ضمانات محاكمة الحدث الجانح في القانون المغربي

17 يونيو 2021 - 3:09 م في الواجهة , وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-

مولاي عبد الله شبوبة دكتور في القانون الخاص

لقد عالج المشرع المغربي قضاء الأحداث في المواد من 458 إلى 517 من قــانون المسطرة الجنائية وخـصص لـذلك الكـتاب الثــالث تحـت عنوان القواعد الخاصة بالأحداث.

وبقراءة متأنية للمواد التي أوردها المشرع المغربي في موضوع عدالة الأحداث الجانحين يلاحـظ أنها تعتمد في تصورها على منظور فلسفي يستمد من القيـم الكـبرى لحقـوق الإنسان وينظر للحدث الـجــانح من زاوية الحقوق التي يتعين عــليه التمتع بهـا والضمـانات الموضوعية والمسطرية المطلوبة في قضـاء الأحــداث وكذا التدابير المرافـقـة والمصاحبة على مستويات العلاج والتهذيب فضلا عن تأسيسها لموضوع التخطيط لمعالجة الظاهرة.

و من خلال ذلك يتجلى بكــل وضوح أن المشرع المغربي لا يهدف إلى معاقبة الأحداث الجانحين و إنما يرمي إلى وقايتهم و حمايتهم من الجريمة أولا و إصلاح سلوكهم لإعادة إدماجهم في المجتمع ثانيا حيث نـص على نوعــين من التدابير لحمــايتهم و هما تدابيــر الحراسة المـؤقتة و تدابير الحماية أو التهذيب و ذلك في المادتين 471 و 481 من قانون المسطرة الجنائية، و خول المشرع المغربي لهيآت الحكم المختصة بقضايا الأحداث أن تحكم بهذه التدابير كما نص على ذلك في المواد 475 – 480 – 481 – 482 – 486 – 493 من قانون المسطرة الجنائية.

وحسب التجارب العملية فان ما جاء به المشرع المغربي في مجال قضاء الأحداث من تدابير وقائية لحماية الحدث الجانح هي من أنجع الطرق لتصريف قضايا الأحداث بواسطة أجهزة عدالة مختصة ومتمرسة، لذلك وجب الأخذ بعين الاعتبارمجموعة من الضمانات التي نص عليها المشرع المغربي في محاكمة الحدث الجانح:

الضمانة الأولى

احدث المشرع المغربي طبقا  للمادة 462 من قانون المسطرة الجنائية قضاء متخصص ساهم في الفصل في قضايا الأحداث الجانحين ، ولعل أهم ضمانة يمكن توفيرها للحدث عند إجراء محاكمته هي مثوله بين يدي قاضي متخصص مزود بقدر كبير من المعلومات في العلوم الاجتماعية و الإنسانية و له دراية في مشاكل الأحداث و طرق معاملتهم مع تخصصه قضائيا دون تكليفه بالقضايا الأخرى وهذا التخصص يواكب وجود نيابة عامة و شرطة قضائية خاصة بالأحداث  المادتين 460 و 461 من قانون المسطرة الجنائية ، وقد أكدت قواعد بكين بان مجرد الوقوف أمام القاضي يمكن ان يكون مؤديا للحدث نفسه فهي تعتبر تجربة سلبية ، وعليه فان وجود قاضي متخصص و مدرب على التعامل مع الأحداث  يرسم بالنتيجة منهجية الحدث و سلوكه المستقبلي و يؤثر في شخصيته و مدى استعداده للإصلاح و العودة فردا صالحا في المجتمع.

مقال قد يهمك :   موقف القضاء الإداري من اللغة العربية في تصرفات الإدارة

الضمانة الثانية

من الحقوق التي خولها قانون المسطرة الجنائية للحدث بمقتضى المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية حق الاستعانة بمحامي في سائر مراحل المحاكمة لان الدفاع من الأمور الفنية التي لاتتوفر إلا لشخص مؤهل و عارف بقواعد الإجراءات، فالمشرع لم يربط ذلك ، بمدة معينة كما فعل مع الرشداء ، حيث لا يمكن الاتصال بالمحامي إلا بعد تمديد الحراسة النظرية ، فحضور محامي الحدث أو وليه يمنحه التوازن النفسي ويجنب الحدث الهلع و الخوف و الاضطراب أثناء المثول أمام ضباط الشرطة القضائية هذا الحق يتم تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

الضمانة الثالثة

سرية محاكمة  الحدث ، أكد المشرع المغربي على ضمان سرية محاكمة الحدث في جميع مراحل الدعوى العمومية طبقا للمادة 478 من قانون المسطرة الجنائية وتعتبر سرية الجلسات من الإجراءات الإلزامية ، وقد أحاط المشرع المغربي هذه السرية بمجموعة من الضمانات في المادة 466 من قانون المسطرة الجنائية أهمها منع نشر بيانات جلسات الأحداث في الصحف والكتب و منع نشر رسوم أو صور تتعلق بشخصية الحدث و الهدف من ذلك هو الحفاظ على سمعة الحدث وهو تدبير وقائي للحد من الآثار النفسية التي قد تضر بالحدث وهذا ما يتفق مع التوجهات الحديثة للعدالة الجنائية الخاصة بعدالة الأحداث.

الضمانة الرابعة

 لقد ألزم المشرع المغربي في المادة 474 من قانون المسطرة الجنائية قاضي الأحداث بضرورة إجراء بحث اجتماعي عن الحدث وهو من التدابير الواجب الأخذ بها لضمان حماية الحدث و إنقاذه بعد التوصل بمعلومات حول واقعه الاجتماعي و الأسري ودراسة السبل الممكنة لإجراء فحص طبي أو نفسي أو عقلي وهذا الإجراء يساير بطبيعة الحال المواثيق الدوليةالخاصة بحقوق الطفل.

الضمانة الخامسة

دأب العمل القضائي على سرعة البث في قضايا الأحداث في إطار المصلحة الفضلى للحدث كما أن عدم إطالة المحاكمة والبث فيها في أقل مدة معينة في قضايا الأحداث يعد ضمانا لفصل قضايا الأحداث عن قضايا الرشداء.

مقال قد يهمك :   آثار الحجز المضروب بواسطة الإشعار للغير الحائز

الضمانة السادسة

نصت المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية على إمكانية الاحتفاظ بالحدث في مكان مخصص للأحداث لمدة لا يمكن أن تتجاوز المدة المحددة للحراسة النظرية فإنه لا يعمل بهذا الإجراء إلا إذا تعذر تسليم الحدث إلى من يتولى رعايته أو كان ضرورة البحث أو سلامة الحدث تقتضي ذلك ، وبعد موافقة النيابة العامة ، كما أن المشرع أوكل لقاضي الأحداث أساليب و آليات متعددة ضمانا للمصلحة الفضلى للحدث في نظام  الحراسة المؤقتة المنصوص عليها في المادة 471 من قانون المسطرة الجنائية.

 كما أن الأصل في الحكم على الحدث هو اتخاذ احدى تدابير الحماية او التهذيب المنصوص عليها في المادة 481 من قانون المسطرة الجنائية. و إذا ما قررت المحكمة بصفة استثنائية أن تعوض أو تكمل هذه التدابير بعقوبة حبسية أو مالية بالنسبة للحدث فإنه يشترط أن تعلل مقررها في هذه النقطة و إذا حكمت المحكمة بعقوبة حبسية إضافة إلى التدابير الحمائية، فإن عقوبة الحبس لا يمكن أن تقطع علاج الحدث أو تحول دونه. المادة 482 من قانون المسطرة الجنائية.

 و يلاحظ أن المشرع المغربي جعل من إيداع الحدث في السجن التدبير الأخير وهو ما يجعل من النظرية العقابية في معالجة عدالة الأحداث تقتضي تغليب التدابير الوقائية و التربوية و إعطاء الأولوية للإجراءات العلاجية وحتى في حالة صدورهذه العقوبات ، فقد تم العمل على ضرورة عدم اختلاطه مع من يهدد سلوكه أو سلامته ، لذلك يتم الإحتفاظ به في مكان أو جناح معزول عن مكان وضع الرشداء و إبقاءه منفردا .

الضمانة السابعة

نص المشرع المغربي في المادة 463 من قانون المسطرة الجنائية على أن تحريك الدعوى العمومية ضد الأحداث هي حكرا على النيابة العامة ، ويمنع على باقي الإدارات المخول لها ذلك قانونا التحريك أو المتابعة ، كما انه لا تقبل الشكاية الموجهة من الطرف المدني في مواجهة الحدث ، بمعنى أن النيابة العامة وحدها التي بإمكانها أن تحرك الدعوة العمومية ضد الأحداث.

مقال قد يهمك :   محمد بناني : وسائل الطعن بالنقض

      ان العمل الجبار الذي قام به المشرع المغربي في باب مؤسسة قضاء الأحداث يعتبر طفرة حقوقية وإنسانية في مجال الطفولة عامة والطفولة الجانحة خاصة، ويمكن القول إن هذه المقتضيات المنظمة للأحداث في قانون المسطرة الجنائية أصبحت تجاري توصيات المؤتمرات العالمية وقواعد المواثيق والاتفاقيات والإعلانات الدولية التي تهتم بحقوق الطفل.

 إلا أنه من خلال رصد المواد المتعلقة بهذه الشريحة الاجتماعية نجد أن تنظيم الرعاية بشؤونها ليس بالمسؤولية الحكر على جهاز القضاء، بل هناك فاعلون اجتماعيون وسياسيون آخرون تناط بهم مهمة اعتبار وضعية وظروف هذه الفئة ويتعلق الأمر بوزارة الشبيبة والرياضة والتعليم والتشغيل وبالمجتمع المدني ممثلا في الجمعيات والمنظمات المهتمة بالطفولة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)