بعض الاشكالات العملية المتعلقةبالتقسيم العقاري وفق القانون 25.90

12 مايو 2021 - 3:01 م المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

حلمي كمال باحث في القانون العام

يعرف التقسيم على أنه كل عملية عقارية ناتجة عن  بيع أو قسمة تهدف أو يترتب عليهما تقسيم عقار إلى بقعتين أو أكثر غير معدة لإقامة بناء عليها ؛ كما أن  بيع عقار لعدة أشخاص على أن يكون شائعا بينهم إذا كان من شأن ذلك أن يحصل أحد المشترين على الأقل على نصيب شائع تكون المساحة المطابقة له دون المساحة التي يجب ألا تقل عنها مساحة البقع الأرضية بمقتضى وثيقة من وثائق التعمير أو دون 2.500 متر مربع  إذا لم ينص على  مساحة من هذا القبيل.

وهذه العمليات لا يجوز القيام بها دون الحصول على إذن مسبق إذا كان العقار موضوع التقسيم يقع داخل  الجماعات الحضرية والمراكز المحددة والمناطق المحيطة بها والمجموعات الحضرية والمناطق ذات صبغة خاصة وكل منطقة تشملها وثيقة من وثائق التعمير موافق عليها كمخطط توجيه التهيئة العمرانية أو تصميم تنمية تجمع قروي[1].

و بمفهوم المخالفة فإن خارج المناطق المشار إليها أعلاه و في غياب أي وثيقة من وثائق التعمير، فإن التقسيم ليس في حاجة إلى إذن بالتقسيم الذي يسلمه رئيس المجلس الجماعي و لكن تكون العملية العقارية، لكي تتم وفق الإجراءات القانونية، في حاجة إلى شهادة إدارية تحدد بأن هذه العملية لاتدخل في نطاق القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقاريةوالمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.

ورغم الوضوح الظاهر الذي يمكن أن يستشف من التعريف و الشروط التي وضعها المشرع، إلا أن تنظيلها على أرض الواقع يطرح العديد من الاشكالات العملية نذكر منها:

1-هل يخول التقسيم حق البناء!!!

و إن كان يبدو هذا السؤال غير منطقي من خلال التعريف الذي وضعه المشرع للتقسيم و الذي يعني تقسيم قطعة أرضية إلى بقعتين أو أكثر غير معدة لإقامة بناء عليها، فإن سبب طرح هذا السؤال يجد سنده في العديد من الاجتهادات التي تفصل بين عمليتين أو ملفين مختلفين، عملية التقسيم في حد ذاته حيث يتقدم طالب التقسيم بملف خاص لتقسيم أرضه إلى بقع أرضية[2]، فبعد الموافقة على عملية التقسيم و صدور الإذن بالتقسيم و إنجاز عملية التقسيم في أرض الواقع يمكن لأي كان أن يتقدم بطلب خاص للبناء فوق البقعة المستخرجة –المرحلة الثانية- و إذا ما تم احترام الشروط القانونية يمكن للمعني بالأمر الحصول على رخصة البناء و إنجاز بنائه فوق البقعة الأرضية الناتجة عن التقسيم.

و أعتقد أن هذه العملية المبنية على الفصل بين ملف التقسيم و ملف البناء فوق أرض ناتجة عن تقسيم فيه نوع من التعسف في قراة النص القانون و خلط بين التقسيم و التجزيئ من حيث الهدف من كل واحد منهما، فإذا كان الهدف من التجزيئ هو إقامة البناء فوق الفقع المستخرجة من هذه العملية، فإن الهدف من التقسيم هو منع البناء فوق البقع المستخرجة و إلا نكون أمام نفس الهدف بصيغ مختلفة.

مقال قد يهمك :   المدارس الفكرية التي أسست إلى علم العقاب الحديث  

فمثلا يمكن الحديث عن شخص له قطعة أرضية مساحتها عشرة هكتارات أراد تقسيمها إلى هكتار في كل بقعة، فيقدم ملف التقسيم لاستخراج عشرة قطع أرضية كل واحدة تتشكل من هكتار واحد. بعد ذلك يقوم ببيع كل هكتار لشخص معين فيأتي هذا الأخير ليقدم طلب رخصة البناء فوق الهكتار الواحد الذي اشتراه من صاحب عملية التقسيم.

ففي هذه الحالة لا يجب أن يحضى طلب البناء بالموافقة و يكون مصيره الرفض لكون العملية ناتجة عن تقسيم، و إلا سنكون أمام عشر هكتارات يعني عشر منازل يعني تجزئة سكنية.

لذلك أعتقد أنه ينبغي إحاطة عملية التقسيم بنوع من المواكبة الإدارية و القانونية، حيث ينبغي تقنين كل عملية تقسيم في الإذن بالتقسيم بكل التفاصيل من كتابة جملة-هذه العملية العقارية ناتجة عن عميلة تقسيم لاتخول حق البناء- كما يجب أخذ نفس الجملة في صك المحافظة العقارية إذا ما تم اللجوء إلى تحفيظ البقع الناتجة عن التقسيم حتى نحفظ حقوق الاغيار و نحفظ إرادة المشرع من خلال فصله في القانون 25.90 بين عملية التجزيئ و عملية التقسيم.

و أعتقد أن الهدف من وجود المحافظة العقارية في لجنة التقسيم دون غيرها من اللجن التعميرية الأخرى الهدف منه ضبط الوضعية العقارية لهذا النوع من العمليات.

كما يجب على الإدارات المتدخلة الأخرى وضع سجل خاص بالعقارات الناتجة عن التقسيم حتى تتمكن من ضبط المحاولات التحايلية وحفظ حقوق الأغيار.

و لا يمكن رفع هذا القيد إلا عن طريق وثيقة تعميرية مصادق عليها تغير التخصيص التعميري للقطع المعنية أو عبر لجنة الاستثناءات المنصوص عليها في القانون 47.18 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار.

2-حالة وقوع العقار موضوع التقسيم بين جماعتين أو أكثر، إلى من يعود الاختصاصا في منح الإذن؟ و ما هي تركيبة اللجنة المعنية بالتقسيم؟

تنص المادة المادة 59 من القانون 25.90 على أن الإذن بالتقسيم يسلمه رئيس مجلس الجماعة الحضرية أو القروية، بعد استطلاع رأي الإدارة، على أساس ملف تحدد السلطة التنظيمية الوثائق التي يجب أن يتضمنها.

و تتكون اللجنة المكلفة بالبث في طلبات التقسيم من:

  • ممثل الوكالة الحضرية
  • ممثل العمالة
  • ممثل الجماعة
  • و ممثل عن المحافظة العقارية
مقال قد يهمك :   ليلى الهريم: الوقاية من المخاطر القانونية والمنازعات القضائية الناجمة عن تدبير الشأن العام 

فإذا كان المشرع  قد حسن صنها في مجال التجزيئات العقارية حيث نص في المادة الثالثة من نفس القانون  على أنه إذا كان  العقار المراد تجزئته يوجد في جماعتين أو عدة جماعات، يسلم الإذن وزير الداخلية أو الوالي أو العامل المعني الذي يفوض إليه مباشرة ذلك، بعد استطلاع رأي رؤساء مجالس الجماعات الحضرية أو القروية المعنية. حيث ينتقل دور رؤساء الجماعات من مماراسات اختصاص أصيل إلى دور استشاري كلما كانت العقار المراد تجزئته ممتد على أكثر من جماعة.

لكن السؤال الذي يطرح في هذا الباب هو لماذا فصل المشرع في مجال التجزيئ وترك فراغا تشريعيا في مجال تقسيم العقارات التي تقع داخل جماعتين أو أكثر؟

هل يجوز استخدام القياس في هذه الحالة و تطبيق المادة الثالثة من نفس القانون و إسقاطها على عمليات التقسيم؟

تشكل قوانين التعمير أحد أهم النماذج القانونية ذات الصياغة اللغوية التي تقبل تأويلات و قرأت متعددة وهذا ليس عيبا بقدر ما هو مساحة متاحة للمنظومة المحلية لتكييف و تطويع النص وفق ما يفرضه المجال و العقار.

وفي هذا السياق يمككنا طرح احتمالين أساساين :

  1. منح الإذن من طرف الرؤساء الذين يقع العقار داخل مجالهم الترابي بشكل مشترك بعد استطلاع رأي اللجنة المعنية و التي يمثل فيها جميع الجماعات، لكن هذا الخيار مخاطره أكثر من إيجابيته نظرا لتعدد المتدخلين حيث تعدد الأراء أحينا تضيع المسؤوليات و تضيع معها حقوق المرتفقين، كذلك كيف يمكن احتساب أجل شهرين، الذي بانقضائه يصبح الإذن ممنوحا إذا لم يبتوارؤساء الجماعات في طلب الحصول عليه داخل شهرين من إيداعه.
  2. قياسا على المادة الثالثة من القانون 25.90، كلما كان العقار موضوع التقسيم يقع بين جماعتين أو أكثر يتولى العامل منح الإذن بالتقسيم بعد استطلاع رأي رؤساء الجماعات المعنية، و إن كان هذا الطرح الأقرب للصواب لكونه أولا له سلطة المراقبة على الجماعات الترابية و من جهة أخرى يضمن حقوق المواطنين و يغنيهم عن التنقل بين عدة إدارات.

3-حالة وجود نفس العقار جزء منه داخل وثيقة تعميرية و جزء خارج و ثيقة التعمير.

أثناء إعداد و ثيقة من وثائق التعمير، ونظرا لظروف تقيية أو مالية يتم تحديد المجال المعني بالدراسة لتشمله وثيقة التعمير، فتق بعض العقارات في جزء منها داخل الوثيقة و جزء أخر خارجها.

فهل في هذه الحالة يجوز التقسيم أم لا؟

أعتقد أن هذه الحالة لاتطرح إشكالات من حيث المبدأ، لأن وجدود وثيقة التعمير لا يمنع التقسيم وأن المنع الوحيد في هذه الحالة هو تخصيص البقعة الأرضية للبناء بمقتضى وثيقة من وثائق التعمير، بل ويجوز تقسيم عقارات داخل وثائق التعمير نفسها إذا كانت غير مخصصة للبناء[3].

مقال قد يهمك :   ندوة علمية تسلط الضوء حول حصيلة مدونة الأسرة بعد 15 سنة من التطبيق وآفاق التعديل

وقد كانت تذهب بعض الكتابات إلى منع التقسيم كلما كان العقار مغطى بوثيقة تعميرية[4]، لكن المبدأ العام في اعتقادي أن كون العقار في جزئه مغطى بوثيقة التعمير و أخر لاتشمله الوثيقة غير معني بأي قيد من الناحية القانونية مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف كل نازلة و شروطها التقنية و العقارية.

4-الحالة التي يكون لنفس العقار تخصيصات مختلفة في وثائق التعمير

أصبحت هذه الحالة ذائعة الشيوع خصوصا في بعض المناطق التي توجد بها بعض الملكيات العقارية الكبيرة أو مناطق مختلفة التخصيص كالمجال السقوي مثلا، حيث تجد نفس الملكية العقارية جزء منها مخصص للبناء و جزء أخر مجال سقوي محدد في وثيقة التعمير، حيث يلجأ صاحب الارض إلى تقديم طلب التقسيم بهدففصل ملكيته العقارية إلى ملكيتين حسب التخصيص الوارد في وثيقة التعمير، لضمان استغلال، على الأقل الجزء المخصص للبناء من قطعته الأرضية لأنه مورد مالي مهم.

فما عليه في هذه الحالة سوى تقديم طلب التقسيم لاستخرج القطعة المعدة للبناء وفصلها عن المجال السقوي، وعند دراسة هذا الملف تتناسل العديد من الأسئلة هل نطبق القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية أم نطبق القانون رقم 34.94 المتعلق بالحد من تقسيم الأراضي الفلاحية الواقعة داخل دوائر الري ودوائر الاستثمار بالأراضي الفلاحية غير المسقية.

أعتقد أن هذه الحالة لاتشكل إشكالا قانونيا معقدا، لكون الهدف هو احترم التخصيص التعميري لوثيقة التعمير و ضمان التنفيذ السلس لنفس الوثيقة العميرية، كما أنه يحافظ على التوازن و التصور العام للدراسة التي انتجت الوثيقة التعميرية.

خلاصة

تشكل عملية التقسيم أحد العمليات المعقدة و المتشعبة في مجال التعمير، حيث تختلف باختلاف المعطيات التقنية و القانونية و العقارية و بتعدد الانظمة القانون الضابطة للمجال العقاري بالمغرب بتعددها وتعقيدها أحيانا أخرى.

لذلك فكل حالة لها شروطها ووضعيتها القانونية التي تستلزم دراسة خاصة، و ما هذه إلا بعض الحالات التي يمكن أن تتفرع عنها حالات أخرى أكثر تعقيدا.


الهوامش:

[1]المادة 58 من القانون 25.90.المتعلق بالتجزئات العقاريةو التقسيم والمجموعات السكنية.

[2]تختلف المساحات الدنيا للبقع المستخرجة نتيجة عملية تقسيم بحسب الانزمة القانونية المنظمة للعقار المراد تقسيمه.

[3]أراضي غير مسموح فيها بالبناء كالمناطق الفيضية…

[4]ذهب إلى ذلك الاستاذ محمد محجوبي في كتابه قراءة عملية في قوانين التعمير المغربية، طبعة 2006.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)