ام كلتوم بني العباسي: تحلية مياه البحار كآلية لتحقيق الامن المائي بالمغرب

حسن مزوزي: كفالة الأيتام العابرة للحدود

صفية البشير البوش: الطبيعة القانونية لحق المحضون في السكن في التشريع الليبي

5 يونيو 2021 - 2:48 م مقالات , مقالات , مقالات مقارنة
  • حجم الخط A+A-

صفية البشير البوش باحثة بسلك الدكتوراه كلية العلوم القانونية والسياسية جامعة الحسن الأول سطات

مقدمة:

يثبت على الطفل منذ ولادته ثلاث ولايات، الولاية الأولى ولاية التربية، والولاية الثانية هي الولاية على النفس والولاية الثالثة هي الولاية على ماله إن كان له مال (1).

ولاية التربية هي ما يسمى بالحضانة والدور الأول منها يكون للنساء وهي تربية الولد في المدة التي لا يستغنى فيها عن النساء  ممن له الحق في تربيته شرعا وهي حق الأم ثم لمحارمه من النساء لأنهن أرفق وأقدر على تربيته وحسن رعايته في هذه المرحلة (2).

بعد بلوغ الطفل سنا يستغني فيها عن خدمة النساء، جعل الإشراف  التام عليه للرجال وحدهم لأنه يكون في حاجة إلى من يقوم بالإشراف على تعليمه وتثقيفه و صيانته  من عوامل الإنحراف وأخذ الغلام بأخلاق الرجال وحفظ البنت من هوة الفساد (3).

فالولاية الشرعية على الطفل ومن في حكمه لا تتحقق إلا مع الولاية  المتعدية وهي الولاية غير الذاتية ذلك لأن الطفل في مرحلته  الأولى وبخاصة التي تتصل بالحضانة و الإرضاع  يكون في سن لا يميز فيه الطفل تمييز العقلاء بالإجماع ويعتمد في مصالحه وحاجاته الشخصية  و الضرورية على غيره بلا تفرقة بين الذكر والأنثى، لهذا كان غير ممكن في نظر الشارع في حق نفسه، وكان غيره شرعا هو الذي يقوم مقام نفسه في كل ما يتعلق به بالولاية الشريعة (4).

إن المشرع الليبي من خلال المادة 70 فقرة (أ) من القانون رقم 10 لسنة 1984 بشأن الأحكام الخاصة بالزواج والطلاق وآثارهم هل استطاع حل مشكلة سكن المحضون، كما يطرح تساؤل حول طبيعة حق المحضون في الحضانة وبالتبعية في السكن؟

فإذا كانت الحضانة هي سلطة شرعية تخول من له الحق فيها  حفظ وتربية من لا يستقل بأمور نفسه في ذاته  وطعامه وشرابه وكسائه وسكنه ودفع ما يضره إذ لا يجوز البتة الإخلال بحق الحضانة ولا بما يتعلق بها في جانب  المحضون بأي حال لأنه عاجز عن رعاية نفسه (5).

يطرح إشكال حول طبيعة الحق في الحضانة كأصل لإعطاء تكييف قانوني لحق المحضون في السكن.

الفرع الأول: طبيعة الحق في الحضانة

لمعرفة طبيعة الحق في الحضانة وجب التطرق إلى الموقف الفقهي من هذا العنصر أولا تم التطرق إلى الموقف الذي أخذه المشرع والاجتهاد القضائي.

1-الموقف الفقهي من طبيعة الحق في الحضانة

اختلف الفقهاء في طبيعة الحق في الحضانة هل هي حق للصغير أم حق للحاضر أم هي حق مشترك؟

الرأي الأول: يذهب إلى أن الحضانة هي حق للحضانة وقد قال بهذا الرأي بعض فقهاء المالكية (6) وهو أحد الآراء في الفقه الحنبلي.

فقد أورد ابن عاصم:

الحق للحاضنين في الحضانة           وحال هذا القول مستبانة

وبناء على هذا القول فإنه يجوز له اسقاطها بعوض كالخلع، أو بغير عوض، إذ “لو كانت حقا للمحضونة، أو حق لله أو لهما،  ما سقطت بإسقاطه” (7).

ونص الحنابلة في معرض استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم :” أنت أحق به ما لم تنكحي” (8) على أن هذا القول  يعد “دليلا على أن الحضانة حق للأم” (9) وورد في الفقه  الحنفي : أنه “اختلف في الحضانة، هل هي حق الحاضنة أو حق الولد؟ فقيل بالأول، فلا تجبر إذا امتنعت ” (10) .

ويبنى على هذا القول القاضي بأن الحضانة حق للأم أنها إذا تمسكت بها تكون أحق بها من غيرها، ما لم يكن هناك مانع يمنعها ومن تم تجاب إلى طلبها، وإن تنازلت عنها فإن لها الحق في ذلك، ما لم يتعذر وجود من يصلح للحضانة سواها (11).

الرأي الثاني: يقول إن الحضانة هي حق للصغير لأنها شرعت لمصلحته والمحافظة عليه، ومن ثم فإن  الحاضنة في هذه الحالة تجبر على الحضانة وهذا  القول أحد آراء في الفقه المالكي، إذ ذكروا أنها  “حق للحاضن وقيل للمحضون ” (12) وهو ما اعتمده الشافعية بقولهم :  ” وإن كان الولد صغيرا لا يميز، وهو الذي له دون السبع  سنين، أو كبيرا إلا أنه مجنون، أو ضعيف  العقل، وجبت حضانته، لأنه إذا ترك منفردا ضاع،” (13) وهو أحد الآراء في الفقه الحنبلي (14) و الحنفي (15).

وينبني  على هذا القول أنه لا يجوز للأم إذا أرادت الطلاق أن تخلع زوجها في مقابل اسقاطها لحق حضانة ولدها فإن فعلت ذلك و أسقطتها فالخلع صحيح والشرط باطل (16). لأن حق الولد يقتضي أن يكون عند أمه مادام هذا  الولد محتاجا إليها (17) وبالتالي تجبر على الحضانة (18).

الرأي الثالث: ويكيف الحضانة على أنها حق مشترك للحاضنة، والمحضون، وهو أحد الأقوال في الفقه الحنفي، إذ ذكروا “أن الأم أحق بإمساك الولد مادام صغيرا.. وفيه حق للولد أيضا” (19) وهو ما تبناه أحد الآراء في الفقه المالكي، إذ يقول أحد فقهائه: “والصواب عندي أنها حق مشترك بين الحاضن والمحضون” (20).

وهكذا فحسب هذا الرأي الحضانة هي مؤسسة يتعايش  فيها حقان: حق المحضون وحق الحاضن، ولكن الأول  أقوى من الثاني وإن كان هذا الأخير امتيازا طبيعيا (21).

ويترتب على هذا القول:

  • أن الحاضنة إذا تنازلت عن حقها رضى من يليها في استحقاق الحضانة بالحضانة وأرادت أن تستعيد حقها في الحضانة بعد ذلك تجاب إلى طلبها.
  • لو اختلعت الأم مع زوجها على أن تترك له الولد نظير هذا الخلع، صح الخلع وبطل الشرط، فلها أن تطلب حضانة ولدها بعد ذلك لأن الحضانة حق الولد كما هي حق الأم فلا تملك الأم اسقاط حقه مادام محتاجا إليها.

2-موقف التشريع والاجتهاد القضائي من طبيعة حق الحضانة.

 بعد أن رأينا الموقف الفقهي من طبيعة الحق في الحضانة واختلاف الفقهاء حوله، فما هو موقف التشريع والاجتهاد القضائي من هذا الحق؟

مقال قد يهمك :   الهيني : إشكالية الدفع بالأمية في الأوراق التجارية من زاوية الاجتهاد القضائي المغربي

أ-موقف القانون رقم 10/84:

تنص المادة 63 على أنه ” إذا تركت الأم بيت الزوجية لخلاف مع زوجها استحقت حضانة أولادها ما لم ترى المحكمة خلاف ذلك لمصلحة المحضون.

  • وإذا كان المحضون صغيرا لا يستغني بنفسه عن وجود امه ألزمت الأم بحضانته.

ج. وإذا تنازل مستحق الحضانة أو قام به مانع انتقل الحق إلى من يليه فإن انعدام اختارت المحكمة لحضانة الطفل من تثق به  بشرط أن يكون عند اختلاف الجنس من محارم الطفل ذكرا كان أو أنثى وذلك مع مراعاة احكام الفقرة (أ) من هذه المادة”.

ما يلاحظ على هذه المادة أنها جمعت بين حقين:

  • حق الحاضنة والذي نص عليه المشرع صراحة مصطلح (استحقت، مستحق) إضافة إلى أنه سمح لها بالتنازل عليها.
  • حق المحضون وهو ما يستشف من ( لمصلحة المحضون) وهنا جعله المشرع حقا أصليا، في حين أن حق التنازل جعله فرعيا كونه مرتبط بالأصل.

وجاء في المادة 66/ب أنه: “كما تسقط الحضانة بسكوت من له الحق  فيها سنة كاملة من تاريخ عمله إلا لعذر قاهر يمنعه من المطالبة بحقه في الحضانة” والمادة 66/ج نصت على أنه:” تعود الحضانة لمن سقطت عنه متى زال سبب سقوطها  إلا إذا رأت المحكمة خلاف ذلك لمصلحة المحضون”.

من هذه النصوص نستشف أن المشرع كرس حق الحاضنة في الحضانة إلا أن المتعمد في تشريع الأسرة يجد أن المشرع أعطى أولوية وأهمية لحق المحضون أكثر من تلك الحاضنة كونه في كل مرة يضيف عبارة المصلحة المحضون” المواد 62،63،66 أو عبارة إلا إذا كان هناك ضرر للمحضون المادة 67.

ب- موقف القضاء

إن مبدأ مراعاة مصلحة المحضون أو حق المحضون في الحضانة جرى  تطبيقه في القضاء فمن خلال الاجتهادات القضائية تكرس حق المحضون وإعطائه الأهمية اللائقة به.

حيث قضت المحكمة العليا أن:” فقهاء الشريعة الإسلامية   ذهبوا إلى أن الحضانة يترتب عليها حقوق ثلاثة : حق  الصغير، وحق الحاضنة، وحق الأب أو من يقوم مقامه، وهذه الحقوق -إن اجتمعت وأمكن التوفيق بينها- وجب المصير إليها، وإن تعارضت فحق الصغير مقدم على الحقوق الأخرى، لأن مدار الحضانة على نفع الصغير وحفظه” (22).

وقضت وفق هذا التوجه أن : “الحضانة ليست حقا خالصا للأب والأم بل هناك حق المحضونين أنفسهم يجب مراعاته شرعا عند تقدير مصريهم، بحيث يراعي ما هو في صالحهم” (23).

كما قضت المحكمة العليا أن الحضانة” يترتب عليها كما يقول فقهاء الشريعة حقوق ثلاثة، حق الصغير المحضون  وحق الحاضنة وحق الأب أو الولي، وهذه الحقوق إن اجتمعت  وأمكن التوفيق بينها وجب اللجوء إليها وإن تعارضت  فيغلب حق الصغير لأن الهدف من تقرير الحضانة هو مصلحة الصغير وتعليمه وتثقيفه ورعايته” (24).

ولكن يلاحظ على قضاء المحكمة العليا أنها لم تتقيد بهذا التكييف التي اعتبرت الحضانة حقا، إذ نجدها في موضع آخر تجعلها حقا  وواجبا في أن واحد حيث قضت  بأن:” مفاد نص المادة 62 من القانون رقم 10/1984 بشأن أحكام الزواج والطلاق وآثارهما أن الحضانة في المرتبة الأولى للأم، وهي واجبة عليها في حالة صغر المحضون وحق لها  أن تطالب به إلى أن يبلغ لذلك ومن الأبناء،  وتتزوج الأنثى إلا إذا تنازلت عنه صراحة، أو قام بها  مانع فينتقل الحق منها إلى من يليها ” (25) ولربما اعتمدت  في ذلك على نص المادة (63/ب) التي تقضي بأنه إن كان  المحضون صغيرا لا يستغني بنفسه عن وجود أمه التزمت الأم بحضانته”.

الفرع الثاني: طبيعة الحق في السكن

الحق هو تلك الرابطة القانونية التي بمقتضاها يخول القانون  شخصا من الأشخاص على سبيل الإنفراد و الاستئثار  والتسليط على شيء أو اقتضاء أداء معين  من شخص آخر (26).

فالحق دائما ينشأ أو يتقرر بموجب قانون، بل لا تكون للحق قيمة إلا إذا مد القانون حمايته لذلك الحق (27).

 والمشرع الليبي على أثر تعديله للمادة (70/أ) من القانون رقم 10/84 بموجب القانون رقم 9 لسنة 1423/هـ التي جاء فيها :” لا يجوز المساس بحق المرأة الحاضنة أو معدومة الولي في البقاء ببيت الزوجية بعد طلاقها أو وفاة زوجها ما لم تأت بفاحشة” والواضح أن الهدف الذي سعى له المشرع من هذا  النص هو تحقيق ضمان العيش الكريم للمرأة الحاضنة ولأطفالها المحضونين على حد السواء.

” فالمطلقة لا حق لها بذاتها في مسكن الزوجية بعد انتهاء  العلاقة بينها وبين الزوج، لكن يأتي حقها في مسكن الزوجية باعتباره من نفقة المحضون” (28).

فالمسكن حق للمحضون ويتحمل الأب بصورة أصلية مسؤولية  أبناءه المحضونين، وذلك حماية لهم و ضمان لتوفير مستوى معيشي لهم مقبول بعد الطلاق وهذا  يحيلنا لتساؤل عن الطبيعة القانونية لهذا الحق وعن الخصائص التي يتميز بها؟

1-ماهية طبيعة الحق في السكن

هناك جانب من الفقه يعتبر أن الحق في السكن هو حق عيني وهناك من يعتبره حقا شخصيا لذا وجب الوقوف عند كل من الحقين لمعرفة طبيعة الحق في السكن.

يعرف الحق العيني ” بأنه السلطة القانونية المباشرة المقررة لشخص على شيء معين بالذات كحق الملكية أو حق  الانتفاع أو حق الرهن الرسمي ّ” (29) وبالتالي  ينطوي على عنصرين بارزين هما صاحب الحق ومحل الحق، فهو سلطة يقررها القانون لشخص على الشيء محل الحق دون وساطة أحد ” (30)

أما بالنسبة للحق الشخصي يعرف بأنه قدره أو إمكانية مقررة قانونا لشخص على شخص آخر يكون ملتزما بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل أو إعطاء شيء” (31).

ويرى الدكتور عبد الرزاق السنهوري بأن الحق الشخصي أو الالتزام  هو رابطة ما بين شخصين، دائن ومدين بمقتضاه  يطالب الدائن المدين بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل ، فهو يشتمل على روابط  قانونية متعددة لا تقل عن أربع فهناك التزام بالدين  التزام بالعمل والتزام بالتوثيق .

مقال قد يهمك :   التكييف القانوني للجزاءات المقررة في قانون التعمير وفق مستجدات القانون 12/66.

والالتزام بالعين هو التزام محله عين معينة بالذات لتمليكها، أو تمليك منفعتها أو تسليمها أو حفظها، وأكثر حالات  الالتزام بالعين يكون مصدرها العقد، وهو الالتزام بالعين – حق يتعلق بذات العين دون  أن يكون حقا عيينا (32).

وبالتالي فإن حق المحضون في السكن باعتباره مقررا له قانونا يستفيد منه بموجب حكم قضائي بقرار إسناده إياه يعتبر حقا شخصيا، وليس حقا عيينا باعتبار أن هذا  الاخير هو سلطة مقررة لشخص على الشيء محل الحق دون  وساطة أحد كما رأينا.

فالأب ملزم بتوفير سكن للمحضونين والحاضنة في حالة ما إذا كان بيت الزوجية مملوك للغير وفي ذلك قالت المحكمة  العليا:” إذا كان الأصل في إقامة الحاضنة إنما  يكون في بيت الزوجية أو في السكن المناسب الذي يوفره لها ولي  المحضون، أو يلزم بتوفيره لها، ولا يصار للبديل النقدي عوضا عنه إلا استثناء كما  في الاتفاق بين الحاضنة والولي أو حالة إذا  ألزم الولي بتوفير السكن عينا، ولم ينفذ ذلك  طوعا مع تعذر التنفيذ عليه جبرا، وطلبت الحاضنة البديل  النقدي عوضا عن السكن العين” (33).

في حكم آخر للمحكمة العليا جاء فيه:” إن الطاعنة حاضنة لأبنائها من المطعون ضده، ومن ثم فإن حقها في السكن ثابت مادام حقها في الحضانة قائما، ولت يجوز لها التنازل  عنه، لأنه شرع للمصلحة المحضونين، كما لا يجوز  للمحكمة أيضا أن تمس هذا الحق وتفرض البديل النقدي والحكم المطعون فيه إذا خالف هذا النظر وحكم للطاعنة  بالبديل النقدي، السكن يكون قد خالف القانون” (34).

2-الخصائص المميزة للحق في السكن

إن إلزام المشرع الأب بتوفير سكن للمحضون بصورة أصلية حفاظا عليه من التشرد والضياع وتمكين حاضنته بالقيام بواجبات الحضانة اتجاهه، يجعل الأب مطمئنا على أبنائه كما يمكن له زيارتهم ومراقبتهم ومراقبة مدى تنفيذ الحاضنة لواجباتها.

فإذا كان الأب ملتزما بتوفير سكن للمحضون، فإن القائم بالحضانة  ملزم كذلك بالتقيد باستعمال السكن لغرض الحضانة فقط وأن هذا الاستعمال محدد بفترة الحضانة وعدم سقوطها وعلى هذا الأساس ما هي خصائص حق المحضون في السكن؟

أ-حق المحضون في السكن هو حق نسبي

إن إقامة الحاضنة مع المحضون في السكن المخصص لحضانته ويكون من أجل المحضون طوال مدة حضانته فالغاية من توفير السكن هو أن تحضن فيه الأولاد و  يكن لهم مأوى يقيمهم من احتمال التشرد  و الإنحراف ويقلل من حدة تفكك الأسرة والتشتت.

وبالتالي فإنه لا يجوز استعمال السكن لأي غرض يضر الصغير نفسيا وخلقيا أو لأي غرض غير مشروع باعتبار  أن الحضانة شرعت لحماية المحضون وحفظه صحة  وخلقا لما يترتب عل هذا الاستعمال سقوط حق  الحاضنة في الحضانة لاختلال أحد الشروط المنصوص عليها في (65) من القانون رقم 10/1984 طبقا لما نصت عليها المادة 66/أ من نفس القانون.

وهناك من يرى بأنه يمنع أي استعمال لسكن المحضون حتى ولو كان مشروعا استعماله عيادة طبية أو مكتبا لممارسة مهنة أو حرفة لأن ذلك يتضمن استغلالا لحق المحضون  على أبيه فيما ليس مقرر له، بل وتعديا عليه. (35)

ب-حق المحضون في السكن هو حق مؤقت

إن تقرير المشرع الحق في السكن للمحضون كان بهدف مراعاة مصلحته طوال فترة حضانته، وبالتالي فهذا الحق مرتبط وجوبا بمدة الحضانة القانونية طبقا لنص المادة (62/أ) التي تنص:” الحضانة حفظ الولد تربيته ورعاية شؤونه وتوجيهه من حين ولادته إلى أن يبلغ الذكر ويتم  الدخول بالأنثى وذلك بما لا يتعارض مع حق الولي”.

والمشرع لم ينص صراحة على أن حق المحضون في السكن مرتبط  أساس بقيام الحضانة، وإنما نص على اسقاط حق الحاضنة في السكن بمجرد انتهاء الحضانة، المادة 70 فقرة ج.

إلا أن الاجتهاد القضائي استقر على أن هذا الحق ليست له صيغة نهائية بل ينتهي بانتهاء مدة الحضانة.

خاتمة:

 موضوع سكن المحضون من الدراسات الهامة والمتميزة، لأنه لا يمكن تصور القيام بواجبات الحضانة إلا بوجود مكان ملائم تتوفر فيه كل المقومات لذلك، نظرا لما له من تأثير مباشر على نفسية الطفل وسلوكه، كونه يتلقى فيه ما يلزمه من احتياجات مادية ومعنوية، فيجد فيه الدفء والحنان والألفة والإحساس بالاستقرار والاطمئنان والرفاهية التي تعتبر مفاتيح أساسية في إنتاج الفرد الصالح.

 والمشرع الليبي  بنص  (المادة 70/ب) المعدلة بموجب القانون  رقم 9 لسنة 1423م بغية حماية المحضون وحفظه ووقايته من الآثار الاجتماعية والنفسية السلبية التي تلحق به بعد الطلاق ولكي لا يدفع ضريبته الباهضة، إلا أن هذا النص جاء معيبا وقاصرا من عدة جوانب نذكر منها :

  1. إن ربط المشرع حق المحضون في السكن بوقوع الطلاق يجعل المتمعن لهذا النص، إن المشرع يخاطب الأم فقط دون سواها من الحاضنات بالاستفادة من سكن الحضانة.
  2. إن اشتراط المشرع أن يكون السكن مناسب للحاضنة هو في غير محله، فباعتبار أن السكن حق مقرر لصالح المحضون كان على المشرع أن يشترط أن يكون السكن ملائم ومناسب لممارسة الحضانة.
  3. كما أن استعمال المشرع مصطلح ” مناسب” يترك المجال مفتوحا لتأويلات بل كان عليه استعمال مصطلحات دقيقة وواضحة، مسايرا الفقه الإسلامي والذي يشترط توافر جملة من الشروط الشرعية فيه.
  4. إن استعمال المشرع لمصطلح ” بيت الزوجية” ليس في محله نظرا لأن رابطة الزوجية قد انفكت وبالتالي كان عليه استعمال مصطلح البيت الذي كانت فيه الزوجية قائمة مثلا.
  5. لم يحدد المشرع المدة التي يستفيد منها المحضون من السكن.
مقال قد يهمك :   فالي علال: هشاشة أسس شركات الأموال

ونظرا  لارتباط موضوع المقال بالطفل ولما له من أهمية وأمام التطورات التي يشهدها المجتمع نأمل من المشرع إعادة النظر في سكنى المحضون بالرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها صالحة لكل زمان ومكان واستنباط الحلول  وفق الواقع المتغير.


الهوامش:

(*) تم تحكيم هذا المقال من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون للدراسات والأبحاث القانونية

  1. محمد أبو زهرة، الأحوال الشخصية، دار الفكر العربي، مصر، الطبعة الثانية، 1957، ص: 405.
  2. محمد شتا، الحضانة والرؤية في ضوء القانون رقم 4 لسنة 2005، دار المجد للنشر والتوزيع الاسكندرية ، مصر، الطبعة الثانية، 2008، ص: 12.
  3. أحمد ابراهيم عطية، نفقة وحضانة الصغار أمام محكمة الأسرة دار الفكر القانوني، مصر، 2009، ص: 135، عبد الوهاب خلاف، أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم دار القلم، الطبعة الثانية، 1990، ص: 194.
  4. نصر فريد واصل، الولايات الخاصة على النفس والمال في الشريعة الإسلامية دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 2002، ص: 55
  5. نصر فريد واصل، المرجع السابق،ص:59
  6. تعددت الآراء داخل الفقه المالكي فمنهم من اعتبرها حق للحاضنةومنهم من أعدها ضمن حقوق المحضون ومنهم من أدخلها ضمن الحقوق المشتركة بين الحاضن والمحضون، والقول الرابع جعلها حق لله. انظر:  أبي محمد عبد الله الكتاني ابن سلمون، كتاب العقد المنظم للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام، مطبوع بهامش تبصرة الحكام في أصل الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص: 136.  ابن جزي بن محمد بن أحمد الغرناطي، قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية، دار العلم للملايين، بيروت، ص: 249.  صالح عبد السميع الآبي، جواهر الإكليل شرح مختصر العلامة الشيخ خليل في مذهب الإمام مالك إمام دار التنزيل، دار الفكر، بيروت، ج 1: ص: 410.
  7. أبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي، البهجة في شرح التحفة، تحقيق: محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 1418هـ – 1998م، ج 1، ص: 645.
  8. سليمان بن الأشعت السجستاني أبي داوود، سنن أبي داود، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ج 2، ص: 283 ، الحديث رقم 2276.
  9. ابن قيم الجوزية زاد المعاد في هدى خير العباد، مؤسسة الرسالة- بيروت، مكتبة المنار الإسلامية- الكويت، الطبعة السابعة والعشرون ، 1415 هـ – 1994م، ج: 5، ص: 403.
  10. محمد أمين ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1412 هـ – 1992م، ج 3، ص: 559.
  11. محمد مصطفى شلبي، أحكام الأسرة في الإسلام دراسة مقارنة بين فقه المذاهب السنية والمذهب الجعفري والقانون، الدار الجامعية- بيروت، الطبعة الرابعة ، 1403 هـ – 1983م ، ص: 754.
  12. ابن سلمون مرجع سابق، ج 1، ص: 136
  13. أبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب، دار الفكر، بيروت، ج 18، ص: 323-324.
  14. ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، مرجع سابق، ج5، ص: 404.
  15. ابن عابدين، رد المختار على الدر المختار، مرجع سابق، ج 3، ص: 559.
  16. محمد حسين الذهبي، الشريعة الإسلامية- دراسة مقارنة بين مذاهب أهل السنة ومذهب الجعفرية، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1411 هـ – 1991م، ص: 410.
  17. محمد ابراهيم الحفناوي، الموسوعة الفقهية الميسرة- الطلاق مكتبة الإيمان- المنصورة، الطبعة الثانية، ص: 432.
  18. محمد مصطفى شلبي، احكام الأسرة في الإسلام مرجع سابق، ص: 754.
  19. أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، أحكام القرآن، دار الكتاب العربي، بيروت ج 1، ص: 405.
  20. ابن سلمون مرجع سابق، ج 1، ص: 136.
  21. الهادي علي زبيدة، أحكام الأسرة في التشريع الليبي، دار الكتاب الوطني، بنغازي، 2013، ج 4، ص: 24
  22. المحكمة العليا، طعن شرعي 18/4/1996 الطعن رقم 9/42 ق ( غير منشور).
  23. المحكمة العليا، طعن شرعي 18/4/1996، الطعن رقم 11/42 ق ( غير منشور)
  24. المحكمة العليا،طعن شرعي 6/11/1971 ، مجلة المحكمة العليا س8 ، ع1، ص: 93.
  25. المحكمة العليا،الطعن شرعي 31/12/1998 الطعن رقم 9/45 ق ( غير منشور).
  26. أحمد محمود الخولي، نظرية الحق بين الفقه الاسلامي والقانون الوضعي، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة- مصر، الطبعة الأولى، 2003، ص: 27.
  27. اسحاق ابراهيم منصور، نظريتا القانون والحق و تطبيقاتها في القوانين الجزائرية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1987، ص: 205.
  28. محمد بلتاجي، الأحوال الشخيصة، دار السلام، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 2006، ص: 201.
  29. أحمد محمود الخولي، نظرية الحق بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، مرجع سابق، ص: 110.اسحاق ابراهيم منصور، نظريتا القانون والحق وتطبيقاتها في القوانين الجزائرية مرجع سابق، ص: 291.
  30. محمد طه البشير، الوجيز في الحقوق العينية التبعية، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1976، ص: 5.
  31. محمد طه البشير، المرجع السابق، ص:7. أحمد محمود الخولي، مرجع سابق، ص: 110.
  32. عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الاسلامي، مؤسسة التاريخ العربي، دار أحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، د ت ، ص: 12، 13، 14.
  33. المحكمة العليا، طعن شرعي 12-4-2002، رقم طعن 36/47 ق (غير منشور).
  34. المحكمة العليا، طعن شرعي 27-4-2000، الطعن رقم 17/46 ق ( غير منشور).
  35. بوقرة أم الخير، مسكن الزوجية بين الإقامة الزوجية وممارسة الحضانة، مجلة المنتدى القانوني، العدد 4، ص: 122.
  36. محمد عزمي البكري، موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، دار محمود للتوزيع والنشر، القاهرة- مصر، 1996، ص: 768.
  37. محمد عزمني البكري، المرجع السابق، ص: 769.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)