أكاديميون و مهنيون بوجدة يقاربون المهن القضائية بين التأهيل و الاستقلالية و تدبير المشترك المهني.

محمد الهيني : قضاء المساطر المرجعية على لسان المتهم الضحية.

جمال أمقران : مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية بالمغرب

2 أبريل 2018 - 9:39 م مقالات , القانون العام , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

إعداد : ذ. جمال أمقران باحث في القانون الإداري و تدبير التنمية و موظف إداري في وزارة التربية الوطنية.

مقدمة :

تشكل القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بالمغرب الصادرة في يوليوز 2015 تحولا تشريعيا ساهم في تكريس المقتضيات الدستورية الخاصة بالحكامة الجيدة والمسؤولية في تدبير الشأن العام الترابي ودعم دور و عمل المؤسسات التدبيرية الترابية ، وتحقيق التنمية وفق تدبير تشاركي وذلك بفتح المجال أمام مختلف مكونات المجتمع للمشاركة والمساهمة في التدبير الإداري والمالي للجماعات الترابية .

وقد عمل المغرب خلال السنوات الأخيرة على إدخال اصلاحات همت بالأساس ترسيخ اللامركزية واللاتمركز الإداري ، وتدعيم أسس الديمقراطية المحلية وتكريس العدالة المجالية من خلال توزيع الاختصاصات والمشاركة المحلية في صنع القرار.

ويمثل مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية أحد أهم مظاهر وتجليات الحكامة الترابية المنصوص عليه دستوريا ، فضلا عن كونه يشكل منعطفا هاما في مسار تعزيز اللامركزية الإدارية ، ويعتبر من أهم مقومات الجهوية المتقدمة ، وآلية فعالة لربح الرهانات المطروحة فيما يتعلق بتنمية الجماعات الترابية وجعلها أقطابا حقيقية للتنمية.

ورغم أن مبدأ التدبير الحر يعطي نوعا من الحرية للفاعل الترابي لممارسة اختصاصاته من أجل النهوض بالتنمية المندمجة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتعزيز سياسة القرب ، إلا أن مجموعة من الإكراهات والمعيقات تحول دون تطوير الديمقراطية المحلية ، وتشكل عقبة أمام تجويد التدبير الاداري والمالي للجماعات الترابية وتحد من نجاعة وفعالية مبدأ التدبير الحر .

يطرح موضوع مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية إشكالية رئيسية تتمحور حول مدى إمكانية مبدأ التدبير الحر في تعزيز وتكريس الديمقراطية المحلية وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية تطبيقا للمقتضيات الدستورية والقانونية ، في ظل إكراهات ومعيقات تحد من فعاليته ونجاعته .

للإجابة على الإشكالية الرئيسية والأسئلة المرتبطة بها نعتمد التصميم الآتي :

المطلب الأول : التأسيس الدستوري والتنظيمي لمبدأ التدبير الحر

المطلب الثاني : إكراهات ومعيقات مبدأ التدبير الحر

المطلب الأول : التأسيس الدستوري والتنظيمي لمبدأ التدبير الحر

تمثل المقتضيات الدستورية والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية التشريعات الأساسية لتكريس مبدأ التدبير الحر وتنزيله كآلية لتحقيق الديمقراطية المحلية وترسيخ الحكامة الجيدة .

الفقرة الأولى: التأسيس الدستوري لمبدأ التدبير الحر

تميز الدستور المغربي لسنة 2011 بالتوجه نحو إرساء اللامركزية حيث منح الجماعات الترابية مركزا دستوريا وذلك لتمكينها من الضمانات اللازمة لممارسة اختصاصاتها باستقلالية [1]، وتدبير شؤونها بشكل ديمقراطي وهكذا جاء في الفصل 136 ” يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر وعلى التضامن ، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة “[2] .

ويفيد مبدأ التدبير الحر حرية المجالس المنتخبة التداول وتنفيذ مقرراتها بكيفية ديمقراطية طبقا لقواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر لشؤون الجهة [3] كما هو وارد في الفصل 135 من الدستور الذي ينص على أن … الجماعات الترابية أشخاص معنوية خاضعة للقانون العام ، وتسير شؤونها بكيفية ديمقراطية..”[4] ، وفي نفس السياق تحدث الفصل 146 على أن تحدد بقانون تنظيمي بصفة خاصة قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر …”.

مقال قد يهمك :   الحكومة تجمد تعديلات قانون الصحافة لاستشارة المهنيين

إن المقتضيات الدستورية المتعلقة بمبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية تسعى إلى ابراز العناصر المهيكلة لتفعيل أجرأة هذا المبدأ الذي يظهر من خلال المكون المؤسساتي ، أي سلطة التداول بكيفية ديمقراطية من طرف المجالس المنتخبة وهو مستوى يرتبط بحرية هذه الأخيرة في اختيار هياكلها وفي اتخاذ قراراتها وفي التعبير عن إرادتها ، أما المكون الثاني فيرتبط بالمستوى التدبيري الوظيفي المقابل لسلطة تنفيذ المداولات والمقررات من قبل المجالس المنتخبة[5] ، وهو مستوى يجد أساسه في تمتيع الجماعات الترابية بممارسة السلطة التنظيمية المحلية والتي تنصب على اتخاذ القرارات والقيام بالإجراءات التي يتطلبها حسن سير المرافق العمومية بكيفية منتظمة ومضطردة ، من أجل الحفاظ على النظام العام بمدلولاته الثلاث ، الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة من طرف رؤساء المجالس المنتخبة [6] .

فالنص الدستوري يضع مبدأ التدبير الحر بين المبادئ التي يرتكز عليها التنظيم الترابي للمملكة ، مما يكرس الجماعات الترابية كوحدات حرة ومستقلة في علاقتها بمصالح الدولة ويعزز من احتفاظ الأجهزة التنفيذية اللامركزية بسلطة تنفيذ مداولات مجالس الجماعات الترابية تنفيذا لمقتضيات الفصل 138 من الدستور الذي يحدد على أنه ” يقوم رؤساء مجالس الجهات ، ورؤساء مجالس الجماعات الترابية الأخرى ، بتنفيذ مداولات هذه المجالس ومقرراتها “[7] .

إن تضمين مبدأ التدبير الحرفي الوثيقة الدستورية يعتبر مكسبا هاما للجماعات الترابية قصد جعل الفاعل الترابي قريبا من اهتمامات وانشغالات المواطنين ، ومشاركتهم في التدبير الإداري والمالي وإطلاعهم على كل ما يرتبط بالشؤون المحلية .

فدسترة هذا المبدأ ما هو إلا ترجمة للمقاربة الجديدة للعلاقات التي تتأسس بين الدولة والجماعات الترابية المبنية على أساس احترام الاختصاصات الذاتية .

الفقرة الثانية : التأسيس التنظيمي لمبدأ التدبير الحر

جاءت القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بمستجدات جعلت من الوحدات الترابية تعتمد الآليات الحديثة للتدبير الإداري والمالي ، حيث كرست مجموعة من المبادئ والقواعد المرتبطة بالحكامة الجيدة ، ويشكل مبدأ التدبير الحر أحد أهم هذه المبادئ الذي يخول بموجبه للجماعات الترابية في حدود اختصاصاتها سلطة التداول بكيفية ديمقراطية وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها ، طبقا لأحكام القوانين التنظيمية للجماعات الترابية [8]، وهكذا نصت على أن [9] :

” قواعدالحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدا التدبير الحر يراد في مدلول هذا القانون التنظيمي بقواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر العمل على الخصوص على احترام المبادئ العامة التالية :

  • المساواة بين المواطنين في ولوج المرافق العمومية التابعة للجهة .
  • الاستمرار في أداء الخدمات من قبل الجهة وضمان جودتها.
  • تكريس قيم الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمسؤولية .
  • ترسيخ سيادة القانون .
  • التشارك والفعالية والنزاهة ” .

لقد حملت القوانين التنظيمية قواعد الحكامة المتعلقة بمبدأ الحر، لتعزيز استقلالية الجماعات الترابية في تدبير شؤونها الإدارية والمالية عبر اشراك مختلف الفاعلين الأساسيين بناء على مبدأ التدبير التشاركي وتكريس قواعد اللامركزية الإدارية وضمان مشاركة فعالة للمواطنين والمواطنات بصفتهم المباشرة في القرارات العامة التي تهم الشؤون العامة وتعزيز أسس الحكامة الجيدة والقطع مع أسلوب المركزية في اتخاذ القرار وإرساء جو من التعاون والتضامن والتشارك والمساهمة الجماعية في صنع القرار الترابي .

مقال قد يهمك :   الصعوبات الواقعية و القانونية المثارة في إطار الفصل 436 من قانون المسطرة المدنية.

المطلب الثاني : إكراهات ومعيقات التدبير الحر للجماعات الترابية.

خول المشرع للجماعات الترابية في اطار تفعيل مبدآ التدبير الحر ، صلاحيات واسعة بغية تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية ، إلا أن ممارسة تلك الصلاحيات من طرف الفاعل الترابي تحد من فعاليتها مجموعة من الإكرهات التي تحول دون نجاعتها وتؤثر سلبا على مردودية التدبير الحر وتجعل مشاركة الفاعل الترابي في تحقيق السياسات العمومية مجرد مشاركة رمزية ، وتشكل الرقابة الإدارية التي تمارسها السلطة المركزية وممثليها على المستوى الترابي ، من بين الإكراهات أو المعيقات التي تحول دون ممارسة الفاعلين الترابيين لصلاحياتهم بكل حرية وديمقراطية ، في ظل هيمنة الفاعل المركزي حيث أصبح هو الفاعل الحقيقي والمتحكم في مسارات التدبير المحلي [10] ، ويشكل تدخل السلطة المركزية – الذي يحمل أشكالا مختلفة – الخاصية الأساسية التي تتميز بها الرقابة الإدارية سواء تعلق الأمر بتلك الرقابة التي تمارسها وزارة الداخلية أو التي تمارسها الوزارة المكلفة بالمالية حيث تمثل التمظهرات والتجليات الرقابية انحرافا وتعديا واضحا على فلسفة وسياسة اللامركزية الإدارية الترابية ، كما تشكل اعتداءا صارخا على مبدأ التدبير الحر الذي منح للجماعات الترابية استقلاليتها والحفاظ على ماهية وكينونة اللامركزية الترابية[11].

فرغم أن القوانين التنظيمية للجماعات الترابية الصادرة في يوليوز 2015 جاءت بمستجدات فيما يتعلق بالرقابة الإدارية التي عوضت سلطة الوصاية ، والتأشيرة عوض المصادقة ، إلا أن هيمنة السلطة المركزية وممثليها على قرارات المنتخبين المتعلقة بالسياسات العمومية والتدبير الحر للجماعات الترابية مازالت حاضرة بشكل كبير حيث أن تنفيذ هذه القرارات رهين بموافقة وتأشيرة ممثلي السلطة المركزية الذين يمارسون الرقابة على قرارات الرئيس ومقررات المجالس من خلال مجموعة من المواد الواردة في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية ، مما يتنافى ويتعارض مع مبدأ التدبير الحر الذي نص عليه الفصل 36 من الدستور حيث يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير والتعاون والتضامن ويؤمن مشاركة السكان المحليين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية الترابية والمستدامة[12].

إن النصوص التشريعية والتنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية بالمغرب خولت للسلطات المركزية سلطات واسعة على الوحدات الترابية المنتخبة أشخاصا وأعمالا تبدو هي التي تدبر المشاريع التنموية على المستوى الترابي وهي التي تتحكم في التدبير الإداري والمالي وفي النظام الرقابي ، ورغم أن الرقابة على شرعية مقررات وقرارات المجالس وعزل أعضائها وحل مجالسها تظل من اختصاص القضاء الإداري كسلطة مشرفة إلا أن الرقابة الإدارية للسلطات الحكومية على الوحدات الترابية تبقى واردة وضرورية وفق التشريعات والقوانين التنظيمية ، سيما في ظل وجود نخب محلية ضعيفة وغير مؤهلة وعدم قدرتهم على فهم واستيعاب النصوص القانونية المنظمة لاختصاصاتهم مما يؤثر بشكل سلبي على مبدأ التدبير الحر وقواعد الحكامة الجيدة.

أما فيما يتعلق بالإكراهات المالية أو ضعف التمويل الذاتي للجماعات الترابية فتعود بالأساس إلى طبيعة المقتضيات التشريعية والقانونية التي لا تركز على التدبير المالي وعلى حرية برمجة مشاريع التنمية الترابية وتنفيذها ، وإن كانت الضمانات القانونية والمالية المتعلقة بتعزيز الاستقلال المالي من أهم قواعد ومبادئ تمكين الجماعات الترابية من تدبير الشؤون الترابية ، فعدم قدرة الفاعل الترابي على تمويل تكاليف ونفقات التدبير العادي يؤدي بالضرورة الى إضعاف قدرتها التدبيرية مما يفرض التدخل المركزي لفرض الموازنة بين التكاليف مع الموارد ويصاحبه نوع من التوجيه المؤثر في النشاط المالي الترابي وبرمجة مضامين الميزانية الترابية [13].

يتضح من خلال ما سبق ذكره ، أن مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية و القوانين التنظيمية ، إن كان يمثل ضمانة أساسية لتطوير الديمقراطية على المستوى الترابي وتعزيز الحكامة الجيدة.

إلا أن ذلك لم يرق إلى مستوى تحقيق السياسات العمومية من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة حتى تتمكن الجماعات الترابية من تدبير الشأن العام وفق مقاربة تتأسس على خدمة المواطن ، وتحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية وانتاج سياسات فعالة وذات جودة ، و العمل على تخفيف التدخلات الرقابية الإدارية وتغيير وتجديد فلسفتها وممارستها بشكل شامل والحد من الممارسات الرقابية المعرقلة لحرية المبادرة مع الرتكيز على الرفع من القدرات المعرفية والعلمية للمنتخبين ، وتدعيم الجماعات الترابية بأطر وموارد بشرية ذات اختصاصات متنوعة ، وتوفير الموارد المالية لتمكين الوحدات الترابية من المساهمة بشكل فعال في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية .

مقال قد يهمك :   الحسين بلحساني : زواج المسلمة بغير المسلم بين أحكام مدونة الأسرة و مقتضيات الاتفاقيات الدولية

الهوامش :

  1. – نور الدين السعداني الجماعات الترابية بالمغرب بين توسيع الاختصاصات التدبيرية واكراهات الاستقلالية المالي – الطبعة الاولى 2015 ص 17
  2. – الفصل 136 من الدستور المغربي لسنة 2011
  3. – رضوان زهرو : التدبير الحر للشأن الترابي مجلة مسالك العدد 33/34 -2015 ص :8
  4. – الفصل 135 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011
  5. – مولاي رشيد جاز الجماعات الترابية ومبدا التدبير الحر مجلة منارة للدراسات القانونية والادارية عدد خاص 2017 ص158
  6. – القوانين التنظيمية ومبدأ التدبير الحر – مجلة مسالك العدد 33/34 – 2015 ص 43
  7. – الفصل 138 من دستور 2011
  8. جمال الدين ىيت الطاهر : مجلة مسالك العدد 47/48 – 2017 ص :45
  9. – أنظر المادة 243 من القانون التنظيمي للجهات 111.14 والمادة 213 من القانون التنظيمي للعمالات والأقاليم والمادة 269 من القانون التنظيمي للجماعات رقم 113.14
  10. – رشيدة بدق : الفاعل الترابي وتحقيق السياسات العمومية على ضوء القانون التنظيمي رقم 113.14 – مجلة المنارة عدد خاص 2017 ص : 194
  11. – عماد ابركان : نظام الرقابية على الجماعات الترابية ومتطلبات الملائمة منشورات مجلة العلوم القانونية مطبعة الأمنية الرباط 2016 ص : 255
  12. – رشيدة بيدق : مرجع سابق ص 196
  13. – عبد اللطيف بروحو : مالية الجماعات الترابية بين واقع الرقابة ومتطلبات التنمية – المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية العدد 2016 ص330-331

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.