أحمد قيلش : تفعيل مؤسسة قاضي التنفيذ في التشريع المغربي

محمد شيلح : دور الميتودولوجية القانونية في تحسين اللغة القانونية

بن يونس المرزوقي متحدثا عن العفو العام و الخاص ردا على النويضي

8 يوليو 2018 - 2:03 م في الواجهة , وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-
  • أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق بوجدة.
  • عنوان المقال : تسع ملاحظات في الرد على النويضي في رسالة مفتوحة

لم يكن أبدا من عادتي الرد بشكل مُباشر على “وجهات النظر”، لأنني أعتبر الأمر يتعلق بنقاش له قواعده التي تقتضي مُقارعة الحجة بالحجة.

لكنني لاحظت أنك ذكرتني بالاسم، لذا يهمي أن أرفع لك هذه الرسالة لتصحيح ما جاء في تصريحك أو مقالك من قضايا مجانبة للصواب، وتكملة العديد مما جاء فيها من معطيات ناقصة أدت إلى التعويم وإضافة بياضات أخرى لن يتمكن القارئ من إدراك سبب إخفائكَ لها.

الأستاذ عبد العزيز النويضي المحترم؛

بعد التحية والسلام، أرفع لك تسع ملاحظات، مُوزعة بين أمور عامة تهم القارئ العادي، وأمور تقنية قانونية صرفة تهم المتخصصين:

أولا : إن تعريف العفو العام يستند في كل الدراسات إلى فكرة أنه “ينزع الطابع الإجرامي عن الأفعال موضوع العفو العام” لكن لا أحد تحدث عن إلغاء تلك الأفعال من القانون الجنائي بصفة نهائية، بل نزع الصفة الجرمية عن تلك الأفعال بأثر رجعي بالنسبة للأشخاص المستفيدين من العفو لوحدهم فقط.

ولتوضيح ذلك، نورد تعريف العفو العام، الوارد بدراسة لمجلس الشيوخ الفرنسي حول العفو العام والخاص، جاء فيه

“ينصرف أثر العفو العام بفرنسا، المنصوص عليه في المادة 133-9 من القانون الجنائي، إلى حذف الطابع الجرمي بأثر رجعي عن الأفعال التي ترتبط به”.

En France, l’amnistie, prévue par l’article 133-9 du code pénal, a pour effet de supprimer rétroactivement le caractère délictueux des faits auxquels elle se rapporte.

لذلك، فإن القارئ العادي يفهم هذا القصد، فما بالك بالمتخصص، حيث إنه مهما بحثْتَ في الدراسات العلمية والأكاديمية، فستجد نفسك أمام التوجه نفسه، إلا إذا تعلق الأمر بالبحث في الكتابات ذات الصبغة الأدبية والعامة فهذه مسألة أخرى.

ثانيا : فعلا سبق أن أشرتُ إلى أنه “عندما يصدر العفو التشريعي، فإن الجريمة المرتكبة تزول وكأنها لم توجد لأن تجريمها يزول بأثر رجعي، وتزول معه العقوبة على الأشخاص المحكوم عليهم، ويعتبرون كأنهم لم يرتكبوا أية جريمة”، وهي جملة مركزة، ينبغي أن يستنتج منها القارئ (وخاصة المتخصص) أن العقوبات تُمحى، وبالتالي “لا يتم تسجيل أي معلومة عنها في السجل العدلي.

وبالمناسبة، أنبهك إلى أن السبب هو الذي يؤدي إلى النتيجة وليس العكس، أي إن الفعل الجرمي هو الذي يُؤدي إلى العقوبة، لذلك يجب نزع الصفة الجرمية لتسقط العقوبة، وليس إلغاء العقوبة ليَسقط الفعل الجرمي، وإلا فإنه سيحدث خلط بين العفو العام والعفو الخاص الجماعي.

ثالثا : إن تساؤلي “هل سيتمكن قانون العفو التشريعي من نزع صفة الجرم عن الأفعال المسجلة في الحكم القضائي؟ جاء بعد سرد لائحة الأفعال الواردة بالحكم القضائي، وتركت الجواب مفتوحا. لكن إذا كان من الضروري أن أجيب، فإنني أقول إنه في كل التجارب الدولية، وخاصة منها فرنسا التي استشهد بها الأستاذ النويضي، هناك تزايد لعدد الأفعال الإجرامية التي ينبغي ألا يشملها العفو.

ولمعلومات القارئ، فإن النص القانوني المؤطر للعفو العام بفرنسا، بعد أن حدد نطاق تطبيق العفو العام، وضع في المادة 14 منه لائحة تضم 49 صنفا من الجرائم تم إخراجها من دائرة العفو العام (قانون رقم 2002-1062 بتاريخ 6 غشت 2002) بعد أن كانت اللائحة تضم فقط 14 مجالا سنة 1981.

أما عن المثال الذي استشهدتَ به، فقد جاء في غير سياقه.

ففي فرنسا، ودون الرجوع إلى التاريخ، فإن قانون العفو الذي أشرتَ إليه، المتعلق بالوقائع المرتبطة بالحرب مع الجزائر، فقد صدر بشأنها فعلا قانون للعفو العام سنة 1962، وتم تعديله بدوره سنة 1966، ثم 1968، ثم أخيرا مع فرانسوا ميتران سنة 1982، والسبب في هذا يعود إلى نوعية العقوبات التي كان يشملها النص القانوني من مرحلة إلى أخرى، حيث إنه بالنسبة لميتران، كان يتعلق فقط بالسماح للمعنيين من الاستفادة من التقاعد واسترجاع أوسمتهم.

وللتوضيح، فإنه في فرنسا، هناك ممارسة خاصة، تسمح لرئيس الجمهورية عند انتخابه باستصدار قانون للعفو العام، ولم تتوقف هذه الممارسة عمليا إلا ابتداء من سنة 2012.

رابعا : سأقول لك باختصار شديد (لكن يُمكننا العودة إلى الموضوع عند الضرورة) إنه حتى لا نُعطي للموضوع بُعدا أكبر بالحديث عن التجارب الدولية، فإن العفو العام في التجارب الدولية، يتميز بما يلي:

  • إنه يأتي في سياق سياسي في الأغلبية المطلقة من الحالات؛
  • إنه كممارسة معروف خاصة في فرنسا؛
  • إنه نادر كممارسة في الدول الأوروبية (ألمانيا، إيطاليا، البرتغال، سويسرا)؛
  • أو إنه غير موجود أصلا (إنجلترا، بلجيكا، إسبانيا)؛
  • أو حتى منصوص عليه دستوريا لكن لم يتم اللجوء إليه (الدنمارك، هولندا).

خامسا : أما تأويلي للمقتضى الدستوري “يُمارس الملك حق العفو”، فإن هذه وجهة نظري، أطرحها وأدافع عنها، وذلك لا يُمكن أن يكون “مجانبا للصواب”، وإلا فإنك تدعو إلى إغلاق باب الاجتهاد، ومصادرة حرية التعبير، وهذا لا ينبغي أن يكون من شيمك.

لكنني أذكركَ، الأستاذ النويضي، أولا، بأن هذا المقتضى لم يكتبه لا الأستاذ عبد اللطيف المانوني ولا الأستاذ محمد معتصم كما جاء في ردك، وإنما هو موجود بالصيغة نفسها في دساتير 1962، 1970، 1972، 1992، و1996. وهذه ليست مجرد وجهة نظر بالنسبة لي، ولكنها قناعة، ولو كانت هناك رغبة في إضافة كلمة “الخاص” أمام كلمة “العفو” لما أضر ذلك بالنص الدستوري الذي يتكون من أزيد من 10 آلاف كلمة.

سادسا : رغم أن الأستاذ النويضي أشار إلى أن العفو ينظمه في المغرب قانون 1958 الذي عدل سنة 1977، فإنه ربما لم ينتبه إلى التعديل الجوهري للنص الأصلي:

لقد كان الفصل الأول من قانون 1958، ينص على ما يلي:

“إن العفو الذي يرجع النظر فيه إلى جنابنا الشريف، هو التخفيض الجزئي أو الكلي من كل عقوبة تصدرها محاكم مملكتنا، ويُمكن أن يصدر هذا العفو بشروط أو بطريقة استبدال العقوبة”، كما أن الفصل الثاني نص على أنه “لا يجوز إصدار العفو إلا إذا أصبح الحكم بالعقوبة المطلوب العفو من أجله لا مرد له وقابلا للتنفيذ”.

وأضح هنا أن الأمر يتعلق هنا بعفو خاص.

لكن وفق تعديلات 1977، فإن الفصل الأول أصبح كما يلي:

“إن العفو الذي يرجع النظر فيه إلى جنابنا الشريف يمكن إصداره سواء قبل تحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها أو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا”، بينما أصبح الفصل الثاني ينص على ما يلي: “إن العفو الصادر قبل الشروع في المتابعات أو خلال إجرائها يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو يوقف سيرها حسب الحالة في جميع مراحل المسطرة ولو أمام محكمة النقض”.

“وفي حالة ما إذا صدر العفو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا جاز أن يترتب عنه طبقا لمقتضيات المقرر الصادر بمنحه وفي نطاق الحدود المنصوص عليها في هذا المقرر إما استبدال العقوبة أو الإعفاء من تنفيذها كلا أو بعضا وإما الإلغاء الكلي أو الجزئي لآثار الحكم بالعقوبة بما في ذلك قيود الأهلية وسقوط الحق الناتج عنه”.

وأعتقد، كما هو وارد بالعديد من الدراسات، أنه تم تغيير طبيعة العفو، ليشمل العفو العام والعفو الخاص.

وهذا دون أن أذكركَ بأن صفة أمير المؤمنين تحمل في طياتها العفو بشكليه العام والخاص.

سابعا: إن فهم أبعاد وجهة نظري، يقتضي استحضار استعمال كلمة “العفو” في المنظومة القانونية الوطنية، وخاصة منها القانون الجنائي والمسطرة الجنائية.

وإذا كان هذا الموضوع سيكون محور دراسة خاصة خارج هذا الرد، فإنني أكتفي الآن بالفكرة العامة.

فعلى مستوى القانون الجنائي، نلاحظ أن مصطلح “العفو” ورد ذكره 12 مرة، موزعة على 6 فصول. ورغم التمييز بين العفو الشامل والعفو ضمن أسباب انقضاء العقوبات والإعفاء منها وإيقاف تنفيذها (الفصل 49)، وضمن أسباب انقضاء تدابير الوقاية والإعفاء منها أو إيقافها (الفصل 93)، فإن ذك لا يمس جوهر وجهة نظري.

والسبب في ذلك، هو أنه:

على مستوى المسطرة الجنائية، ورد مصطلح العفو 16 مرة، مُوزعة بين الديباجة و12 مادة، أهمها ما جاء في المادة الرابعة:

“تسقط الدعوى العمومية بموت الشخص المتابع، وبالتقادم و بالعفو الشامل وبنسخ المقتضيات الجنائية التي تجرم الفعل، وبصدور مقرر اكتسب قوة الشيء المقضي به”.

لذا أتساءل هنا:

إذا اعتبرنا أن “العفو”، كما تقول، يعني “العفو الخاص” بالنسبة للملك، فكيف تُفسر أن “العفو” يُؤدي وفق الصيغة الجديدة للفصل الثاني من قانون العفو الذي يتحدث عن كونه “يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو يوقف سيرها حسب الحالة في جميع مراحل المسطرة ولو أمام محكمة النقض”، وبين ما ورد في المادة الرابعة من المسطرة الجنائية من كون “العفو الشامل” يُؤدي إلى سقوط الدعوى العمومية؟

باختصار، ما دام أنه لهما الأثر نفسه، فإنهما مُتطابقين، وبالتالي فإن “العفو” بالنسبة للملك يعني العفو الخاص والعفو العام. وانتهى الكلام.

ثامنا: أما حديثك عن “السياسية والرغبة في المصالحة”، فهذا موضوع آخر، كان سيكون له معنى لو أنك لم تربطه بالحديث عن “عيد الأضحى المبارك والأعياد الوطنية الكبرى” التي حاولت الإيحاء من خلالها بمحاولة مُنافسة جهة ما للمبادرات الملكية. وهذا موضوع آخر.

وأخيرا : فإن حديثك عن المساعدة التقنية المقدمة لواضعي المقترح، فإنني أدعوك إلى فتح نقاش حول مضمونه، الذي رغم النوايا التي يُمكن أن نستشفها، فإنه على المستوى التقني يقتضي المعالجة جملة وتفصيلا : 10 أخطاء بعضها فادح جدا في نص يتكون من 8 مواد !!!

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.