حسوني قدور: مــــاذا يعني أن تكون مــحاميا ؟

19 نوفمبر 2020 - 5:29 م في الواجهة , متفرقات قانونية
  • حجم الخط A+A-

الأستاذ حسوني قدور بن موسى المحامي بهيأة وجدة

مهنة المحاماة رسالة مقدسة، رسالة الدفاع عن المضطهدين والمظلومين، عندما يقف المحامي بجوار متهم بريء لم تثبت إدانته بحكم عادل ليدافع عنه بعد أن تنكر له أصدقاؤه وتشمت به أعداؤه وانهالت عليه مطارق النيابة العامة من كل جهة وتراكمت ضده نصوص المتابعة بهدف إغراقه والزج به في غياهب السجون المظلمة،

يقف المحامي شامخا بجانب المتهم وسط صخب وسائل الاعلام وجمهور من المتفرجين، إنها رسالة مقدسة، رسالة الدفاع التي تبث الأمل في قلب المتهم، المحامي هو الوحيد الذي لا يتخلى عن المتهم البريء، أنت محام إذن أنت تنتمي الى مهنة الجبابرة.

المحاماة فن قبل أن تكون مهنة، وليس المحامون محامين كلهم بالضرورة، ليس عمل المحامي فقط معرفة القانون، فالكثير من الناس يعرفون النصوص حتى من غير المحامين، لكن حقيقة دور المحامي تكمن في دراسة الوقائع كدراسة القانون والنظر إلى ما يمثل هذه الوقائع في نصوص القانون، هذا فضلا عن الشجاعة والجرأة والنزاهة والصدق والأخلاق الحميدة التي يجب أن يتميز بها المحامي الحقيقي عن غيره والتزامه بالدفاع عن حقوق وحريات المواطنين دون خوف أو تملق أو خضوع لأية جهة كيفما كانت. كان قدماء اليونان يحرمون مهنة المحاماة على العبيد لأن العبيد كانوا ضعفاء الشخصية لا يستطيع محاجة القاضي محاجة الند للند، كلمة محام مصدرها الحماية يعني أن دور المحامي هو حماية المواطن الضعيف من الاضطهاد والقمع والظلم المسلط عليه من طرف الطغاة المفسدين ولهذا فإن المحامي الضعيف لا يستطيع الدفاع عن المواطن الضعيف كما أن المحامي يجب أن يكون نزيها صادقا في ممارسة المهنة، وفي هذا الصدد قال الدكتور الفقيه عبد الرزاق السنهوري :

مقال قد يهمك :   إبن مسعود ياسين: محامي مع وقف التنفيذ ؟!

” ليس من عمل المحامين قلب الثوابت أو تضليل الحقائق، فلا تشعر بالفخر كثيرا عندما توزع الرشاوي لكسب القضايا لأنك أصبحت مجرما بسبب مجرم فأنت إذن مثله لأنك تخسر ذاتك لتربح قضية، فالقضية رابحة وستكون أنت الخاسر، أن تسرق حقوق زملائك المحامين وأن تنافسهم بصورة غير مشروعة فهذا أقرب للدناءة وأبعد ما يكون من الأخلاق الرفيعة التي هي أساس مهنتك، لا تكذب ولا تعطي الوعود فإنك لست صاحب قرار فأنت لست مسؤولا عن النتائج، و قبل ذلك كله كن إنسانا لتكن محاميا، الخلاصة لا تربح الدعوى وتخسر نفسك “.

تعتبر مهنة المحاماة من أهم المهن التي من شأنها أن تحقق الأمن وتعيد الحقوق الى الضحايا وتساعد على نشر العدل بين الناس ولهذه المهنة الكثير من المميزات التي تتوافق مع مبدأ العدالة، فلا يجب على من ينتمي إلى هذه المهنة أن يدافع عن الباطل وينصفه ضد الحق لأن ذلك له وقع خطير على الحياة الاجتماعية. قال الفقيه الفرنسي ” جارسونيه ” في وصف حياة المحام :

“إن المحامي يترافع في يوم واحد أمام محاكم متعددة في دعاوى مختلفة ومنزله ليس مكانا لراحته، يقصده كل من يريد أن يخفف من أعباء مشاكله وهمومه ولا يكاد ينتهي من مرافعة طويلة إلا ليعالج مذكرات أطول فعمله معالجة مختلف المشاكل وتخفيف متاعب الآخرين “.

وقال المفكر الفرنسي الكبير ” فولتير” عن مهنة المحاماة : ” كنت أتمنى أن أكون محاميا لأن المحاماة أجمل مهنة في العالم … فالمحامي يلجأ اليه الأغنياء والفقراء على السواء، ومن زبنائه الأمراء والعظماء يضحي بوقته وصحته وحتى حياته في الدفاع عن متهم أو ضعيف مهضوم الحق “

وقال المستشار عبد العزيز فهمي رئيس محكمة النقض المصرية سنة 1931 عند افتتاح أولى جلسات المحكمة: ” إذا وازنت بين عمل القاضي وعمل المحامي، لوجدت أن عمل المحامي أدق وأخطر لأن مهنة القاضي هي الوزن والترجيح أما مهنة المحامي فهي الخلق والإبداع والتكوين”.

يعتبر نقيب المحامين قلب مهنة المحاماة النابض وصوتها الناطق باسم أعضائها وهو يستمد قوته من أصوات المحامين الذين وضعوا فيه الثقة لتمثيلهم والدفاع عن مصالحهم ولا يعمل إلا وفق مشيئتهم واختياراتهم، وفي هذا الصدد، ذهب نقيب هيأة المحامين في مصر ورئيس حزب الوفد المصري سعد زغلول إلى قصر حاكم مصر إسماعيل الخديوي وكان هذا الحاكم يعتقد أن النقيب جاء اليه ليطلب منه خدمة لمصلحته إلا أن النقيب سعد زغلول فاجأه وقال له بكل صراحة:

” جئت إليك اليوم لأطلب منك الابتعاد عن التدخل في شؤون القضاء والمحاماة “.

هكذا يجب أن يكون نقيب المحامين يدافع عن استقلالية المهنة وهيبتها وكرامتها لا أن ينحاز إلى السلطات لقضاء مصالحه على حساب المحامين الذين انتخبوه. للدفاع عن مصالحهم لكن للأسف أصبحت مهنة المحاماة مهددة لا يستطيع المحامي القيام بعمله بصورة مشرفة نظرا لانعدام التضامن المهني حيث أصبح كل محام يهتم بمصالحه الخاصة ولا يهمه مشاكل الزملاء الآخرين، منصب النقيب ليس أمرا سهلا في البلاد الراقية المتقدمة، عندما زار الرئيس الفرنسي “ماكرون” مدينة ” دانكارك” غرب فرنسا أثناء احتجاجات المحامين واجهه نقيب المحامين عن طريق مكبر الصوت في الشارع العمومي وحمله مسؤولية أزمة المحاماة وتدني المستوى المعيشي للمحامين وارتفاع التكاليف التي يتحملها المحامين، السلطات في فرنسا تهاب وترتعد من نقيب المحامين إذ وصل المحامون إلى رمي بذلاتهم في الشارع احتجاجا على سياسة الحكومة …

مقال قد يهمك :   ما هي قصة المثل الشهير “القانون لا يحمي المغفلين”؟

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)