فرض جواز التلقيح، أي مشروعية؟

فرض جواز التلقيح .. حقوق الإنسان وإمكانية التطبيق؟

جواز التلقيح بين الاجبار والاختيار: مقاربة قانونية

29 أكتوبر 2021 - 9:58 م في الواجهة , وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-

طارق الدنداني دكتور في الحقوق

تم فرض جواز التلقيح كوثيقة أساسية للتنقل وولوج المرافق العمومية، والأماكن العامة من مقاهي وحمامات وغيرها، والذي دخل حيز التنفيذ يوم الخميس 21 أكتوبر 2021، يستند بلاغ الحكومة المادة الثالثة من المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ الصحية التي تنص على أنه “بالرغم من جميع الاحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل تقوم الحكومة خلال فترة اعلان الطوارئ الصحية باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية أو إدارية أو بواسطة مناشير وبلاغات من اجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم.

ويثير الموضوع عدة إشكالات قانونية وحقوقية تتبلور في مدى مشروعية هذا القرار من عدمه، ثم أن هذا القرار هل يراعي ضمان التوازن بين مبدأ وجوب حماية الصحة الفردية والجماعية من خلال التلقيح ضد كوفيد 19 ومبدأ آخر لا يقل أهمية يتعلق بحرية التلقيح وبالحقوق الأساسية للفرد بحماية كرامته وحرية ضميره وحرمة وسلامة جسمه، إذ أن التنازع مفاده المفاضلة بين التلقيح الاجباري والتلقيح الاختياري، أي بين الحقوق الفردية “المصالح الخاصة “والحقوق الجماعية “المصالح العامة؟ .

فبالرغم من أن القانون لا يفرض مسألة التلقيح الاجباري لحدود اليوم، إلا أن مسألة فرض تدابير إدارية أو تنظيمية تقيد ممارسة بعض الحقوق والحريات بضرورة اجراء التلقيح والحصول على جواز التلقيح، كالمنع من التنقل بين المدن وولوج المقرات العامة والخاصة  ووسائل النقل العمومية، تجعله موضع علامة استفهام كبرى وهو ماسأتطرق اليه من خلال دراسة مقاربة قانونية وحقوقية من خلال النقط التالية:

  • مما لا شك فيه أن تطبيق إجبارية التلقيح يخلق إشكالات قانونية عديدة، وعلى رأسها خرق قانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، مما بجعل المعطيات الخاصة للأشخاص مفتوحة للجميع، فالحارس التابع للقطاع الخاص أو النادل الذي سيعرف كل شيء عن المواطن بحجة مراقبة جواز التلقيح وهذا غير ممكن لأن مهام السلطة العمومية لا يمكن أن تفوض للخواص.
  • حول مسألة الطعن في قرار إجبارية جواز التلقيح، مغالطات كثيرة تروج حول الطعن في قرار فرض جواز التلقيح، وللتوضيح فقرار فرض الجواز الذي تم بموجب بلاغ حكومي يعتبر بمثابة القرار التنظيمي الذي يهم الجميع، وبالتالي يمكن الطعن فيه داخل أجل ستون يوما أمام محكمة النقض من قبل كل من له المصلحة في ذلك أي كل من تضرر منه، ولكن التوجه العام على مستوى محكمة النقض سيكون لصالح قرار السلطات العمومية لعدة اعتبارات خاصة المرتبطة بمسألة حماية الصحة العامة في ظل الظروف الاستثنائية التي يضيق فيها القضاء رقابته على السلطة التقديرية للإدارة، مقابل تغليب مقتضيات المصلحة العامة والنظام العام هذا من جهة ومن جهة اخرى فقد اعتبرت محكمة النقض في قرار لها تحت عدد 236  الصادر بتاريخ 11/04/2013 في الملف الاداري عدد 742/4/2/2012 انه “لما كان التلقيح الذي خضع له الضحية تلقيح إجباري، يهدف إلى حماية الصحة العامة من الأوبئة، ولا يطلب من الملقح أو ولي أمره – إذا كان قاصرا- القبول طواعية بالمخاطر المترتبة عن عملية التلقيح، فإن أساس تعويض من تضرر من هذه العملية يكون هو التضامن بين أفراد المجتمع في تحمل الأخطار الاجتماعية بصرف النظر عن قيام الخطأ من عدمه.”
  • رغم أن هذا القرار هو تنظيمي يهم الجميع إلا أنه يمكن لكل مواطن الحق في الطعن في القرارات الفردية التي تمنعه من ولوج مرفق معين أو الحصول على خدمة معينة بدعوى عدم التوفر على جواز التلقيح سواء كان القرار مكتوبا أو شفهيا.
  • وهناك إشكالية اخرى تتمثل في حالة تم منع شخص معين من ولوج الفضاءات العمومية من قبل شخص غير مؤهل قانونيا بمعنى الذي لا يحمل الصفة الضبطية أي لا ينتمي للسلطات العمومية بدعوى عدم التوفر على الجواز، أن يرفع دعوى في مواجهة الشخص المعني طبقا لمقتضيات الفصل 380 من القانون الجنائي التي تنص على أن: ” من تدخل بغير صفة في وظيفة عامة، مدنية كانت أو عسكرية، أو قام بعمل من أعمال تلك الوظيفة، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، مالم بكن فعله جريمة أشد”.
  • يمكن إدراج من يتدخل من أجل منع الغير من ولوج الفضاءات العمومية بسبب غياب جواز التلقيح في عداد الموظف الفعلي وبالتالي يحق للمتضرر رفع دعوى المسؤولية في مواجهة الإدارة في شخص رئيس الحكومة أو رئيس الجماعة حسب الحالات

وصفوة القول أن مسألة فرض جواز التلقيح قد تندرج ضمن أعمال المشروعية، لكن الأكيد أنها تبتعد عن قواعد الشرعية التي تقتضي مراعاة مجموعة من المعطيات الاجتماعية والنفسية… وتوفير الظروف الملائمة لاتخاذ هذا النوع من القرارات الكبرى في شكل بلاغات حكومية تطبق بأثر فوري.

مقال قد يهمك :   الاتفاقيات الجماعية ودورها في تحقيق السلم الاجتماعي

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)