وجهة نظر حول إيقاق التنفيذ المعجل المأمور به خلافا للقانون والحجية الوقتية للأحكام المدنية

خالد الإدريسي: دور الطعن بالنقض فــي ضمــان الأمــن القضائي

ختاش عزيز: تفويت الدين بين القانون المدني والقانون الصرفي -الكمبيالة نموذجا-

25 يناير 2020 - 5:18 م مقالات , القانون الخاص , مقالات
  • حجم الخط A+A-

 ختاش عزيز طالب باحث في ماستر الامن القانوني للمقاولات والعقود

مقدمة

إن مبدأ سلطان الإرادة شكل إهتمام الفلاسفة وعلماء الاقتصاد قبل ظهور مدونة نابليون سنة 1804 وذلك راجع للبحث على وسائل تساهم في نهوض بالصناعة والتجارة بشكل خاص والاقتصاد بشكل عام.

فالاقتصاديون عند تداولهم إللتجؤو إلى نظام يلتقي فيه نطاقهم القانوني بعد تفاوضات تنازلية، هنا تدخل القانونيون بإسم العدالة لتنظيم المؤسسة  التي سميت أنداك بالعقد.

فالعقد آلية للتداول الاقتصادي حيث نجده ذو حركية وجدلية بين ثابت ومتغير، فالثابت هو الحرية التعاقدية والقوة الملزمة للعقد وكذا نسبية آثار العقد، أما المتغير فهو تلك القيود الواردة على مبدأ سلطان الإرادة، و تتجلى في عيوب الإرادة والنظام العام الاجتماعي والاقتصادي.

نسبية أثار العقد إن حللنا هذا المبدأ نجد نفسنا أمام حق شخصي يمتلكه الدائن تجاه المدين، فنكون أمام قوة ملزمة للعقد بين الطرفين، لكن عندما نتموقع في زاوية إقتصادية لرؤية العقد نجد الظاهرة الاقتصادية أثرت في الالتزام و طبيعته، فظهر لنا ما يسمى بإنتقال الإلتزام ، ذلك ان في كل إلتزام دائن ومدين، فينتقل عن طريق تحويل حق الدائن إلى دائن أخر حيث يستبدل الدائن دون المدين.

ويمكن أن يتصور عن طريق التحويل دين المدين إلى مدين أخر حيث يتغير المدين دون الدائن وطبيعي أن يكون لتغيير الدائن في الحالة الأولى أهمية كبرى في نظر المدين وأن يكون لتغيير المدين في الحالة الثانية أهمية أكبر في نظر الدائن: فالمدين قد لايروق له أن يستبدل بدائن رحيم شفوق دائن جبارا قد قلبه من حجر، والدائن قد لا يرضيه أن يستبدل بمدينه الموسر المليئ الدمة، مدينا فقيرا معسرا[1].

بالتالي يمكن القول بأن العقد لا يعد رابطة شخصية بين دائن ومدين وإنما رابطة مادية ذات قيمة إقتصادية، ولعل ما يبرر ذلك هو القواعد الخاصة المستثناة من نسبية آثار العقد، وهي إنتقال الالتزام للخلف الخاص الذي لم يكن طرف في العقد، لكن إذا أردنا أن ننقل إلتزاما عن طريق الخلق الخاص فإن الأمر يتطلب إبرام عقدين لكي ينتقل من الدائن أو المدين الأصلي إلى الخلف الخاص، وهو ما يختلف مع مبادئ التجارة والاقتصاد والائتمان التي تقتضي السرعة وعدم التعقيد وبالتالي جاءت الفكرة إلى خلق المشرع مؤسسة سميت انذاك بحوالة الحق، والتي يتم فيها نقل الالتزام من شخص لاخر بعقد واحد بمقتضاه يتفق الدائن مع الغير على ان يحول له حقه في ذمة المدين فيحل الغير محل الدائن في هذا الحق، فيصبح الدائن محيلا والغير الدائن الجديد محال له، ويسمى المدين محالا عيله لأن الدائن الاصلي أحال عليه الدائن الجديد.

فالمشرع المغربي نظم حوالة الحق في ق ل ع وهي بمثابتة قواعد خاصة من داخل النسق، حيث وضع إجراءات معقدة محاولا التوازن وتحقيق الأمن بين الأطراف الثلاثة ( المحيل و المحيل له والمحال عليه) إنطلاقا من فصل شكلية الانعقاد عن شكلية النفاد وإنتقال الدفوع ثم صرامة التوسيع من دائرة الضمان، كل هذا لضمان إنتقال الإلتزام في قالب تراعى فيه معايير الحرية والعدالة، وإقرار حماية كافية للمدين المحال عليه خاصة.

إضافة إلى هذا فالمشرع نص على مؤسستي الحلول والانابة كطرق للإنتقال الالتزام فالحلول  هو أن يحل الدائن الجديد محل الدئن الأصلي الذي ادى حقا معينا للدائن الأصلي كان على عاتق  المدين.

ثم الإنابة التي يقصد بها ذلك النظام القانوني الذي بواسطته يطلب شخص يسمى (المنيب) من شخص أخر يسمى (المناب) بأن يقوم بأداء ما أو أن يلتزم بمثل هذا الاداء لمصلحة شخص ثالث هو (المناب لديه).

إلا أن المشرع الجرماني والمشرع المصري قام بتصنيف هذه المؤسسة (الانابة) ضمن حالات إنقضاء الالتزامات، ويثار هذا الإشكال عندما يتعلق الأمر بالانابة الكاملة التي تكون بمثابة تجديد وبالتالي فالمشرع المغربي نظر إلى الإنابة من زاوية الإنتقال كونها تبتدئ إنتقالا أما التشريع المصري، نظر لها من زاوية الإنقضاء كونها تؤدي إلى إنقضاء الالتزام.

إلا ان التطورات الاقتصادية والرهانات المالية أفرزت تطبيقات خاصة لتفويت الديون _ مسايرة  لمتطلبات التجار ورجال الأعمال _ في المجال التجاري، مما أدى الى تطور قواعد حوالة الحق فأصبحت خاصة من داخل ق ل ع وعامة بالنسبة للتطبيقات الخاصىة  .

بقدر أهمية الموضوع الذي نتعاطى معه، فإن الإشكالية التي يسعى _الموضوع_ للتطرق لها هي مدى تطور نظرية إنتقال الإلتزام في القواعد العامة مع إنتقال الالتزام  في قانون الصرف؟

وما هي المداخل التي سلكها المشرع لضبط خصوصيات الكمبيالة إستجابة لمتطلبات  الظاهرة الإقتصادية ؟

ثم كيف توفق المشرع ووزان بين الاطراف الثلاثة (المحيل المحيل له المحال عليه)_ في حين أننا لازلنا نجد صعوبة في إيجاد توازن عادل بين طرفي العقد الملزم لجانبين فقط_؟

لمقاربة الموضوع من الوجهة القانونية والاقتصادية يستلزم تقسمه إلى:

  • الفقرة الأولى: إنشاء الكمبيالة
  • الفقرة الثانية: خصوصيات تداول الكمبيالة

الفقرة الأولى: إنشاء الكمبيالة

تعتبر الكمبيالة من أهم وسائل الائتمان، لأن الوفاء بمبلغها يكون في الغالب مؤجلا وليس فوريا، حيث يمنح البائع المشتري أجلا محددا للوفاء، وإن كان بإمكانه أن يخصمها لدى مصرف يتعامل معه، أو يوفي بواسطتها دينا عليه، بأن ينقل ملكية الحق الثابت فيها لدائنيه.

ويترتب على إنشاء الكمبيالة وقبولها وتظهيرها عدة علاقات قانونية، كعلاقة الساحب بالمسحوب عليه، أو علاقة الساحب بالمستفيد، أو تلك الناشئة بعد قبولها أو تظهيرها حيث ينشأ عن ذلك حق صرفي للمستفيد، يمكنه من المطالبة بالوفاء بمبلغها([2]).

وبما أن الأوراق التجارية قابلة للتداول بالطرق التجارية، فإن الكمبيالة تنتقل إن كانت إذنية أو أمرية عن طري التظهير، وتنتقل إن ظهرت للحامل أو على بياض عن طريق المناولة اليدوية.

وتختلف طرق التداول التجاري، أو انتقال الحقوق الثابتة في الأوراق التجارية، عن حوالة الحق المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، حيث نص المشرع على ذلك صراحة في الفصل 208 من ق.ل.ع على أنه ”تخضع حوالة الكمبيالات والسندات لأمر والسندات لحاملها لأحكام خاصة”، فالمراد هنا هو أحكام مدونة التجارة، وتتجلى أوجه الخلاف في:

لا تسري حوالة الحقوق المدنية تجاه المدين والغير إلا بتبليغ الحوالة للمدين تبليغا رسميا أو قبوله إياها في محرر ثابت التاريخ، بينما الكمبيالة فهي قابلة للانتقال بطريقة التظهير ولو لم تكن مسحوبة لأمر صراحة([3]).

لا يضمن المحيل للمحال له وجود الحق حتى وقت الحوالة إلا إذا كانت الحوالة بعوض، أما إذا كانت بغير عوض فلا يسأل سوى عن تدليسه، في حين أن ساحب الكمبيالة ضامن للقبول والوفاء، وإذا كان يجوز له أن يتحلل من ضمان القبول، فلا يسوغ له أن يتحلل من ضمان الوفاء أبدا([4]).

ج- لا يضمن المحيل للمحال له يسر أو يسار المدين إلا إذا كان قد أحال دينا على شخص كان معسرا عند إبرام الحوالة بينما يضمن ساحب ومظهر الكمبيالة الوفاء بمبلغها في تاريخ الاستحقاق بصرف النظر كما إذا كان المسحوب عليه معسرا أو موسرا وقت السحب أو الإصدار([5]).

د- إذا كان تظهير الكمبيالة يظهرها من الدفوع الشخصية([6]) فإن المدين في حوالة الحق يجوز له أن يتمسك في مواجهة المحال بكل الدفوع التي كان يمكن التمسك بها في مواجهة المحيل، بشرط أن يكون أساسها قائما عند حصول الحوالة أو عند تبليغها.

يشترط لصحة إنشاء الكمبيالة توفر أركان موضوعية وأخرى شكلية، ليتم بعد ذلك تداولها باعتبارها تمثل حقا بمبلغ معين من النقود يقبل الانتقال ككل حق مالي.

وسنتناول دراسة هذه الفقرة من خلال تقسيمها إلى الشروط الموضوعية (أولا) ثم الشروط الشكلية (ثانيا) .

أولا: الشروط الموضوعية

على مستوى الأركان الموضوعية، تعتبر الكمبيالة تصرفا قانونيا إراديا يستلزم إنشاؤه توفر الأركان الموضوعية التي نص عليها الفصل الثاني من ظهير الالتزامات والعقود، وذلك بأن تصدر عن شخص يعتد القانون بإرادته، وهنا نستحضر الأهلية، حيث أن التوقيع على الكمبيالة من الأعمال التجارية المطلقة، وهذا النوع من التصرفات القانونية التي يُلزم لصحتها أن تتوفر في القائم بها الأهلية الكاملة المحددة في 18 سنة حسب المادة 15 من مدونة التجارة .

ويمكن أن يكون الشخص كامل الأهلية استثناء قبل بلوغ سن الرشد القانوني إذا توفر فيه شرطان: أولهما بلوغ سن 16 سنة من العمر وثانيهما إثبات رشده، وذلك بناء على حكم تصدره المحكمة إما بطلب من النائب الشرعي أو من القاصر([7]).

أما ناقص الأهلية فيتعين التمييز بخصوصه بين:

المميز غير المأذون له، وهو الصغير الذي يتراوح عمره بين 12 و 18 سنة شمسية، ولم يؤذن له في التصرف في جزء من أمواله، فلا يحق له أن يلتزم بمقتضى الكمبيالة سواء كان سحبا أو قبولا، أم تظهيرا، أم ضمانا احتياطيا، ويكون توقيعه باطلا بالنسبة له، حسب المادة 164 من مدونة التجارة التي تنص على : ” إن الكمبيالة الموقعة من طرف قاصر غير تاجر باطلة تجاهه، ويحتفظ الأطراف بحقوقهم وفقا للقانون العادي، وإذا كان البطلان يصاحب الكمبيالة وينتقل بانتقالها إلا أنه متى تقرر، فإن أثره يقتصر على التزام القاصر ولا يمتد إلى التزامات غيره من الموقعين على الكمبيالة تطبيقا لمبدأ استقلال التوقيعات([8]).

المميز المأذون له: وهو الصغير الذي أذن له بالتصرف في جزء من أمواله بمقتضى المادتين 226 و 227 من مدونة الأسرة حيث يكون للصغير المميز قبل بلوغه سن الرشد الحق في تسلم جزء من أمواله من نائبه الشرعي لإرادتها بقصد التجربة والاختبار في أي وقت خلال الفترة الممتدة بين 12 سنة إلى 18 سنة.

إضافة إلى هذا تنشأ الكمبيالة بتعبير الساحب عن إرادته في إنشائها، ويتم ذلك بتوقيعه عليها كما تنشأ التزامات باقي الموقعين أيضا بتوقيهم عليها.

ويشترط لصحة الرضى أن تكون الإرادة خالية من العيوب وإذا تم تداول الكمبيالة رغم وجود خلل في الإرادة وانتقلت إلى حامل آخر  فلا يستطيع الساحب أن يتمسك بالبطلان تجاه هذا الحامل الجديد إلا إذا كان سيء النية، أما الحامل حسن النية الذي لا يعلم بوجود العيب فلا يجوز الاحتجاج عليه بهذا العيب عملا لمبدأ تطهير الدفوع، وهذا ما سنتطرق إليه بتفضيل في الفقرة الثانية من هذا المطلب.

أما على مستوى المحل فدائما ينحصر في دفع مبلغ نقدي معين، فلا يصح أن يكون المحل أداء عمل أو تسليم بضاعة.

ولما كان محل الالتزام الصرفي مبلغا من النقود دائما فهو محل ممكن ومشروع في ذاته ولا يمكن أن يكون باطلا لاستحالة أو عدم مشروعيته، ولكن إذا حظر قانون الدولة التعامل بعملة أجنبية داخل البلاد، فيجب عندئذ احترام هذا الحظر([9]).

أما بخصوص السبب فإنه يتمثل في العلاقة الأصلية التي نشأت بين الساحب والمستفيد، وبسببها أصبح مدينا له بمبلغ الكمبيالة.

 وإذا ثبت أن السبب غير مشروع أو مخالف للنظام العام بطلب الكمبيالة، إلا أن البطلان يكون محصورا بين الساحب والمستفيد الدائن الأول، ولا يتعداها لباقي الموقعين، وذلك نظرا لاستقلالية التوقيع على الكمبيالة.

كما أنه إذا انتقلت الكمبيالة بالتظهير إلى يد الحامل حسن النية فلا يحق للساحب أن يدفع مطالبة هذا الحامل بانتفاء السبب عملا بمبدأ تظهير الدفوع.

إلا أن هناك نوع من الكمبيالات شائعة الاستعمال تعرف بكمبيالات المجاملة لا يتوافر فيها ركن السبب، ويقصد بها أن يتفق شخصان على أن يسحب أحدهما كمبيالة على الآخر واجبة الدفع في تاريخ معين، وعلى أن يقبل المسحوب عليه الكمبيالة عند تقديمها إليه دون أن يسند سحب هذه الكمبيالة إلى علاقة مديونية موجودة بالفعل أو متوقع وجودها في ميعاد الاستحقاق، ويكون معروفا للطرفين أن المسحوب عليه لا يريد أن يتحمل الالتزام الوارد بالكمبيالة ولا ينوي الوفاء بقيمتها في ميعاد الاستحقاق، وهذا بقصد خلق ائتمان وهمي له يتمكن بمقتضاه من الحصول على المال اللازم له عن طريق خصم الكمبيالة أو تظهيرها، والساحب هو الذي يدير الوفاء بقيمتها في ميعاد الاستحقاق.

وهذه الكمبيالة تعتبر باطلة بالنسبة للأطراف والحامل سيء النية، ويتم متابعة مصدري الكمبيالات من هذا النوع( المجاملة) بجريمة التفالس أو النصب.

ثانيا: الشروط الشكلية

بعد أن تطرقنا للشروط الموضوعية التي لا بد منها لقيام الكمبيالة، سنخوض الآن في الشروط الشكلية التي لا بد منها لتكون الكمبيالة قائمة بمثابة ورقة تجارية قابلة للتداول تحت مظلة قواعد قانون الصرف، وعليه فالكمبيالة يجب أن تكون في سند محرر وفق الشكل الذي حدده القانون، كما أن نصوص مدونة التجارة نظمت على التوالي كل من إنشاء الكمبيالة (المادة 159)، وتظهيرها (المادة 167)، وقبولها (المادة 167)، والضمان الاحتياطي فيها (المادة 181) تفرض تحرير الكمبيالة على الورق ولا يشترط بعد ذلك طريقة خاصة لكتابتها لأنها قد تفرغ في محرر عرفي، كما يمكن أن تكتب في محرر رسمي إذا تعلق الأمر بضمان الوفاء عن طريق الرهن([10]).

وقد عبر عن مرونة الكتابة في الكمبيالة الدكتور علي سليمان العبيدي بقوله ” ولا يشترط في السفتجة أن تكون مكتوبة على الورق، إذا لم يحدد القانون طبيعة المادة التي يجب أن تكتب عليه، فيجوز أن تكون قماشا أو جلدا أو خشبا وقد ذهب قرار إحدى المحاكم النمساوية إلى اعتبار السفتجة صحيحة إذا كتبت على غلاف علبة سجائر([11]).

أما على مستوى ضرورة وجود البيانات الإلزامية فقد جاءت المادة159 من مدونة التجارة بمجموعة من البنود التي يجب أن تتضمنها الكمبيالة تحت طائلة بطلانها، ما عدا في حالات معينة، وتتمثل هذه البيانات فيما يلي:

  • تسمية ”كمبيالة” مدرجة في نص السند ذاته وباللغة المستعملة للتحرير، فخلو الورقة من كلمة ”كمبيالة” يخرجها من نطاق الأحكام المميزة للأوراق التجارية، بل تعتبر غير صحيحة وبالتالي تنقلب إلى سند عادي لإثبات الدين إذا توافرت شروط هذا السند.
  • الأمر الناجم بأداء مبلغ معين، وبعبارة أخرى لا يسوغ أن يقترن تحرير الكمبيالة أو الدفع بشرط واقف أو فاسخ، لأن مثل هذا الاشتراط يعرقل التداول الذي يعتبر من الخصائص المميزة للأوراق التجارية، أما إذا تضمنت الكمبيالة شرطا واقفا أو فاسخا، أو كان محل الالتزام الأمر بدفع بضاعة فقدت صفتها وكانت باطلة وتحولت إلى ورقة من نوع آخر يتحتم تحديد طبيعتها القانونية، وقد عبرت الفقرة “ب” من المادة 124 من قانون التجارة الأردني عن هذا البيان: ”بأمر غير معلق على شرط بأداء قدر معين من النقود”.
مقال قد يهمك :   المنازعات المتصلة بالعقود الإدارية : التوظيف بموجب عقود بالتعليم العمومي بالمغرب نموذجا

والفقرة 2 من الفصل 269 من المجلة التجارية التونسية:

 “بالتوكيل المجرد المطلق بدفع مبلغ معين” والفقرة الثانية من المادة 315 من قانون التجارة اللبناني” بالتوكيل الصريح بدفع المبلغ المعين([12]).

ويشترط أن يكون مبلغ الكمبيالة واحدا، وهو ما يقصد به

مبدأ أو وحدة الدين، فلا يجوز أن يتضمن صك الكمبيالة عدة مبالغ متفرقة أو يتضمن ما يفيد تقسيط المبلغ، إذ أن من شأن ذلك عرقلة تداول الكمبيالة لاحتمال عدم الوفاء ببعض الديون أو بعض الأقساط([13]).

وقد حكمت محكمة مصر التجارية بأنه يشترط لصحة السندات تحت الإذن وحدة مبلغ ووحدة تاريخ الاستحقاق، فإذا اشتمل السند على الالتزام بدفع مبلغ على أقساط شهرية فلا يعتبر سندا تحت الإذن وإنما يعتبر اعترافا أو تعَهد بدين([14]).

والمبلغ المدون بالكمبيالة قد يكون مذكورا بالحروف، أو بالأرقام، وكلاهما يكون صحيحا إذ لم يشترط المشرع طريقة معينة لكتابته، على أنه قد جرى العرف على أن يكتب المبلغ مرتين أحدهما بالأرقام مثل (100.00 درهم) والثاني بالحروف في وسط عبارات الكمبيالة وذلك لتأكيده رقم المبلغ وعدم إمكان العبث بالأرقام، على أن هذه الطريقة لا تخلو من احتمال الخطأ كما هو الحال إذا كان المبلغ المدون بالأرقام مختلف عن ذلك المدون بالحروف، وفي هذه الحالة جاء قانون جنيف الموحد ووضع حلولا لهذه الحالات وهي:

تفضيل المبلغ المدون بالحروف إذا توجه إليه العناية عند الكتابة أكثر من المبلغ المحدد بالأرقام، كما أن احتمال الخطأ في الأرقام أقرب منه في الكتابة بالحروف، كذلك أوصى المؤتمر بأنه في حالة كتابة المبلغ عدة مرات إما بالحروف وإما بالأرقام يفضل الأخذ بالمبلغ الأقل، وهذا ما نص عليه المشرع المغربي في المادة 163 من مدونة التجارة حيث اعتمد على المبلغ المحرر بالأحرف عند الاختلاف والأقل قيمة عند التكرار.

نفس النهج سايره المشرع المدني في ظهير الالتزامات والعقود الفصل 471 و472 منه في باب تأويل الاتفاقات.

3- اسم من يلزمه الوفاء (المسحوب عليه)، أي اسم الشخص الذي يجب عليه أو يلزمه الوفاء، ولا ينشأ الالتزام الصرفي في ذمة المسحوب عليه من العلاقات السابقة التي تربط الساحب بالمسحوب عليه، وإنما ينشأ هذا الالتزام من توقيع المسحوب عليه على الكمبيالة بالقبول([15]).

واستقر الاجتهاد القضائي في فرنسا على أن ذكر إسم المسحوب عليه على سند الكمبيالة بيان إلزامي لا يغني عنه لا ذكر الموطن ولا توقيع المسحوب عليه تجنبا للاحتيال والانتحال([16]).

وهناك نقطة اخرى وهي مدى إمكانية سحب كمبيالة على الساحب نفسه أي أنه يكون ساحبا ومسحوبا عليه، نقول نعم وذلك بصريح نص الفقرة الثانية 161 من مدونة التجارة: ”ويمكن أن تسحب على الساحب نفسه”، هذا وقد قبل قانون جنيف الموحد أن يكون الساحب هو المسحوب عليه لضرورات عملية.

إذ هناك بعض المؤسسات أو الأبناك تقوم بسحب كمبيالات على أحد فروعها، هنا تجمع بين صفتي الساحب والمسحوب عليه.

فذكر اسم المسحوب عليه هو بيان إلزامي لنشوء الكمبيالة لكن ماذا لو ذكر هذا الاسم وكان وهميا أي أن هذا المسحوب عليه الذي ذكر اسمه على هذه الكمبيالة لا وجود له، وهذا ما يطلق عليه في قانون الصرف ”بالسحب في الهواء” Tirage en l’air ” الكمبيالة هنا قد استوفت هذا البيان الإلزامي ألا وهو ذكر اسم المسحوب عليه، فهي إذن من الناحية الشكلية صحيحة، ونعتبر الساحب الذي ذكر هذا الاسم الوهمي هو المسحوب عليه، ويلتزم بما يلتزم به هذا الأخير([17]).

4- تاريخ الاستحقاق: إن المستفيد في الكمبيالة أو حامليها يهمهم معرفة ميعاد الاستحقاق حتى يتمكنوا من تقديمها للأداء، وقد حددت مدونة التجارة ميعاد الاستحقاق في أربع حالاتك:

بمجرد الاطلاع: وهنا يكون لحاملها تقديمها للأداء في أي وقت شاء ولكن داخل أجل سنة من إنشائها .

– بعد مدة من تاريخ التحرير كأن يقال مثلا: تستحق بعد شهر من تاريخ التحرير أي تاريخ الإنشاء.

– في تاريخ معين: أي يحدد بدقة هذا التاريخ كأن يقال تستحق يوم 20 ماي 1993.

– بعد مدة من الاطلاع: كأن يقال مثلا: بعد سنة من الاطلاع فعندما يقدمها الحامل هنا للمسحوب عليه للاطلاع يبقى أجل سنة حتى تصبح مستحقة الوفاء.

أما إذا جاءت الكمبيالة خالية من أي تحديد لميعاد لاستحقاق فإنها لا تعتبر باطلة ولكن تعتبر مستحقة الأداء بمجرد الاطلاع كما في مدونة التجارة.

هذا وإن تحديد ميعاد لاستحقاق لا يفيد فقط في معرفة تاريخ المطالبة بمبلغ الكمبيالة بل أيضا له أهمية في سريان التقادم وكذا مدى اعتبار الحامل مهملا([18]).

5- مكان الوفاء: يجب أن تتضمن الكمبيالة مكان الوفاء، وأن يكون هذا المكان معروفا وحقيقيا، ويمكن الوصول أو الاهتداء إليه بسهولة وفق ما نصت عليه الفقرة 5 من المادة 159 من مدونة التجارة، إلا أن هذا البيان ليس إلزاميا في الكمبيالات التي تحمل موطن المسحوب عليه، أي أن تخلق هذا البيان في الكمبيالة تحمل موطن المسحوب عليه لا يجعلها باطلة، وبعبارة ثانية، إن موطن المسحوب عليه يغني عن تحديد مكان الوفاء، لأن الوفاء يتم عادة في موطن المسحوب عليه ما لم يتفق على خلافه، وهو ما نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة 160 من مدونة التجارة التي جاء فيها: إذا لم يعين مكان الوفاء، فإن المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه يعد مكانا للوفاء، وفي الوقت نفسه موطنا للمسحوب عليه، ما لم يرد في السند خلاف ذلك([19]).

إن الفلسفة التشريعية في الأوراق التجارية كان يؤطرها الاقتصاد وما تلعبه الكمبيالة من دور في تحقيق الائتمان والسرعة اللذان هما قطبي التجارة، حيث ضيق المشرع من أخطار تخلف مكان الوفاء على الكمبيالة، راميا في ذات الوقت إلى تحقيق هدفين: يكمن الأول في معرفة مكان الوفاء عند غياب تحديد هذا المكان على ذات الصك، وعدم وجود مكان بجانب اسم المسحوب عليه يحل محله، والثاني تفادي بطلان الكمبيالة، وما يحمله من أخطار على الائتمان والوفاء في آن واحد، فجاء البديل الثاني الذي يعتمد مكان نشاط المسحوب عليه أو موطنه وذلك في الفقرة الرابعة من المادة 160 التي جاء فيها: ”إذا لم يعين مكان بجانب اسم المسحوب عليه يعتبر مكانا للوفاء المكان الذي يزاول فيه المسحوب عليه نشاطه أو موطنه”.

6- اسم من يجب الوفاء له أو لأمره: هو الشخص الذي حررت من أجله الكمبيالة، هو الدائن في الكمبيالة، هو المستفيد، وطالما كانت الكمبيالة إذنية وجب إيضاح اسمه بكل دقة حتى لا يقع لبس في تحديد شخصيته عن الوفاء له بقيمته الكمبيالة في ميعاد الاستحقاق والمستفيد قد يكون شخصا ثالثا كما هو الوضع الغالب وقد يكون هو محرر الكمبيالة (الساحب)، حيث يلجأ الساحب إلى تحرير كمبيالات لإذن نفسه إذا أراد الاطمئنان على قبول المسحوب عليه للصك قبل أن يطرحه للتداول، وقد يرغب الساحب من وراء تحرير الكمبيالة لإذنه خصمها لدى أحد البنوك دون الانتظار حتى ميعاد الاستحقاق المتفق عليه مع المسحوب عليه([20]).

7- تاريخ ومكان إنشاء الكمبيالة: يجب أن يعين في الكمبيالة تاريخ إنشائها باليوم والشهر والسنة كما كانت المادة 105 من القانون الجاري المصري، القديم تنص صراحة على ذلك، والتي جاء فيها: ويبين فيها اليوم والشهر والسنة اللاتي تحررت فيها…” إلا أن القانون المصري العائد لسنة 1999 غير ذلك بعبارة ”تاريخ ومكان إصدار الكمبيالة ” في المادة 379- مكان الإنشاء، وفق ما نصت عليه الفقرة السابعة من المادة 159 من القانون التجارة الجديدة، ويقع هذا التعيين في بداية رأس الورقة عادة.

ولهذا البيان أهمية على مستوى معرفة أهلية الساحب وقت توقيعه الكمبيالة، بمعنى هل كان في ذلك الوقت كامل الأهلية أو ناقصها أو عديم الأهلية، إضافة إلى تحديد التاريخ الأسبق، إذا تعددت الكمبيالات، حين تكون الأولوية لحامل ذلك التاريخ، وفي معرفة ما إذا كان تحرير الكمبيالة قد وقع في فترة الريبة([21]).

8- اسم وتوقيع من أصدر الكمبيالة (الساحب):

 التوقيع أو الإمضاء ( La signature) لا بد أن يتم كتابة بخط يد الساحب، وبالتالي تستبعد كل الوسائل الأخرى كالتوقيع بالبصمة أو الختم الميكانيكي، وهو الموقف يؤيده الفقه والقضاء بالمغرب حيث جاء في حكم ابتدائية البيضاء بتاريخ 27 يناير1953 ما يلي: “أن بصمة الأصابع الموضوعة على الكمبيالة من قبل المسحوب عليه لا تعتبر قبولا لها وفقا للقانون فلا يمكن للدائن أن يحتج بواسطتها على المدين الحصول على حقوقه المالية التي تترتب على الورقة التجارية حتى إذا اعترف المدين بوضع المدين بوضع بصمة أصابعه عليها”([22]).

وجاء في حكم([23]) آخر أن البصمة على الكمبيالة سند الدين لا تعتبر قبولا لها وفقا للقانون، لأن التوقيع على الأوراق التجارية يجب أن يتم عن طريق الإمضاء كتابة طبقا لمقتضيات المادة 159 من مدونة التجارة وهو الأصل الذي يجب الأخذ به بالنسبة للساحب والمظهر والمسحوب عليه والضامن الاحتياطي وكذا السند لأمر والشيك أيضا، وبالتالي إن الكمبيالة المبصم عليها تعتبر ناقصة البيانات الإلزامية، لأمر الذي يجعل منها سندا عاديا لإثبات الدين وفق أحكام الفقرة الأخيرة من المادة160 من مدونة التجارة.

البيانات التي تم ذكرها، قد تصدر الكمبيالة ناقصة من إحداها ونتيجة لذلك تكون باطلة، ولكن هذا لا يمنعها من التحول إلى صك ينتعش الحياة من جديد في روح كانت يمكن أن تصير كمبيالة، وهذا تدخل من التشريع لعدم عرقلة العجلة الاقتصادية، هذا الصك الذي يصبح مدنيا ويخضع لإجراءات الحوالة المدنية([24]).

الفقرة الثانية: خصوصيات تداول الكمبيالة:

إذا كانت الحوالة المنصوص على قواعدها في المواد من 189 إلى 209 من قانون الالتزامات والعقود هي الوسيلة التي ابتكرها المشرع الفرنسي سنة 1804 لانتقال الحق أو الدين خروجا عن مبدأ نسبية آثار العقد ومبدأ العقد شريعة المتعاقدين، فإن التظهير والمناولة اليدوية يشكلان الإدارة العادية لانتقال الحقوق التجارية، وقد عبر القانون الأردني صراحة عن ميزة التداول هاته في الفقرة الأولى من المادة 123 التي جاء فيها ”الأوراق التجارية هي أسناد قابلة للتداول بمقتضى أحكام هذا القانون…”.

والتداول هو عملية انتقال الحق الثابت في السند من السلف إلى الخلف دونما حاجة لإتباع الإجراءات الشكلية المقررة لانتقال الحقوق بطريق الحوالة، فبمجرد إنشاء صك التداول فإنه يمكن انتقال الحق الثابت فيه من شخص لآخر بحسب شكل إصداره، فإذا كان الصك لأمر انتقل عن طريق التظهير وإذا كان للحامل انتقل بطريق التسليم، وهما إجراءان بسيطان للغاية مقارنة مع الشكلية المقررة لحوالة الحق العادية والمتمثلة في إعلام المدين المحال عليه أو قبوله في محرر ثابت التاريخ([25]).

ونحن بصدد تداول الكمبيالة وجب علينا أن نقول أنها تنتقل عن طريق التظهير([26])، وهذا الأخير ثلاثة أنواع، فقد يكون يقصد نقل الحق الثابت بالكمبيالة وهو الوضع الغالب كما إذا قام المستفيد بخصم الكمبيالة لدى البنوك والحصول علي قيمتها قبل ميعاد الاستحقاق نظير عمولة معينة تسمى سعر الخصم، أو إذا قام المستفيد بإجراء صفقة أصبح بمقتضاها مدينا للغير فيقوم بتظهير الصك وفاء بالثمن، ويسمى التظهير في هذه الحالة بالتظهير التام، كما قد يكون تظهير الكمبيالة بقصد توكيل الغير في تحصيل قيمتها من المسحوب عليه في ميعاد الاستحقاق وليس بقصد نقل الحق الثابت بها، ويسمى التظهير في هذه الحالة بالتظهير التوكيلي، وأخيرا قد يقصد بتظهير الكمبيالة تقديمها كضمان أو رهن لدين على صاحبها، وهذا النوع من التظهير يسمى بالتظهير التأميني([27]).

قد يقول قائل كيف يمكن الاقتصار على التظهير لتداول الاوراق التجارية دون المناولة اليديوية؟

نقول نعم المناولة اليدوية من أبسط الطرق وأقلها تعقيدا من التظهير، لكنها من ناحية أخرى فهي أضعف وأقل ضمانا، لأن التظهير يستلزم بقوة القانون إمضاء أو توقيع المظهر وإلا كان باطلا، وكلما تعدد المظهرون كلما ازداد الضمان أو التضامن الصرفي لأن جميع الموقعين على الكمبيالة يضمنون مبدئيا الوفاء بمبلغها في تاريخ الاستحقاق زد على ذلك أن الكمبيالة المسحوبة أو المظهرة للحامل تكون أكثر تعرضا للسرقة أو أقل حماية وضمانا عند الضياع، لهذه الاعتبارات  يفضل التجار ورجال الأعمال التداول عن طريق التظهير على التداول عن طريق المناولة اليدوية، ولهذه الغايات تدخل المشرع التجاري وعينه على العدالة الاقتصادية فمنع إنشاء أو تحرير كمبيالة للحامل وإلا كانت باطلة، حيث جعل اسم المستفيد من البيانات الإلزامية لقيام الكمبيالة، ونتيجة لذلك لا يمكن أن ينتقل المبلغ لأول مرة إلا عن طريق التظهير، هذا الأمر جميل ويكرس الائتمان لكن المشرع لاحظ أن هذا قد يعرقل السرعة فتدخل للمرة الثانية ليوازن بين الائتمان والسرعة فقال أنه يمكن أن تتداول الكمبيالة عن طريق التسليم اليدوي وفقا للمادة 167 من مدونة التجارة.

تركيزا على التظهير كآلية لتداول الأوراق التجارية وحصرا بموضوعنا يقتضي منا التطرق إلى خصوصيات مداخل الظاهرة الاقتصادية والرهانات المالية التي أثرت على قواعد تفويت الديون المنظمة في القواعد العامة، فكان نتيجة لذلك، إفراز قواعد خاصة تنميطية لتفويت الديون ذات أشكال مختلفة عن نظيره في القواعد العامة التي تعد مرآة ومرجعية أساسية لانتقال الالتزام، هذا ما سنبينه في ستة خصوصيات كما يلي:

أولا: على مستوى صفة انتقال الالتزام

إن هذه الخصوصية لها أثر بليغ على مستوى تحديد القواعد المطبقة، حيث قد ينشأ الالتزام تجاريا فينتقل تجاريا أو مدنيا، وقد ينشأ مدنيا فينتقل مدنيا أو تجاريا، بخصوص الحالة الأخيرة فإن الصكوك المدينة متى كانت إذنية، أي تحمل شرط الإذن فإنها تنتقل بالتظهير ولا يهم هل السند تجاريا أم مدنيا، إذ العبرة بالشكل لا بالطبيعة([28]).

أما بخصوص الحالة الأولى في حالة التداول بعد تاريخ الاستحقاق فإن التظهير يقع صحيحا بشرط أن يكون قبل وقوع احتجاج عدم الوفاء، وقبل انتهاء الأجل المعين لإقامته، فإذا ما وقع التداول بعد الاحتجاج أو بعد انصرام الأجل المعين له، فإنه لا ينتج إلا آثار الحوالة العادية فيما يتعلق بانتقال الدفوع، كما أن المحيل لا يضمن الحق إلا وقت الحوالة([29]).  وفي هذا الخصوص _ مدى اعتبار التظهير بعد تاريخ الاستحقاق صحيحا_  قضت محكمة النقض بأنه ”لا وجه للتفرقة بين التظهير الحاصل قبل ميعاد الاستحقاق والتظهير الحاصل بعد هذا الميعاد، إذ يكون لكل منهما، متى استوفى شرائطه الشكلية، ذات الآثار القانونية من حيث نقل ملكية السند وتطهير الدفوع.

مقال قد يهمك :   بنصغير : سرقة البيانات المعلومياتية-قراءة في قرار محكمة النقض الفرنسية الصادر بتاريخ 28 يونيو 2017-

وإذا خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، وانتهى إلى أن التظهير الحاصل بعد ميعاد الاستحقاق يعتبر تظهيرا توكيليا لا ينقل ولا يطهر الدفوع، فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه([30]).

وفي فرنسا يرتب التظهير بعد ميعاد الاستحقاق جميع آثاره الصرفية بشرط أن يكون هذا التظهير قبل عمل  البروتستو أو قبل انتهاء المدة المحددة لعمله وإلا اعتبر حوالة مدنية مع آثارها العادية، وبالتالي لا يترتب على هذا التظهير تطهير  الورقة من الدفوع، ويفترض أن التظهير – غير المؤرخ- قد تم قبل عمل البروتوستو إلى أن يثبت العكس ويجوز إثبات التاريخ الحقيقي للتظهير بكافة طرق الإثبات، ويتفق حكم القانون الفرنسي مع  ما تقضي به اتفاقية جنيف التي نصت على أن التظهير اللاحق على ميعاد الاستحقاق يرتب آثار التظهير السابق على هذا الميعاد، أما التظهير اللاحق لبروتستو عدم الدفع أو الحاصل بعد فوات الميعاد المحدد لعمل هذا البروتستو فتسري عليه قواعد الحوالة المدنية([31]).

نفس الأمر نجده في المادة 167 من مدونة التجارة بما يخص انتقال الالتزام التجاري عبر طريق الحوالة المدنية، وما يجذب انتباهنا أن الظاهرة الاقتصادية حاضرة بقوة استجابة لحمولة الرهان المالي، فيتدخل المشرع وعينه على العدالة الاقتصادية لعدم تجميد الصك فيقول أنه في حالة ما إذا تم إدراج الساحب في الكمبيالة عبارة ” ليست لأمر” أو أية عبارة أخرى موازية لها، فإنها تنتقل عن طريق الحوالة العادية، هذا الاعتبار جاء لغاية اقتصادية من الدرجة الأولى حيث قد يحتاج المستفيد سيولة نقدية فيصتدم مع شروط ”ليس لأمر”، ويحول دون تظهيرها، هنا كما قلنا تدخل المشرع وخضع مدخلا اقتصاديا من خلاله تتدفق السيولة لفائدة المستفيد، ألا وهو الانتقال عن طريق قواعد الحوالة العادية التي تعتبر بمثابة قواعد عامة لتطبيقات الخاصة، فتظهر لنا جدلية الثابت والمتغير.

في نفس الخصوصية، صفة انتقال الالتزام، يطرح الإشكال الآتي: هل ينتقل الالتزام كاملا أم جزئيا بعبارة أخرى هل الالتزام في التداول  قابل للانقسام أم غير قابل للانقسام؟

عندما نعود للقواعد العامة وبالضبط في الفصل 206 من قانون الالتزامات والعقود نجده ينص صراحة على أنه: إذا وردت الحوالة على جزء من الدين، جاز للمحيل والمحال له كل بقدر حصته أن يباشر الدعاوى الناتجة عن الدين الحال ومع ذلك يكون للمحال له حق الأولية…”.

من خلال الفصل أعلاه، يمكن القول أن محل الالتزام يكون قابلا للانقسام ويمكن انتقال جزء دون الآخر.

إلا أنه عندما يتداول الصك عن طريق التظهير فإن الأمر مختلف تماما والسبب كما قلنا كان اقتصاديا، فإذا تم الظهير على جزء من المبلغ وهو التظهير الجزئي فإنه يقع باطلا لتعارضه مع مبدأ بسهولة تداول الورقة التجارية، ذلك لأن كلا من المظهر والمظهر إليه في هذه الحالة يكون له الحق في جزء من الورقة دون أن ينفرد أحدهما بها([32]).

وهذا ما أكده المشرع المغربي في المادة 167 من مدونة التجارة في الفقرة الأخيرة حيث نص على أن: ”… التظهير الجزئي باطل”.

ثانيا: على مستوى انتقال الضمانات:

بداية نتطرق للمرجعية العامة في قانون الالتزامات والعقود ألا وهي حوالة الحق حيث تناول المشرع انتقال الضمان في الفصل 200 منه فجاء كما يلي: ”حوالة الحق تشمل توابعه المتممة ل بما فيها:

  1. الرهون الرسمية بشرط صريح؛
  2. الامتيازات باستفتاء ما كان متعلقا منها بشخص المحيل؛
  3. باقي الضمانات الأخرى بما فيها الكفالة؛
  4. …”.

فالضمان هنا هو الأساس الذي ينبني عليه الائتمان فيشجع المحال له على قبول الحق.

نفس الأمر على مستوى تداول الأوراق التجارية حيث نصت مدونة التجارة في المادة 165 على أن الساحب ضامن للقبول والوفاء، ويجوز له أن يعفي نفسه من ضمان القبول، ويعد لاغيا كل شرط يقضي بإعفائه من ضمان الوفاء.

كما نصت المادة 169 من م.ت. على أنه يضمن المظهر القبول والوفاء ما لم يرد شرط بخلاف ذلك.

هذا الضمان يعتمد عليه في حالة ما إذا قدمت الكمبيالة للمسحوب عليه للقبول فرفض هذا الأخير القبول كون أنه لم يتلقى مقابل الوفاء أو لسبب آخر .

لكن في حالة قبوله بالوفاء بقيمة الكمبيالة في ميعاد الاستحقاق فهو يكون ملزما صرفيا قبل الحامل، نتيجة لذلك تطهير الدفوع، أو عدم الاحتجاج بالدفوع، هذا ما يفرض علينا التفصيل فيه وجعله خصوصية لا تقل أهمية عن باقي الخصوصيات([33]).

ثالثا: على مستوى انتقال الدفوع

 ينص الفصل 207 من ق.ل.ع على أنه: ” يجوز للمدين أن يتمسك في مواجهة المحال له بكل الدفوع التي كان يمكنه التمسك بها في مواجهة المحيل، بشرط أن يكون أساسها قائما عند حصول الحوالة أو عند تبليغها..”.

فالأصل في القواعد العامة أن يتم انتقال الحق بكل صفاته ودفوعه، والهدف من ذلك هو إعطاء الحق للمدين المحال عليه في التمسك أمام الدائن الجديد بكل الدفوع التي كان بإمكانه أن يدفع بها أمام الدائن القديم، فالدفوع تحميه من جموح الدائن الجديد ورغبته في استفتياء الدين([34])، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن الدفوع المنصوص عليها هنا هي تلك التي يكون أساسها قائما عند حصول الحوالة أو عند تبليغها .

أما في التطبيقات التجارية -تداول الأوراق التجارية- فإنه يلاحظ تغليب النظام القانوني للتداول على نظام الحوالة .

مما أدى إلى انتقال الحقوق مطهرة من الدفوع حيث تنص المادة172 من مدونة التجارة في الفقرة الأخيرة على أنه: … ولا يجوز للملتزمين أن يتمسكوا تجاه الحامل بالدفوع المبنية على علاقاتهم الشخصية مع المظهر ما لم يكن للحامل قد تعمد بتسلمه الكمبيالة الإضرار بالمدين”.

المادة أعلاه تجسد لنا قاعدة مهمة في تداول الأوراق التجارية ألا وهي تطهير الدفوع، هذه الأخيرة تعتبر أهم قواعد قانون الصرف بصفة عامة وأهم آثار تظهير الورقة التجارية تظهيرا ناقلا للملكية بصفة خاصة، والمقصود بقاعدة تطهير الدفوع أن المظهر  إليه يتلقى الحق من المظهر خاليا من العيوب التي تشوبه، فلا يجوز للمدين بالكمبيالة (سواء كان الساحب أو المسحوب عليه أو أحد المظهرين ) أن يمتنع عن الوفاء لحامل الصك حسن النية مستندا إلى الدفوع التي كان يستطيع التمسك بها في مواجهة دائنه المباشر والمقصود بالدفوع في هذا المجال أوجه الدفاع التي يلجأ إليها المدين عادة للتنصل من التزامه كادعائه بطلان الالتزام لعدم وجود سبب أو لعدم مشروعيته([35]).

وتنفرد الأوراق التجارية بتطبيق مبدأ تطهير الدفوع، فالأوراق المدنية تخضع في تحويلها إلى أحكام الحوالة المدنية  وآثارها([36]).

 ويلاحظ أن تطبيق أحكام الحوالة المدنية على الأوراق التجارية أمر لا يقبله المنطق، ذلك أن قاعدة التمسك بالدفوع في مواجهة الحامل حسن النية يعرقل تداول الورقة التجارية ولا يساعدها على أداء وظيفتها الاقتصادية بوصفها أداة وفاء وائتمان.

قاعدة عدم التمسك بالدفوع أو تظهير الدفوع قد تتعطل في بعض الحالات منها:

1- إذا كان حامل الكمبيالة سيء النية، حيث أن محكمة النقض المصرية ترى أن الحامل سيء النية لمجرد علمه بالدفوع وقت تظهير الكمبيالة إليه، فإذا فرض وحولت كمبيالة إلى شخص يعلم بأن المسحوب عليه يمكنه أن يتمسك بالمقاصة في مواجهة المظهر فهذا العلم يكفي لاعتباره سيء النية يمكن بمقتضاه للمسحوب عليه أن يتمسك في مواجهته بهذا الدفع ويمتنع عن الوفاء دون أن يعتبر هذا امتناعا يترتب عليه إجراء بروتستو عدم الدفع([37]).

وقد أوضحت محكمة النقض الفرنسية في حكمها الشهير في قضيةWORMS-SALMSON أن المقصود بسوء النية هو إدراك المظهر عند تظهير الكمبيالة بالإضرار بالمظهر إليه بوضعه في مركز يحرمه من الإفادة أو الانتصار في مواجهة الساحب أو موقع سابق بوسائل دفاع ناشئة عن علاقته السابقة بهؤلاء، ولا تكتفي محكمة النقض بمجرد الإهمال أو عدم الحيطة من جانب المظهر إليه([38]).

2– إذا كانت الدفوع ناشئة عن عيب  شكلي بالكمبيالة، إذ أن العيب الشكلي أمر ظاهر في الكمبالة، كما لو تضمنت الكمبيالة عدة مبالغ لا مبلغا واحدا فكل هذه العيوب الشكلية يمكن لكل ملتزم بمثل هذه الكمبيالة أن يتمسك بهذه العيوب الشكلية ليدفع رجوع الحامل عليه، لأن الحامل هنا لا يحتاج إلى حماية ما دام لم يحم نفسه، لأنه كان بإمكانه معرفة هذه العيوب الشكلية لمجرد إطلاعه على الكمبيالة([39]).

من خلال الفقرة أعلاه يتضح لنا جليا أن الاقتصاد حاضر بقوة كون المشرع يسعى دائما إلى حماية المتعاقد وتطبيق العدالة لكن ليس على حساب الاقتصاد وما هو مالي، كيف ذلك؟ بداية استجاب المشرع للاقتصاديين ومنع التمسك بالدفوع لفائدة الحامل للحفاظ على الثقة الموجودة في الأوراق التجارية إلا أنه في إطار التوجيهية التعاقدية وعندما يرى المشرع أن العدالة قد مست كون الحامل كان غير مبال لشكليات الصك يدخل على مستوى العدالة ويقول أنه يمكن للمسحوب عليه التمسك بالدفوع لأن المشرع هنا يحمي الاقتصاد وتداول الصك بشكل سليم لمصلحة التجار اليقضين والقائمين بما عليهم كونهما محترفين ومهنيين.

3– إذا تعلق الدفع بتزوير التوقيع على الكمبيالة حيث يستطيع المدين  بالكمبيالة الذي زور توقيعه أن يدفع في مواجهة الحامل حسن النية بتزوير إمضائه لانعدام إرادته حيث لا يلزم الشخص بالتزام لم ينشئه رغم ما يترتب عليه من تعطيل في تداول الورقة التجارية، وهذا ما نص عليه المشرع المغربي في المادة 164 من م.ت. في الفقرة الثانية.

ويرى اتجاه فقهي أن ليس لغير من زور توقيعه التمسك بتزوير التوقيع لينصل من التزامه على أساس أن التزوير يعدم الإرادة وبالتالي الالتزام كله ويفيد منه كل من وقع الكمبيالة، ذلك أن من شأن تمسك الغير من زور توقيعه بطلان التزامه وزعزعة الثقة في التعامل بالأوراق التجارية الأمر الذي حرص عليه المشرع، هذا بالإضافة إلى أن من شأن ذلك إبطال مفعول قاعدة تطهير الدفوع في حالات لم يقصدها المشرع واعتداء على قاعدة استقلال التوقيعات، أحدى أسس قاعدة الصرف، كما أن من شأن تمسك المدين بتزوير توقيع غيره منحه ميزة دون وجه حق([40]).

4 – الدفع الناشئ عن علاقة شخصية بين المدن وحامل الكمبيالة: ما دام أن الدفوع شخصية قائمة على علاقة هذا المدعى عليه بالحامل المدعي، سواء كان هذا المدعي عليه ساحبا أو مسحوبا عليه أو مظهر أو ضامنا احتياطيا … .

وعليه فيجوز للمدعي عليه أن يتمسك في مواجهة الحامل المدعي بالدفع بالمقاصة كما لو كان مبلغ الكمبيالة خمسمائة درهم فعاد الحامل بمبلغ الكمبيالة على المسحوب عليه مثلا، وكان هذا الأخير دائنا لهذا الحامل بنفس المبلغ هنا من حق هذا المسحوب عليه أن يدفع رجوع الحامل عليه بالتمسك بالدفع بالمقاصة([41]).

هذا ما أكده المجلس الأعلى في قراره بتاريخ 30 ماي 1979 حين قال: “إذا كان من حق المسحوب عليه أن يدفع ضد الساحب بالدفوع المبنية على علاقة معه والتي كانت السبب في سحب الكمبيالات فإنه يجب بالضرورة أن يدعم هذه الدفوع بما يثبتها”([42]).

هذه الحالات كما قلنا هي الاستثناءات الواردة على مبدأ التطهير من الدفوع في تداول الأوراق التجارية الذي يواجه به المحسوب عليه كأثر  يجد أساسه في الالتزام الصرفي الناشئ عن قبول المسحوب عليه للكمبيالة. ويثور التساؤل عن أثر توقيع المسحوب عليه بقبول الكمبيالة في مواجهة الساحب، فإذا فرض وأصبح الساحب حاملا مستفيداً من الكمبيالة، كما إذا احتفظ بالصك كمستفيد قبل إطلاقه للتداول أو صيرورته حاملا نتيجة الرجوع عليه والوفاء بقيمتها، فهل يصبح الساحب في حكم أي حامل آخر لكمبيالة متمتعا بآثار التوقيع صرفيا من المسحوب عليه؟ أم يجوز لهذا الأخير الدفع في مواجهته بعدم تلقي مقابل الوفاء؟

لقد عالج هذا الإشكال القضاء الفرنسي حيث كان يعطي الساحب آثار التوقيع الصرفي ومنها عدم جواز الاحتجاج في مواجهته من المسحوب عليه بعدم تسلمه مقابل الوفاء([43]).

على أن الأمر تبين أنه غير منطقي مما جعل محكمة النقض الفرنسية تعدل عن هذا الاتجاه الذي كان سائدا واستقرت على عدم مساواة الساحب حامل الكمبيالة، بالحامل من الغير وأجازت الدفع في مواجهة الساحب بالدفوع التي يملكها المسحوب عليه قبله ولو كان موقعا بالقبول([44]).

ويثير التخفيف من حدة الآثار الصرفية لتوقيع المسحوب عليه بالقبول مشكلة إجرائية، إذ هل يكتفي بأن يثير المسحوب عليه الدفع (كبطلان الدين الأساسي بها أو الدفع بالمقاصة) حتى تتراجع الدعوى الصرفية؟ أم أنه يجب على القاضي أن يحكم بوجوب الدفع بقيمة الكمبيالة باعتباره التزاما صرفيا مستقلا عن الدين الأصلي ثم الحكم بعد ذلك باسترجاع الثمن حتى لا تفرع الدعوى الصرفية من مضمونها؟([45]).

من خلال الإشكال أعلاه نلاحظ أن الأمر يتعلق فعلا بظاهرة اقتصادية مرتبطة بالسرعة، والائتمان والحفاظ على قيمة الكمبيالة كآلية للتداول التجاري، وهذه الحيرة كانت الظاهرة الاقتصادية حتى على مستوى القضاء لعدم إفراغ قانون الصرف من مضمونه، فلجأ قضاء النقض الفرنسي إلى الحكم بالتزام المسحوب عليه القابل بالوفاء للساحب تنفيذ الأثر المباشر للتوقيع الصرفي بالقبول مع قبول دفع فرعي بالتعويض([46]).

رابعا: على مستوى شكلية الحوالة:

من المعلوم أن انتقال الالتزام في جانبه الإيجابي لا ينفذ في حق المدين إلا بإعلامه رسميا أو قبوله للانتقال في محرر ثابت التاريخ، ويكاد يجمع الفقه المعاصر أن هذه الشكلية تعتبر معرقلة ومبطئة ومكلفة لعملية الإنتقال، فضلا على أنها لا تناسب المعاملات التجارية والمالية المتسمة بالسرعة  خاصة بعد اكتساح المعلوميات الأنظمة البنكية المعاصرة لذلك أصبحت حوالة الحق في التطبيقات المعاصرة تتم دون احترام الشكلية المدنية([47]).

لتوضيح أكثر نقول أن المشرع المغربي نص في الفصل 195 من ق.ل.ع على أنه: “لا ينتقل الحق للمحال له به تجاه المدين والغير إلا بتبليغ الحوالة للمدين تبليغا رسميا أو بقبوله إياها في محرر ثابت التاريخ، وذلك مع استثناء الحالة المنصوص عليها في الفصل 209…”.

مقال قد يهمك :   رشيد وهابي: في الحاجة لتجريم عدم تطبيق القانون

إلا أن الأمر يختلف في تداول الأوراق التجارية لأن الأمر يتعلق بتبادل مالي وظاهرة اقتصادية مبنية على السرعة، لهذا كان على المشرع أن يجد مداخل اقتصادية وتلحيمها مع نصوص قانونية هذا الأمر يبرر لنا التطور الحاصل على النصوص القانونية وبلورة سياسة تشريعية تواكب التكنولوجيا الحديثة.

 والظاهر لنا أن التداول يتميز عن الحوالة كطريق لانتقال الالتزام بتطابق شروط الانعفقاد والنفاذ في صك واحد، حيث لا يتطلب علم المدين بانتقال الحق في الورقة التجارية من السلف إلى الخلف، والسبب في ذلك هو أن المدين بالورقة  التجارية يكون على علم مسبق بتداولها وانتقالها من شخص لآخر سواء عند ّإنشائها أو تطهيرها، ولتحقيق علم المدين بذلك ورضائه بأداء الدين المتضمن في الورقة التجارية، أوجب القانون مجموعة من البيانات الالزامية والجوهرية لصحة إنشاء وتداول الورقة التجارية بالطرق التجارية ودونما حاجة لإتباع إجراءات حوالة الحق المدنية([48]).

وهذه الشروط الشكلية لتداول الورقة التجارية هي التي تطرقنا لها في الفقرة الأولى من هذا المطلب.

خامسا: على مستوى دائرة الضمان:

سال الكثير من الحبر على هذه النقطة-دائرة الضمان- وسنحاول التفصيل فيها بقدر إطلاعنا المتواضع على الموضوع، حيث لفهم الموضوع وجب علينا الإنطلاق من القواعد العامة([49]).

أي حوالة الحق لفهم الموضوع وحدوده، حيث نجد المشرع ينص في الفصل203 من قانون الالتزامات والعقود على أنه: “من أحال بعوض دينا أو أي حق معنوي آخر يلتزم بأن يضمن:

1)- كونه دائنا أو صاحب حق.

2)- وجود الدين أو الحق وقت الحوالة.

3)- حقه في التصرف فيه.

وكل هذا ولو حصلت الحوالة بغير ضمان.

…”.

هذا الفصل إن فهمناه بمفهوم المخالفة سنجد أنفسنا في الفصل 204 من ق.ل.ع الذي يقول أن المحيل لا يضمن يسار المدين إلا إذا أحال الدين على شخص كان معسرا عند إبرام الحوالة، والإبرام هنا يقصد به الفترة التي تكون بين الانعقاد إلى حين النفاذ أي إلى حين التبليغ في محرر رسمي أو القبول في محرر ثابت التاريخ.

وقد يثار التساؤل حول مدى إمكانية التوسيع من دائرة الضمان، إجابة عن هذا الإشكال نقول أن الفصل 205 من ق.ل.ع كان صريحا حيث نص على أن الدائن الذي يضمن يسار المدين حتى بعد الإبرام فإنه يسقط عنه تحمل الضمان في الحالات المذكورة في نفس الفصل، حيث يلاحظ أن المشرع تعامل بصرامة في مقتضيات توسيع دائرة الضمان على مستوى الحوالة العادية، إلا أنه سمح في الفصل 206 من ق.ل.ع للمحال له باستيفاء الدين بالأولوية في حالة تزاحمه مع المحيل إذا وردت الحوالة على جزء من الدين، في حالتين:

الأولى وجود شرط صريح، و الثانية إذا ضمن يسار المدين المحال عليه، أو التزم بالوفاء عند عدم حصوله منه.

قد يبدو لنا أن الأمر إيجابي ودائرة الضمان هنا كافيا في الحقيقة الأمر صحيح كون انتقال الحق كان وفق طريقة بطيئة ملائمة لفترتها، إلا أننا سنتفاجئ أن الظاهرة الاقتصادية ستمس حتى دائرة الضمان على مستوى تداول الأوراق التجارية لأن الحياة المدنية ليست هي الحياة التجارية التي تقوم على السرعة ثم على الائتمان الذي يجب أن يطعمه المشرع مزيداً من الضمانات ثم التوسيع من نطاقها، والغريب في الأمر أنه في التداول توسيع دائرة الضمان يتم كأنه متتالية هندسية، حيث كلما زاد تظهير الورقة زادت التوقيعات عليها وزاد بالتالي الضمان المقرر لها حيث يضمن كل مظهر الوفاء امتنع أو عجز عنه المدين الأصلي (الساحب المحيل)([50]).

فيتجلى لنا هذا التوسيع بشكل واضح عند ما تقدم المظهر الحامل الكمبيالة عند حلول أجل استحقاقها للمسحوب عليه فيمتنع هذا الأخير عن القبول والأداء في هذه الحالة، فالضمان الذي وفره المشرع للمظهر هو أن الساحب يضمن الوفاء بقوة القانون حسب المادة 165 من م.ت، وتمديدا لمقتضيات الحوالة العادية فإن دائرة الضمان تفرض أن تمتد إلى المظهرين للكمبيالة- وهذا  ما يسمى بالرجوع الصرفي- ما لم يرد شرط عدم الضمان Sans garanter، ومقتضى هذا الشرط أن من اشترطه لا يضمن الوفاء بقيمة الكمبيالة، وقد يشترط هذا الشرط الساحب كاستثناء في حالة إذا أثبت أنه قدم مقابل الوفاء للمسحوب عليه وإلا يكون قد أثرى على حساب الغير، أما إذا اشترط عدم الضمان على صك الكمبيالة أحد المظهرين فإن أثره ينحصر فيمن اشترطه فقط دون غيره من المظهرين السابقين أو اللاحقين وذلك إعمالا لمبدأ استقلال التوقيعات([51]).

وقد اختلف القه في الأثر المترتب على شرط عدم الضمان، فذهب جانب منه إلى القول بأن الأثر المترتب على هذا الشرط هو أن المظهر لا يضمن إلا وجود الحق وقت التظهير ولا يضمنه في ميعاد الاستحقاق مع ضمانه لأفعاله الشخصية، فإذا تبين عدم وجود الحق وقت التظهير كان للمظهر إليه حق الرجوع على المظهر رغم وجود شرط عدم الضمان،  مما يعني أن ضمان المظهر في هذه الحالة يتماثل مع ضمان المحيل في الحوالة العادية، أي أن الضمان في قانون الصرف ينزل منزلة الضمان في حوالة الحق، بينما ذهب جانب آخر إلى القول بأن المظهر بهذا الشرط لا يضمن حتى وجود الحق وقت التظهير، ويترتب على ذلك أنه لايمكن الرجوع عليه ولا وفقا لقواعد الرجوع الصرفي ولا وفقا لقواعد القانون المدني المنظمة للحوالة، وهذا يعني أن ضمان المظهر أقل منزلة من ضمان المحيل في الحوالة العادية بحيث لا يضمن إلا فعله الشخصي المؤسس على قواعد المسؤولية التقصيرية على أساس افتراض سوء النية([52]).

وإذا كان لابد من الترجيح بين الرأيين فإن الرأي الأول هو الأولى بالاعتبار، وهنا يظهر لنا أهمية القواعد العامة وأهمية قانون الالتزامات والعقود الذي قلنا عليه سابقا أنه مرجعية لجميع التطبيقات المعاصرة المتعلقة بتفويت الديون، فالمظهر إذا لم يضمن حتى وجود الحق وقت التظهير، فمعنى هذا أن التداول قد وقع على محل غير موجود، وما دام أن المظهر قد وضع شرطا لعفي نفسه من قانون الصرف، فإنه في هذه الحالة، أي عندما يتلاشى القانون الخاص نجد أمامنا القانون العام الأصل الذي يؤطر جميع الجوانب، حيث لا يعقل أن يتم الانتقال من حالة يكون فيها الضمان قويا إلى حالة ينعدم فيها الضمان، لأن الظاهرة الاقتصادية حاضرة دائما وما يتغير فيها هو مدى حضورها وتأثيرها على التعاقد فقط وبالتالي فما دام أن الظاهرة الاقتصادية نزلت منزلة التداول البسيط فلابد أن ننزل حتى القواعد المنظمة وتطبيق قانون الالتزامات والعقود على مستوى دائرة الضمان.

فنقول أن المظهر يضمن الحق وقت التظهير، ونحن في وضع مريح لأننا قد أوجدنا لأنفسنا مدخلا عادلا.

سادسا: على مستوى المحل

نص المشرع في الفصل 190 من ف.ل.ع على أنه: “يجوز أن يرد الانتقال على الحقوق أو الديون التي لم يحل أجل الوفاء بها، ولا يجوز أن يرد على الحقوق المحتملة.”.

من خلال هذا الفصل فالمحل المستقبلي والمحتمل لا يمكن أن يكون محل الحوالة العادية، نفس الأمر على مستوى التداول فإن المحل يتجلى في الأمر الناجز  ولا يمكن أن يكون مستقبليا أو محتملا حسب المادة 159 من م.ت، وإنما يجب أن يكون مبلغا من النقود وموجودا وقابلا للتصرف فيه أو جاهزا وناجزا ومعينا أو مقدرا ومستحقا في تاريخ الاستحقاق([53]).

هكذا نكون قد استعرضنا بإيجاز خصوصيات تداول الكمبيالة، ونشير إلى أن الحامل قد يرغب في الحصول على سيولة نقدية فيلجئ قبل تاريخ الاستحقاق إلى عقد نمطي ذو طبيعة خاصة لانتقال الحق، وهو ما يسمى  بعقد الخصم الذي سنتناوله في مقام ومقال آخر.


الخاتمــــة

نخلص من كل ما سبق أن المشرع يلعب دور النوابض الماسكة للبناية المقاومة للزلازل، أي أن تدخل المشرع على مستوى التظهير ما هو إلا بحث عن مداخل من خلالها يمتص صدمات الظاهرة الاقتصادية ، حفاظا على العقد و توازن الأطراف الثلاثة (المحيل ،المحال له ، المحال عليه).

و لا يتحقق ذلك إلا إذا مست الخصوصيات التي تطرقنا إليها سابقا فيمدد بعضها و يقلص الآخر ، فالأصل في انتقال الحق الثابت في الورقة التجارية هو انتقاله بطريق التداول، حيث تندمج شروط الإنعقاد و النفاذ في صك التداول تسهيلا لإنتقال الحقوق في المعاملات التجارية مع ما يترتب على ذلك من آثار متعلقة بانتقال الحق بجميع توابعه إلا ما شابه من عيوب فإنه ينتقل مطهرا منها مع التزام المحيل بضمان الوفاء في موعد الإستحقاق، أما الإستثناء فهو إنتقال الحق الثابت في الورقة التجارية بطريق الحوالة في الحالة التي لا يستجمع فيها صك التداول شروط الانعقاد و النفاذ، فيترتب على ذلك لنفاذ الإنتقال في حق المدين تبليغه رسميا أو قبوله له في محرر ثابت التاريخ، مع ما يترتب على ذلك من آثار متعلقة بإنتقال الحق بجميع توابعه و دفوعه، إضافة إلى أن المحيل لا يضمن إلا وجود الحق وقت الحوالة أي أنه لا يضمن يسار المدين مما يؤدي إلى أن يكون إنتقال الحق بالتداول أسرع وأقوى من إنتقاله بالحوالة.


الهوامش :

[1] – مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الاتلزامات والعقود المغربي ، الجزء الثاني، أوصاف الالتزام إنتقاله وإنقضاؤه، 1970 ، ص 191.

([2])– محمد مومن، أحكام وسائل الأداء والائتمان في القانون المغربي، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، 2013.

([3])-المادة 167 من مدونة التجارة المغربية.

([4])-المادة 165 من مدونة التجارة المغربية .

([5])-المادة 165 و 169 من م.ت.م.

([6])-المادة 171 من م.ت.م

([7])-محمد مومن، مرجع سابق، ص18.

([8])-محمد مومن،م.س.ص 19.

([9])-محمد مومن، م.س، ص 22.

([10])-محمد الشافعي، وسائل الأداء والائتمان، الطبعة الأولى، مطبعة الوراقة الوطني، 2012، ص 20.

([11])-احمد شكري السباعي، الوسيط في الأوراق التجارة، الجزء الأول، الكمبيالة والسند لأمر- مطبعة المعربة، الطبعة 3، 2009

([12])– أحمد شكري السباعي، ، ص 68.

([13])– سميحة القيلوبي، الأوراق التجارية، دار النهضة العربية، مطبعة جامعة القاهرة، الطبعة الثانية 1992، ص 48.

([14])– محكمة مصر التجارية الجزئية ص 18-4-1940، المحاماة، السنة 20 ص 221 رقم 510، موسوعة عبد المعين لطفي جمعة طبعة 1986، رقم 452أورده: سميحة القيلوبي، مرجع سابق، ص 48.

([15])-أحمد شكري السباعي، مرجع سابق، ص 72.

([16])-ميشيل جانتان: القانون التجاري، طبعة 1992، ص 122، فقرة 231، أورده احمد شكري السباعي، م.س.ص 72.

([17])– المختار بكور، الأوراق التجارية في القانون المغربي (الكمبيالة- الشيك)، الطبعة الأولى، 1993، ص 38.

([18])-المختار بكور، م.س،ص 40.

([19])– احمد شكري السباعي، م.س، ص 77.

([20])– سميحة القيلوبي، م.س، ص 42.

([21])– أحمد شكري السباعي، م.س، ص80.

([22])– المختار بكور، م.س.ص، 44.

([23])– قرار محكمة الاستئناف التجارية  بفاس رقم 186 الصادر بتاريخ 2/03/1999، ملف عدد 99/118، منشور في مجلة الملف لعدد 3 أبريل 2004، ص، 191.

([24])– سيتم التفصيل في هذا المقتضى في الفقرة الثانية.

([25])– عبد الكريم العيوني- انتقال الالتزام دراسة مقارنة في ضوء تطبيقات المعاصرة – طبعة 2016 – دار نشر المعرفة.

([26])– يقصد بالتظهير كتابة عبارة على ظهر الكمبيالة أو على وجهها أو على وصله، تفيد انتقال الحق الثابت فيها أو المبلغ من المستفيد المظهر إلى المظهر إليه وفقا لما نصت عليه الفقرة 7 من المادة  167 من م.ت

([27])– سميحة القيلوبي، مرجع سابق، ص77.

([28])– عبد الكريم لعيوي، مرجع سابق. ص 210.

([29])– تنص المادة 173 من مدونة التجارة على أنه: ” يترتب عن التظهير الحاصل بعد تاريخ الاستحقاق نفس الآثار المترتبة عن تظهر سابق، إلا أن التظهير الحاصل بعدج وقوع احتجاج عدم الوفاء أو بعد انصرام الأجل المعين لإقامته لا يترتب عليه سوى آثار الحوالة العادية…”.

([30])– طعن رقم 83 لسنة 40 ق، جلسة28/4/1975 السنة 26 ص 835، أوردته سميحة القيلوبي، مرجع سابق، ص 78.

([31])– سميحة القيلوبي مرجع .سابق، ص. 78

([32])– سميحة القيلوبي، م.س، ص 81.

([33])– لعيوني عبد الكريم، مرجع سابق، ص 254.

([34])– لعيوني عبد الكريم، مرجع سابق، ص 12.

([35])– سميحة القيلوبي،ـ م.س.، ص. 84.

([36])– طعن رقم 308/35/ ق جلسة 17/6/1969، السنة 20 ص 979 وطعن رقم 722/44 ق، جلسة 6/2/1978، السنة 69 ص4011، اورده سميحة القيلوبي.م.س.ص 58.

([37])– سميحة القيلوبي، م.س..، ص.87

([38])– سميحة القيلوبي، م.س..، ص.88

([39])– المختار بكور، م.س.، ص.90.

([40])– سميحة القيلوبي، م.س، ص. 91.

([41])– المختار بكور، م.س، ص:85.

([42])– قضاء المجلس الأعلى، عدد 28، ص: 32، أورده المختار بكور، م.س، ص: 85.

([43])– باريس جلسة أول يوليو 1965 14337-11-1965-11 J.C.P، أوردته سميحة القيلوبي، م.س، ص:122.

([44])– الدائرة التجارية 19-6-1973، البلتان المدني 1973-4، ص: 194، رقم 215، جلسة 15 يوليوز 1975 البلتان المدني -1975-4-166 رقم 201 بالمجلة الفصلية 1976-161، أوردته سميحة القيلوبي، ص: 122.

([45])– سميحة القيلوبي، مرجع سابق، ص 122.

([46])– الدائرة التجارية جلسة 14-6-1971، المجلة الفصلية 1972-128 مع تعليق كابرياك وايف لاننج، أوردته سميحة القيلوبي، م.س، ص: 123.

([47])– عبد الكريم لعيوني، م.س، ص:11.

([48])– عبد الكريم لعيوني، م.س، ص: 198.

([49])– التي هي حقيقة الأمر كما قلنا سابقا قواعد خاصة من داخل النسق إلى أن الظاهرة الاقتصادية فرضت نفسها على النص القانوني، فقبلتها إلى قواعد عامة بالنسبة للتطبيقات الخاصة، لهذا فإننا نتوقع أي شيء من الرهان المالي والظاهرة الاقتصادية.

([50])– سميحة القبلوبي، م.س، ص:73.

([51])– سميحة القيلوبي، م.س، ص: 66.

([52])– عبد الكريم لعيوني، م.س، ص: 244.

([53])– أحمد شكري السباعي، م.س، ص: 158.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)