 47 تعتبر مكسبا دستوريا في غاية الأهمية لأن الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني كانوا يطالبون بتعيين الوزير الأول من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية.

لا نعتقد أن التعديل الذي يطالب به بعض قادة الأحزاب السياسية هو الحل الأمثل لمثل هذه الإشكالات، وإنما التأويل المنطقي هو الذي يساهم في إثراء الوثيقة الدستورية، بعيدا عن القراءات الظرفية والضيقة. في هذه الإطار الحديث عن أي تعديل لهذا الفصل سيفتح الباب على تعديلات أخرى. هذا الأمر يمكن أن يفقد الدستور قيمته كأسمى قانون في البلاد.

  1. هل رئيس الحكومة مقيد دستوريا بآجال محددة لرفع حصيلة المشاورات إلى الملك؟

         عندما نتفحص منطوق الفصل 47 من الدستور يتضح بجلاء عدم تحديد مدة زمنية معينة بين لحظة تعيين الملك رئيس الحكومة، وبين لحظة اقتراح هذا الأخير لأعضاء الحكومة. هذا الفراغ الدستوري أثار نقاشا واسعا بين الفاعلين السياسيين من جهة، والأكاديميين من جهة أخرى.

في هذا الصدد نعتقد أن أجل تشكيل الحكومة يبقى خاضعا للسلطة التقديرية للملك من أجل الحفاظ على سير المؤسسات الدستورية.

فالفصل 42 من دستور 2011 يؤكد على أن “الملك رئيس الدولة، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للملكة”.

علاوة على ذلك، فإن رئيس الحكومة المعين على أساس نتائج صناديق الاقتراع، لا يقدم المترشحين للملك للتأثير في مفاوضات تشكيل الحكومة على رأس الوزارات الإستراتيجية[4].

من خلال استقراء مجموعة من التجارب المقارنة في هذا الشأن، يتبين أن الفصل 187 من الدستور البرتغالي يشير إلى أنه “يعين رئيس الجمهورية رئيس الوزراء بعد استشارة الأحزاب الممثلة في الجمعية الوطنية ووفق نتائج الانتخابات.

يعين رئيس الجمهورية الأعضاء الآخرين بناء على مقترح من رئيس الوزراء.”

أما الفصل 63 من الدستور الألماني يؤكد على أن “المستشار الاتحادي ينتخب من قبل البوندستاغ دون مداولات على مقترح الرئيس الاتحادي”.

إضافة إلى ذلك الفصل 99 من الدستور الاسباني يقر بأن “الملك يقترح مرشحا لرئاسة الحكومة في كل مرة ينتخب فيها مجلس نواب جديد، وفي باقي الحالات المماثلة التي ينص عليها الدستور بعد أن يكون قد أجرى مشاورات مع الممثلين الذين تعينهم الأحزاب الممثلة في البرلمان، ويقترح الملك مرشحا لرئاسة الحكومة عن طريق رئيس مجلس النواب”.

         يتبين بشكل واضح أهمية ودور البرلمان في تعيين رئيس الحكومة من التجارب المقارنة، عكس المشرع في الدستور المغربي الذي غيب دور البرلمان في المشاركة في المفاوضات لتشكيل الحكومة رغم النواقص التي تعتري الفصل 47 من دستور 2011، فإن الدستور المغربي متقدم على الدساتير السابقة، حيث لا يمكن للملك إقالة رئيس الحكومة، في حين نص الفصل 24 من دستور 1996 يخول للملك بمبادرة منه إنهاء مهام رئيس الوزراء أو أعضاء الحكومة. أما الفصل 47 من دستور 2011 لا يشير إلى أي سلطة للملك لإقالة رئيس الحكومة.

مقال قد يهمك :   دورية الحموشي لمنع تصوير الشرطة تسقط أول مخالف بمدينة فاس

تجدر الإشارة إلى أن المفاوضات من أجل تشكيل الحكومة جد عسيرة وتتطلب المرونة وتوافقات بين الأطراف المعنية، لأن التقطيع الانتخابي المعتمد في المغرب لا يخول لأي حزب سياسي الحصول على الأغلبية المطلقة. هذا تحدي بالنسبة لأي رئيس حزب سياسي مكلف بتشكيل الحكومة تصدر الانتخابات التشريعية. نتيجة لذلك السؤال الذي يؤرق الباحث في القانون الدستوري، ما هي المخارج الدستورية المتاحة لتجاوز الانسداد الحكومي؟

  1. المخارج الدستورية لتجاوز الانسداد الحكومي

يجب التذكير بأن التفاوض يكتسي أهمية خاصة في العمل السياسي. فالمتفاوض يتوجب عليه أن يمتلك مجموعة من المهارات والآليات لمواجهة الأزمات السياسية في تشكيل الحكومة، نذكر على سبيل المثال، الاستماع الفعال، الذكاء اللغوي، اختيار المعلومات بعناية، اتخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب لتفادي الأزمة.

هذه الخصائص تمكن المتفاوض من مواجهة الصعوبات من أجل تشكيل حكومة منسجمة قادرة على رفع التحديات المطروحة.

أما فيما يتعلق بالمخارج الدستورية لتجنب الانسداد الحكومي. فالفقهاء في القانون الدستوري حاولوا إغناء النقاش بآراء قيمة.

في هذا الصدد الأستاذة أمينة المسعودي أشارت إلى أن “المقطع الثاني من الفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور هو مقطع معطوف على المقطع الأول وتأكيدا له، وأن التأويل الدستوري السليم لمقتضيات هذه الفقرة هو اختيار وتعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب”. يبقي الملك محافظا ومحترما لمنطوق الفقرة الأولى من الفصل 47 من دستور 2011[5].

أما فيما يخص الأستاذة نادية البر نوصي، فهي تشير إلى أن الحل الجذري في حالة عدم تمكن رئيس الحكومة المعين من تشكيل الحكومة، هو حل البرلمان وإعادة الانتخابات ويبقى هذا الحل مستبعدا، لأنه مكلف ماليا الدولة في ظل الأزمة الحالية.

إضافة إلى ذلك، الأستاذة نادية  البر نوصي في ندوة نظمت من طرف التجمع الوطني للأحرار 17 يوليوز 2019 الرباط، تساءلت لماذا الحديث عن تعديل الفصل 47 من الدستور فقط قبل الانتخابات مع العلم أن هذا الأمر سيضر الطرف الذي تصدر الانتخابات التشريعية[6].

أما الأستاذ المتخصص في القانون الدستوري عبد الحميد بن خطاب، أشار إلى أن التحكيم الملكي في هذا الوضع هو تحكيم مؤسساتي(بين مجلس النواب ورئاسة الحكومة مثلا). أضف إلى ذلك، أن تدخل الملك في هذه الحالة يدخل ضمن نطاق ضمان دوام الدولة وحسن سير مؤسساتها الدستورية[7].

والأستاذ محمد المدني له رأي آخر على اعتبار أن “إعفاء رئيس الحكومة ليس له أي سند دستوري، بل الرئيس المكلف إذا لم يستطع تشكيل الحكومة، لا يمكن إعفاؤه وإنما يتم بناء على استقالته”[8].

عندما نقارن الفصل 47 من الدستور المغربي والفصل 89 من الدستور التونسي يتبين بوضوح أن نفس القاعدة تم تكريسها، المتمثلة في تكليف رئيس الحكومة المتصدر لانتخابات مجلس النواب، مع العلم أن الدستور التونسي أكثر تدقيقا[9].

إذا كان الدستور المغربي لم يحسم الأمر في المدة المتعلقة بتشكيل الحكومة، فإن الدستور التونسي من خلال الفصل 89 يتسم بالوضوح. ففي حالة عدم تمكن الرئيس المكلف من الحصول على ثقة مجلس الشعب، يقوم رئيس مجلس الجمهورية في أجل 10 أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب بتكليف الشخصية الأجدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض تحدد مفهوم تنازع الاختصاص النوعي على ضوء تعدد أنواع المحاكم

في هذا الإطار يجب التأكيد على أن تحديد المدة في تشكيل الحكومة يسمح للدولة بتفادي الإفلاس وتجميد الخدمات العمومية وارتفاع الديون الخارجية .

إضافة إلى ما تقدم، إن الدستور التونسي لم يلزم رئيس الجمهورية في حالة فشل رئيس الحكومة المعين بتكليف شخصية أخرى، بل منحه سلطة تقديرية بتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين الحكومة مع إجراء المشاورات مع الأحزاب السياسية والائتلافات المعنية[10].

يتجسد الخيار الديمقراطي عندما يكون رئيس الحكومة المعين من الحزب السياسي المتصدر لانتخابات مجلس النواب قادرا على تكوين أغلبية، لكن عندما يفشل في تشكيل حكومته، فإن الخيار الديمقراطي يتحقق بتكليف الشخصية الأقدر على تكوين الأغلبية[11].

خاتمة

حاولنا في هذه الورقة إزالة الغموض الذي ينطوي عليه منطوق الفصل 47 من دستور 2011 الذي أثار جدلا واسعا بين مجموعة من الفاعلين.

خلاصة القول، لا نعتقد أن النقاش سيتوقف عند هذا الحد خصوصا أن انتخابات 2021 على الأبواب.


المراجع المعتمدة:

1-عبد اللطيف وهبي “ظاهرة الفصل 47” الفصل 47 سلسلة الحوار العمومي (12). 2017

2-   محمد اتركين: الدستور والدستورانية من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق، سلسلة الدراسة الدستورية(1)، 2007،

3- التواتي عبد السلام “قراءة في مضامين الفصل 47 “.

4- عبد الحميد بن خطاب “في العودة إلى تأويل الفصل 47”. الفصل 47، سلسلة الحوار العمومية، 2017..

5-محمد ظريف “تصدر الانتخابات وقدرة تشكيل الحكومة يؤرجحان الخيار الديمقراطي” الفصل 47،.

 6-الدستور المغربي 2011

lien : Othmane Ben Taouzer, article 47 de la constitution Marocain du 27 juillet 2011.  7

8 : Reda Moshine, Et si Benkirane ne parvient pas à former son gouvernement ? En ligne : lien


الهوامش:

(*) تم تحكيم هذا المقال العلمي من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون للدراسات والأبحاث القانونية.

[1]. عبد اللطيف وهبي “ظاهرة الفصل 47” الفصل 47 سلسلة الحوار العمومي (12). 2017 ص. 7.

[2]. محمد اتركين: الدستور والدستورانية  من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق، سلسلة الدراسة الدستورية(1)، 2007، ص:17.

[3].محمد اتركين، المرجع السابق. ص19.

[4]Othmane Ben Taouzer, article 47 de la constitution Marocain du 27 juillet 2011. En ligne : lien

[5]. التواتي عبد السلام “قراءة في مضامين الفصل 47 “. الرابط

[6] Faut-il réviser la constitution, la réponse de Nadia Bernoussi, Juillet 2019. En ligne : lien

[7]. عبد الحميد بن خطاب “في العودة إلى تأويل الفصل 47”.

[8]. التواتي عبد السلام “قراءة في مضامين الفصل 47 “.

[9]. محمد ظريف “تصدر الانتخابات وقدرة تشكيل الحكومة يؤججان الخيار الديمقراطي” الفصل 47، ص. 42.

.[10]  نفس المرجع، ص.43

[11].محمد ظريف ” المرجع السابق. ص43.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)