عبد النباوي: استقلال المحاماة جزء لا يتجزأ من استقلال القضاء والرهان هو صفاء ضمير المحامي

100 مليون كتعويض لمريض حقن بدم ملوث وتحميل المسؤولية لمرکز تحاقن الدم والمصحة والطبيب

حوار حصري مع الدكتور عبد السلام آيت سعيد حول مهنة العدول بالمغرب وواقعها الراهن وآفاقها وتحدياتها المستقبلية

15 يوليو 2019 - 5:40 م القانون والصحافة , حوارات صحفية , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

حاوره: ياسين إبن مسعود المدير العام لموقع مغرب القانون ورئيس مركز مغرب القانون للدراسات والأبحاث القانونية


في إطار انفتاح موقع مغرب القانون على الكفاءات الوطنية في مختلف الميادين القانونية و القضائية و الحقوقية. استضاف موقع مغرب القانون في إطار سلسلة الحوارات الدورية التي يجريها، الدكتور عبد السلام آيت سعيد أستاذ باحث في الحكامة التوثيقية ومقاصد الشريعة، عدل باستئنافية الرباط. وذلك من أجل تسليط الضوء حول واقع مهنة العدول بالمغرب. خاصة بعد قرار الملك محمد السادس السماح للمراة بولوج خطة العدالة، وهو ما صار يطرح إشكالات عدة لا زالت تحتاج إلى أجوبة واضحة خاصة على مستوى كيفية ممارسة المراة للمهنة في ظل القانون 16.03 ومدى اختصاصها في تحرير كل العقود.

كما ناقش الحوار أيضا أهم التوصيات التي تمخضت عن الملتقى الوطني للسادة العدول المنعقد بالرباط بتاريخ 25 أبريل 2019 ، خاصة ما يتعلق بإقرار نظام التلقي الفردي وتمكين العدول من فتح حساب بصندوق الإيداع و التدبير. إضافة إلى مناقشة إمكانية إدماج نظامي التوثيق العدلي والعصري، و مطلب الإدماج المباشر للنساخ في خطة العدالة، وأهم التحديات التي صارت تعترض خطة العدالة في ظل رياح العولمة وواقع التكنولوجيا الرقمية. إضافة إلى جوانب أخرى تتعلق بالمهنة وآفاق السوق التحريرية بالمغرب.

و فيما يلي نص الحوار كاملا :


مغرب القانون: من هو الأستاذ عبد السلام آيت سعيد؟ (السيرة الذاتية)

بداية أتقدم بالشكر الجزيل إلى المجلة المضيفة في شخص السيد المدير العام لموقع مغرب القانون الأستاذ ياسين ابن مسعود الإعلامي والباحث الأكاديمي المقتدر الطموح.

عود على بدء:

  • ولد الدكتور عبد السلام آيت سعيد بضواحي اقليم تارودانت حيث تلقى تعليمه الأول بمسجد القرية سيرا على عادة السوسيين ثم افتتح رحلته في طلب العلم بالتوجه إلى المدرسة العتيقة أيت بوبكر قرب تارودانت على يد خاله الفقيه سيدي ابراهيم بن الحاج لحسن أجبلى شفاه الله، فإلى المدرسة العصرية بأولوز ثم انتقل إلى المدينة الحمراء مراكش لينتقل بعد ذلك إلى العاصمة الرباط، حيث حصل على الإجازة عام 1992 ثم على شهادة دبلوم الدراسات العليا المعمقة في الفقه والأصول عام 1993، ثم على الشهادة العليا من دار الحديث الحسنية عام 1996 تخصص الفقه وأصوله وأصول الدين ثم على شهادة الدكتوراه في مقاصد الشريعة ثم دبلوم الدراسات العليا من كلية الحقوق بالرباط.
  • التحق بخطة العدالة أواخر 1994 م.
  • عضو بالمجلس الجهوي لعدول استئنافية الرباط.
  • عضو باللجنة العلمية للهيئة الوطنية سابقا.
  • عضو بلجنة الحوار للهيئة الوطنية سابقا.
  • عضو مؤسس لمنتدى الكرامة لحقوق الانسان.
  • عضو بالمؤتمر القومي العربي الاسلامي ببيروت.
  • رئيس جمعية أوﯖوك للتنمية والثقافة والبيئة بجهة سوس ماسة.
  • رئيس تحرير مجلة السماط.
  • أستاذ زائر بكلية الحقوق.
  • أستاذ باحث في قضايا التوثيق ومقاصد الشريعة.
  • مشارك في العديد من الندوات والمناظرات العلمية والبرامج الإعلامية.

ويكفى من القلادة ما أحاط العنق.

وما المرء إلا حديث حسن  ***  فكن حديثا حسنا لمن وعى

الأستاذ عبد السلام آيت سعيد مع رئيس الحكومة 

مغرب القانون : تعتبر خطة العدالة أو ما يعرف بمهنة “العدول” من المهن الحرة التي تمارس وفق أحكام القانون رقم 03 الصادر سنة 2006 ومرسومه التطبيقي. هل من الممكن أن تقدم لنا نبدة موجزة عن تاريخ هذه المهنة بالمغرب؟ ! والمهام الرئيسية التي تقع على عاتق السادة العدول؟ !

تشكل خطة العدالة – التوثيق العدلي– المحور الأساسي في المنظومة القضائية المغربية، لكونها من المهن القضائية والقانونية، التي تزاول في إطار مساعدي القضاء، ومن أهم الوظائف الأساسية التي يحققها هذا التوثيق هناك:

  • توثيق جميع الحقوق والمعاملات.
  • توثيق عقود الأبدان المتعلقة بالأعراض والأنساب.
  • تحضير وسائل الإثبات التي تمكن القضاء من فض النزاعات.
  • المساهمة في التنمية العقارية والاقتصادية والاجتماعية .
  • توثيق بيعة الملوك والسلاطين المغاربة في علاقتهم مع رعاياهم في إطار التقاعد التاريخي بين العرش والشعب.

وتعتبر خطة العدالة أو مهنة التوثيق العدلي من أقدم المهن في المغرب، حيث يرتبط وجودها بدخول الإسلام إلى المغرب الإسلامي وبتشكل بنية نظام الدولة في المغرب والجهاز الإداري للحكومة المغربية أنذاك .. فهي قسم من أقسام الخطط الشرعية المرتبطة بخطة القضاء وبالشؤون الإسلامية والأوقاف .. فقد كان السلاطين المغاربة يعدون خطة القضاء وخطة العدالة صنوان لا يفترقان .. على اعتبار أن مرجعية التشريع والأحكام المتبعة بالمغرب كانت على مذهب الإمام مالك المعتمد في تدبير شؤون الرعية .. حيث لم يكن هناك قانون مدون بالمعنى العصري بل كانت القواعد والنصوص الفقهية من أقوال العلماء وخصوصا في مختصر خليل وتحفة ابن عاصم والزقاقية وشروح المتون وطررها وحواشيها والنوازل وما جرى به العمل … هي المرجع بما في ذلك إصدار الأحكام المدنية أو الجنائية أو الإدارية وحتى الراجعة للنطاق الدولي والاجتماعي …

من ذلك على سبيل المثال: الكتاب السلطاني الذي وجهه المولى عبد الرحمان لواليه بطنجة حيث أقام نواب الدول الأجنبية محجر بعد ظهور مرض وبائي .. يأمره فيه بعدم الدخول إلى بلاد فيها وباء انطلاقا من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام :”لا عدوى ولا طيرة”.

وعلى أساس ما ذكر كان لمؤسسة العدول دور كبير في المجتمع سواء على مستوى الحقل الديني أوالقضائي أو المدني لقد كان العدول قلب القضاء الشرعي إشهادا وتوثيقا وبتا ونيابة وكانوا يحررون رسوم المرافعات ورسوم الأحكام والأبحاث العقارية وتحديد الأملاك والمعاملات التجارية وعقود البيع والهبات والوصايا والميراث والحبس …

وكانوا هم النواب في المحاكم الشرعية، فقد كان نائب القاضي الشرعي يتم اختياره من العدول المبرزين بإذن من وزير العدل.

لكن للأسف اضحى واقع العدول اليوم كواقع الأهلة لا تعرف إبدارا وبكتهم الخضراء بأدمع الحزن … والشمس في كبد سماءهم مريضة والأرض تحت أرجلهم واجفة تكاد تمور …

ولقد عرفت مهنة التوثيق العدلي (خطة العدالة) عبر مسارها التاريخي عدة إصلاحات وتعديلات من أجل تحسين سيرها وتنظيم أمرها، فكانت المحطة الاولى لهذا التعديل مع ظهير 7 يوليوز 1914 ثم ظهير 30 أبريل 1916 ثم ظهير 29 أبريل 1924 ثم ظهير 25 يونيو 1938، وظهير 7 أبريل 1944 ومناشير عديدة ولا سيما منها منشور وزارة العدل رقم 14.714 المؤرخ في 3 نونبر 1959 … مرورا بقانون 11.81 القاضي بتنظيم خطة العدالة وتلقي الشهادة وتحريرها الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم:332-1.81 بتاريخ (06 ماي 1982)، وانتهاء بالقانون الحالي رقم 03.16 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.06.56 بتاريخ (14 فبراير 2006).

وفي هذا الصدد اطلق مسار المراجعة والتعديل لقانون (03.16) الذي انطلقت أطواره في ولاية الوزير السابق ذ.مصطفى الرميد وما زالت إلى الى الآن في عهد الوزير الجديد محمد أوجار متواصلة.

ويتمنى السادة العدول أن يكون النص المعدل في مستوى طموحاتهم شكلا ومضمونا وأن يشكل تحولا تاريخيا حاسما في مسار المهنة .. وفق مقومات دولة الحق والقانون والمؤسسات الديموقراطية ومبادئ وآليات الحكامة الجيدة.

فقد سئمنا من الترقيع التشريعي .. ومن الريع التشريعي …

لان المهام التي يقوم بها السادة العدول على مستوى المعاملات العقارية والتجارية والمدنية تحتاج إلى قواعد قانونية متطورة بمعايير دولية … تستجيب لمتطلبات الامن التعاقدي والقانوني ..

هذا فضلا عن غلبة عولمة الفكر القانوني كإحدى الآثار المباشرة لعولمة الاقتصاد، مما يستوجب اعتماد قواعد قانونية متقدمة على مستوى التشريع الوطني، من أجل توفير أرضية مهنية خالية من العراقيل والتمييز والتشكيك في عدم القدرة على توفير الأمن التعاقدي اللازم.

وإن المنازل على قدر مراتب النازل.

فموقع المهنة بحسب موقعها في سلم الترتيب المهني، ومؤشر الترتيب مرتبط بجودة التشريع المنظم لمهن التوثيق وبطبيعة خدماتها.

 مغرب القانون : عرف المغرب مؤخرا حدثا تاريخيا تمثل في ولوج المرأة لممارسة خطةالعدالة بعد قرار أمير المؤمنين الملك محمد السادس السماح للنساء بولوج هذه المهنة، كيف استقبلتم هذا الخبر كممارسين لهذه المهنة؟!

نعم، بالفعل كان هذا الولوج للمرأة المغربية لخطة العدالة حدثا تاريخيا ونوعيا بامتياز، استقبله معظم الممارسين بالقبول الحسن وأصدرت الهيئة الوطنية للعدول في إبانه بيانا رسميا تثمن فيه القرار الملكي وتشيد بموقفه الحكيم والمتبصر في الموضوع.

وفي هذا السياق لابد من الإشارة أيضا – من باب الأمانة التاريخية – أن هذا الموضوع كتبت فيه مؤلفا هذه مدة من اثني عشر سنا تقريبا بالضبط عام 2007 صدر لي كتاب “المرأة ومهنة العدول بالمغرب إشكالية الولوج بين الفقه والقانون والعرف”، تسلمه عدد كبير من أعضاء اللجنة العليا لإصلاح منظومة العدالة، والذي كان من ثماره المادة 169 من ميثاق إصلاح منظومة العدالة.

كما لا أنسى في هذا الإطار التاريخي قبل صدور القرار الملكي الحملات التعريضية والنقدية للكتاب وصاحبه، وما زلت أتذكر كلمة من “عدل فقيه” يعد عند زمرة من المقلدين (إماما ومفتيا ومرجعا): “إن صاحبكم هذا – يقصد المؤلف- سَيُعَلْمِنُ المهنة ويعدمها ويُفَسِّخُها .. ويضرب الله لبابها تلافة…”

وكنت أردد دائما سلاما سلاما، وأنشد لابن جبير الأندلسي:

يا مهدي الموز تبقى   ***      وميمه لك وفاء

وزايه عـــــــن قريب    ***   لمن يعاديك تــــاء

ولكن مع ذلك ينبغي التنبيه أنه إذا لم يكن “التعديل القانوني” لقانون 03.16 في مستوى الحدث وعلى ضوء المقتضيات الدستورية التي تنص على تكريس المساواة بين الرجل والمرأة في كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمهنية واحداث آلية للنهوض بالمناصفة .. وتعزيز الضمانات الدستورية لحقوق العدول كشريحة مهنية عانت ومازات تعاني من أشكال التمييز التشريعي والإقصاء والممارسات المهنية في المرفق العمومي … فنظروا رأي المعارضين لولوج المرأة للتوثيق العدلي صائب وفي الصميم.

لا نريد التسويف والهروب إلى الأمام … وتعطيل قطار الإصلاح والتغيير مرة باسم الدين والشرع ومرة أخرى بالحفاظ على الخصوصية المغربية.

وقالوا يعود الماء في النهر بعدما ***  ذوي نبت جنبيه وجفت مشارع

فقلت إلى ان يرجع النهر جاريـــا  *** ويعشب جنباه تموت الضفـــادع.

مغرب القانون : يتساءل الكثير من المهتمين: لماذا انتظر السادة العدول أكثر من قرن لتجاوز شرط الذكورة في الولوج لمهنة عدل؟ بل إن البعض يرى أنه لولا القرار الملكي الجريء وغير القابل للنقاش بالسماح للمرأة لولوج المهنة لاستمر هذا التمييز قائما إلى الأبد.

بعبارة  أخرى: لماذا لم تأت المبادرة من العدول أنفسهم لادماج المرأة كما هو الشأن لجميع المهن القانونية والقضائية؟

للتصحيح فقط شرط “الذكورة” لم يرد لا في الفقه ولا في القانون المنظم للمهنة (03.16)، هو أقرب إلى العرف والعادة وما جرى به العمل التوثيقي في المغرب والغرب الاسلامي عموما.

حيث كانت المهن والوظائف ذكورية بامتياز، وكان دور المــــــــــــــرأة – في الغالب – ينحصر في المنزل والعائلة والنسل وتربية الأولاد والعيش وراء الحجب..

وكما قال الطاهر الحداد متحدثا عن السياق التاريخي للمرأة في الشرق:”إننا لا نعتبرها من عامة وجوه الحياة إلا انها وعاء لفروجنا”.

* إذا رجعنا إلى التراث الفقهي نجد الشروط الأساسية التي سطرها الفقهاء في مؤلفاتهم الخاصة بالتوثيق التي جمعت بين براعة الإنشاء وبلاغة التوثيق وكمال التحقيق نجد من هذه الشروط كما نص عليها أبو العباس أحمد بن عرضون في مؤلفه القيم “الكتاب اللائق لمعلم الوثائق أو التقييد اللائق في تعلم الوثائق “.

  • قال مالك رحمه الله لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون لقوله تعالى:”وليكتب بينكم كاتب بالعدل” وفي الغرناطية يعتبر في الموثق عشر خصال متى عرى عن واحدة منها لم يجز أن يكتبها وهي:
  1. أن يكون مسلما .
  2. عاقلا.
  3. متجنبا للمعاصي.
  4. سميعا بصيرا.
  5. متكلما.
  6. يقظا.
  7. عالما بفقه الوثائق.
  8. سالما من اللحن.
  9. أن تصدر عنه بخط بين يقرأ بسرعة وسهولة.
  10. وبألفاظ بينة غير محتملة ولا مجهولة.
  • قال ابن بري وزاد غيره: “أن يكون عالما بالترسيل …”

إذا تأملنا هذه الشروط لا نجد بتاتا موضعا لشرط الذكورة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن السادة العدول لا يتحملون وزر التمييز ضد المرأة .. بل يتحمله الجميع، المجتمع بنخبه وعلمائه وفقهائه ومشرعيه … وهذه هي الحقيقة التي نغطيها بالغربال …

ومخافة أن أقع في التكرار أؤكد مرة أخرى: إن الدعوة لولوج المرأة لمهنة التوثيق العدلي يرجع فيه الفضل بعد الله سبحانه وتعالى إلى نخبة العدول ورموزهم الفكرية … ومن تأمل بعقله أنصف ولو من نفسه وأعطى كل ذي حق حقه مع انه لا يسلم واضع كتاب “المرأة ومهنة العدول إشكالية الولوج بين الفقه والقانون والعرف”. من طاعن أو حاقد أو جاحد .. وشتان ما بين المقرر والجاحد ورأس الحكمة التغافل عن الزلات .. وهل يأمن الجواد نكبة أو صارم نبوة أو حليم هفوة، وإن كان للأوائل فضل السبق والتعليم، فللأواخر فضل الإقتداء والتتميم.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض : المغرب ليس "فردا" و التشهير العلني جريمة ضد الأفراد

لا تسأل الدهر إنصافا ** ** ** ولا تلمه فلم يخل من إنصاف

مغرب القانون : ارتباطا بموضوع ولوج المرأة المغربية لمهنة التوثيق العدلي لازال الكثير من المهتمين يتساءلون عن كيفية ممارسة المرأة للمهنة في ظل القانون (03.16) ؟! بعبارة أخرى هل ستمارس المرأة خطة العدالة كما يمارسها الرجل العدل دون أي مانع أو عائق؟ وما مدى اختصاصها في تحرير كل العقود بما فيها الزواج والطلاق؟

جوابا على الشق الاول من السؤال أقول: إن ممارسة المرأة للمهنة في ظل هذا القانون الحالي كارثة بامتيار، قانون لا يتوفر على أدنى الضمانات … إنه قانون الغلو في الواجبات  والخلو من الحقوق .. يرهِقُ الاشباح ويزهق الارواح (المادة 48) من ق.03.16.

فلكي يشتغل العدل والعدلة في ظروف مريحة وتكون المردودية إيجابية تحقق الأمن التعاقدي والتنمية في أبعادها المختلفة، لا بد من إعادة تأهيل وتعديل القانون المنظم للمهنة جذريا وجوهريا – وليس ترقيعيا وتجزيئيا – .. فالقانون الحالي (03.16) لا يعطي حلولا للاشكاليات المطروحة على مستوى الواقع والممارسة وفي إطار المعاملات العقارية والتجارية، فالقراءة المتأنية لهذا القانون تفيد مجموعة من الملاحظات العامة على سبيل المثال لا الحصر ودون تفصيل:

  1. غياب القواعد التي تعزز الحماية القانونية للعدل والعدلة.
  2. تضخيم البيانات الشكلية والثانوية على حساب البيانات الموضوعية والجوهرية، كالرسمية بمجرد توقيع الاطراف مثلا، مما يعرض الوثيقة العدلية إلى التشكيك وغياب الضمانات حتى يعتد بها كوثيقة رسمية .. خطاب القاضي والنساخة – مثلا– ماذا يضيفان للوثيقة العدلية؟ ! البطء والعرقلة والبيروقراطية والزبونية والسمسرة .. وكل هذه المظاهر تناقض المبادئ الدستورية المتعلقة بالنجاعة والحكامة والشفافية …وللأسف وكل هذا في زمن الرقمنة والمغرب الرقمي والتشجيع على نزع الصبغة المادية على المعاملات التجارية؟ !!
  3. غياب الحماية القبلية والبعدية لحقوق الافراد المالية فالسادة العدول محرومون من حق الإيداع، فالمادة17 من قانون (13.06) مادة معوقة ومشلولة، وشلت أعمال العدول وخدماتهم.
  4. ضرب مبادئ حرية المنافسة المتعارف عليها وطنيا ودوليا في الشكل والجوهر بالمقارنة مع مهن التوثيق الأخرى.

وفي الخطاب الرسمي نسمع “بدينامية منظومة المنافسة في مغرب منفتح”.

وفي التصريح الاخير لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي السيد احمد رضا الشامي في ندوة نظمها مجلس المنافسة بالرباط قال:”إن تشجيع المنافسة الشريفة والحرة سيساهم في تعزيز الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية …”

وقال أيضـــــــا: “إن خلق نمو اقتصادي قوي في المغرب وخفض الفوارق وتوزيع الثروات يمر اساسا عبر إنهاء اقتصاد الريع وتشجيع المنافسة الحرة والشريفة …”

ومن أهم قواعد المنافسة الشريفة تعزيز المساواة والعدالة التشريعية … أين هي هذه العدالة والمساواة بين المهن؟ !

مثل هذه الخطابات تذكرني برواية “نبيل سليمان” وهو يحكي في روايته عن ثلاثة أوطان عائمة .. وهي رواية جديدة عن العمى والعميان في أوطان شقيقة فقد اهلها البصر والبصيرة على حد سواء .. للأسف يعيش السادة العدول والهيئة الوطنية للعدول في تخبط وحيرة … الحالة المهنية والواقعية يسود فيها الإرتباك والخوف من المجهول والمستقبل .. توارى تطلع الشيوخ والشباب من العدول إلى الإصلاح والتغيير الحقيقي في زمن شحت فيه المعلومة عن مصير الحوار بين الهيئة الوطنية للعدول ووزارة العدل حول التدبير التشاركي للملف المطلبي ومآلات التعديل والإصلاح للقانون …

كل مطالبنا صارت عائمة على بعضها .. ومصائر العدول عائمة في دوائر عائمة … وصار البصر هو العلة وليس العمى..

في هذا المشهد المهني العائم كل ما يريده العدول “نص قانوني صلب ومتين” يمكنهم من الوثوق في مهنتهم .. هذا كل ما يطلبه أصحاب القلم والقرطاس…

أما ما يتعلق بالشق الثاني من سؤالكم عن كيفية ممارسة المرأة للمهنة ؟ ! وما مدى اختصاصها في تحرير كل العقود بما فيها الزواج والطلاق؟ !

الجواب على هذا السؤال مركب نظرا لسعة القضية وتشعب مسائلها واختلاف زوايا النظر، فضلا عن اختلاف مسالك المقاربة المنهجية والمعايير البحثية لهذا الموضوع الذي يصب في دائرة الاجتهاد وموقف الشرع وخاصة المذهب المالكي.

قبل أن أرصد المواقف المطروحة على الساحة ، لا بد أن أسجل على قيادة الهيئة الوطنية الحالية أنها وقعت في خطأ استراتيجي لما وافقت على إعلان مباراة الولوج إلى المهنة، دون تعديل قانون (03.16) الذي ما زال على رفوف مكاتب وزارة العدل، مما أربك المشهد المهني !! وبدأت تطرح أسئلة من قبيل:

هل يجوز للمرأة أن توثق عقود الأبدان والأبضاع (الزواج /الطلاق / الرجعة / النسب…)

على اعتبار أن المذهب المالكي لا يجيز شهادة المرأة إلا في المعاملات المالية وما يؤول إلى المال، وفي ما لا يطلع عليه إلا النساء كالولادة والرضاع والعدة والاستهلال إذا كنَّ منفردات …

لا يخفى أن موضوع شهادة المرأة وعلاقتها بالتوثيق العدلي مبهمة في الجملة تحتاج إلى تعيين وتفصيل، وهذا ليس مقامه، وكما قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: “مواضع الإشتباه مظان الاختلاف في إصابة الحق فيها”.

وإذا حكمنا  المنطق الحقوقي في الموضوع وقد منا القاعدة القانونية على القاعدة الفقهية، بموجب قانون 79.14 المتعلق بهيئة المناصفة ومكافحة أشكال التمييز الذي صدر تطبيقا لأحكام الفصلين 164 و171 من الدستور، والذي يحث على إعمال مبادئ المساواة والمناصفة وعدم التمييز في مختلف مناحي الحياة العامة. وكذلك تصحيح الأوضاع الناتجة عن سلوك أو ممارسة أو عرف يتسم بطابع تمييزي أو يتضمن إخلالا بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة بما لا يتعارض مع ثواب الأمة.

مع استحضارنا أيضا إلى انضمام المغرب إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والبروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .. وهذا يعني الاعتراف بصلاحية لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة المعروفة  بـ “سيداو”.

وبإحكام النظر في “القضية برمتها” يترشح للناظر إنما وقع الخلاف – في توثيق المرأة العدلة للزواج والطلاق – لأنها دائرة بين طرفين مختلفين (الفقهي و الحقوقي) فحصل الإشكال والتردد.

وكلام الناس هنا يدور على ثلاثة آراء وحاصلها ما يلي:

  • الرأي الأول : توثيق الزواج والطلاق من طرف العدل أو العدلة بانفراد مع شاهدين.

 وقد ورد هذا المقترح في مسودة تعديل قانون 03.16 من طرف مديرية الشؤون المدنية بوزارة العدل في نسختها الأولى.

  • الرأي الثاني : توثيق الزواج والطلاق من طرف عدلين بدون شهود.

 وقد صدر هذا الرأي عن أعلى جهاز تقريري بالهيئة الوطنية للعدول “الجمعية العامة” المنعقدة بالرباط بتاريخ 16/05/2015.

السؤال الذي يطرح على هذا الرأي هل التلقي مثنى سيكون مذكرا مائة بالمائة أم مختلطا عدل وعدلة ؟ !

الرأي يحتاج إلى بيــــــــــان ؟ !

  • الرأي الثالث : توثيق الزواج والطلاق من طرف “العدلة” منفردة بدون تحفظ، وهو رأي بعض الباحثين والجمعيات النسائية والحقوقية ، كما جاء في أشغال مناظرة الرباط المنعقدة بنادي الأبناك من طرف المجلس الجهوي لعدول استئنافية الرباط بتاريخ 24/03/2018 تحت شعار المرأة العدل بين الإنصاف والتمييز.

من يطالع هذه الآراء، بمنطق علمي رزين ورؤية حقوقية لمستقبليات المرأة العدلة ومتطلبات المهنة، يدرك أنه ينبغي التخلص من بعض طحالب الفكر التي تطفو على سطح مستقبل المهنة ومصريها.

متى تصل العطاش إلى ارتواء *** إذا استقت البحار من الركايا

مغرب القانون : من المعلوم أنه مباشرة بعد السماح للمرأة ببمارسة خطة العدالة نظمت وزارة العدل مباراة من أجل الولوج للمهنة وذلك في حدود 800 منصب، وقد أسفرت النتائج النهائية لهذه المباراة عن نجاح 299 من النساء أي بنسبة38% ، و501 من الذكور أي بنسبة 62.62%

ما تعليقكم على هذه النتائج؟ ! خاصة أنكم اعتبرتم في مناسبات سابقة أن خلق 800 منصب جديد لا يعدو أن يكون اغراقا للمهنة بالمعطلين وخريجي الجامعات  بدون دراسة ميدانية وتخطيط مجالي يراعي واقع السوق التحريرية بالمغرب، ومبادئ الحكامة التوثيقية.؟ !

في المنعطفات الحاسمة، وفي ضوء مؤشرات القياس ومن خلال الأرقام التي اسفرت عنها النتائج النهائية يمكن استنتاج جملة أمور، نذكر منها:

  1. أن المهنة مازالت قوية، وحاضرة بقوة في وجدان المغاربة وخاصة عند الشباب من نخب الجامعة الحاصلين على شواهد عليا .. رغم كيد الكائدين الذين يسوقونها بصورة نمطية ومتخلفة وتقليدانية .. وأن مآلها الانقراض عاجلا أو آجلا كما هو الحال لمهنة الوكيل العدلي.
  2. رسالة إلى من يهمه الأمر “أن التلكئ والتردد في الاستجابة لمطالب العدول مضى زمانه، وينبغي للدوائر الوصية والمسؤولة على القطاع الالتزام بالموضوعية والمقتضيات الدستورية وبلورة القرارات والاقتراحات الناجعة المتعلقة بخطة العدالة المتعين تفعيلها في المستقبل القريب”.
  3. هذه النتائج تشكل فرصة متميزة للإحاطة بمجموعة كبيرة من القضايا والأسئلة المترابطة في الغالب مع بعضها البعض، مثال ذلك سوق الشغل: ماذا سيوثق هذا الكم الهائل من العدول؟! فإذا قمنا برصد التحولات التي شهدتها مهنة التوثيق العدلي والمعيقات التي تواجهها طوال الفترات الأخيرة نلاحظ ما يلي – على سبيل المثال-:
  • -أ- استحواذ المهن الأخرى ذات الصلة بالتوثيق على سوق العقار خاصة توثيق السكن الاجتماعي وفي هذا تغييب للعدالة التشريعية.
  • -ب- الغزو الكبير للمحررات الثابتة التاريخ للعقار غير المحفظ، وتهديد استقرار المعاملات ورسمية العقود.
  • -ج- حلول الأحكام القضائية محل العقود العدلية في الأحوال الشخصية والأسرة: أحكام التطليق للشقاق. (مثلا).
  • -د- وما بقي من فتات اللفيفيات كلها ألغام زجت بأغلب الممارسين في ردهات المحاكم وغياهب السجون.

أضف إلى ذلك أن وزارة الداخلية دخلت طرفا في توثيق ملكيات التحفيظ الجماعي … ؟ !

فماذا بقي للسادة العدول ؟!

وعليه فلا مناص من تعديل قانون (03.16) تعديلا حقيقيا، وإلى تخطيط مجالي يراعي متطلبات السوق التوثيقية والتحريرية.

وثمة ملاحظة أساسية أخرى تطرح في صلب إشكالية سوق التوثيق بالمغرب ودخول فاعلين جدد (المحامون) و (وكلاء الأعمال) في الطريق .. وهي ارتفاع عروض التوثيق [العدل- الموثق- المحامي- وكيل الأعمال- كاتب عمومي ..] بوثيرة أسرع من وثيرة التصاعد الديموغرافي (الطلب).

وهذا هو الوجه السلبي للنافذة التوثيقية بالمغرب، بالإضافة إلى غياب القواعد التنافسية ودمقرطة سوق المحررات …

مما أدى إلى اختلالات خطيرة أسهمت في تفاقم البطالة وسط العدول، فمتى يتنبه أهل الشأن والقرار بضرورة القيام بتحسين مناخ الأعمال ومناخ الماكر واقتصادي والقانوني للتوثيق العدلي وقطاع العدول؟ !!

فيا موت زر إن الحياة ذميمة *** ويا نفس جدي إن دهرك هازل

مغرب القانون : لا زال الكثير من المتتبعين للشأن القانوني بالمغرب يلاحظ وجود علاقة متوترة بين العدول والموثقين بالمغرب .

هل الأمر له جذور تاريخية معينة أم مرتبط بتداخل الاختصاصات بين المهنتين؟ أم أن الامر لا يعدو أن يكون انطباعا خاطئا لا أساس له من الصحة.

 أشكرك على هذا السؤال، لأنه يسلط الضوء على مهنتين رئيستين في مجال التوثيق بالمغرب لهما مكانتهما الاعتبارية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية.. في كلمة: تحققان التنمية والامن التعاقدي، ورغم الاختلاف في الأصول والهوية والمرجعية هناك قواسم مشتركة بين القطاعين “العدلي” و”العصري”وهي للأسف في غياب التفعيل والتنزيل لهذه “القواسم” تبقى “موجودة الإسم معدومة الجسم.”

مقال قد يهمك :   تحميل قانون الخدمة العسكرية كما نشر بالجريدة الرسمية

ومن اهم ما يمكن أن نسجله من خلال الأرشيف التاريخي والواقع العملي في جدلية العلاقة بين العدول والموثقين ما يلي :

  1. لن يجافى المرء الحقيقة وكشاهد عيان، ومن منطلق الخبرة والتتبع المهني والمشاركة في عدد من المحطات والملتقيات المختلطة بين العدول والموثقين نجد الاحترام المتبادل على مستوى المؤسسات والقيادات الوطنية والجهوية.  -“وبالحوار والاحترام ينتظم الحال”-
  2. نعم وقعت بعض التشجنات وصراعات في محطات معينة، وبصفتي عضو لجنة الحوار للهيئة الوطنية للعدول سابقا، وشاهد مرحلة، كان لتدخل السادة الموثقين في تعديل “قانون 16” في ولاية الوزير السابق ذ. مصطفى الرميد أثر سلبي أجج الصراع وعمق الأزمة بين الطرفين تحولت إلى حرب بيانات وحملات إعلامية .. هذا الوضع ساهم في استفحال الأزمة والتوتر وهو ما يفسر نداءات السادة العدول وقياداتهم بضرورة الحد من ذلك التدخل حتى لا تتعرض العلاقة إلى صراع دائم.
  3. إن التوثيق العدلي صناعة جليلة شريفة وبضاعة عالية منيفة، لا يمتهنها إلا من تحلى بالامانة والديانة والعدالة ودخل سلك الفضلاء ومشى على  نهج العلماء الاجلاء – كما نص على ذلك ابن فرحون في “التبصرة”. فالتوثيق العدلي يخضع لمجموعة من القواعد والضوابط الصارمة في التوثيق والإنجاز والخدمات، فهو بمثابة مؤسسة ممتدة أفقيا وعموديا من توثيق عقد البيعة  إلى توثيق عقد البيع ..

فالسادة العدول يمارسون مهامهم واختصاصاتهم بقوة القانون في مجال العقار المحفظ وغير المحفظ بالإضافة إلى الاختصاص النوعي المتعلق بقضايا الأسرة والميراث والأحباس فهم أهل الفقه والقانون والصناعة التوثيقية .. فعلى أكتافهم تؤسس الرسوم العقارية وتحل الفرائض … فهذا التكوين يميزهم عن غيرهم فلا مجال لخطاب الاستعلاء والتنقيص …

إن المشروعية التاريخية والحضارية للتوثيق العدلي لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل وهذا يعترف به العدو قبل الصديق، إلا من ثلة نشار من مؤدلجي الاستعمار الفرنسي والرضاعة الفرنكوفونية .. الذين ظلت دعايتهم المغرضة تنعته بأقدح النعوت بحكم التنشئة والتكوين والنعرات الطائفية الضيقة التي حالت بينهم وبين الارتقاء إلى مستوى سمة الرجال المثقفين حاملي الأفكار الكبيرة.

ولا ننكر ان في القوم رجال فضلاء يعتزون بأصالتهم المغربية وهويتهم الإسلامية، ويسامق أفق وعيهم الإعتزاز بالتوثيق العدلي، ولهؤلاء نمد يدنا ونفتح صدورنا وقلوبنا ونمد جسور الحوار …

4) هناك حاجة موضوعية لأن نطرح الأسئلة الكبرى ونعيد طرحها لفهم واقعنا وأوضاعنا، لقد أبانت تجربة التنسيق بين هيئة الموثقين وهيئة العدول بخصوص مشروع “قانون وكلاء الاعمال” عن قوة الجسم التوثيقي الرسمي بالمغرب، ينبغي استثمارها في ” صراع الوجود لا صراع الحدود بين المهنتين” المهددتين.

5) إن سنن التاريخ تعلمنا أن الساحة السياسية والمهنية هي ساحة صراع المواقع، وضمن هذا الصراع لا زالت مكانة التوثيق الرسمي في موقع المدافعة والممانعة.

هذه التحديات دعوة للتحرر من الأفكار المسبقة، ونشجع التقارب ليكون هناك حوار للعقل المهني المنفتح الهادئ .. حوار يبدأ بتحديد المواقف الواضحة.

وهذا يجرني إلى السؤال الموالي.

مغرب القانون:  عطفا على السؤال السابق: هل يمكن ا لحديث مستقبلا عن دمج نظامي التوثيق العدلي والتوثيق العصري في نظام واحد؟! علما أن السادة الموثقين يرفضون بشكل قاطع أي مقترح من هذا القبيل بدعوى الاختلاف الجوهري في التكوين بين العدل والموثق.

إذا أردنا أن نقارن بين المهنتين التوثيق العدلي والعصري قد نجد تطابقا من حيث التحديات التي يواجهها العدول والموثقون مع وجود اختلافات وفروقات يفرضها تاريخ كل مهنة ومناخها الإجتماعي والثقافي والمهني.

ولذلك يقتضي تحليل إشكالية التكوين والعمق المعرفي في المهنتين من خلال توظيف المكتسبات العلمية والمعارف القانونية لنقلها من فضاء اجترار نماذج العقود والمحررات واليقينيات التوثيقية في المهنتين إلى فضاء التساؤل المتجدد للأفكار؟ !

إن ارتباط “التكوين” بالمدد الزمنية – طويلة أو قصيرة –  لا يعتبر معيارا للجودة في التوثيق، نعم قد يكون عامل من العوامل الأساسية، ولكن في بعض المقاربات النقدية قد يعتبر ذلك نوعا من “الاستعباد المهني للمتمرن” يستوجب “التمرد المهني” على هذه النظرية الدغمائية والوثوقية التي لا تقبل التجديد والتحديث.

في كتابه “مثال وواقع” يتحدث العالم الباكستاني محمد عبد السلام رحمه الله عن فضيلة “الطموح والإرادة” فيقول كنت متوجها سنة 1978 إلى سيول عاصمة كوريا الجنوبية للمشاركة في ندوة علمية، عندما صعدت إلى الطائرة تناولت صحيفة يومية، فإذا بي أتفاجأ بعنوان بارز على صدر الصحيفة ينقل جملة من خطاب الرئيس الكوري “شون هي بارك/ CHUN –HEE PARK” يقول فيها : “إن هدف كوريا هو أن تتفوق على الصين وتتجاوزها في ميادين العلوم والتكنولوجيا”

ثم تساءل العالم – محمد عبد السلام- : “هل يخطر بالبال أن يجرأ بلد صغير في حجم كوريا الجنوبية على منافسة الصين، ويحاول التقدم عليها في ميداني العلم والتكنولوجيا؟ !”

ثم يجيب العالم على تساؤله : “إن ذلك الطموح هو الذي مكن هذا البلد الصغير من تحقيق طفرة اقتصادية وعلمية وتكنولوجية هائلة في أقل من ثلاثين سنة”.

قلت عطفا على كلامه – ولا قياس مع وجود الفارق – فالرجل يتحدث عن الدولة وأنا اتحدث عن مهنة !! :

فإذا تحقق الطموح وحضرت العزيمة والإرادة فإن السادة العدول سيحققون العجب العجاب .. بل سيحققون ثورة مهنية بإذن الله، شريطة التعلق بالكبار وليس بالصغار .. الكبار في الحضارة، الكبار في الثقافة، الكبار في الأفكار وفي السياسة وصناعة القرار …

ومن مأثورات تعاليم الثقافة البوذية الآسيوية : “إن الإنسان يتحسن إذا علق بأكبر منه ، ويصغر إذا علق بأصغر منه.”

فإذا تقرر أن لكل مهنة خصوصياتها وضوابطها ومكانتها … فلا داعي أن يختزل ” التفوق” أو “الهيمنة” في غوائل التعالم والإقبال المهني والبهرجة والحشد الإعلامي …

بئس “التفوق المهني” الذي يسوق بغاث الطير التي تبني أعشاشا على وجل، ولا تلد إلا أفراخا مهازيل لا تصلح لصيد ولا قيد ..

بغاث الطير أكثرها فراخا *** وأم الصقر مُقلات نزورُ

 ورجوعا إلى سؤالكم المتعلق بالدمج بين النظامين التوثيقيين العدلي والعصري فرؤيتي للموضوع لها شروط وأسباب النزول، ذكرتها في مناسبات ومحطات وندوات جامعية، ملخصها فيما يلي:

  1. توضيح لفكرتي هي مقترح وليس طلبا ولا استجداءا وليس موقف ضعف أو إحساس بمركب نقص.
  2. رؤيتي يحكمها خلفية تصورية مفادها: أن تقوية التوثيق الرسمي بالمغرب ضمان للأمن التعاقدي ومواكبة لموجة الرسمية على الصعيد الدولي، وحماية للتوثيق من الفوضى والتطفل.
  3. رؤيتي ترتكز على فكرة الفيدرالية وليس على فكرة الاندماجية.

ويمكن أن نفكر في خلق الفيدرالية من خلال ما يلي:

  • خلق اللجان المختلطة بين الهيئتين (هيئة العدول وهيئة الموثقين) على مستوى:
  1. الأنشطة الثقافية والعلمية.
  2. مجلس وطني لممتهني التوثيق الرسمي بالمغرب، بمثابة نواة لجبهة وطنية للدفاع عن التوثيق الرسمي بالمغرب.
  3. التنسيق للدفع بإخراج مدونة التوثيق.

هذا المقترح يستدعي الجرأة والشجاعة من الطرفين، أعلم أن الواقع المهني والقابلية النفسية والفكرية والمهنية ضد الفكرة، ولكن الأمر يستوجب الإرادة وتقديم المصلحة الوطنية على المصلحة الذاتية.

أنا أقتصر على مراقبة الوقائع والأفعال، هذا ليس تواضعا زائفا لكنني أعترف بأنه في كل حدث يقع في المغرب أكون مفاجئا كما قال المؤرخ المغربي الدكتور عبد الله العروي، والرقص المسعور على الذات المفقودة لا يحييها من رمادها.

 مغرب القانون: يرى البعض أن عدم إلزام المشرع للعدلين للقيام بالإجراءات اللاحقة لإبرام العقد كتلك المتعلقة بإدارة التسجيل والتمبر وإدارة الضرائب والمحافظة العقارية وغيرها لصالح المتعاقدين (المادة 17 من القانون 03)، في مقابل إلزام الموثق العصري من حيث الأصل للقيام بهذه الإجراءات (المادة 47 من القانون 32.09) يضعف من قيمة المحرر العدلي لأنه يترك المتعاقدين في مواجهة دواليب الإدارات العمومية بمفردهم. ما رأيكم؟

 نعم هذا صحيح، والهيئة الوطنية للعدول منذ صدور قانون 03.16 وهي تنادي بتعديل المادة 17، وإعطاء المصداقية للوثيقة العدلية، وقد تم تقديم مشروع تعديل قانون 03.16 بشكل متكامل لوزارة العدل طبقا لمخرجات ميثاق إصلاح منظومة العدالة، الذي ينص على التحديث وربط المسؤولية بالمحاسبة كما ورد في الدستور.

ولكن قدر العدول منوط بالقوى التقليدية والرجعية .. كلما نادينا بإصلاح وتعديل حقيقي للقانون إلا وتطاير من شرر هؤلاء دعوات “الخصوصية المغربية” و”المهنة دينية” وينبغي الإبقاء ما كان على ما كان … فحيثما لمحت المعارضة للتغيير والإصلاح فاعلم أن “حراس التقليد” و”الفلكلور المهني” من ورائه قد توطن الرباع وبلغ التنميط مكامن النخاع.

فحق لأهل العلم أن يتمثلــــــوا  ***  ببيت قديم شاع في كل مجلس

لقد هزلت حتى بدا من هزالها  ***  كِــلاها وحتى سامها كل مُفلس

مغرب القانون : أثير مؤخرا نقاش محتدم بين السادة العدول حول مقترح المكتب التنفيذي للهيئة الوطنية للعدول المتعلق بالإدماج المباشر للنساخ في خطة العدالة حيث عبرت الكثير من المجالس الجهوية عن رفضها للمقترح.

 ألا يشكل مقترح المكتب التنفيذي بداية حل للإضرابات المتكررة التي يخوضها النساخ بمحاكم المملكة؟ وبالتالي حماية مصالح المواطنين والانخراط في مسار الرقمنة الذي تسهر عليه وزارة العدل.

بخصوص هذا الموضوع لا أتوفر على بيان رسمي صادر عن رئيس الهيئة الوطنية يؤكد الخبر أو ينفيه ..

تبقى التسريبات الإعلامية وما يتداول في مواقع التواصل الإجتماعي هي مصدر الخبر …

إن كان الامر صحيحا فالأمر يحتاج إلى مصادقة أعلى جهاز تقريري في الهيئة الوطنية وهي “الجمعية العامة”.

وإن كان فقط مقترحا فالأمر يحتاج إلى روية ودراسة انعكاساته ومآلاته الايجابية والسلبية، وكيف سيتم التوفيق بين فوج المتمرنين وعددهم (800 مترمن) – (668 ناسخ)؟ !

وفي مثل هذه القضايا الكبرى الأمر يحتاج إلى مقاربة تشاركية ذات اضلاع ثلاثة : الوزارة – الهيئة- نقابة النساخ.

مغرب القانون: طالب عدول المغرب في الملتقى الوطني المنعقد بالرباط بتاريخ 25 أبريل 2019 تحت عنوان : “مسار مهنة التوثيق العدلي بين مطالب التجديد وأسئلة المرحلة” بضرورة التعجيل بتنزيل مطلب استقلالية التوثيق العدلي عن مؤسسة قاضي التوثيق والرفع الكلي لخطاب القاضي المكلف بالتوثيق.

هل من شأن تنزيل مطلب الاستقلالية أن يؤدي إلى تجويد الوثيقة العدلية ؟ أم أن الأمر لا يعدوا أن يكون مطلبا له دلالات رمزية لا أقل ولا أكثر.

صراحة لا جدوى من خطاب القاضي على الرسوم العدلية الذي يضفي عليها الصبغة الرسمية طبقا للمادة 35 من قانون 03.16 لأسباب كثيرة وقد أجملها زميلي العدل الدكتور محمد سالم إنجيه في مقال رائع نشره مؤخرا تحت عنوان :”الوثيقة العدلية وخطاب القاضي: تحرير الرِّقاب من غُل الخطاب”.

أقتبس منه بعض المسوغات لإلغاء الخطاب:

  1. تساوي القضاة والعدول في مصادر المعرفة القانونية والتخرج من نفس الجامعات.
  2. الخطاب تقليد موروث انتفت مسوغاته اليوم بعد تجاوز النموذج التاريخي لقاضي التوثيق.
  3. لم يعد الخطاب في الوقت الراهن يكتسب قيمة مطلقا سوى التعقيد والوصاية بعد تقنين شروط وضوابط الإنخراط في خطة العدالة.
  4. خطاب القاضي ينافي دواعي التجديد ومقتضيات التحديث التي تعرفها منظومة العدالة بالمملكة، وعليه لا بد من قرار حازم يخفف عن العمل القضائي.

لهذه الأسباب وغيرها ودخول المغرب في عالم الرقمنة والعقد الإلكتروني واستخدام تكنولوجيا المعلومات والتشجيع على نزع الصبغة المادية عن المعاملات التجارية … أضحى خطاب القاضي عائقا أساسيا أمام النجاعة والفعالية للوثيقة العدلية.

 مغرب القانون : ما هي الآثار الإيجابية على الامن التعاقدي إذا تم إقرار نظام التلقي الفردي وتمكين السادة العدول من فتح حساب بصندوق الإيداع والتدبير؟

 من أهم الآثار الإيجابية التي سيحققها هذا المكتسب – إن تحقق–؟ ! هي : النجاعة والفعالية للوثيقة العدلية.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض توضح التطبيق السليم للمادة 182 من مدونة السير المتعلقة بجنحة الفرار عقب وقوع حادثة سير

ويمكن رصد أهم التجليات الإيجابية في هذا المطلب من خلال مجموعة من المؤشرات نذكر منها:

  1. توفير العدالة الوقائية لتعزيز العدالة الرسمية في تحصين حقوق المتعاقدين وحقوق المواطنين بصفة عامة.
  2. ترسيخ السلم القانوني والعدالة التشريعية بين المهن القضائية والقانونية.
  3. مسايرة التطور والتوجه التشريعي الجديد الذي يعرفه المغرب وفق مخرجات ميثاق إصلاح منظومة العدالة بالمغرب.
  4. إعادة المصداقية للوثيقة العدلية بشكل فعال وجودة عالية تحقق النتائج والآثار في ضمان حقوق الزبائن المتعاقدين .

وتجدر الإشارة أن هذا المطلب سيزيل التعارض الحاصل بين قانون 03.16 ومقتضيات مدونة تحصيل الديون العمومية التي تجعل العدل مسؤولا متضامنا مع أطراف العقد في حالة عدم أداء الضرائب والرسوم المثقل بها العقار موضوع العقد الذي يحرره العدول.

كما أن هذا المطلب أيضا سيعزز علاقة التوثيق العدلي بمجموعة من الإدارات  والمؤسسات والأبناك .. على اعتبار أن السادة العدول مؤهلين لمنح الرسمية لجميع المعاملات العقارية والتجارية والأسرية … الأمر الذي يقتضي المصادقة الفورية على هذا المطلب في تعديل قانون 03.16.

مغرب القانون :  يطالب العدول بنسخ المادة 48 من القانون 03 المتعلق بتنظيم خطة العدالة و التي تسمح للوكيل العام للملك كلما فتحت متابعة تأديبية أو جنحية أو جنائية ضد عدل ، أن يوقفه مؤقتا عن عمله بإذن من وزير العدل.

ما هي مبررات المطالبة بهذا التعديل التشريعي ؟ إذ يرى بعض المختصين ضرورة الإبقاء على هذا النص خاصة أمام إدانة القضاء لعدول بتهم التزوير والاختلاس المنصوص عليها في القانون الجنائي.

نظرا للمسؤولية الملقاة على عاتق السادة العدول والأدوار الطلائعية التي يقومون بها داخل المجتمع والخدمات التي يقدمونها لزبنائهم سواء على مستوى العلاقات الأسرية وما يتعلق بذلك من عقود الأبدان والأبضاع والوصايا

والإرث والتركات والأحباس .. أو العقود المالية المتعلقة بالعقار والتجارة … تضخم عند المشرع هاجس الرقابة والمتابعة على السادة العدول إلى درجة تم تقليب قرينة البراءة وأصبح الأمر معكوسا:“الأصل الإدانة حتى تثبت البراءة” علما أن قرينة البراءة حسب القانون المغربي مبدأ يستفيد منه كل متهم أو مشتبه فيه أو متابع أو مدان ابتدائيا طوال مراحل القضية إلى حين صدور حكم في القضية وقضى بإدانته واكتسب قوة الشيء المقضي به.

وبالرجوع كذلك إلى المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية نجد أن “البراءة” هي الأصل إلى أن تثبت إدانة الشخص بحكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية.

وبرجوعنا إلى مقتضيات المادة 48 من قانون 03.16 يمكن ان ندون ما يلي:

  • أن المادة 48 : هي تعبير صريح عن شطط في استعمال القانون.
  • ان المادة 48 : هي وسيلة قانونية لتدمير نفسية العدل، والمساس بسمعته اجتماعيا واقتصاديا ومهنيا.
  • أن المادة 48 : تناقض ما حققه التشريع الوطني في مجال حقوق الإنسان، وكذلك مع المعايير الدولة للمحاكمة العادلة تشريعيا.
  • أن المادة 48 : لا تحقق المبادئ السامية الواردة في نظام العدالة الجنائية المعاصرة.

لهذه الأسباب وغيرها طالبت الهيئة الوطنية للعدول بإلغاء هذه المادة نهائيا من مشروع مسودة تعديل قانون 03.16.

وبصفتي عضوا في لجنة الحوار الوطني سابقا فقد تم الإتفاق معنا على إلغائها.

مغرب القانون : كمشتغلين في مجال توثيق التصرفات العقارية ما تقييمكم للإجراءات المتخذة من طرف الدولة للحد من ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير بالمغرب ؟

تمثل ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير في الآونة الأخيرة ظاهرة خطيرة تمس بحق من الحقوق التي كفلها الدستور بموجب الفصل 35 الذي ينص على أن القانون – يضمن “حق الملكية”.

وانطلاقا من حجم القضايا المعروضة على القضاء بتهم السطو على أملاك وعقارات الغير خاصة الاجانب والجالية المغربية المقيمة بالخارج ، ينذر بوجود عصابات وشبكات إجرامية منظمة تزعزع الامن العقاري في البلاد وتهدد استقرار المعاملات العقارية والاستثمار في البلاد.

وتعتبر الرسالة الملكية إلى وزير العدل والحريات بتاريخ 30/12/2016 في موضوع السطور على عقارات الغير ناقوس خطر للتصدي لهذه الظاهرة التي تفشت بشكل سريع.

ومن زاويتنا كمهنيين عدول نوثق التصرفات العقارية نلاحظ أن من أهم الإجراءات والتدابير التي ينبغي اتخاذها في هذا الموضوع:

1) التعجيل بتعديل قانون 16 والقطع بشكل نهائي مع مذكرة الحفظ والنساخة والخطاب.. وإقرار الرسمية بمجرد توقيع الأطراف لحماية حقوق المتعاقدين.

فمن أسباب تعرض عقارات الغير للنصب والسطو طول المسطرة وغياب إلزامية العدل بالتحفيظ والتسجيل وغياب الايداع.

2) إعادة النظر في القواعد المنظمة لشهادة اللفيف، وتقليص عدد الشهود، وتعزيز هذه الشهادة بإجراءات إدارية وقانونية حازمة، وتعزيز الضمانات للسادة العدول وحمايتهم من شهود الزور وكذلك إنكار بعض المتعاقدين لتصرفاتهم، لأن طبيعة التوثيق العدلي ما زال يهيمن عليها الطابع التقليدي المحنط – قانون حمورابي أرحم منه-.

وكذلك تمكين السادة العدول من الإطلاع على المعطيات المسجلة إلكترونيا والمتعلقة بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية بالنسبة للمتعاقدين مما يستوجب تعديل قانون 35/06 المتعلق بالبطاقة الوطنية المذكورة.

3) تعديل بعض النصوص القانونية المرتبطة بالعقار لما تحويه من ثغرات تشريعية مثل:

-المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية، ينبغي أن تحرر العقود المنصبة على المعاملات العقارية – لزوما– بمحرر رسمي لا غير.

– وضع ضوابط خاصة للوكالات المتعلقة بالعقار.

– إعادة النظر في العقود المتصلة بالمعاملات العقارية والتي يتم إنجازها في الخارج وتخضع لمسطرة التذييل بالصيغة التنفيذية طبقا لمقتضيات الفصل 432 من قانون المسطرة المدنية.

4) تعديل الفصل 352 من القانون الجنائي وإضافة بعض الممارسين والمحررين للوثائق حيث تقتصر العقوبة على بعض الفئات دون الاخرى ويتعلق الامر بالمحامي المقبول للترافع أمام محكمة النقض المختص بتحرير العقد الثابت التاريخ.

فينبغي المساواة في الامتياز والعقوبة بين جميع الفئات دون استثناء.

مغرب القانون : أخيرا: ما هي أهم التحديات التي صارت تعترض خطة العدالة في ظل رياح العولمة وواقع التكنولوجيا الرقمية؟!

اعتقد أن من القضايا المعاصرة المطروحة على “التوثيق العدلي” هي تحديات العولمة والثورة المعلوماتية والتكنولوجية الرقمية، التي تستدعي اجتهادا وتجديدا لموضوعات التوثيق العدلي.

سبق لي أن نشرت مقالا علميا تحت عنوان : “التوثيق العدلي وتحديات الحداثة المعاصرة أي مستقبل؟ !”

تناولت فيه هذه التحديات وبعض المقترحات، ألخص بعضها في ما يلي:

  1. لا يمكن ان نقف في وجه التطور التقني.
  2. لا شك أن تغيرات المكان والزمان لا بد أن تؤدي إلى تحولات في الكائنات والمجتمعات وما تخترع من تقنيات.
  3. إن التوثيق العدلي محاط بشكل مباشر أو غير مباشر بأوضاع جديدة لم يسهم في إيجادها وليس له يد في تدبيرها، وعليه أن يتكيف بالسرعة المناسبة بالآليات والمناهج الجديدة لفكها واستيعابها.
  4. ظهور شكل حديث للكتابة والتوثيق والمحررات والتوقيع وهو الأسلوب الاكتروني أو العقد الإلكتروني.

ويكفي أن ندرك أن هذه “الثورة المعلوماتية” طوقت الكتابة العادية والإثبات التقليدي في مجال المعاملات الاقتصادية والتجارية فهذا الواقع أقرته التعديلات التشريعية في النظم القانونية المعاصرة إلا في التوثيق العدلي، وما زلنا نسمع ونردد ونكرر “الكاسيطة المشروخة” الثنائية والنساخة والخطاب والمذكرة وأن يكون المداد أسودا ….

وكنا: نرجى أن نرى العدل ظاهرا  ***  فأعقبنا بعد الرجاء قنوط

إن هذه التحديات التي تفرضها العولمة بمشروعها الحداثي هو تحد علمي في جوهره، وتحد تشريعي في مواكبته.

ولا يفوتني في هذا السياق أن نذكر أن السادة العدول رغم هذه المعيقات التشريعية والتحديات العولمية فقد انخرطوا في مسلسل الرقمنة منذ فاتح يناير 2019 وأصبحت غالبية المكاتب العدلية مجهزة بشبكات الأنترنت وقطعوا أشواطا كبيرة في التكوين الرقمي والتسجيل الالكتروني…

وفي هذا السياق أنوه ببرنامج “توثيق عدولي” الذي أحدث طفرة نوعية عند السادة العدول، كما أنوه بصاحب البرنامج الدكتور محمد نجيب بنقاسم الذي بذل مجهودا كبيرا في رقمنة الوثيقة العدلية وتأطير العدول في هذا الباب.

وهناك اتفاقية في الطريق لتنظيم التعامل الالكتروني مع الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية … ومع صندوق الإيداع والتدبير بعد خروج القانون الجديد إلى حيز التنفيذ.

ويبقى السؤال المطروح: هل يمكن لضغوط العولمة وأضغاث الحداثة أن تنجح في تحقيق أحلام العدول وتكسر أغلال الجمود وسلاسل التقليد التي طوقت التوثيق العدلي هذه قرون من الزمان ؟ !

وقد: ينافس أمسي في يومي تشرفا *** وتحسد أسحاري على الأصائل

مغرب القانون: كلمة أخيرة  لعدول المستقبل ولموقع مغرب القانون.

كلمة لعدول المستقبل

عدول المستقبل هم العدول الشباب حفظهم الله الممارسون والمتمرنون.

إن الشباب هو عنوان القوة والفتوة، هم طليعة المهنة وعمودها الفقري .. نفتخر بهم لأنهم الرئة النقية التي تتنفس منها المهنة .. هم الشريحة المهنية الطموحة القادرة على أخذ زمام المبادرة.

يقول ابن الرومي:

يذكرني الشباب صدى طويل ***  إلى برد الثنايا والرُّضاب.

الشباب خميرة الحاضر وعدة النوائب، هذا وقتهم وزمانهم أريد من هذا الشباب الرائع أن يمثلوا قدرا واسعا من حياة العدول الايجابيين … أريدهم أن يكونوا إضافة جميلة إلى المهنة !! وفي مسار التغيير:

  • النظريات القديمة تتحدث عن الموهبة العقلية.
  • والنظريات الحديثة تتحدث عن القدرات المختلفة كالإبداع والقيادة والمهارات الحركية.

أين تلتقي الموهبة والإبداع؟ !

  1. الموهبة: قدرة محددة: كالرسم أو الحفظ أوالكتابة…
  2. الإبــداع: هو الإتيان بالجديد.

            علماء النفس ينظرون إلى مستقبل الموهوب وماضي المبدع.

الموهبة إذا أرضية واعدة والإبداع منجز قائم.

الشباب هم الأكثر تقبلا للتغيير .. هذه هي الحقيقة تعتبر ميزة رئيسية في مهنة التوثيق العدلي، والقوى المحافظة داخل المهنة لا تقوى على مسايرة الجديد .. وبحكم هذه الخاصية [الاستعداد للتغيير وتقبل الجديد] عند العدول الشباب .. هم من سيضمنون نجاح المهنة والإنتقال المهني نحو الحداثة بشكل سلس دون إرباك.

لهذا سأعرض بعض الأدوار المفترضة للقيادات من العدول الشباب وفق نظرية إعداد القادة ومعايير الديموقراطية، وتتمثل في ما يلي:

  1. العمل على تنمية روح الفريق في أوساط العدول الشباب ومحاربة النزعة الفردية.
  2. العمل في أجهزة الهيئة الوطنية وفي المنظمات الموازية كالجمعية المغربية للعدول الشباب لاكتساب الخبرة واختيار الكفاءات المؤهلة لتسيير الشأن المهني.
  3. مراعاة التكوين العلمي والمعرفي وآساليب التسيير في الإدارة الحديثة، مع تعزيز روح الانتماء للمهنة والانضباط الواعي لقوانين الهيئة الوطنية للعدول.
  4. تعزيز قيم الحوار والتسامح وقبول الاختلاف، والإقرار بتعددية الأفكار والقناعات ووجود الآخر.
  5. الانفتاح على المنظمات والهيئات المهنية والشبابية الأخرى، من خلال برامج التآخي والتنسيق والتعاون وتعزيز روح المواطنة.
  6. المساهمة في وضع التصورات والبرامج الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالمهنة وعقد دورات تدريبية وتكوينية.
  7. اشراك المرأة في جميع الأنشطة والمؤسسات والمبادرات .

إن هذه الأدوار تعني أن مهمة العدول الشباب هو التغيير وليس الترقيع أوالترميم … وفق المواصفات المبيَّنَة آنفا. وعليكم بمراقبة الله تعالى في أعمالكم وأثناء مزاولة مهنتكم، وعمقوا الشعور بقرب الله تعالى منكم.

واعلموا رحمكم الله أن أمور المهنة بين وضعيات ثلاث:

  1. وضعية بان رشدها وصوابها – تسييرا وتدبيرا وتنظيما – فاتبعوها وساندوها.
  2. ووضعية استبان اعوجاجها وانحرافها فاجتنبوها وصححوها وانتقدوها بطرق سلمية وديموقراطية.
  3. ووضعية التبس الأمر فيها وأشكل عليكم أمرها فتبينوا فيها واسألوا عنها “أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”.

ووفقكم الله لما يحبه ويرضاه.

كلمة لموقع مغرب القانون:

أتمنى لموقع مغرب القانون المزيد من التألق والحضور في الساحة القانونية والعلمية، وهو يستحق كل تنويه وتشجيع، فمنه تلتقط صناعة الوعي القانوني ومعانقة السؤال، في قلب التحولات …

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)