توفيق ناجم: واقـــع الشفافية في الإدارة المغربية وعــوامل تــعزيزها

خالد خالص: قرارات ومقررات أجهزة هيئة المحامين- إشكالية الطبيعة القانونية واشكالية الطعون-

بلمينة نعيمة: الإشكالات الواقعية و القانونية لتنفيذ الأحكام المدنية

5 ديسمبر 2022 - 9:42 م مقالات , القانون الخاص , مقالات
  • حجم الخط A+A-

 بلمينة نعيمة باحثة في سلك الدكتوراه 

   مقدمة :

            إن التنفيذ هو لحمة الحكم وسداه وهو يمثل أهم مرحلة من مراحل التقاضي التي غالبا ما تكون عسيرة ومظنية وطويلة الأمد . فبدون تنفيذ تصير الأحكام عديمة الجدوى والفعالية ويفقد الناس ثقتهم في القضاء ويدب اليأس في نفوسهم وتعم الفوضى وينعدم الأمن والأستقرار في وسط المجتمع …. فالتنفيذ إذن هو الذي يحول الحقوق من حالة السكون إلى الحركة عن طريق إجبار وإلزام من صدرت الأحكام في مواجهتهم على إرجاع تلك الحقوق إلى أصحابها ولو بالقوة [1].

    ومعلوم أن الشريعة الإسلامية قد أكدت على صفة الإلزام التي يجب أن تعطى للأحكام القضائية قبل أن تقول بها النظريات الحديثة فقد جاء في تبصرة الحكام لإبن فرحون بأن القضاء “ّهو الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام ” كما عرف نفس المؤلف التنفيذ بانه “الإلزام بالحبس وأخذ المال بيد القوة ودفعه لمستحقه وتخليص سائر الحقوق “. وجاء في الرسالة المشهورة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري عندما ولاه القضاء “….. فإنه لاينفع التكلم بحق لانفاذ له …”وذهب الإمام الماوردي إلى أبعد من ذلك حينما أوجب محاربة الذين يتمردون على أحكام القاضي فقال “فأما أهل العمل – يقصد بهم الخصوم – فالتنفيذ لازم في حقوقهم بإظهار الطاعة وإلزام الحكم فإن امتنعوا عن التزامه لعذر أوضحوه وإن كان لغير عذر أرهبوا فإن أقاموا على الإمتناع حوربوا عليه كما يحاربون على امتناعهم من الفروض”.[2]

     وكذلك يجد موضوع تنفيذ الأحكام القضائية أهميته في كونه أسمى تعبير من كل الأطراف المعنية عن تمجيد القضاء وتكريم السلطة القضائية وفي ذات الوقت اعتراف بحقوق المواطنين واحتراما وتكريسا لحقوق الإنسان طبقا لما أكد عليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله خلال ترأسه لإفتتاح أشغال دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999 حيث أكد حفظه الله أنه :” … من البديهي أنه لن يحقق القضاء هذا المبتغى إلا إذا ضمنا لهيئته الحرمة اللازمة والفعالية الضرورية بجعل أحكامه الصادرة بإسمنا تستهدف الإنصاف وفورية البت والتنفيذ وجريان مفعولها على من يعنيهم الأمر “.

    وبالتالي فقد تطور مبدأ تنفيذ الأحكام إلى أن صار مبدأ دستوريا كرسه الفصل 126 من الدستور المملكة لسنة 2011 بتنصيصه على ما مؤداه ” يجب على الجميع احترام الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ” . بإعتبار أن أحكام القضاء ما هي إلا تطبيق للقانون الواجب النفاذ حيال الجميع .

   وتأسيسا على ما سبق فإن الموضوع الذي نحن بصدد تحليله ورصد مكامن عواره يطرح إشكالا مركزيا مفاده  إلى أي حد استطاعت الإكراهات والإشكالات القانونية التي تعترض تنفيذ المقررات القضائية أن تصير سببا حائلا دون نجاعة وفعالية هذه الأحكام والقرارات؟ ينطوي هذا الإشكال على سؤالين فرعيين، أولهما  ماهي الإكراهات والمعيقات التي تعترض تنفيذ الأحكام القضائية ؟ وثانيا ما ثأتيرها على مصداقية وثقة المواطنين في قضائهم ؟

وللإجابة عن هذين السؤالين فإننا نرى أن ننطلق من فرضية قائمة على كون أن التنظيم التشريعي الحالي لنظام تنفيذ الأحكام والقرارات ورغم كل الجهود المبذول والمحاولات التي يتدخل فيها المشرع من حين إلى اخر لسد بعض الهفوات فإنه لازال قاصرا على مجابهة كل الإكراهات والإشكالات القانونية التي تعترض التنفيذ.

ولتأكيد هذه الفرضية فإننا ارتأينا اعتماد التصميم التالي :

  • المبحث الأول :الجهة المكلفة بالتنفيذ القضائي وأهم الإكراهات والإشكالات القانونية التي تواجهها
  • المبحث الثاني : مسطرة التنفيذ القضائي وأهم الإكراهات والمعيقات والإشكالات القانونية

المبحث الأول: الجهة المكلفة بالتنفيذ القضائي وأهم الإكراهات والإشكالات القانونية التي تواجهها   

 مما لاشك فيه أن التنفيذ يتوقف على فعالية الأجهزة المشرفة على سيره ومراقبته لذلك  أجمعت التشريعات على إسناد مهمة الأشراف والرقابة على سير عملية التنفيذ للقضاء ,الأمر الذي يدفعنا إلى توضيح موقف المشرع المغربي بخصوص قاضي التنفيذ (المطلب الأول ) على أن نتطرق إلى أعوان قضاء التنفيذ في (المطلب الثاني ).

المطلب الأول :نظام التنفيذ في التشريع المغربي بين إكراهات الواقع وآفاق التغيير .

الفقرة الأولى :الإكراهات والعوارض التي يفرزها نظام التنفيذ في التشريع المغربي .

إن أهمية التنفيذ دفعت العديد من التشريعات إلى خلق مؤسسة قضائية مستقلة مكلفة بالتنفيذ تتوفر سلطات قضائية بخصوص تسيير الإجراءات والبت في منازعات التنفيذ كالتشريع السوري واللبناني[3] والعراقي والمصري والفرنسي .وقد توزعت هذه التشريعات فيما يتعلق بإختصاصات قاض التنفيذ وصلاحياته إلى ثلاثة اتجاهات :

أ)  إتجاه قصر إختصاصه على النظر في منازعات التنفيذ دون الإشراف على إجراءاته.

ب) اتجاه رأى أن لا معنى للأخذ بنظام قاضي التنفيذ في حدود النظر في منازعات التنفيذ ، فوسع اختصاصه ليشمل أيضا القيام بإجراءات التنفيذ والإشراف عليها ،واتخاذ جميع التدابير اللازمة لذلك ،وهو الاتجاه الذي سار عليه التشريع اللبناني والإيطالي .

ج) اتجاه وسط لا يحصر اختصاص قاض التنفيذ في الفصل في منازعات التنفيذ فقط على غرار الرأي الأول ،ولم يأخذ بما نادى  به الرأي الثاني بوضع نظام يكفل لقاض التنفيذ الرقابة الفعلية على الإجراءات ،إذ لم يستلزم تقديم طلب التنفيذ إليه أو الحصول على إذن مسبق منه قبل اتخاذ الإجراء بل جعل رقابته لاحقة على الإجراءات (طلب التنفيذ يقدم إلى عون التنفيذ ويقوم هذا الأخير،بإعتباره معاونا لقاض التنفيذ،بما يلزم لإجراء التنفيذ ، ولا يعرض الأمر على القاضي إلا عقب كل إجراء ) فإشراف قاضي التنفيذ وفقا الإتجاه الوسط الذي يمثله التشريع المصري هو إشراف لاحق للإجراء وليس سابقا له[4].

   أما بخصوص تعامل القانون المغربي مع مؤسسة قاض التنفيذ فقد كانت أولى محاولاته لإرساء دعائم هذه المؤسسة كانت بمناسبة إحداث محاكم تجارية التي نص قانونها على إحداث مؤسسة قاضي التنفيذ قصد متابعة إجراءات التنفيذ بالنظر لما تقتضيه طبيعة القضايا المعروضة على هاته المحاكم من سرعة في البت وإصدار الأحكام وتنفيذ هذه الأحكام .

وإذا كان الفصل الثاني من قانون إحداث المحاكم التجارية قد نص على إحداث هذه المؤسسة باعتباره الفصل الوحيد الوارد في هذا المجال فإن قانون 95-53 من خلال مادته 23 يحيل على مقتضيات قانون المسطرة المدنية ما لم يوجد نص مخالف، مما يفسر أن اختصاصات قاضي متابعة إجراءات التنفيذ غير واضحة المعالم و غير مؤسس على قواعد قانونية جديرة بالاهتمام، مما يجعلها مؤسسة غير ذات مضمون حقيقي .

أما بخصوص مؤسسة قاضي التنفيذ على مستوى المحاكم العادية، فإنه تم التكريس لها من خلال مجموعة من الرسائل الدورية الصادرة عن وزارة العدل التي تهدف إلى تعبئة  المحاكم سنويا لتدبير و القضاء على مخلف ملفات التنفيذ اذ يتم التنصيص في كل رسالة  دورية على تعيين قاضيا للتنفيذ، توكل إليه مهمة تتبع إجراءات  التنفيذ دون تحديد اختصاصه بشكل واضح، مما أدى إلى خلق تذبذب واضح انعكس سلبا على وظيفة هذا الجهاز و بالتالي عدم التوصل إلى إشراف فعال له على إجراءات التنفيذ ولعل السبب في عدم نجاح هذه التجربة كون المشرع لم يفرد فصولا خاصة بمؤسسة قاضي التنفيذ تحدد اختصاصاته بشكل واضح وجلي على غرار قاضي تطبيق العقوبات وقاضي التوثيق سيما و أنه يتم تعيينهما بمرسوم من وزير العدل لمدة ثلاث سنوات .

وأيضا الدور المكرس لرئيس المحكمة الابتدائية باعتباره قاضيا للتنفيذ في دائرة محكمته لمنحه البث في الصعوبات الوقتية للتنفيذ طبقا للفصلين 149 و 436 من ق م م إضافة إلى إشرافه على عمليات التنفيذ وإصداره مختلف الأوامر و القرارات الولائية المتعلقة بها إضافة إلى الأدوار المنوطة برئيس مصلحة كتابة الضبط الذي يعتبر المشرف الفعلي على التنفيذ من الناحية العملية ، كل ذلك وفي غياب تحديد واضح لاختصاصات مؤسسة قاضي التنفيذ، جعل من هذه الأخيرة تجربة تفتقد إلى  الرؤية و التصور الواضحين، و بالتالي عدم نجاحها في مهمتها ولعل الواقع  العملي خير دليل على ذلك، بل إن عدد من المحاكم تعين قضاة لتتبع إجراءات التنفيذ في جمعياتها العمومية تطبيقا لمقتضيات الفصل 429 من ق م م

ويشار إلى ذلك بمحضر الجمعية في حين يظل رئيس المحكمة هو المحدد و المشرط بل الممارس على مستوى تتبع الإجراءات التنفيذية، فضلا عن اختصاصه في كل القضايا و النزاعات التي تهم التنفيذ دون غيره.

إن الاقتضاب الذي تعامل به المشرع مع هذه المؤسسة من خلال إغفاله تحديد اختصاصات القاضي المكلف بتتبع إجراءات التنفيذ من جهة، وعدم التأصيل لها و شرعنتها من خلال نصوص قانونية واضحة المعالم، لا من خلال دوريات سنوية تتم فيها إشارات عابرة لهذه المؤسسة، كل ذلك أدى إلى إحداث نوع التقاطع في اختصاصات رئيس المحكمة، وكذا تدخل اختصاصاته مع رئيس مصلحة كتابة الضبط باعتباره جهاز إداري.

ووعيا

الفقرة التانية : التعديلات المدخلة على نظام التنفيذ بالمغرب من خلال مشروع قانون المسطرة المدنية

إن إنشاء مؤسسة قاضي التنفيذ تتبوأ مكانة مركزية في عدد من الأنظمة القضائية المقارنة ذلك أن نجاعة السلطة القضائية تكمن أولا في تهيئة السند التنفيذي أولا، ثم تمكين الدائن من اقتضاء حقه عن طريق التنفيذ،وهاتين الوظيفتين تتكامل فيما بينها، مما يستدعي توفير إشراف متواصل على إجراءات التنفيذ وعلى الأجهزة المشرفة عليه، وذلك لا يتأتى إلا بخلق جهاز قضائي نوعي ومستقل.

ووعيا من المشرع المغربي بأهمية هذه المؤسسة فإنه عمل على تحضير مشروع قانون المسطرة المدنية الذي نأمل المصادقة عليه في القريب العاجل حتى يصبح قانونا ساري النفاذ ، هذا المشروع يتضمن مجموعة من التعديلات المدخلة على نظام التنفيذ ولعل أبرزها إحداث مؤسسة قاضي التنفيذ وتمكينه من مجموعة مهام وصلاحيات واضحة المعالم استنادا للمادتين 529/530 اذ جاء فيهما أنه يعين رئيس محكمة الدرجة الأولى ،بإقتراح من الجمعية العامة ، قاضيا أو أكثر من بين قضاة المحكمة للقيام بمهام قاضي التنفيذ .

كما ينوب عن قاضي التنفيذ في مهامه عند الإقتضاء ، قاض أو أكثر يعين بنفس الطريقة ويساعده عدد كاف من الموظفين والمكلفين بالتنفيذ .

كما يختص قاض التنفيذ وحده بإصدار الأوامر المتعلقة بالتنفيذ ، كما يتولى الإشراف ومراقبة سائر إجراءات التنفيذ.و يبت كذلك في صعوبات التنفيذ الوقتية الناشئة عن إجراءات التنفيذ وفي منح الأجل الإسترحامي الذي لايعطى إلااستتناء ولظروف خاصة على أن لا يتعدى شهريين .

وبالتالي يكون المشرع من خلال هذه التعديلات قد تمكن من تجاوز مجموعة من الإكراهات والإشكالات التي تعترض عملية التنفيذ المشار إليها في هذا العرض.

وفي ختام هذه الفقرة نورد ملاحظة بسيطة على المادة 529 ، هو أنه كان ينبغي تعيين قاضي التنفيذ بقرار من وزير العدلعلى غرارقاضي التحقيق وقاضي تنفيذ العقوبة … وليس بإقتراح من الجمعية العمومية التي غالبا ما يتم خرق مقتضيات المنضمة لها .

المطلب الثاني : أعوان التنفيذ ( الاكراهات و المعيقات ) والإشكالات القانونية التي تثيرها عملية تبليغ الأ حكام

بقدر ما تهيأت للمكلف بالتنفيذ الوسائل الضرورية لتحقيق الحكم القضائي واقعا منفذا بقدر ما أحس المحكوم لفائدته بالاطمئنان على حقه و من هنا يتضح بأن دور أعوان التنفيذ في غاية الأهمية في هذا المجال سواء كانوا أعوان كتابة الضبط أو المفوضون القضائيين فكلا الجهتين لهما دور بالغ الخطورة في تحقيق العدالة و ذلك من خلال تنفيذ الأحكام لكن هذا الدور غالبا ما تعتريه مجموعة من الاكراهات و المعيقات تحول دون تنفيذ بعض الأحكام و القرارات القضائية أو تعطيلها , من خلال هذا المطلب سوف نتطرق إلى أعوان التنفيذ كجهة في ( الفقرة الأولى ) على أن نتطرق في ( الفقرة الثانية ) الى الاكراهات و المعيقات المرتبطة بهذه الأخيرة .

الفقرة الأولى : أعوان التنفيذ ( الاكراهات و المعيقات ) 

تتجسد هذه المؤسسة في كل من أعوان كتابة الضبط و المفوضون القضائيين .

أ- كتابة الضبط

إذا كانت كتابة الضبط تلعب دورا هاما في العمل القضائي كجهاز مساعد للقضاء فان ذلك يرجع إلى مقومتها الأساسية من تنظيم لاختصاصاتها , و إن كانت المسطرة المدنية تجاهلت اختصاصات كتابة الضبط و تراجعت عن  المقتضيات التي سبق تحديدها وفق قانون المسطرة المدنية ل 1913 فهذا لا يعني أن مجموعة من القوانين السارية المفعول جردتها من الاختصاصات المرتبطة بها[5]

فإذا ذهبنا إلى المادة 49 من قانون المحاكم الإدارية نجدها تنص على أنه : يتم التنفيذ بواسطة كتابة ضبط المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم …) كما تنص المادة 18 من قانون محاكم الاستئناف الإدارية على أن تنفيذ أحكام هذه المحاكم يتم بواسطة كتابة ضبط المحكمة الإدارية المصدرة للحكم . من خلال هذه المقتضيات يتضح بأن تنفيذ الأحكام الإدارية يتم بواسطة كتابة الضبط المحكمة الإدارية المصدرة للحكم و بهذا خول المشرع لكتابة الضبط القيام بالإجراءات المطلوبة للتنفيذ على يد أعوانها لأنهم هم الذين يمثلون السلطة العامة المختصة بالتنفيذ و بصفتهم مصلحة عمومية تكون رهن المتقاضيين, وهذه المهام التي تقوم بها كتابة الضبط و المسؤولية المنوطة بأطرها قد نص عليها ق م م المدنية لسنة 1913 و الظهير الشريف الصادر بتاريخ 1956/04/04 المنظم للمحاكم العادية وظهير التنظيم القضائي الصادر بتاريخ 15 يوليوز 1974 مع التغيير الذي وقع سنة 1993 دون إغفال ما بدله القائمون على هذا الجهاز من مجهودات و تزويدهم بالمنشور الوزاري عدد 858 الصادر بتاريخ 22 ماي 1979 و المتعلق بالتنظيم الهيكلي لمصلحة كتابة الضبط [6].

نظرا لخطورة الإجراءات التي يباشرها كاتب الضبط فقد عملت وزارة العدل على تنظيم حلقات دراسية مستمرة في إطار التكوين المستمر , تخصص لتلقين أجهزة كتابة الضبط القواعد القانونية و الإجراءات الإدارية , وقد نظمت هذه الدورات التكوينية على المستوى الوطني و الجهوي .لكن رغم هذه المجهودات فان التجربة العملية أثبتت أن عمليات التنفيذ لا تتم بالصورة المطلوبة وأن جهاز كتابة الضبط لم يعد في مقدرته التغلب على كل القضايا المكلف بها و لهذا عمل المشرع المغربي على تطوير وسائل عمل المحاكم لتسهيل عملية التبليغ و التنفيذ فأحدث جهازا مستقلا تحت إشراف القضاء أطلق عليه اسم المفوضين القضائيين[7] .

ب-المفوضين القضائيين

تم إحداث جهاز المفوضين القضائيين بموجب الظهير الشريف رقم 440-1-80 الصادر في 25 دجنبر 1980 بهدف التخفيف على أعوان المحكمة من الكم الهائل من عدد الأحكام القابلة للتنفيذ و نقل هذا العمل تدريجيا إلى جهة مستقلة كما هو الحال في بعض التجارب المقارنة كتونس و مصر و فرنسا و غيرها من الدول[8] حيث قطعت هذه المؤسسة أشواطا بعيدة في التنظيم داخل الحقل القضائي .

و إذا كان إحداث مؤسسة المفوض أو العون القضائي سابقا حدث هام ساهم في تسهيل عملية التنفيذ ,على الرغم من بعض الأفعال اللامشروعة للبعض منهم و العائدة بالأساس لغياب الضمير المهني مما يؤثر سلبا على صمعتها إلا انه لا زالت تعتريها مجموعة من الاكراهات و المعيقات وهو ما سنتناوله في الفقرة الموالية  .

وإذا كان عون التنفيذ أو المفوض القضائي يعد عنصرا أساسيا في عملية التنفيذ فان عدم تنفيذ حكم قضائي يعود أحيانا في بعض الحالات لهؤلاء إما لارتكابهم بعض الأفعال اللامشروعة يتم فيها خرق القانون و إما لأسباب خارجة عن إرادتهم .

و من الأفعال التي يرتكبها بعض مأموري إجراءات التنفيذ و التي تكون سببا يحول دون إتمام عملية التنفيذ ما يلي :

  • إبرام اتفاق مع بعض المنفذ عليهم على أساس ان يتم تنفيذ المبالغ المحكوم عليهم بها على أقساط يتضمنها هذا العقد اللامشروع , الذي قد يمتد تطبيق بنوده شهورا و قد يصل إلى السنة لأداء أخر قسط و بذلك تطول عملية التنفيذ و يجد عون التنفيذ سببا صحيحا لهذه العملية ,بكونه يقوم بالإجراءات العادية , ولا يمكنه أن يمكن طالب التنفيذ من أية وثيقة تفيد الامتناع عن التنفيذ لأن المنفذ عليه مادام قد شرع في الأداء بهذه العملية التسلسلية المدروسة فلا جناح عليه في ذلك , ويبقى طالب التنفيذ في هذه الحالة مكتوف الأيدي و ملزما بانتظار عون التنفيذ و كأن لهذا الأخير كامل حرية التصرف في شكل وطريقة التنفيذ ,لأن المبالغ المحكوم بها تبقى في صندوق عون التنفيذ الى أن يتوصل بآخر قسط من هذا المبلغ[9] .
  • إعطاء العناية بتنفيذ الأحكام المتضمنة لمبالغ كبيرة دون الاهتمام بتنفيذ باقي الأحكام و يعتبر هذا العيب من سلبيات خوصصة مهمة التبليغ و التنفيذ في حين أن العون القضائي و بدافع المصلحة يبادر إلى تنفيذ الأحكام ذات القيمة المرتفعة للاستفادة من نسبة جد هامة خاصة و أن الوزير المنتدب المكلف بالشؤون الاقتصادية خولهم هذا الحق[10] .
  • الاحتفاظ بالملفات التنفيذية مدة طويلة و عدم إشعار طالب التنفيذ , و يخلق هذا الخرق الإجرائي عدة مشاكل في التنفيذ فيتعذر بدءا على رئيس المحكمة الاطلاع على الملف التنفيذي للتأكد من عدد الصعوبات المثارة من جهة كما يفتح الباب أمام العون القضائي لاختلاق أسباب عرقلة التنفيذ و إطالة عمره بدون هدف سوى المماطلة .
  • تغيير طريقة تنفيذ الحكم دون استشارة طالب التنفيذ و لا رئيس المحكمة
  • عدم ذكر بعض الأعوان القضائيين تاريخ انجاز محاضر الحجز التنفيذ للمنقولات و تظهر أهمية هذه التواريخ حين يعرض على رئيس المحكمة مثلا طلب استعجالي من أجل تأجيل إجراءات البيع لهذه المنقولات في إطار الفصل 468 من قانون المسطرة المدنية حينما يستجيب لهذا الطلب يبقى منحصرا على هذه المنقولات لا يجد تاريخا ضمن هذا المحضر مما يضطر الى صياغة جمل أطول في منطوق الحكم القضائي بالتأجيل .
  • عدم ضم الملف التنفيذي إلى ملف الصعوبة المثار أو ملف تأجيل أو إيقاف التنفيذ مما قد يجعل من قرار رئيس المحكمة أجوفا متى تم التنفيذ و الأخطر من ذلك هو عدم حضور العون القضائي بالمحكمة يوم انعقاد جلسة البت في الصعوبة أو تأجيل التنفيذ و احتفاظه بالملف التنفيذي و إسراعه الخط نحو تنفيذه .
  • توجيه الملفات التنفيذية للخبراء تلقائيا بعد الحصول على أمر بإجراء خبرة من طرف رئيس المحكمة و قبل أداء واجبها و كذلك مخالفة عروض الوفاء و إجبار المنفذ لفائدته على قبول الوفاء الجزئي .
  • انجاز بعض المحاضر التي لا تفيد طالب التنفيذ مثل محضر عدم إحضار محجوز و الحال إن دور العون القضائي حسب قانون المسطرة المدنية في القسم التاسع الخاص بالتنفيذ عليه أن يتفقد المنقولات موضوع الحجز و يمكنه متى لم يجدها أن ينجز محضرا لتحديدها أو إتلافها حتى يتأتى لطالب التنفيذ تحريك شكاية من اجل إتلاف المحجوزات[11] .
  • تجدر الإشارة إلى أن كل هذه الأمور تدخل ضمن الأفعال التي يقوم بها عون التنفيذ و التي تكون سببا في اعتراض تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية ,لكن هناك بعض الاكراهات التي تواجه مأمور التنفيذ و التي تكون خارج عن إرادته و تتمثل في :
  • عدم توفر أعوان التنفيذ على بطائق مهنية تعرف بهم لدى المطلوبين في التنفيذ و السلطات , و لا يرتدون بدلا خاصة أو يحملون شارات تميزهم أو يتوفرون على هواتف تمكنهم من ربط الاتصال برؤسائهم و لا يستعملون سيارة للمصلحة أثناء القيام بعملهم . و يعتمد بعضهم على استعمال سيارته الخاصة إذا كان يملكها في حين لا يستطيع البعض الأخر منهم الوصول إلى مكان التنفيذ إلا بعد قطع عدة مراحل قبل أن يتمكن من إيجاد وسيلة نقل تنقله متأخرا لمكان التنفيذ و في ظروف غير لائقة و حتى و إن كان يتوفر على وسيلة نقل أو حصل عليها فانه يضطر في جل الأحيان إلى عدم استعمالها لوعورة بعض المسالك , و يكون السبيل الوحيد للوصول إلى مكان المهمة هو قطعه لمسافات طويلة مشيا على الأقدام .
مقال قد يهمك :   ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير : قراءة على ضوء الرسالة الملكية و تعديل المادة 4 من مدونة الحقوق العينية

هذا و قد زاد غياب التجهيزات الكافية بالمحاكم محنة هذا المأمور لكون هذه الأخيرة لا تتوفر على مستودعات لحفظ المنقولات المحجوزة , كما أنها تفتقر إلى قاعات البيوعات و هو ما يضطرهم إلى العدول عن نقل ما حجزوه من مكان الحجز ليجدونه يوم البيع قد أتلف أو بدد أو نقل إلى مكان غير معروف[12] .

و بالمدينة قد يجد هذا المأمور نفسه مرغما للنقر على جميع الأبواب للاستفسار و البحث قصد العثور على المنفذ عليه نتيجة انعدام ترقيم المنازل و المحلات , و نتيجة تغيير مفاجئ في أسماء الأزقة و الشوارع ناهيكم على أن بعض الأحياء الجديدة التي تفتقر إلى الترقيم و أسماء الأزقة و قليلا ما يهتدي المأمور إلى العنوان المقصود بوسائله الخاصة إلا بعد الاستعانة بمقدم الحي  و مساعدي البريد و قابض الوكالة المستقلة لتوزيع الماء و الكهرباء .

و يكتفي عند فشله في العثور على المنفذ عليه بتحرير محضر يثبت فيه هذه الواقعة في انتظار إدلاء طالب التنفيذ بالعنوان الصحيح .

ومن المعلوم أن بعض الأحكام الصادرة بالقسمة و إفراغ العقارات تتطلب الاستعانة بخبراء مختصين لمساعدة مأمور التنفيذ إلا أننا نلاحظ أن هؤلاء التقنيين المنتدبين لتسهيل مأمورية العون يساهمون في تأخير التنفيذ بل عرقلته في بعض الأحيان بتبريرات تتمثل في كون مبلغ الأتعاب لا يكفيهم للقيام بمهامهم و لا يحضرون في اليوم المحدد للتنفيذ بالرغم من كونهم قد شاركوا العون في اختيار اليوم .

و هكذا نجد في بعض الملفات أن الخبير المعين لمساعدة مأمور الإجراء قد طلب تأجيل عملية التنفيذ أكثر من ثلاث مرات لأسباب واهية للتهرب من القيام بمهمته بالرغم من كونه هو الذي قام بالمشروع . كما أننا نلاحظ بعض الخبراء لا يحضرون إلا بعد مضي الوقت المحدد للعملية بساعات بغية صرف المأمور عن القيام بمهمته و بالتالي فإنهم لا يضعون تقاريرهم إذا ما قاموا بمهمتهم , إلا بعد مدة طويلة .

و قد يصطدم عون التنفيذ في بعض الأحيان بصعوبة تكمن في كون الخبير الذي يرافقه غير ملم بالمهمة التي هو بصدد القيام بها و غير مختص فيها مما يجد معه المكلف بالتنفيذ نفسه ملزما بالقيام بدورين – ( دور المنفذ و دور الخبير )-[13] .

و يساهم هؤلاء الخبراء في تعطيل البيوعات القضائية بتقديراتهم للأثمنة الافتتاحية التي لا تتلاءم مع الواقع , و كثيرا ما نجد في الملف الواحد تقييمين أو ثلاثة , و هو ما يثير بحق استنكار واستياء المتقاضين كما أننا نجد هؤلاء الخبراء يجهلون قواعد الإرث و هذا ما يجعلهم يقدمون للمحكمة مشروعات تتعلق بالقسمة تخالف تماما النصوص الفقهية و الشرعية و من هنا يمكن القول بأن هناك بعض الأمور تخرج عن إرادة عون التنفيذ تتسبب في تعطيل الحكم القضائي أو عدم إتمام إجراءات تنفيذه ومن بينها ما سبق ذكره .

الفقرة الثانية : الإشكالات القانونية التي تعترض تبليغ الأحكام

في كل عملية من عمليات التنفيذ وقبل البدء في مباشرتها لابد من تبليغ الحكم المراد تنفيده إلى المنفذ عليه وبالتالي إعطائه فرصة حتى يكون على علم بالإجراء الذي سيتخذ ضده لكن هناك مجموعة من الإشكاليات المتعلقة ببعض شكليات التبليغ ،حيث نجد المشرع المغربي نص في المادة 36 على ضرورة تضمين الإسم العائلي والشخصي بورقة التبليغ ، إلا أنه لم يرتب جزاء على إغفاله ، فالغاية التي توخاها المشرع تسهيل التعرف على المبلغ إليه وتحديد هويته بشكل دقيق [14]والواقع أن المجتمع المغربي لازال في بعض المناطق القروية يعاني من عدم تعميم نظام الحالة المدنية ، الذي يعتبر إجباريا مما يترتب عن ذلك إمكانية عدم توفر الشخص على اسم عائلي .

     كما أن الغاية والحكمة من وراء استلزام المشرع ببيان اسم وصفة من سلم له الإستدعاء ، هو التحقق من أن التسليم قد تم إلى واحد ممن لهم الصفة في التسليم (الفصل 39 ق.م.م )، إلا أن المشرع رغم تنصيصه على اعتبار التبليغ صحيحا إذا رفضه صاحب الحق ، أو امتنع عن التوقيع فإنه لم يوضح حكم الحالة التي يمتنع فيها المتسلم الإفصاح عن هويته وصفته ، فالكثير من التبليغات ترجع بملاحظة أن  المبلغ إليه أو الشخص الموجود بموطنه امتنع عن التسليم والإدلاء بهويته ،وأن عدم ترتيب الأثر القانوني على هذه التبليغات يخدم مصلحة المتقاضين بسوء النية الذي يسعون بشتى الوسائل إلى عرقلة العدالة .[15]

وبالرجوع إلى مقتضيات الفصل 38من ق. م. يتضح أن الجهات التي خول لها المشرع استلام التبليغ ،تتعدد وتختلف حسب الجهة المراد التبليغ لها ،الشيئ الذي أدى إلى طرح مشكل الصفة في التسليم ودور كاتب الضبط في تحديد من له الصفة سواء تعلق الأمر بالتبليغ المراد إعلانه شخصيا ، أو التبليغ بواسطة من له الصفة خاصة وأن لكل حالة من هذه الحالات ، أحكام وضوابط خاصة بها.

إظافة إلى ماسبق فإن الفقرة الأولى من الفصل 38 من ق.م.م[16] تثير العديد من الإشكالات العملية بحيث لم يحدد المشرع مفهوم الأقارب والخدم ،بل الأكثر من ذلك جاء بلفظ عام لما نص “أو لكل شخص آخر يسكن معه ” ، فهذا الأمر يساهم في تعقيد إجراءات التبليغ ،فتحديد صفة هؤلاء الأشخاص يبقى أمر صعب أمام عدم تحديد مفهوم الأشخاص المقصودين [17]

     وكما قلنا ، فإذا رفض التوصل والتوقيع تبقى أهم العراقيل التي تواجه عملية التبليغ ،فالأول هو الغالب والسبب يرجع إلى قلة الوعي والتخوف بأن فيه مضرة ، والثاني يعتبر من أبرز المشاكل التي تصادف المكلفون بالتبليغ وتلقى على كاهلهم مسؤولية جسيمة وذلك في حالة الإكتفاء بالإشارة إلى كون التبليغ قد تم إلا أن المعني بالأمر عجز عن التوقيع أو رفضه ، والحال أن ذلك لم يتم في الواقع خاصة وأن الوثيقة التي يحررها ورقة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور .

    ومن الأسباب كذلك التي تؤدي إلى تعطيل التبليغ ،تخلف بعض الأمور الشكلية مما يؤدي إلى بطلان تلك الإجراءات :

-عدم تضمين عون التبليغ اسمه وتوقيعه بشهادة التسليم

-تبليغ المبلغ إليه بواسطة غيره خارج إطار الفصل 38 من ق.م.م

-عدم إشارة عون التبليغ للسبب المانع من توقيع الجائز

-عدم بيان تاريخ التبليغ بشهادة التسليم.

فلا حبذا لو تم التقليل من هذه الشكليات حتى لا تكثر الطعون والدفوعات بإبطال التبليغ ،مما يترتب عنه ضياع حقوق المستفيدين .

    وبالرجوع إلى مقتضيات الفصل 37 من ق.م.م نجده حدد طرق التبليغ سواء تعلق الأمر بقرار أو حكم أو استدعاء ، إلا أنه مع ذلك يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات عليها :

   التبليغ بواسطة أعوان كتابة الضبط: يطرح بعض الإشكالات نذكر منها ، عدم مراعاة تواريخ الجلسات في بعض الأحيان ، بحيث لا تنجز الأعمال والإجراءات في وقتها مما تترتب عنه عدم إنجاز التبليغ في وقته وهذا ما يؤخر الفصل في الدعوى وتعاد إجراءاته بسبب عدم التبليغ وما يترتب عنه من تراكم القضايا .

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الطريقة تثير كثير من المشاكل منها عدم كفاية المفوضين ،كما أنهم لا يقومون في الغالب بملء شواهد التسليم بالطريقة القانونية اللازمة الأمر الذي يجعل كثيرا من التبليغات تتعرض للبطلان .

    التبليغ عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل : رغم أنها الوسيلة الأنجع في التبليغ إذا ما رجعنا إلى الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 39 من ق.م.م إلا أنه في كثير من الأحيان يتم إرجاع الطي بملاحظة غير مطلوب أو بملاحظة تعني الرفض ،هذا إلى جانب أنه يمكن العديد من الأشخاص المعنيين بالتبليغ من التملص والتحلل من آثاره بدعوى أن الظرف الذي تم التوصل به كان فارغا .

   – التبليغ بالطريقة الإدارية :

لاشك أن للسلطات الإدارية دورا مهما في القيام بالتبليغ ،خصوصا في القرى والبوادي والمناطق النائية حيث يرتكز بالأساس على أعوان السلطة .

   إلا أن جملة من الصعوبات تثار هنا خاصة بالنسبة لشهادات التسليم التي لا تملأ بالطريقة و الدقة اللتين يتطلبهما القانون . وقد أثبتت التجربة فشل هذه الطريقة لعدة أسباب منها ضعف المستوى التعليمي والتأطيري لفئة المقدمين والشيوخ ، وعدم إلمامهم بالقواعد الأساسية لمسطرة التبليغ ،مما يترتب عنه عدة مشاكل تمس إجراءات التبليغ في وقت محدد، وإغفال بعض البيانات الضرورية .

    التبليغ بواسطة الطريقة الدبلوماسية :

هذه الطريقة تساعد على إيصال الإستدعاءات إلى المعنيين بالأمر المقيمين خارج تراب المملكة ، وإحاطتهم بالإجراءات والدعاوى والأحكام التي تهمهم والتي تباشر في وطنهم .

   وتعد السلطات الدبلوماسية (وزارة الخارجية والسفارات والقنصليات ) الجهات الرئيسية في القيام بهذا النوع من التبليغات ، ورغم أهميتها فلها العديد من السلبيات منها البطء وطول الإجراءات وتعقيد المساطر بالنظر أولا إلى الآجال الطويلة والإضافية التي يضعها المشرع استنادا لمن يوجد موطنه خارج المغرب (الفصل 41و136 ق م م) ، وبالنظر ثانيا إلى تعقيد المسطرة وصعوبة سلوكها إذ غالبا ما يتطلب التبليغ بواسطة الطريقة الدبلوماسية شهورا عديدة ، خاصة وأن المبلغ إليه قد يعمل كل مرة إلى تغير عنوانه أو موطنه تحسبا لكل ما قد يصدر ضده من أحكام أو قد يتخذ ضده من إجراءات .

المبحث الثاني: مسطرة التنفيذ القضائي وأهم الإكراهات و الإشكاليات القانونية التي تعترضها

المطلب الأول : تنفيذ بعض المقررات القضائية و ما يعترضها من إكراهات و إشكالات قانونية (الأحكام الإدارية نموذجا)

إن تنفيذ الأحكام الإدارية يطرح مجموعة من الإشكالات القانونية سواء في المغرب (الفقرة الأولى) أوفي باقي تشريعات المقارنة (الفقرة التانية )

الفقرة الأولى:تنفيذ الأحكام الإدارية بالمغرب

   قد تصادف المحاكم الإدارية عند وصول أحكامها إلى مرحلة التنفيذ بعض العراقيل نتيجة “لقصور القانون رقم 90/41 المنشئ لهذه المحاكم عن حل بعض الإشكاليات التي قد تطرح في المستقبل ومن أهمها عدم ترتيب أي جزاء على الإدارة بصفة عامة في حالة امتناعها عن تنفيذ الأحكام الحائزة لقوة الشيء المقضي به.وبالتالي نتساءل عن مكامن هذا القصور أو الفراغ التشريعي .

من خلال الاطلاع على ما جاء في تقرير لجنة العدل والتشريع والوظيفة العمومية المتعلق بمناقشة مشروع القانون رقم 90/41 يتضح أن الاتجاه كان يسير نحو الحفاظ على وحدة النظام القضائي ببلادنا وكذا وحدة المحاكم والدليل على هذا هو ما جاء في جواب السيد وزير العدل على تساؤلات واقتراحات السادة النواب،حيث قال “بأن المحاكم الإدارية تعتبر محاكم عادية مندرجة في التنظيم القضائي للملكة مع تخصصها المشروع على المقتضيات العامة للتنفيذ كما وردت في قانون المسطرة المدنية….”.

وفعلا وعند خروج القانون المذكور إلى حيز الوجود جاءتنا المادة السابعة منه التي تنص على ما يلي

“تطبق أمام المحاكم الإدارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك”

وجاءتنا المادة الفريدة التي تتحدث عن التنفيذ وهي المادة 49 التي تنص على مايلي “يتم التنفيذ بواسطة كتابة ضبط المحكمة الادارية التي أصدرت الحكم،ويمكن لمحكمة النقض أن يعهد بتنفيذ قراراته إلى محكمة إدارية”.

استنادا إلى هاتين المادتين نتساءل هل قواعد المسطرة المدنية التي أحال عليها القانون المحدث للمحاكم تنسجم مع خصوصيات الأحكام الإدارية أم لا؟[18]

وهل المادة 49 المشار إلى بيانها أعلاه من شأنها حل بعض الإشكاليات المتعلقة بتنفيذ الأحكام الصادرة في المادة الإدارية أم أنها فقط (أي المادة المذكورة) قد زادت في الأمر تعقيدا.

 إن الجواب على هاذين التساؤلين يقتضي منا استقراء القواعد العامة بشأن التنفيذ الجبري للأحكام المنصوص عليها في الباب الثالث من قانون المسطرة المدنية فنخلص في الأخير إلى النتائج التالية:

  1- عدم إمكانية إعمال الفقرة الأخيرة من الفصل 440 من ق.م.م التي تنص على قيام عون التنفيذ بالإجراءات المتعلقة بطرق التنفيذ في حالة رفض المدين الوفاء بالدين المحكوم به، ذلك أن هذه المقتضيات(في الحالتين معا) تتعلق كلها بالالتزامات المالية،أو بمعنى آخر بالحقوق الشخصية وبالتالي فإن الحكم الإداري الصادر في دعوى الإلغاء لا يمكن تنفيذه بواسطة طرق التنفيذ الجبري نظرا لأن هذا الحكم ذو طبيعة خاصة،فهو يقضي بإلغاء قرار إداري دون شيء آخر،أي دون التنصيص مثلا على أمر الدارة بأداء مبلغ مالي[19].

وحتى إذا كان الحكم الإداري ينص على أداء تعويض مثلا وهو التزام مادي من جانب الإدارة فإن امتناع هذه الأخيرة عن تنفيذه لا يمكن من سلوك طرق التنفيذ المشار إليها في حقها،بحيث لا يمكن مباشرة مسطرة الحجوز عليها كيفما كان نوعها: تحفظيا كان هذا الحجز أو تنفيذيا،أو حجزا بين يدي الغير،مادامت أموال الدولة هي أموال عمومية وهي بهذه الصفة غير قابلة للحجز عليها،وإذا كانت هذه الأموال غير قابلة للحجز فهي غير قابلة للبيع القضائي، أموالا منقولة كانت أو عقارية وبالتالي فلا يمكن تطبيق مقتضيات الفصول 459 وما يليه إلى الفصل 487 من ق.م.م[20].

2- إن الحكم الصادر في دعوى الإلغاء على افتراض أنه من نوع الالتزام بالقيام بعمل،أو بالامتناع عن القيام بعمل وبالتالي يمكن تطبيق مقتضيات الفصل 448 من ق.م.م المتعلق بالغرامة التهديدية في حق الإدارة الممتنعة عن التنفيذ هذا الالتزام المالي فإنه لا يمكن مباشرة طرق التنفيذ الجبري في مواجهتها حسب ما تم بيانه أعلاه،أي أننا سنبقى ندور في حلقة مفرغة لانهاية لها.

3-لا يمكن تطبيق مسطرة الإكراه البدني في حق الإدارة الممتنعة عن التنفيذ لأن الإدارة شخصية اعتبارية و لا يتصور بالتالي سواء بالمنطق القانوني أو لمجرد سلوك هذه المسطرة في مثل هذه الحالة.

والخلاصة ونحن بصدد معالجة هذه النقطة نؤكد بأنه لا يوجد أي نص في قانون المسطرة المدنية(الذي أحال عليها القانون المحدث للمحاكم الإدارية). يمكن أن يصلح ليطبق  في حق الإدارة الممتنعة عن تنفيذ حكم قضائي صدر في مواجهتها  وبالتالي فإن هذه الحالة لئن كانت بعض القواعد المسطرية، فإنها لاتهم البتة الإجراءات التنفيذ الجبري مادامت غير قابلة للتطبيق في حق الإدارة.

 و نأتي الآن للجواب على التساؤل الثاني المتعلق بالفائدة التي يمكن جنيها من مقتضيات المادة الفريدة المتحدثة عن التنفيذ في القانون رقم 90/41 المحدث للمحاكم الإدارية وهي المادة 49 التي تنص على أن:

“التنفيذ يتم بواسطة كتابة ضبط المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم غير أنه يمكن لمحكمة الاستئناف أن تعهد بتنفيذ قراراتها إلى محكمة ابتدائية”… كلما هناك أنه ثم تغيير “المحكمة الابتدائية” بالمحكمة الإدارية عند صياغة المادة 49 من القانون المذكور.

ويعتقد أحد الدارسين بأن المشرع سعى من وراء صياغة هذه المادة الوحيدة المتحدثة عن التنفيذ في القانون رقم 90/41 للتأكيد على ما يلي[21]:

مقال قد يهمك :   التطبيق القضائي لمقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة المتعلقة بتوزيع الأموال المكتسبة بين الزوجين

أولا : على وجوب إحداث قسم للتنفيذ بالمحكمة الإدارية حتى تكون هذه الأخيرة هي المسؤولة على تنفيذ الأحكام الصادرة عنها وكذا القرارات التي عهد المجلس الأعلى بتنفيذها لديها.

ثانيا : على وجوب الرجوع إلى المادة 7 من نفس القانون فيما يتعلق بقواعد و إجراءات التنفيذ مادامت لا توجد أية مقتضيات أخرى تتعلق بالتنفيذ منصوص عليها في هذا القانون.

 ثالثا : للتأكيد على الإبقاء على وحدة القضاء من خلال توحيد مسطرة التقاضي ومن بينها مسطرة تنفيذ الأحكام.

  ولكن برجوعنا إلى القواعد والإجراءات المتعلقة بالتنفيذ الجبري المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية وجدناها كما ذكرنا آنفا-لا تنسجم كلية مع خصوصيات الأحكام الصادرة ضد الإدارة سواء كانت هذه الأحكام متعلقة بالإلغاء أو بالتعويض[22].

  إذن ما فائدة المادة 49 هل لإحداث  قسم التنفيذ بالمحكمة الإدارية فقط و ما فائدة وجود قسم التنفيذ بهذه المحكمة إذا عجز عن إيجاد السبيل لإجبار الإدارة على التنفيذ في حالة عزوفها عنه، مادام لا يتوفر على نصوص يهتدي إليها عند وقوفه على مثل هذه الحالة .

  ونعتقد أن المادة 49 رغم أنها جاءت هي الوحيدة المتحدثة عن التنفيذ في القانون المذكور فهي مع ذلك قادرة على خلق عدة إشكاليات قانونية نذكر منها ما يلي :

 إن المادة المذكورة تقتضي بأن المحكمة الإدارية هي التي تنفذ الأحكام الصادرة عنها أو الصادرة عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، ولكن انطلاق من الحالة الراهنة: فالمحاكم الإدارية متواجدة فقط بالمناطق السبع الاقتصادية، إذ يمكن تنفيذ حكم صدر عن المحكمة الإدارية بالرباط فإذا أخدنا بالنص الحرفي للمادة المذكورة فهذا يقتضي بأن يتوجه عون التنفيذ بالمحكمة الإدارية بالرباط إلى مدينة طنجة ليقوم بإجراء، التنفيذ وهذا شيء صعب المنال، وإذا طبقنا المادة السابعة من نفس  القانون التي تحيلنا على قواعد المسطرة المدنية سنجد إمكانية توجيه إنابة قضائية إلى محكمة أخرى،فإذا كان الأمر يتعلق بمحكمة إدارية فهذا لا يثير أي إشكال بينما إذا كان الأمر يتعلق بمحكمة ابتدائية كابتدائية طنجة في المثال الذي سقناه أنفا،فهل لهذه المحكمة أن تنفذ حكما إداريا، والحال أن المادة 49 تؤكد على أن يتم التنفيذ بواسطة كتابة ضبط المحكمة الإدارية؟.

 وعلى افتراض بأن توجيه إنابة قضائية إلى محكمة ابتدائية ممكن من الناحية القانونية عملا بالمادة السابعة من القانون رقم 90/41 فهل يمكن إثارة الصعوبة في التنفيذ أمام رئيس هذه المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات، أم أن هذه الصعوبة لابد أن تثار أمام قاضي المستعجلات الإداري أي أمام رئيس المحكمة الإدارية التي صدر عنها الحكم موضوع التنفيذ؟.

فما دام لا يوجد أي نص في القانون رقم 90/41 المحدث للمحاكم الإدارية يحرم على قاضي المستعجلات بالمحكمة الابتدائية ذلك،ومادام إعمال قواعد المسطرة المدنية ممكن في هذه الحالة حسب المادة السابعة المذكورة فإن جواز البت في الصعوبة في التنفيذ من طرف الجهة القضائية-المشار إليها-قائم.[23]

وإذا سلمنا مرة أخرى بإمكانية توجيه إنابة قضائية إلى محكمة ابتدائية من أجل التنفيذ وإذا سلمنا بإمكانية فرض غرامة تهديدية على الإدارة الممتنعة عن تنفيذ حكم الإلغاء فيما إذا اعتبرناه يدخل في إطار الالتزام بالقيام بعمل أو بالامتناع عن العمل، فهل يمكن لرئيس هذه المحكمة تنفيذا لمقتضيات الفصل 448 من ق.م.م أن يحكم بهذه الغرامة إذا ما أخبره عون التنفيذ التابع لمحكمته برفض الإدارة المنفذ عليها تنفيذ الحكم موضوع الإنابة القضائية؟.

وإذا كان الجواب بالإيجاب اعتمادا دائما على المادة السابعة فعلا يعتبر ذلك خرقا سافرا للفصل 25 من قانون المسطرة المدنية الذي أصبح يوجه أصلا إلى المحاكم العادية ومن ضمنها المحاكم الابتدائية؟(مادام المنع من عرقلة عمل الإدارة أو إلغاء قراراتها أضحى لا يهم المحاكم الإدارية بمجرد صدور القانون المحدث لها والتي أصبح دورها مركزا على مراقبة الأعمال الإدارية) كل هذه إشكالات تطرحها المادة السابعة وكذا المادة49 من القانون رقم 90/41 وذلك في مجال تنفيذ الأحكام والقرارات الحائرة لقوة الشيء المقضى به[24].

الفقرة الثانية:الحلول التي من شأنها حمل الإدارة على تنفيذ حكم قضائي من خلال بعض التشريعات المقارنة

من خلال القيام بإطلالة سريعة على القانون المقارن،وكذا على الاجتهادات القضائية الصادرة في كل من فرنسا ومصر باعتبارهما الدولتين اللتين سبقتنا في تجربة القضاء الإداري، يتضح لنا أنها إتخذت مجموعة  من التدابير لحمل الإدارة على التنفيذ نوردها كمايلي:

أولا :  التدابير المقررة في فرنسا لحمل الإدارة على التنفيذ

     في فرنسا هناك ثلاث إمكانيات موضوعة رهن إشارة المتقاضي الصادر لفائدته حكم ضد الإدارة بقي بدون تنفيذ:

الإمكانية الأولى يمكن للمحكوم لفائدته اللجوء إلى ما يعرف “بوسيط الجمهورية” الذي يقوم بعد إجرائه البحث اللازم بمحاولة إقناع الإدارة المعنية بضرورة الخضوع إلى حجية الأمر المقضي، داخل أجل يحدده، وإذا لم يلق أمره هذا أية استجابة. فإن عدم التنفيذ يكون موضوع تقرير خاص ينشر في الجريدة الرسمية، كما يتم الإعلان عنه للعموم. وهذه الطريقة نادرا ما يتم اللجوء إليها.

الإمكانية الثانية إن عدم تنفيذ حكم من طرف الشخص العام سلطة إدارية كانت أو مؤسسة عمومية أو جماعة محلية يمكن أن يؤدي إلى فرض غرامة تهديدية عليها،محددة بمبلغ مالي عن كل يوم أو أسبوع أو شهر تمتنع فيه عن التنفيذ. وهذه الغرامة التهديدية إما تفرض بمقتضى حكم صادر عن مجلس الدولة،أو بمقتضى أمر صادر عن رئيس قسم المنازعات كما يمكن أن تفرض تلقائيا من طرف رئيس العلاقات والدراسات بنفس المجلس، أو من طرف رئيس محكمة الاستئناف الإدارية بالنسبة للقرارات الصادرة عن محكمته، كما يمكن أن تفرض بناء على طلب المستفيد من الحكم يقدمه إلى مجلس الدولة الذي يبت فيه داخل أجل أقصاه 6 أشهر إلا في حالة الاستعجال حيث يتم البت تبعا لهذه الحالة.

  وأكثر من هذا فإن الاجتهاد القضائي الفرنسي قد سمح للأغيار الذين لم يكونوا أطرافا في الدعوى ، بتقديم طلب الغرامة التهديدية، وذلك في حالة التي يكون فيها الحكم غير المنفذ يهم مصلحتهم[25]:

وفي جميع هذه الحالات فإذا لم تؤد الإجراءات التمهيدية للغرامة التهديدية إلى نتيجتها المرجوة وهي التنفيذ،فإنه يتم تحديدها في مواجهة إذا لم تبين الأسباب والمبررات لعدم التنفيذ داخل أجل شهرين من تاريخ الأمر بتنفيذ الحكم[26].

هذا فضلا عن إمكانية تغريم المسؤول عن الإدارة المعنية من طرف المحكمة المختصة   بالشؤون المالية والميزانية cour de discipline budgétaire et financiére

الإمكانية الثالثة في حالة ما إذا كان الحكم غير المنفذ يتعلق بأداء مبلغ معين فإن الأمر لا يخلو:

إما أن يكون هذا الحكم صادرا ضد الدولة  فإن المستفيد يقدم هذا الحكم إلى أمين الحساب العام المختص comptable public compétent الذي يقوم بتأدية المبلغ المحكوم به لهذا المستفيد بمجرد الاطلاع على الحكم كما لو تعلق الأمر بحوالة.

وإما أن يكون الحكم صادرا في مواجهة جماعة محلية فإن السلطة الوصية تحرر أمرا رسميا بصرف المبلغ المحكوم به بعد تقييد هذا المبلغ عند الاقتضاء تقييدا تلقائيا في جدول ميزانية المصاريف.

ثانيا : الجزاءات المقررة في مصر لحمل الإدارة على التنفيذ.

في مصر هناك عدة جزاءات يمكن ترتيبها على الإدارة الممتنعة عن التنفيذ نذكر من بينها :

  • الطعن بالإلغاء ضد قرارات الإدارة المتصلة بتنفيذ الأحكام، أو الامتناع عنه بوصفها “مخالفة للقانون لخروجها عن مبدأ حجية الأحكام وقوة الأمر المقضى به”[27] وهذا الجزاء يمكن اللجوء إليه حتى في بلادنا كما سيأتي).
  • تقرير المسؤولية الإدارية وذلك على أساس أن عدم تنفيذ حكم يعد تصرفا غير مشروع ،ويشكل خطأ من جانب الإدارة، الذي يستلزم التعويض عنه لفائدة المتضرر،فضلا عن تقرير المسؤولية الشخصية للموظف الممتنع عن التنفيذ، على اعتبار أن قراره هذا هو قرار سلبي خاطئ كما وصفه مجلس الدولة المصري و الشئ الطريف في هذا الموضوع هو أن قسم الرأي بمجلس الدولة بمصر أفتى بما ملخصه أن الوزير شخصيا هو المدين الأصيل باعتباره محدثا للضرر،أما الحكومة فهي مدينة بصفة تبعية أو احتياطية لإهمالها في، الرقابة والإشراف وذلك في إطار مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعة “فإذا دفعت الحكومة (المدين الاحتياطي )التعويض المطلوب يتعين عليها أن ترجع به على الوزير شخصيا (المدين الأصلي )وعليها في سبيل الحصول على هذا الدين خضم ربع مرتب معاليه أو معاشه بطريق المقاصة لأن هذا الدين يستحق بسبب يتعلق بأداء وظيفته”[28].
  • تقرير المسؤولية الجنائية للموظف المختص: ينص الدستور المصري على تحريم الامتناع عن تنفيذ الأحكام، حيث أتى بقاعدة دستورية مؤداها أن “الأحكام تصدر وتنفذ باسم الشعب،ويكون الامتناع عن تنفيذها، أو تعطيل تنفيذها من جانب الموظفين العموميين جريمة يعاقب عليها القانون”.[29] فعلا فقد رتب قانون العقوبات المصري جزاءا جنائيا على الموظف يصل به إلى حد الحبس والعزل فيما إذا استعمل سلطة وظيفته لوقف أو تعطيل تنفيذ حكم صادر عن المحكمة أو امتنع عمدا عن تنفيذه.

  وهذا يؤكد صرامة المشرع المصري في تعامله مع تنفيذ الأحكام القضائية سواء منها الصادرة ضد الأفراد أو تلك الصادرة ضد الإدارة[30].

  • إثارة المسؤولية السياسية أمام رئيس مجلس الوزراء ذلك أن رئيس مجلس الدولة يقدم إلى هذا الأخير سنويا،وكلما رأى ضرورة لذلك تقريرا يتضمن ما أظهرته الأحكام أو البحوث من نقص في التشريع القائم أو غموض فيه أو حالات إساءة استعمال السلطة…. ،وقد اعتبر الفقهاء في مصر بأن الامتناع عن تنفيذ الأحكام أو تنفيذها على نحو معيب أو التحايل على ذلك من قبيل إساءة استعمال السلطة التي يوضحها رئيس مجلس الدولة في تقريره[31].

ثالثا : الحلول المتوفرة في المغرب لحمل الإدارة على التنفيذ

     سبق وأن ذكرنا القانون المحدث لمحاكم الإدارية وكذا المسطرة المدنية التي أحال عليها هذا القانون لا ينصان على جزاءات خاصة يمكن أن تفرض على الإدارة لجبرها على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها، لذا فإنه عمليا وأمام غياب الحلول التشريعية –لا يوجد إلا حل بديل وهو الحل القضائي الذي أقره المجلس الأعلى (سابقا ) محكمة النقض حاليا في عدة قرارات خصوصا منها القرار المتعلق بقضية السيد أبو القاسم العلوي وبما جاء فيه:[32]

  “إن عدم اعتبار الإدارة للأحكام الحائزة لقوة الشيء المقضي به،والمختومة بصيغة الأمر بالتنفيذ يعد -ما عادا في ظروف استثنائية- خرقا لقوانين التنظيم الأساسية والإجراءات القضائية التي باحترامها يحترم النظام العام، وأن خرقا من هذا النوع يمكن أن يكون أساسا لطلب الإلغاء وطلب التعويض معا طبقا للقواعد الخاصة بكل منهما…”

  واعتبارا لهذا القرار فإن لصاحب الشأن الذي بين يديه حكم لم تنفذه الإدارة، أن يختار بين مسلكين اثنين:

*فإما أن يختار مسلك دعوى إلغاء المقرر الإداري الذي امتنعت بمقتضاه الإدارة عن تنفيذ الحكم الصادر في مواجهتها أو أنها نفذته لكن بطريقة معيبة وغير مرضية،كالإدارة التي تتظاهر بتنفيذ الحكم القاضي بإلغاء قرارها بعزل موظف،حيث تعمل في إطار تنفيذ هذا الحكم على سحب هذا القرار فترجع الموظف المعزول إلى عمله لكن مع نقله إلى منطقة نائية تحت ستار المصلحة العامة.

  وسواء كان امتناع الإدارة عن التنفيذ امتناعا صريحا أو ضمنيا،فيمكن لصاحب الشأن الطعن عن طريق دعوى الإلغاء في هذا القرار الإداري “السلبي” بسبب تجاوز السلطة، نظرا للعيب في القانون الذي شابه والمتمثل في الخروج عن مبدأ حجية الأحكام، وقوة الأمر المقضي به،فضلا عما يشوب هذا القرار ن تعسف في استعمال السلطة.

*وإما أن يختار صاحب الشأن مسلك المسؤولية الإدارية على اعتبار أن عدم تنفيذ الأحكام يعد من التصرفات غير المشروعة ويشكل خطأ من جانب الإدارة التي تسأل عنه بتعويض الضرر لفائدة المتضرر وهو صاحب الحكم غير المنفذ .

ولكن مع ذلك يبقى هذا الحل القضائي مجردا من محتواه إذا لم تعبر الإدارة المعنية عن إرادتها في وضع حد لهذا المسلسل اللانهائي وذلك عن طريق تنفيذ الحكم الصادر في مواجهتها.

وإلى جانب هذا الحل القضائي فقد أضاف السيد وزير العدل السابق الدكتور محمد مشيشي العلمي ( في اللقاء التي أجرته مع سيادته وسائل الإعلام) وسيلة عبر عنها “بالوسيلة السليمة والحضارية”التي يمكن أن تؤدي إلى نتيجة إيجابية وفعالة، حيث قال: فإلى جانب السلطة القضائية هناك كذلك المجتمع المدني الذي تنبثق منه هذه الأطر وهؤلاء المسئولون، والذين لا يلبتون أمام تكرار النازلة أن يسايروا ما تفرضه الأخلاق الجديدة والأعراف التي نتوخى خلقها من وراء القضاء الإداري واجتهاد القضاء الإداري.”

المطلب الثاني: الإكراهات والإشكالات القانونية التي تعترض تنفيذ المقررات القضائية نتيجة عقلية المنفذ عليهم

سنحاول في هذا المطلب الوقوف على بعض العراقيل التي تواجه مسطرة التنفيذ أمام المحكمة (الفقرة الأولى ) وأخرى أثناء التنفيذ الفعلي للحكم (الفقرة الثانية ) التي يكون مصدرها المنفذ عليه.

الفقرة الاولى : بعض الطرق التي ينهجها المنفذ عليه أمام المحكمة لعرقلت مسطرة التنفيذ.

أولا:الطعن بالإستئناف خارج الأجل

 قد يقوم المحكوم عليه بإستئناف الحكم بعد انصرام أجل الطعن أو عندما يواجه بتنفيذه وقد يطعن في تبليغ الحكم فهل مجرد الطعن في الحكم ولو خارج الأجل القانوني يوقف التنفيذ ؟

    للجواب على هذا السؤال نرجع للفصل 134 من ق.م.م فقرة أخيرة ونجدها تنص على أنه : يوقف أجل الاستئناف والاستئناف نفسه داخل الأجل القانوني للتنفيذ عدا إذا أمر بالتنفيذ المعجل ضمن الشروط المنصوص عليها في الفصل 147 من ق.م.م فبمقتضى هذا الفصل فإن الاستئناف لايوقف التنفيذ إلا إذا وقع داخل الأجل القانوني وأما إذا وقع خارج الأجل فإنه لا يوقف التنفيذ وكثيرا ما يدفع المحكوم عليه بأن محكمة الاستئناف هي التي لها حق القول بأن الاستئناف وقع داخل الأجل أو خارجه وهو قول فيه نوع من المغالطة لأن محكمة الاستئناف لا تنفذ الأحكام الإبتدائية التي انتهى أجل الطعن فيها .

وهو ما نص عليه مشروع قانون المسطرة المدنية لكن نلاحظ أن مشروع قانون المسطرة المدنية لم يشر إلى الفصل 147 فقط نص على أنه ( يوقف أجل الاستئناف و الاستئناف نفسه داخل الاجل القانوني التنفيذ ,عدا اذا كان الحكم أو الامر مشمولا بالتنفيذ المعجل .

وفي كتاب طرق الطعن الصادر عن المعهد الوطني للدراسات القضائية سلسلة الدلائل والشروح القانونية رقم 1 ص 15 وقع النص على الاستئناف داخل الأجل هو الذي يوقف التنفيذ ثم وقع التساؤل عن الأثر الموقف هل يسري على الاستئناف الباطل لعيب شكلي ؟ وخلص الكاتب إلى أن هذا الاستئناف لا ينتج عنه أي أثر .

  وأما الدكتور العلوي العبدلاوي فيرى أن مجرد تقديم الاستئناف يجعل الحكم المطعون فيه غير قابل للتنفيذ ولو قدم بعد انقضاء ميعاده القانوني ولو قدم بمقال غير مستكمل شرائطه القانونية[33] . وهذا الرأي وإن قالت به محكمة النقض الفرنسية وأيده بعض الفقه فإنه لا ينسجم مع مقتضيات الفصل 134 من ق.م.م المذكور أعلاه.

ويرى الأستاذ الطيب برادة[34] أن ما جرى به العمل في المحكمة هو إيقاف التنفيذ ولكنه يرى أنه في مثل هذه الحالات يتعين على المنفذ إثارة صعوبة في التنفيذ ويعرض الأمر على رئيس المحكمة المختصة للبت فيه بعد استدعاء الأطراف أو في غيبتهم . لكننا نرى على أن الأمر الذي يعتبر صائبا هو أنه بعد أن تسلم شهادة بعدم الطعن بالاستئناف ويفتح ملف التنفيذ فإنه يتعين الاستمرار في التنفيذ إذا تبين أن الاستئناف قد قدم خارج الأجل القانوني وعلى المحكوم عليه المستأنف أن يلجأ إلى محكمة الاستئناف ويطلب إيقاف التنفيذ بغرفة المشورة ومادام لم يقدم لمأمور التنفيذ نسخة من مقال طلب إيقاف التنفيذ الموضوع في محكمة الاستئناف فإنه يتعين متابعة إجراءات التنفيذ أما إذا قدم نسخة من مقال إيقاف التنفيذ فإنه يتعين تأجيل التنفيذ إلى أن يبت في ذلك الطلب وهذا الحل ينسجم مع ماينص عليه الفصل 134 من ق.م.م

  ثانيا :زيادة السدس     

ينص الفصل 479 من ق.م.م يمكن لكل شخص داخل عشرة أيام من تاريخ السمسرة أن يقدم عرضا بالزيادة عما رسا به المزاد بشرط أن يكون العرض يفوق بمقدار السدس ثمن البيع الأصلي والمصاريف .

  يتعهد صاحب هذا العرض كتابة ببقائه متزايدا بثمن المزاد الأول مضافة إليه الزيادة

 تقع سمسرة نهائية بعد انصرام أجل  ثلاثين يوما يعلن عنها وتشهر وتتم في شأنها نفس الإجراءات المتخدة في السمسرة الأولى .

وجاء في مشروع قانون المسطرة المدنية مايلي :

يمكن لكل شخص داخل عشرة أيام من تاريخ المزاد أن يقدم عرضا بالزيادة عما رسا  عليه المزاد بشرط أن يكون العرض يفوق مقدار العشر ثمن البيع الاصلي والمصاريف. يجب على مقدم العرض بالعشر تعيين موطن مختار له داخل دائرة المحكمة التي تقوم بالتنفيذ وإلا  اكتفي بتبليغ الاجراءات إليه في كتابة الضبط

  يودع صاحب هذا العرض مبلغ العشر بكتابة الضبط داخل نفس الاجل.

يتعهد صاحب هذا العرض كتابة ببقائه متزايدا بثمن المزاد الاول مضافا إليه الزيادة، ولا يحق له العدول عنه.

مقال قد يهمك :   Salma Moubtakir: impact of globalisation on the personal data protection law in Morocco

 ويجرى مزاد نهائي بعد انصرام أجل ثلاثين يوما يعلن عنه ويشهر وتتم في شأنه نفس الإجراءات المتخذة في المزاد الأول .

و يلاحظ أن المشرع من خلال مشروع قانون المسطرة المدنية استبدل السدس بالعشر وبقي النص على نفس الآجال .

 وقد جرى العمل في كيفية تطبيق الفصل 479 من قانون المسطرة المدنية على أن المتزايد يقدم العرض بزيادة السدس عن الثمن الذي رست به المزايدة كتابة ويتعهد بشراء العقار بالثمن الذي رسا به المزاد بإضافة السدس إليه وإذا لم يقدم العرض كتابة يحرر له محضر بكتابة الضبط ويوقع عليه ويضمن في المحضر هويته وبطاقة تعريفه وجرى العمل كذلك على أن يدلي المزايد بشيك يحمل مبلغ السدس أو يضع المبلغ بصندوق المحكمة ولكن المجلس الأعلى أصدر قرارا تحت رقم 3804 في 09/06/1998 نص فيه على أن الفصل 479 لا ينص على وجوب إيداع مبلغ الزيادة بالسدس من طرف الغير الذي لم يشارك في المزايدة بل ألزمه فقط أن يتعهد كتابة ببقائه متزايدا بثمن السمسرة مضافا إلى السدس .

  والواقع العملي اثبت أن مجرد التصريح بزيادة السدس إنما يهدف إلى عرقلة المزاد في كثير من الأحيان ولا يتسم بالجدية والأكثر من ذلك أن بعض المتزايدين قدم عرضا بزيادة السدس مرفقا[35] بشيك . وعند المزايد ة الثانية لم يتقدم أي متزايد وتبين أن الشيك بدون رصيد ولذلك فإن الحل العملي أن يكون طلب زيادة السدس مرفقا بشيك معتمد أو يقدم كفيلا موسرا لإن  الفصل 477 من ق.م.م نفسه ينص على أن يكون المزايد موسرا أو يقدم كفيلا موسرا [36].

ولكن إذا كان المزايد بالسدس هو الدائن نفسه أو أحد الدائنين بأكثر من مبلغ السدس فيعتقد أنه يكفي أن يتعهد ببقائه متزايدا بالمبلغ الأول مضافا إليه السدس ويمكن كذلك أن يكتفي بالتعهد المذكور إذا كان المزايد بادي اليسر كأن يكون بنكا من الأبناك المعروفة كما في ذلك القرار الصادر عن المجلس الأعلى .

  وبعد زيادة السدس تقع سمسرة نهائية بعد انصرام أجل ثلاثين يوما يعلن عنها وتشهر كالسمسرة السابقة وبعد ذلك يحرر محضر المزايدة ويعتبر :

1-سندا للمطالبة بالثمن لصالح المحجوز عليه ولذوي حقوقه .

 2- سند ملكية لصالح الراسي عليه المزاد ولايسلم إلا بعد تنفيذ شروط المزاد.

و رغم ما جرى به العمل بالسدس الا أن المشرع في مشروع قانون المسطرة المدنية حل العشر محل السدس .

 الفقرة الثانية :بعض الإكراهات والإشكالات الواقعية التي تثار أثناء التنفيذ الفعلي للحكم.

هناك مجموع من المعيقات التي تعترض تحقق عملية التنفيذ وحصول المنفذ له على حقه الذي أقره له القضاء .وبالتالي سنحاول في هذه الفقرة التطرق إلى بعض هذه المعيقات في شكل نقاط متتالية كما يلي:

  أولا:عصيان المحكوم عليه أو تعنته وإغلاقه الأبواب في وجه مأمور التنفيذ .

 إن إمتناع المحكوم عليه من التنفيذ أو عصيانه يقتضي التنفيذ بالقوة العمومية كما تنص على ذلك الصيغة التنفيذية التي يذيل بها الحكم . وإغلاق الأبواب في وجه مأمور التنفيذ يقتضي إصدار أمر بفتحها من طرف رئيس المحكمة أو القاضي المكلف بالتنفيذ وذلك في إطار سلطته الولائية (الفصل 450 من ق.م.م ).

  ولا يتصور إثارة صعوبة في التنفيذ إلا عندما يتعلق بالتنفيذ الجبري الذي يتطلب قيام المحكوم عليه بعمل أو بالإمتناع عن عمل أو أداء مبلغ من المال وأما إذا قضى الحكم بمجرد تقرير حق كإثبات صفة الإرث لشخص أو قضى بصحة عقد فقط فإنه لايحتاج إلى التنفيذ الجبري ولذلك لايمكن أن تثار بشأنه صعوبة في التنفيذ .

 ثانيا:  الأجل الإستعطافي

 ومن الأمور التي تعرقل التنفيذ منح الأجل الاستعطافي ذلك أن الأمر بمنح هذا الأجل لا يعتبر صعوبة وقتية لأنه لا يتعلق بأمر وقع بعد صدور الحكم ولم يمكن عرضه على محكمة الموضوع ولا يتعلق بالطعن في سند التنفيذ شكلا ولا موضوعا وإنما يتعلق فقط بالوضعية الخاصة للمحكوم عليه . إذ أن  من المفارقات أن الأغلبية الساحقة من المحكوم عليهم بالإفراغ لا يتقدمون بطلب هذا الأجل الاستعطافي إلا بعد أن ينتقل مأمور التنفيذ إلى عين المكان ويسجل امتناعهم من التنفيذ ثم يطلب الاستعانة بالقوة العمومية لأجل التنفيذ وبعد أن يتم الترخيص باستعمال القوة العمومية يتقدم المحكوم عليه بطلب استعطافي والواقع أن القاضي الذي يمنح الأجل في هذه المرحلة بالذات إنما يتناقض مع نفسه إن كان طلب التنفيذ باستعمال القوة العمومية قد تم توجيهه تحت إشرافه لأنه كيف يعقل أن يطلب استعمال القوة العمومية لتنفيذ الحكم على شخص ممتنع متعنت وبعد أن يرخص باستعمالها يمنحه أجلا استعطافيا فهل تتوقف بناء على الأمر بمنح الأجل الاستعطافي أم يستمر مفعولها ؟.وما فائدة الأجل المحدد في الإنذار بالإفراغ والآجال التي استفاد منها المحكوم عليه أثناء مناقشة الدعوى وآجال التبليغ والتنفيذ وكثيرا ما تستغرق هذه المساطر والآجال عدة سنوات ومع ذلك وعندما يصبح الملف جاهزا للتنفيذ بالقوة العمومية ويعتقد المحكوم له أنه آن الوقت ليستريح من هذه المعركة القضائية التي دامت عدت سنوات أضاع فيها جزءا من عمره وأنفق عليها الكثير من ماله ثم يفاجأ بأن القاضي المكلف بالتنفيذ قد منح أجلا استعطافيا .

  ولاشك أن الأمر بمنح هذا الأجل يصيب المحكوم له بالإحباط إن لم يصل ذلك إلى الاضطراب النفسي أو العقلي كما أنه يجعل الجهة المكلفة بتسخير القوة العمومية لا تتعامل بالجدية المطلوبة مع تنفيذ الأحكام مادام مثل هذه المفاجآت أصبح من العادة توقعه ثم إنه يجعل الرأي العام ينظر إلى تنفيذ الأحكام بنوع من عدم المصداقية وذلك أمر خطير يمس بسمعة القضاء ويزعزع ثقة الناس فيه.

   وإذا كان البعض يرى أن منح هذا الأجل الاستعطافي يساعد أحيانا على إنقاذ بعض الأشخاص من التشرد ومن رمي أمتعتهم على قارعة الطريق فإننا نرى أنه من المناسب أن يتدخل المشرع لتقنين ذلك فيمنع مثلا التنفيذ في فترات معينة كما في فرنسا ومصر ويحدد بدقة شروط منح هذا الأجل والحالات والظروف التي يمنح فيها ولو على سبيل المثال وذلك ليكون للقرارات القضائية القاضية بمنحه أساس قانوني ويتلافى القضاء الاضطراب الذي يعيشه حاليا في هذا الموضوع [37].

ثالثا:عودة المحكوم عليه إلى المحل الذي تم إفراغه منه

   كثيرا ما تقع هذه الحالة في الحياة العملية فبعض الأشخاص بعد إفراغهم بالقوة العمومية سواء من عقارات فلاحية أو محلات سكنى أو محلات تجارية يعودون إلى تلك المحلات المفرغة إما لأنها بقيت فارغة ولم يحتلها أحد بعد وإما لأنهم أحيانا يستعملون العنف مع المحكوم له ويرجعون إلى تلك المحلات وفي بعض الأحيان يرجع إليها أزواجهم أو آباؤهم أو أقاربهم أو خدمهم وعند ذلك يطرح إشكال إفراغ تلك المحلات من جديد باعتبار الذين رجعوا إليها إنما يحتلونها بدون سند هذا الأمر يدفعنا لتساؤل عن  الكيفية التي عالج بها القانون هذا الإشكال في مصر وفرنسا والمغرب .

    فبالنسبة للمشرع المصري نجده عالج هذا الإشكال بطريقتين :

  • يمكن للمحكوم له اللجوء إلى النيابة العامة لتصدر قرارا وقتيا في إطار المادة 44 مكرر من قانون المرافعات التي تنص على أنه “يجب على النيابة العامة متى عرضت عليها منازعة من منازعات الحيازة مدنية كانت أو جنائية أن تصدر فيها قرارا وقتيا مسببا واجب التنفيذ فورا “.

       و النيابة العامة يمكنها ألا تقتصر على إصدار هذا القرار وتنفيذه وإنما يمكنها   كذلك متابعة هذا الشخص بجرائم إنتهاك حرمة ملك الغير (المواد من 369إلى        373  من قانون العقوبات ).

  •   ويمكن للمنفذ له اللجوء إلى القضاء الإستعجالي لإصدار قرار بطرد المحتل كما يمكنه اللجوء إلى محكمة الموضوع لرفع دعوى استرداد الحيازة وهذه الحلول كلها قد تعترضها صعوبات خصوصا إدا كان المحتل إنما هو أحد أقارب المحكوم عليه أو مسخرا من طرفه ويبقى مفعول هذه الطرق رهينا بمدى تفهم القضاء سواء في النيابة العامة أو قاضي المستعجلات أو محكمة الموضوع عند نظرها دعوى إسترداد الحيازة لوضعية الأطراف ومدى الجدية التي يظهرها في إنهاء الخصومة[38]

       وبالإضافة إلى ذلك فإن اللجوء إلى القضاء الإستعجالي أو قضاء الموضوع  مرة أخرى بعد التنفيذ يكلف المحكوم له مصاريف إضافية ومتاعب يصعب تقديرها ولذلك يظهر أن اللجوء إلى النيابة العامة يكون أفضل و أجدى لما تتسم به قراراتها من السرعة في الإنجاز والجدية في التنفيذ ولاقترانها بالمتابعة  الزجرية .

      أما في فرنسا فقد نص المرسوم المؤرخ في 31/07/1992 على أنه إذا عاد المحكوم عليه للمحل الذي أفرغ منه فإنه يتعين إفراغه منه مرة أخرى بمقتضى نفس السند الذي وقع بمقتضاه التنفيذ الأول (المادة 208من المرسوم )[39].

      أما بالنسبة للمغرب فإنه لم يكن يوجد نص قانوني لمعالجة مثل هذه الحالة قبل صدور قانون المسطرة الجنائية الجديد رقم 01/22 والذي جرى به العمل هو أن يلجأ المنفذ له إلى القضاء الإستعجالي لإصدار أمر بطرد المنفذ عليه أو يرفع شكاية للنيابة العامة والنيابة العامة إنما تقوم في أقصى الحالات باعتقال المعتدي على الحيازة وتقديمه للمحكمة الزجرية تطبيقا للفصل 570 من القانون الجنائي المغربي ولكنه لا يمكنها إصدار قرار برد الحيازة للمحكوم عليه كما في مصر ولذلك فإنه ولو إعتقل المحكوم عليه  المنفذ عليه وقدم للمحكمة الزجرية فإنه يتعين على المنفذ له انتظار حكم آخر إما استعجالي أو حكم جنحي يقضي بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه بعد أن تثبت الإدانة وقد لا يكون الحكم مشمول بالنفاذ المعجل فيبقى المنفذ له منتظرا القرار لاستئنافي . وما يسبقه من مناورات التأخيرات لإعداد الدفاع والاستماع إلى الشهود والإدلاء بالوثائق المفيدة وغير المفيدة إلى غير ذلك من وسائل تطويل المساطر .

   ويعتقد أن الحل العملي لمثل هذه الحالة هو أنه بمجرد اعتقال المعتدي على الحيازة بعد التنفيذ يتعين إفراغ المعتدي هو ومن يقوم مقامه وتقديمه للمحكمة وذلك استنادا للحكم الذي نفذ عليه بالإفراغ الذي يعتبر ساري المفعول في مواجهته ومن يقوم مقامه[40] وقد نصت المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية المغربي لسنة 2002 على أنه يجوز لوكيل الملك إذا تعلق الأمر بانتزاع حيازة بعد تنفيذ حكم أن يأمر باتخاذ أي إجراء تحفظي يراه ملائما لحماية الحيازة وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه على ان يعرض هذا الأمر على المحكمة أو هيأة التحقيق التي رفعت إليها القضية أو التي سترفع إليها خلال ثلاثة أيام على الأكثر لتأييده أو تعديله أو إلغائه .

  وأما إذا احتل العقار بعد إفراغه أشخاص آخرون غير المنفذ عليه فإن إفراغهم يحتاج إلى إصدار حكم في مواجهتهم أما المحكوم عليه فإن الحل العملي هو إعتقاله وإفراغه ولو استدل بوثائق أخرى ولا يبقى له إلا الرجوع للقضاء .

خاتمة:

 فمن خلال دراستنا لموضوع الاكراهات و الاشكالات التي تعترض تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية يمكن القول أنه بالرغم من المجهودات المبذولة للحد منها  فالأمر لم يرتق إلى المستوى المطلوب ومن هنا يمكن طرح التساؤل حول ما إذا كان فعلا مشروع قانون المسطرة المدنية قد حاول التخفيف إلى حد ما من هذه الاكراهات و الإشكالات.


الهوامش:

(=) تم تحكيم هذا المقال من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون للدراسات والأبحاث القانونية.

[1]مصطفى التراب،المختصر العلمي في القضاء والقانون،الطبعة الأولى ،2008،مطبعة الأمنية الرباط،ص251 

[3]راجع أحمد أبو الوفاء – إجراءات التنفيذ في المواد المدنية والتجارية – الطبعة العاشرة منشأة المعارف الإسكندرية 1991،الصفحة 30،31

4- بنسالم أوديجا ،مؤسسة قاضي التنفيذ من خلال التشريع المقارن الفرنسي والمصري ،مجلة القضاء والقانون عدد 151،مطبعة الأمنية الرباط ،صفحة ،108

[5] – مصطفى زاهر , دور كتابة الضبط في دعم ورش إصلاح العدالة بالمغرب ,رسالة لنيل الدبلوم الجامعي العالي في المهن القضائية ,سنة 2004-2005 , ص 123 .

[6]  – عبد السلام الطيب برادة , تنفيذ الأحكام الإدارية و الحقوق التي تحجز إداريا لاقتضائها , مطبعة الأمنية الرباط ,سنة 2003 ص 29 ,

[7] – أحمد الصايغ , إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية بالمغرب – دراسة مقارنة – المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية – العدد 62 – سنة 2009 ص 92 ,

[8] – كتابة الضبط , مجلة فصلية تعنى بشؤون كتابة الضبط وإدارة القضاء و القانون ,العدد 4-5 ,ص 28 .

[9] – جلال الطاهر , إشكالية العدالة في المغرب – مطبعة دار القروين الدار بيضاء – الطبعة الأولى – سنة 2003-ص 81 .

[10] – رشيد مشقاقة ,قاضي التنفيذ ,( دار النشر غير مذكورة ) الطبعة الأولى سنة 2000 , ص 47 .

[11] – رشيد مشقاقة , مرجع سابق , ص 49 .

[12] – يوسف وهابي ,مجلة قانونية ,العدد الثاني ,2003 .ص 74 .

[13] – يوسف وهبي , مرجع سابق ,ص 76 .

 14- ينص الفصل 36 من ق م م:يستدعي القاضي حالا المدعي والمدعى عليه كتابة إلى جلسة يعين يومها ويتضمن هذا الإستدعاء :

    1 _الإسم العائلي والشخصي ومهنة وموطن أو محل إقامة المدعي والمدعى عليه

    2- موضوع الطلب

    3- المحكمة التي يجب أن تبت فيه

15-للمزيد من الإطلاع بهذا الشأن انظر حسن وتاب :”دور كتابة الضبط في تفعيل مسطرتي التبليغ والتنفيذ ،رسالة لنيل دبلوم الدراسات — العليا المتخصصة ،السنة الجامعية 2008/2009،ص 30.

16- تنص الفقرة الأولى من الفصل 38:”يسلم الإستدعاء تسليما صحيحا إلى الشخص نفسه أو في موطنه إلى أقاربه أو خدمه أو لكل شخص آخر يسكن معه “.

– حسن وتاب ، دور كتابة الضبط في تفعيل مسطرتي التبليغ والتنفيذ ، مرجع سابق،ص 32.[17]

[18] المحاكم الإدارية و القانون الإداري، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ” سلسلة مواضيع الساعة”، العدد الأول, سنة 1995

[19] المحاكم الإدارية و القانون الإداري, مرجع سابق

[20] إشكالية تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية باستعمال القوة العمومية, مجلة كتابة الضبط العدد 8

[21]– إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة, مجلة المحاكم المغربية العدد 126,127 السنة 2010

[22]– المحاكم الإدارية و القانون الإداري, مرجع سابق

[23] -إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة, مرجع سابق

[24]– منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ” سلسلة مواضيع الساعة”،مرجع سابق

[25] Voir :CE sect 13-11-1987 Dme Tusques et Macaillou P360

[26] (Voir René chapus Droit administratif général T.l .7e /édition P 650

[27]– راجع كتاب ” الدعوة الإدارية و الإجراءات أمام القضاء الإداري:” دعوى الإلغاء” للدكتور سامي جمال الدين، منشأة المعارف للنشر بالإسكندرية.

[28]– مجموع فتاوى مجلس الدولة المصري ص 205 السنة 4,5

[29]– راجع الدكتور سامي جمال الدين نفس المرجع .

[30] تنص المادة 123 : ” عاقب بالحبس و العزل كل موظف عمومي استعمل سلطة وظيفته في وقف الأوامر الصادرة عن الحكومة أو أحكام القوانين و اللوائح، أو تأخير تحصيل الأموال و الرسوم أو يوقف تنفيذ حكم صادر عن المحكمة أو من أية جهة مختصة، كذا يعاقب بالحبس كل موظف عمومي امتنع عمدا عن تنفيذ حكم”.

[31]  راجع سامي جمال الدين مرجع سابق

[32] قرار المجلس الأعلى عدد4 الصادر بتاريخ 1967\11\24 في القضية رقم 24961 المنشور بقرارات المجلس الأعلى الغرفة الإدارية 1966\1970 ص 112

33- انظر كتاب الدكتور العلوي العبدلاوي ,القانون القضائي الخاص ,الجزء 2 ص 74 طبعة 1984 وكتابه مع الدكتور الكزبري ,شرح المسطرة المدنية في ضوء القانون المغربي سنة 1971,350. وقد استند في هذا الرأي إلى محكمة النقض الفرنسية قرار 12/06/1909 ورزق الله الأنطاكي ,ص738.

 – التنفيذ الجبي في التشريع المغربي طبعة 1988 ص 255.[34]

– القرار 3804 بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 53-54 ص45.[35]

 – يرى ذ.سلام في بحته مسطرة تحقيق الرهن الرسمي في القانون المغربي ص 48 أن كثيرا من العروض بزيادة السدس صورية وتهدف إلى عرقلة إجراءات البيع ،ولذلك أصبحت كتابة الضبط تعمل بضرورة تقديم الشيك بمبلغ السدس أو إيداع المبلغ في صندوق المحكمة .[36]

37- الدكتور محمد سماحي – التنفيذ المعجل للأحكام المدنية في القانون المغربي ص368 ومايليها .

–  ابراهيم بحماني،تنفيذ الأحكام العقارية ،الطبعة الثالثة 2012،ص139 [38]

39- للمزيد من التوضيح ينظر “قانون التنفيذ الجبري للدكتورين أحمد هندي وأحمد خليل طبعة 1998 دار المطبوعات الجامعية – لإسكندرية ص 616 وهذا ماأكده الأستاذ المنتصر الداودي في بحث له نشر بمجلة رابطة القضاة العدد8و9 ص28 سنة 20

40– وهذا هو الحل الذي نظمه القانون الفرنسي بوضوح في المرسوم المؤرخ في 31/07/1992 المطبق للقانون المؤرخ في 09/07/1991. ونظرا لما يتسم به هذا الحل من تحقيق للعدالة نرى تطبيقه في المغرب في ريثما يتدخل المشرع بوضع قانون يوضح كيفية تطبيقه ويراعي خصوصيات المغرب وهو نفس الحل الذي اتجه إليه الأستاد المنتصر الداودي في مقال نشر بمجلة رابطة القضاة العدد 8و9 مارس 1989 سلسلة جديدة بعنوان الصعوبات والإشكالات الناتجة عن التنفيذ ص 28 .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)