عمر علوي هشماني: إشــكـالية الطعـن في قـرارات الرفض الصريح والضمني لرخص البناء أمام القضاء الإداري

كريمة شفيق: حماية الطفل اللاجئ ضحية الاتجار بالبشر

تقاطع التدليس و النصب-نظرات مدنية بمقاربة زجرية- في أفق حماية جنائية للعقد على مستوى تكوينه

21 فبراير 2022 - 10:43 م المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

 عبدالعالي عزيزي طالب باحث بسلك الماستر – القانون المدني الاقتصادي- بكلية الحقوق السويسي -الرباط

               يلعب القانون[1] دورا هاما  في حماية مصلحة الأفراد ، فتختلف هذه المصالح بين مصالح اجتماعية[2] و سياسية[3] و أخرى اقتصادية سعت مجمل التشريعات الى تنصيص على قواعد  قانونية تحاول الحفاظ على موازنة بين الجانب المالي و الجانب الحمائي ، من خلال تخليق الحياة التعاقدية-وهي الجانب الذي سنحاول مناقشته- و الحفاظ على الأمن التعاقدي بشكل أو بآخر ويقصد به – أي الأمن التعاقدي- بتوقع المخاطر و تجاوزها عن طريق اتباع إجراءات مختلفة عند التعاقد لا سيما ما يتعلق بالتنفيذ و المسؤولية العقدية ، فالأمن بهذا المعنى إحساس و قيمة اجتماعية مستمدة من القانون[4] .

و لا يتأتى خلق الأمن التعاقدي دون توفير ترسانة قانونية جيدة توفر حماية لا بأس بها للطرف الضعيف ، وحماية عموما قد  تختلف أوجهها من حماية مدنية و أخرى جنائية .فيقصد بالأولى توفيق مجموعة من القواعد القانونية التي تسعى للحفاظ على مركز قانوني متقارب بين أطراف العلاقة التعاقدية بغض النظر عن المعيقات التي قد تحول دون توفير هذه الحماية من الناحية الواقعية ، و ذلك من أجل توفير سبل و آليات تساعد من خلالها الطرف المشمول بالحماية للوصول الى حقه بأقل جهد و الحصول على تعويض يلائم ما أصابه من ضرر. أما الحماية الجنائية فإنها عموما تحاول التوفيق بين الحق العام و الخاص و إضفاء قواعد صارمة بفعل ما يحدثه التصرف المخل بالقانون الجنائي من اضطراب اجتماعي[5] و ما يهمنا في هذا النقاش الاضطراب المحدث على مستوى المعاملات المالية و خيانة الثقة بها عبر القصاص من كل شخص سولت له نفسه خيانة هذه الثقة بجزاءات رادعة تمس الحرية في حين و الذمة المالية في حين آخر. و مناط هذه الحماية ذات بعدين الأول منها عام و الآخر خاص ، فالقصد بالحماية الخاصة تلك التي تعنى  بها فئة من المتعاقدين دون غيرهم-كما هو عليه الحال بفئة المستهلكين- و الحماية العامة تلك التي يوفرها المشرع فيحمي بها المؤسسة بشكل شامل –و في هذه المقالة نتحدث عن مؤسسة العقد-فالمشرع جعل للعقد مجموعة من الأركان و الشروط و التي لا يكون صحيحا و نافذا الا بها ، و إلا ترتب عن تخلفها البطلان-أو الإبطال بحسب الحالات -–فإن ذات المشرع لم يكتفي بالنظام المدني من أجل حماية العقد من بعض العوارض الذي قد تعترضه ، بل استعان بترسانة تشريعية زجرية من خلالها سيمكن من تجريم بعض الأفعال التي تصب بشكل عام في تعييب الارادة و التي يكون لها دور هام في تأسيس العقود و من تم فإن تركيزنا سينصب فقط على حماية العقد على مستوى تكوينه و لا سيما من عيب التدليس .

و تظهر أهمية حماية العقد من خلال  العديد من الأوجه لعل أهمها بعدين ؛ يتمثل الأول في البعد الاقتصادي الذي يمكن من الاستفادة من ثمار العقد على مستوى المالي فأثر العقد يستفيد منه الأطراف كما تستفيد منه الدولة عن طريق تلقيها بعض الرسوم و الضرائب التي يؤديها أطراف العقد تختلف باختلاف العقود ، كما أن بعض العقود يكون لها أثر على مستوى تشغيل اليد العاملة جديدة مما يساهم الأمر في تحريك عجلة الإنتاج و بتالي نشاط على مستوى انعاش السوق .أما البعد الثاني فهو قانوني من خلال معرفة مقدرة القانون المدني على حماية مؤسسة في غاية الأهمية –العقد- و التي خصص لها المشرع قدرا وافرا من النصوص التي تنظمه سواء على مستوى القواعد العامة أو على مستوى تطبيقات العقود المسماة ، أم أن هذه الحماية لا تكتمل الا من خلال تدخل القانون الجنائي بقواعده الزجرية من أجل ضبط المعاملات المالية.

و من ثمة فإن الاشكال الذي يمكن أن يطرح هو مدى توفق المشرع المغربي في حماية إرادة الأطراف على مستوى تكوين العقد من خلال  قواعد ظ ل ع و هل فعلا أن هذه الحماية لا يمكن أن تتقرر الا بتدخل القواعد الزجرية للقانون الجنائي ؟

جوابا على ما ذكر فإن عنصر الرضى يعد مكونا أساسيا في العقود حيت جعله المشرع في الرتبة الأولى إن أخدنا بروح الفصل الثاني من ظ ل ع المغربي ، و قد تمكن المشرع من خلال مجموعة من الفصول[6] حماية الإرادة العاقد و التي يجب أن تكون متنورة و متبصرة على ما تقدم عليه من التزامات .

الا أن النظام المدني في بعض الحالات قد لا يسعف من أجل ضبط بعض السلوكيات التي تحول دون  الخروج بالعقد الى مرحلة الوجود و لعلنا سنقتصر في تحليلنا هذا الحديث عن نظام التدليس(الفقرة الأولى) و مدى تقاطعه مع جريمة النصب و كيف يمكن التوفيق بينهما من أجل الخروج الى حماية فعالة للمتعاقد(الفقرة الثانية) .

و من خلال ما سبق فإنني سأقوم ببسط التصميم المنهجي بناء على قواعد المنهج الفرنكوفوني الذي يستوجب تقسيم الموضوع الى فقرتين أتناول في :

  • الفقرة الأولى: نظام التدليس المدني و ما يوفره من حماية للمتعاقد
  • الفقرة الثانية: تقاطع التدليس و النصب مدخل لحماية جنائية للعقد و الحفاظ على استقرار المعاملات

الفقرة الأولى: نظام التدليس المدني و ما يوفره من حماية للمتعاقد

قد عرف الفقه[7] التدليس بأنه استعمال للخديعة من أجل توقيع الشخص في غلط يدفعه الى التعاقد . و عرفه البعض الآخر بأنه ” هو إيقاع المتعاقد في غلط يدفعه الى التعاقد “[8]. و من خلال التعريفين يظهر الفرق بين الغلط كعيب مستقل و التدليس بحيث الأول يقع في المتعاقد من تلقاء نفسه في حين التدليس يكون بفعل خارجي أثر عن الإرادة فحملها على توهم غير الحقيقة بوسائل احتيالية  بنية تضليلها.

و قد نظم المشرع المغربي التدليس في اطار الفصلين  52 و 53  من ظ ل ع و من خلال استقراء هذين الأخيرين يمكننا الخروج بالضمانات التي يوفرها للمتعاقد :

  • اثبات التدليس : التدليس بطبيعته عمل مادي يرتكبه المدلس على المدلس عليه من أجل دفعه على التعاقد وفقا للحقيقة التي يبينها له و هي على غير محلها ، و بتالي فعبء الاثبات هو ملقى على من يدعيه و ذلك وفقا للقواعد العامة للإثبات المقررة في اطار الفصل 399 من ظ ل ع ، و من تمة فإن العاقد الذي يدعي التدليس يمكنه أن يستدل عليه بكافة وسائل الاثبات المتاحة و من بينها الشهود و القرائن ، و يمكن للقاضي هنا أن يأخذ بعين الاعتبار كذلك الأعمال الصادر بعد إبرام العقد و التي تفرض معها وجود التدليس عند التعاقد[9].
  • الجزاء المقرر في حالة تحقق من واقعة التدليس : و الجزاء المدني المعروف هو على ضربين :
مقال قد يهمك :   بن يونس المرزوقي متحدثا عن العفو العام و الخاص ردا على النويضي

* قابلية لإبطال العقد : و ذلك بعض التحقق من ما يثبت ذلك وفقا ما ذكر، بشرط أن تكون دعوى الابطال داخل الأجل المنصوص عليه قانونا[10] ، و يترتب عن ذلك ارجاع المتعاقدين الى ما كانوا عليه قبل التعاقد .

* التعويض : و ذلك عندما يلحق المتعاقد ضرر بسبب عملية التدليس التي وقع فيها ، فيمكن مساءلته بناء على المسؤولية التقصيرية –الفصل 77 و 78 من ظ ل ع – و كما تجب الإشارة بإمكانية الجمع بين كل من الدعويين المذكوران[11].

  • محاولة لتقييم نظام التدليس المدني : يظهر من خلال ما ذكر أن التضليل المتعاقد و تغليطه يترتب عليه في أقصى الأحوال التعويض و الذي هو فقط من باب جبر الضرر ، و الذي قد يكون المتعاقد بسبب إبرامه لهذا العقد قد أضر بمصلحته المالية و لربما بمصلحة الغير كذلك من أجل أن يدخل في هذه العملية التعاقدية و التي سيخرج منها في نهاية المطاف خاوية الوفاض على اعتبار أن التصور العام للعملية التعاقدية كانت مدبر من قبل سيء النية من أجل الاستحواذ على ماله من خلال عملية تعاقدية زائفة في العديد من أطرافها ، و هذا ما يهدد الأمن التعاقدي و استقرار المعاملات بشكل أو بآخر ، و بالتالي فإن نظام التدليس المدني قد يكون غير كافيا لردع سيء النية ، و الذين في غالب الأحوال ما يكونون متهيئين للتعويض على أقصى الحدود في مقابل ابرام الصفقة التي يكون في بعض الأحيان من الصعب ارجاع الحالة الى ما كانت عليها حتى و لو عملنا على ابطالها مما قد يلجأ الى بعض الوسائل القانونية في سبيل تصحيح العقد أو إجازته ، عندما يكون المدلس عليه يعلم جيدا أنه هو الخاسر في نهاية المطاف .

و هذا ما يدفعنا الى البحث عن القواسم المشتركة بين التدليس  و النصب و السبيل الى إعمال هذا الأخير من أجل حماية فعالة للعقد من جهة و من أجل الحفاظ على النظام العام التعاقدي من جهة أخرى .

الفقرة الثانية: تقاطع التدليس و النصب مدخل لحماية جنائية للعقد  و الحفاظ على استقرار المعاملات

و في هذه النقطة سنحاول أن نقارن بين التدليس كعيب يصيب الإرادة و النصب كجريمة تأثر هي كذلك على عنصر الرضى (أولا)، و سبيل إعمال هذا الأخير من أجل الخروج بحماية ناجعة للعقد من الناحية الجنائية(ثانيا).

أولا- مقارنة بين التدليس و النصب مكامن التقاطع و الاختلاف

من خلال مقارنة الظاهرية لهما- أي التدليس و النصب- نجدهما يتحدان في الأركان بحيث لهما ركن مادي و الأخر معنوي .

-الركن المادي لكل منهما -وسائل الاحتيال و الخداع[12]-: عند رجوعنا الى النصوص المنظمة للكل منهما يلاحظ أنهما يتحدان في كل فعل أو ترك يترتب عنه كخطأ مقترف عمدي آثارا مدنية[13] و زجرية [14] و لعل وجه مقارنتنا هذه ستكون على التالي :

– بيان النشاط المكون لكل منهما؛

– بيان النتيجة المقررة ؛

-بيان العلاقة السببية بين النشاط و النتيجة ؛

و منه سنحاول أن نوضح مكامن الالتقاء بين كل من التدليس و النصب .

أ* النشاط المادي لكل من التدليس و النصب : و هذا النشاط اما أن يكون إيجابيا أو سلبيا .

الوجه الإيجابي للركن المادي لكل منهما : ففي التدليس فقد نص المشرع في اطار الفصل 52 من ظ ل ع ” التدليس …، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه ” و من تمة فيجب أن يستخدم المدلس وسائل احتيالية لإخفاء الحقيقة عن المتعاقد و تضليله ، و من تم دفعه الى التعاقد تحت تأثير هذا التضليل.

و هنا طرح الفقه[15] سؤالا حول هل  يعد الكذب عنصرا ماديا لقيام التدليس؟

و قد جاء على لسان ذات الفقه على أنه ” كون القاعدة العامة تقضي بأن الكذب وحده لا يكفي في تكوين عنصر الحيلة اللازمة للقول بتحقق عنصر التدليس “[16]، لكن الكذب في واقعة معينة لها اعتبار في نظر المتعاقد الآخر يعتبر تدليسا فمثلا لو جزم البائع كذباً و بهتاناً بوجود صفة معينة في المبيع كأن يصر عليها المشتري ، اعتبر كذب تدليسا. و كذلك يرقى الكذب لدرجة التدليس عندما يترتب على أحد المتعاقدين تقديم بيانات الزامية لها تأثير كلي و أهمية خاصة في التعاقد كما لو أعطى المؤمن له على الحياة بيانات كاذبة لمقاولة التأمين يخفي بها أخطارا يتعرض لها و تزيد في تبعات المقاولة [17].

و يطرح ذات التساؤل حول الكذب في جريمة النصب هل يعد عنصرا مكونا للركن المادي ، عند العودة الى الفصل 540 من ق ج نجده ينص” يعد مرتكبا لجريمة النصب، … من استعمل الاحتيال ليوقع شخصا في الغلط بتأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة أو استغلال ماكر لخطأ وقع فيه غيره ويدفعه بذلك إلى أعمال تمس مصالحه أو مصالح الغير المالية بقصد الحصول على منفعة مالية له أو لشخص آخر…” و لعل أول ما يلاحظ على هذا الفصل أن المشرع المغربي سواء في الفصل 52 من ظ ل ع أو الفصل المذكور أعلاه استعمل مصطلح الاحتيال أو الحيل الا أن المشرع في ظ ل ع جعل أمر استخلاص الحيلة من سلطة القضاء في حين أن الحيل المنصوص عليها في الفصل 540 من ق ج ضيق أمر استخلاصها في حدود الوسائل المقررة ضمن ذات الفصل  و هذا راجع الى طبيعة المادة الجنائية .

و عودة للتساؤل المطروح فإن أغلب الفقه الجنائي[18] يعتبر أن عنصر تأكيدات الخادعة لا يتحقق الا إذا لجأ الجاني الى الكذب ، أما هو ادعى واقعة صحيحة و تمكن بذلك من استلاء ، على ما أراد الاستلاء عليه من الضحية فإنه لا يعد مرتكبا لجريمة النصب ، و الكذب في هذا المقام لا يقصد به الكذب العادي الدارج لدى الناس فإنه لا يكون الركن المادي لجريمة النصب الا إذا دعمها الجاني بوقائع خارجية من شأنها أن تؤدي الى اقناع الضحية و تسليم اليه [19] ، و لعل هذا العنصر يتقاطع مع  الكذب في التدليس كما سبق أن أشرنا.

الوجه السلبي للركن المادي لكل منهما : و عند العودة الى الفصل 52 من ظل ع و الذي جاء فيه مصطلح “الكتمان” و الفصل 540 من ق ج عند قوله “إخفاء وقائع صحيحة” يكون العنصر المادي لكل منهما سلبيا فيتحقق بها الخداع ، لكل ما يمكن الإشارة اليه فإن الكتمان لا يعتبر عنصرا ماديا كافيا لقيام التدليس أو النصب الا اذا كانت له أهمية قصوى بالنسبة للطرف الآخر ، في حين إذا كانت هذه الواقعة لا تحتل أهمية بالغة سواء للمدلس عليه أو المجني عليه في جريمة النصب فإنه لا يتحقق معها جريمة النصب و لا يتحقق معها التدليس [20] . و ما يلاحظ من خلال ما ذكر أنه لحدود الآن هنالك شبه تطابق تام بين كل من التدليس و النصب في وجهه الإيجابي أو السلبي.

مقال قد يهمك :   مشروع قانون مالية 2019 رقم 80.18...قراءة في السياق و المستجدات

ب* النتيجة المقررة في كل من التدليس و النصب : و لعل الأمر في هذه الحالة نكون اختلاف بين كل من التدليس و النصب عندما قرر المشرع في الفصل 52 من ظ ل ع القول “التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر” و الفصل 540 من ق ج حيث جاء به ” يعد مرتكبا لجريمة النصب، … من استعمل الاحتيال ليوقع شخصا في الغلط بتأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة أو استغلال ماكر لخطأ وقع فيه غيره ويدفعه بذلك إلى أعمال تمس مصالحه أو مصالح الغير المالية بقصد الحصول على منفعة مالية له أو لشخص آخر” و يظهر الفرق الجوهري بين كل منهما عند القراءة الأولى للمقتضيات المشار اليها بحيث تتحقق نتيجة التدليس في ابرام المدلس عليه للعقد و هو تحت تأثير الغلط  الذي أوقعه فيه الطرف الآخر أو من معه في حين أن نتيجة جريمة النصب تتحقق عند الحصول عن المنافع المالية . ولعل هذا العنصرين هما مربط الفرص في التمييز بينهما كما جاء عند الفقه “… التحايل في مجال التعاقد يتأثر في تكييفه بالتدليس أو النصب بطبيعة الضرر أي النتيجة التي أدى اليها فالتدليس يستهدف أساسا مخادعة الضحية لحمله على قبول التعاقد و إن كان غالبا ما يستتبع ذلك الاستفادة مادية ، بينما هدف النصب الوحيد هو استلاء على مال الضحية بدون حق”[21].

و بناء على ما سبق يمكننا التساؤل عن الحالة التي يكون فيها الشخص قد سلم مبالغ مالية بغية ابرام عقد معين بناء على مواصفات سبق و أن عرضها الطرف الآخر له ؟

و هنا أعتقد أن تسلم المبالغ المالية من شخص بناء على تدليسه يكون لا محالة محلا لجريمة النصب  كذلك المنصوص عليها في الفصل 540 من ق ج مستوفية جميع الأركان ، بل للقاضي بطبيعة الحال السلطة التقديرية في تكييف الأمر و هذا ما سبق أن قررته محكمة الابتدائية بتمارة حيت جاء في حكم لها “حيت أن الوعد بالبيع الذي صححت امضاءها لدى نفس الجهة أعلاه تحت عدد 11849 و 11850 انصب على شقة بحي المغرب العربي رقم (…) تمارة ، و حيت إن التصريح المتهمة تمهيديا بكونها تسلمت مبالغ مالية من الطرف المدني مقابل بيعها شقة له بالرباط و بكونها لا تتوفر على أي عقار بتمارة ، و خلو الملف من أي وثيقة تثبت تملكها لعقار معين بكلتا المدينتين يؤكد ايقاعها للضحية في الغلط حول البيع المستحيل محله استحالة واقعية بتأكيدات خادعة أسفرت تسليمها مبالغ مهمة “[22].

ج*بيان العلاقة السبيبة بين النشاط  و النتيجة لكل من التدليس و النصب : و هذا أمر طبيعي بالنسبة لجريمة النصب على اعتبارها من جرائم النتيجة و بالتالي يجب أن يكون المساس أو الاضرار بمصالح المالية للمجني عليه راجع للاحتيال الذي يلجأ اليه الجاني دون غيره من باقي الأسباب. و لعل ذات العلاقة السببية هي التي كرسها المشرع في الفصل 52 من ظ ل ع حيت استوجب لقيام التدليس أن تكون تلك الأفعال –الاحتيال- هي التي دفعت الى التعاقد  و هذا يتضح من خلال قوله “لولاها لما تعاقد الطرف الآخر”.

-الركن المعنوي لكل من التدليس و النصب :

و في التدليس فإنه يتكون من عنصران أساسين سبق أن عرجنا على المادي منه، و نتناول في هذه النقطة العنصر المعنوي و المتمثل في نية التضليل ،فالبائع الذي يبرز رسائل مزورة أو مخططات مصطنعة لحمل المشتري البضاعة على التعاقد ، انما يبغ المدلس من هذه الوسائل –التضليل- التي لجأ اليها من أجل الحصول على كسب غير مشروع على حساب المدلس عليه .[23] أما إذا انعدمت نية التضليل انعدم معها التدليس كما هو الحال في جريمة النصب بحيث اعتبرها المشرع من الجرائم العمدية لا تتحقق الجريمة الا إذا كان الجاني عالما بأنه يستعمل وسائل الاحتيال من شأنها تغليط المجني عليه و دفعه الى المساس بمصلحته المالية أو مصلحة الغير المالية أما إذا استعمل ذلك عن حسن نية فإن الجريمة النصب لا يكون لها محل لانتفاء الركن المعنوي . وجاء في قرار للمجلس الأعلى ” ان المحكمة بنت قضائها بإدانة الطاعن من أجل النصب على اعترافه… و ان اختفاءه و هروبه يؤيد نيته الاجرامية الهادفة الى استلاء على أموال التي تسلمتها من الضحية باستعمال حيلة قوامها إنشاء مشروع اقتنع ضحيته بشروعه فعلا في انجاز الخطوات الأولى له بالحصول على الرخصة و التصميم”[24].

و من خلال ما سبق عرضه يلاحظ بشكل جلي مدى تشابه القائم بين التدليس و النصب سواء في ركنه المادي أو المعنوي الا أن هنالك اختلافا طفيفا على مستوى النتيجة المتحققة في كل منهما و في هذه الحالة يجب على القاضي أن يكيف القضية الماثلة بين يديه التكييف الصحيح الذي يجعل من خلاله حماية فعالة للعقد و لا سيما إذا كانت الجزاءات المدنية قاصرة على ردع بعض الأفعال التي تهدد الأمن التعاقدي و استقرار المعاملات المالية .

ثانيا-الحماية الجنائية للعقد لا تتأتى دون إعمال مقتضيات جريمة النصب

العقد كما هو معلوم من الناحية الاقتصادية هو الوسيلة الفعالة من أجل تداول الثروات ، و بتالي فعلى المشرع أن يقوم بحمايته مما قد يشوبه من عوارض و لا سيما إذا كانت غير مشروعة ، فالتدليس كما سبق و أن وضحنا هو عيب يصيب الإرادة سببها تدخل الغير عن سوء نية بهدف الضليل و التحايل ،و بالتالي فعلى المشرع المغربي أن يسهر على تخليق العملية التعاقدية و حماية الطرف الضعيف فيها ، ذلك أن سرعة المعاملات اليوم لا تترك مجالا للمتعاقدين الوقت الكافي  من التحقق من كافة المعلومات و البيانات المتعلقة بعملية التعاقدية ، و من تم فإن الجزاء الجنائي يعد صمام أمان للمتعاقدين من التدليس و الغش اللذين يتعرضون له عند ابرامهم للعقود[25] بل و استغلال حاجة و ضعف المتعاقد و تغريره بنماذج تعاقدية غير موجودة في الواقع يمس الأمن التعاقدي بشكل أو بآخر .

مقال قد يهمك :   بعض أخلاقيات مهنة التوثيق العدلي

و لدى يجب على القاضي أن يتدخل بقواعد جنائية من أجل الردع كل من سولت له نفسه أن يتلاعب بآمال الآخرين عن طريق الاحتيال بهم و تسلم منافع مالية منهم بهدف ابرام عقد قد لا تكون له الغاية المتوخاة من طرف الضحية سواء أطرق عليه في المجال المدني بالمدلس عليه أو المجني عليه في اطار جريمة النصب .


الهوامش:

[1] يراجع في ذلك :

  • Mohammed jalal Essaid- introduction à l’étude du droit-2é édition 1998 –imprimerie fedala –mohammadia – p75 et s.
  • Mohammed benyahya – introduction générale au droit- deuxième édition 1997- imprimerie Maghrébines – casablanca- p 11 et s.

[2] Mohammed jalal Essaid- introduction à l’étude du droit -op-cit-p16.

[3]أحمد البوز-علم السياسة إشكاليات و قضايا-الطبعة الأولى 2017-مطبعة المعارف الجديدة الرباط-ص26

[4] عبدالمجيد غميجة-أبعاد الأمن التعاقدي و ارتباطه- عرض مقدمة في اللقاء الدولي حول الأمن التعاقدي و تحديات التنمية –ص 2

منشور ب:

file:///C:/Users/asus/Downloads/%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%82%D8%AF%D9%8A.pdf

[5]و هذا ما قرره المشرع الجنائي في مطلع تنظيمه في الفصل الأول ب” يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم، بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو بتدابير وقائية.”

[6] الفصل 39 الى الفصل 56 من ظ ل ع

[7] مأمون الكزبري – نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات و العقود المغربي – الجزء الأول مصادر الالتزام –الطبعة الثانية 1972- مطبعة رياض المعرفة –ص98

[8] عبدالرزاق احمد السنهوري- الوسيط في شرح القانون المدني الجديد –المجلد الأول نظرية الالتزام بوجه عام –مصادر الالتزام –الطبعة 2015-منشورات الحلبي الحقوقية –ص342

[9] عبدالحق صافي-القانون المدني –الجزء الأول المصدر الارادي للالتزامات –العقد – الكتاب الأول-تكوين العقد –الطبعة الأولى 2006-مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء –ص 346

  • فيعتبر اثبات التدليس كعمل مادي أسهل من إثبات الغلط كأمر نفسي ، هذا مع العلم أن طالب إبطال العقد للتدليس يتعين عليه أن يثبت إضافة الى الأعمال الاحتيالية التي تعرض لها كون هذه الأعمال هي التي دفعت به الى التعاقد ، و اذا كان التدليس صادر من الغير التزم بأن يتثبت أيضا تواطؤ أو علم المستفيد به .

عبدالحق الصافي- الجزء الأول المصدر الارادي للالتزامات –العقد-مرجع سابق-ص346

 [10] تتقادم هذه الدعوى بسنة في كل الحالات التي لا يحدد فيها القانون أجلا مخالفا. ولا يكون لهذا التقادم محل إلا بين من كانوا أطرافا في العقد.-الفصل 311 من ظ ل ع – و لا يبدأ سريان مدة التقادم المذكورة في حالة الإكراه إلا من يوم زواله ولا في حالة الغلط والتدليس إلا من يوم اكتشافهما –الفصل 312 من ظ ل ع.

[11] عبدالحق صافي- الجزء الأول المصدر الارادي للالتزامات –العقد-مرجع سابق-347

[12] سواء كانت إيجابية أو سلبية

[13] و هذا ما جاء في الفصل 52 من ظ ل ع ” التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر. ويكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به”.

[14] و هذا ما نص عليه المشرع المغربي في الفصل 540 من ق ج ” يعد مرتكبا لجريمة النصب، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من خمسمائة إلى خمسة آلاف درهم، من استعمل الاحتيال ليوقع شخصا في الغلط بتأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة أو استغلال ماكر لخطأ وقع فيه غيره ويدفعه بذلك إلى أعمال تمس مصالحه أو مصالح الغير المالية بقصد الحصول على منفعة مالية له أو لشخص آخر.

وترفع عقوبة الحبس إلى الضعف والحد الأقصى للغرامة إلى مائة ألف درهم، إذا كان مرتكب الجريمة أحد الأشخاص الذين استعانوا بالجمهور في إصدار أسهم أو سندات أو اذنوات أو حصص أو أي أوراق مالية أخرى متعلقة بشركة أو بمؤسسة تجارية أو صناعية”.

[15] عبدالرحمان الشرقاوي –القانون المدني دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام على ضوء تأثيرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي –مصادر الالتزام- الجزء الأول  التصرف القانوني –الطبعة الرابعة 2017- مطبعة المعارف الجديدة الرباط-ص150

[16] عبدالرحمان الشرقاوي –القانون المدني دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام على ضوء تأثيرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي –مصادر الالتزام- الجزء الأول  التصرف القانوني –مرجع نفسه-ص150

[17] مأمون الكزبري-نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات و العقود المغربي – الجزء الأول مصادر الالتزام –مرجع سابق-ص 101

[18]راجع في ذلك :

– عبدالواحد العلمي-شرح القانون الجنائي المغربي –القسم الخاص-الطبعة الثانية 2009-مطبعة النجاح الجديدة –الدار البيضاء –ص389 و ما يليها .

-امحمد أقبلي و العابد العمراني الميلودي –القانون الجنائي الخاص المعمق في شروح –الطبعة الأولى 202-مكتبة الرشاد سطات –ص163

[19] عبدالواحد العلمي-شرح القانون الجنائي المغربي –القسم الخاص-مرجع سابق –ص392

  • وجاء عند الفقه على أن هذه التأكيدات لا يمكن أن تتحقق الا اذا لجأ الجاني الى الكذب بأمر من الأمور ، ويستوي هذا الكذب أن يكون شفاهيا أو مكتوبا . فالكذب المقصود اذن لا يتحقق بمجرد الأقوال و الادعاءات الكاذبة مهما بلغ قائلها في تأكيد صحتها ، و انما يجب ان يكون الكذب مصحوبا بأعمال مادية أو مظاهر خارجية-راجع في ذلك : امحمد أقبلي و العابد العمراني الميلودي –القانون الجنائي الخاص المعمق في شروح –الطبعة الأولى 202-مكتبة الرشاد سطات –ص163

[20] مأمون الكزبري-نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات و العقود المغربي – الجزء الأول مصادر الالتزام –مرجع سابق-ص 101

  • عبدالواحد العلمي-شرح القانون الجنائي المغربي –القسم الخاص-مرجع سابق –ص393 و 394

[21] احمد الخمليشي- القانون الجنائي الخاص-مذكور عند: عبدالحق صافي- الجزء الأول المصدر الارادي للالتزامات –العقد-مرجع سابق-331

[22] حكم صادر عن محكمة الابتدائية بتمارة –رقم 148 ملف جنحي تلبسي اعتقال – عدد 2/11/110 بتاريخ 2011/03/18 منشور عند: يوسف بن طالب –الحماية الجنائية للعقد على ضوء العمل القضائي – بحث نهاية تمرين الملحقين القضائيين – الفوج 36- السنة التخرج 2010-2011 –ص 9.

[23] مأمون الكزبري-نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات و العقود المغربي – الجزء الأول  –مرجع سابق-ص 103

[24] قرار صادر عن مجلس الأعلى بتاريخ 10/12/1987 تحت عدد 8922 في الملف عدد 86/10001 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد41 ص 253 وما يليها .

[25] يوسف بن طالب –الحماية الجنائية للعقد على ضوء العمل القضائي – بحث نهاية تمرين الملحقين القضائيين – الفوج 36- السنة التخرج 2010-2011-ص5

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)