عمر علوي هشماني: الآليات الرقابية الحديثة ودورها في تخليق الحياة العام داخل الادارة العمومية

8 يونيو 2022 - 11:48 ص مقالات , القانون العام , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

عمر علوي هشماني دكتور في القانون العام

تقديم :

أثبتت التجربة المغربية في مجال الرقابة المالية على الإدارة بشكل عام أنه لا مفر من الانخراط في عملية التحديث التي حددتها النظرية العامة للرقابة على الأموال العامة ، من خلال إدخال المفاهيم وأساليب الرقابة الحديثة الناتجة عن عدد من المؤثرات الاقتصادية والمالية الداخلية والدولية ، حيث يعتبر اعتمادها في القطاع العام المغربي نقلة نوعية لتجاوز السيطرة التقليدية ، والتي تتميز بطبيعتها المجزأة والتقنية ، والتي تعتمد في كثير من الأحيان على الرقابة على الشرعية ، وأحيانًا على الرقابة الإدارية دون تحقيق الأهداف المرجوة من إنشاء رقابة فعالة وكفئة.

على هذا الأساس سنحاول في هده المقالة دراسة هذه الأساليب والأساليب الحديثة التي أثبتت فعاليتها وكفاءتها ، ليتم الاعتماد عليها في إطار إدارة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية العامة من خلال تقنية المراجعة ، بالنظر إلى أهمية هذه التكنولوجيا في إطار مراقبة الأموال العامة[1].

 الفقرة الاولى: أهمية التدقيق في تخليق الحياة العامة

نشأت الحاجة إلى وظيفة التدقيق كما هو معروف بهدف اكتشاف الأخطاء والاحتيال والتلاعب ، وكان مفهومها في البداية مقصوراً كما هو الحال في المراجعة بشكل عام على التدقيق المالي والمحاسبي بهدف ضبط الأخطاء.

إذا ظهرت المراجعة استجابة للحاجة إلى معلومات صحيحة وذات مصداقية في القطاع الخاص ، فإن التوسع الذي عرفه القطاع العام من حيث مجالات تدخل الأشخاص العموميين ، والتي لم تعد تقتصر على المجالات التقليدية ، بل أصبحت التدخل في المجالات الاقتصادية ، وندرة الموارد المالية العامة ، كلها عوامل جعلت تجديد وزيادة أهداف الإنتاج التي لا تقتصر على القطاع الخاص ، وهو مطلوب لمواجهة المنافسة من أجل الاستمرارية ، ولكن القطاع العام بدوره ، أصبح مجبرعلى تطوير وتحسين أدائها ، وهو ما يساعد  على تحقيق التدقيق[2] .

اولا: دور التدقيق المالي في تخليق الحياة العامة

قبل التطرق إلى دور التدقيق المالي ، يجب أن نعطي تعريفًا للتدقيق بشكل عام على أنه “كل عمل يهدف إلى تقييم هياكل الرقابة الداخلية وفقًا لمراجع علمية ومهنية دقيقة ، من أجل تحديد الخلل الذي تعاني منه المنظمة أو المؤسسة في مختلف من أجل السيطرة عليها ” والتنبؤ بتطوراتها[3]“.

يعتبر التطور الذي حدث على وظيفة التدقيق المالي استجابة للتطورات التي حدثت في بيئة الأعمال بشكل عام ، حيث من المعروف أن التدقيق المالي ظهر كوظيفة رقابية مهمة داخل المؤسسات وبدأ التركيز على المالية والجوانب المحاسبية ، لكن التطور الذي حدث في بيئة العمل استدعى وظيفة المراجعة.

ويكمن دور التدقيق في التخليق في تقديم التوصيات اللازمة للإدارة فيما يخص ما إذا كانت يتمثل دور التدقيق النحوي في تقديم التوصيات اللازمة للإدارة بشأن ما إذا كانت الإدارة تتجه نحو تحقيق الأهداف أم أن هناك مخاطر وعقبات تواجهها ، وهذا من شأنه أن يقلل من تكاليف الإدارة.

تشير معايير المراجعة إلى أن نشاط المراجعة يجب أن يؤدي إلى التوصيات المناسبة لنقل الحكومة من خلال النقاط التالية:

  • الترويج للأخلاق[4] والقيم المناسبة داخل الإدارة.
  • ضمان الأداء التنظيمي الفعال.
  • توصيل المعلومات المتعلقة بالمخاطر والضوابط بشكل فعال إلى السلطات المختصة.
  • مراجعة السياسات المتعلقة بالجوانب الأخلاقية والسلوكية المقبولة وتعزيزها بتوصيات تكميلية ، ومراجعة وصول التعليمات التنظيمية لجميع موظفي الإدارة.

نستنتج إذن أن التدقيق المالي هو نشاط نقدي يهدف إلى فحص المعلومات المالية والمحاسبية للإدارة، وتقييم الأعمال والأنظمة المطبقة ، وبالتالي يضفي على الرقابة المالية طابعًا نقديًا وشاملاً[5].

وعلى أية حال نخلص إلى أن للتدقيق المالي دور أساسي في الرقابة الفعالة على استخدام الأموال العمومية ومعرفة كيفية صرفها،كما أن التدقيق المالي الفعال يقوم بمحاربة الاختلاسات المالية والتزوير،من هنا نتساءل هل يساهم التدقيق العملياتي في تخليق الحياة العامة؟.

تانبا: دور التدقيق العملياتي في تخليق الحياة العامة.

لم تعد مهام المراجعة في ظل المعوقات التي تواجهها مكونات القطاع الخاص الآن تقتصر على فحص المعلومات المالية والمحاسبية لإبداء الرأي حول شرعية وأمانة الحسابات السنوية للوحدة المعنية ، بل امتدت لتشمل جوانب أخرى من حياة الشركة والتي كانت وراء ظهور نوع جديد من التدقيق ، وهو التدقيق التشغيلي.

وبالتالي ، فإن التدقيق التشغيلي هو “فحص منهجي لأنشطة الوحدة في ضوء أهدافها وغاياتها بهدف تقييم المنظمة وإنجازاتها من خلال التحقق من الممارسات غير الاقتصادية وغير المنتجة وغير الفعالة. وقد صدرت توصيات لتحسينها”5.

كما يتم تطبيقه في نظر البعض على جميع الأعمال دون تفضيل أثره في حفظ الحسابات وتقديمها ، بحيث يتجلى هدفه في الحكم على طريقة تحديد الأهداف وكيفية تحقيقها ، وكذلك المخاطر التي تحيط بقدرات الوحدة في تحديد الأهداف المناسبة وتحقيقها.

يتم تنفيذ التدقيق التشغيلي بشكل عام لمساعدة الإدارة على التحكم في عملياتها ورفع أداء الوحدة مما ينتج عنه تنوع كبير على مستوى أهداف المهام المطلوبة من قبل المديرين. ينطبق التدقيق التشغيلي على جميع العمليات في المؤسسة أو الوحدة الخاضعة للمراجعة دون التركيز فقط على تلك التي لها تأثير مباشر في الحفاظ على الحسابات وتوفيرها ،

 وموضوع هذا النوع من التدقيق هو الحكم على كيفية الوصول إلى الأهداف المحددة والمخاطر المحيطة بنشاط المنظمة. وبالتالي ، يشكل التدقيق التشغيلي نشاطًا للفحص المنهجي للأنشطة المختلفة للمنظمة أو الوحدة من خلال أهدافها وغاياتها ، من أجل إصدار أحكام حول تقييم الإنجازات وتقديم التوصيات والاقتراحات لتحسين الأداء[6].

وبناءا على ذلك يتكون هذا التدقيق من العناصر التالية:

  • فحص الأنظمة المعلوماتية والأنساق التنظيمية وطرائق التسيير[7].
  • تدقيق التسيير من خلال فحص شروط الاستغلال والنتائج.
  • التدقيق الاستراتيجي المتعلق بفحص وأهداف واختيارات الوحدة أما بالنسبة للتدقيق التشغيلي باعتباره عملية رقابية تهدف إلى تحليل الإجراءات والهياكل وأنظمة المعلومات ودراسة الهياكل التنظيمية وكفاءات مختلف الإدارات ، وتحليل مناهج وشروط الإدارة المعتمدة لتنفيذها ، فيمكن تطبيقها على الإدارات. دون عقبات أو صعوبات كبيرة من خلال تطبيق القواعد المتبعة في القطاع الخاص على المؤسسات والإدارات العامة ، وبالفعل كان تطبيق التدقيق التشغيلي في القطاع العام ذا أهمية كبيرة ، حيث يعتمد تطبيقه على الإدارات التي لا تزال في حاجة ماسة إلى هذا النوع من التدقيق.
مقال قد يهمك :   إشكالية المحددات الضابطة للمساهمة المجانية في إطار المادة 37 من القانون المتعلق بالتعمير

يبدو جليا من هذه التحاليل أن الفحص العملياتي يغطي ميادين واسعة من المراقبة[8]،

وهكذا فإن مقترب الفحص العملياتي يعتمد على العناصر التالية:

  • تفحص جهاز المراقبة الداخلية:من خلال تجميع معلومات عديدة حول التنظيم والاستغلال وتداول الوثائق ودرجة السلامة التي تنتج عنها.
  • تفحص الإمكانات والروابط بين مختلف العناصر التي تؤثر على تسيير المؤسسة والتي تحدد تناسق عملها في عموميته.

وإذا كانت هذه العناصر تشكل قواعد مهمة في تحديد مجالات التدقيق العملياتي،فإن هذا النوع من التدقيق يرتكز على مجموعة من الأسس والمبادئ نوردها كالتالي[9]:

1)- مبدأ الاقتصاد يقوم على فحص استعمال الموارد وملائمة قدرها مع الإنفاق،وتفيد هذه القاعدة التأكد من استعمال الحد الأدنى من الإمكانيات المادية والبشرية قصد تحديد الأهداف المسطرة.

2)- مبدأ النجاعة: يقوم على تحليل قيمة الموارد المستعملة بالمقارنة مع النتائج المحصل عليها،وذلك في إطار البحث عن السبل الكفيلة بتحقيق أكبر قدر ممكن من النتائج وأفضل جودة ممكنة من خلال استعمال الموارد المتاحة أو حتى استعمال موارد أقل.

3)- مبدأ الفعالية[10]:ويتأسس هذا المبدأ،وبخلاف سابقيه،على قياس مدى ودرجة تحقيق الأهداف المتوخاة عبر الاستعمال الأمثل للموارد المتاحة.

الفقرة الثانية : دواعي تخليق الحياة العامة وممكنات الإصلاح:

أصبح التخليق واجبًا في علاقاتنا مع بعضنا البعض ومع باقي المجتمعات الأخرى[11]، وأحد الرهانات الرئيسية والخيارات الإستراتيجية لإعادة تأهيل بلادنا لمواجهة التحديات التي تفرضها قيود الوضع الاقتصادي والاجتماعي. تلبية مطالب المواطنين

منذ العقد الأخير من القرن الماضي ، اتسمت عملية مكافحة الفساد بإبرام العديد من الاتفاقيات الدولية ، وأصبحت تهيمن على مسائل النتائج الدولية والإقليمية.

وإذا كان تخليق الحياة العامة ضرورة من الضروريات التي يحملها واقع الإصلاح،فإنه لا يمكن أن يكون فاعلا ونافذا خارج ملامسة حقيقية وموضوعية لحجم ظاهرة الفساد وتجلياته المتشعبة والمتناسلة،ومسبباته الحقيقية فضلا عن تداعياته وامتداداته الوخيمة على مختلف المستويات.

والواقع أن ظاهرة الفساد تعتبر ظاهرة  متجدرة  في التاريخ الإنساني ،وقد أفرزت على مدى العصور المتعاقبة أنماطا لسلوكات مشينة وتجليات أفعال منحرفة،حاول التشريع في كل مرة أن يرصدها ويحيطها بسياج زجري مناسب لخطورتها.ومما لاشك فيه أن مظاهر الفساد تلقي أعباء  ليس فقط على أداء التنمية ولكن أيضا على النسيج الاجتماعي للبلاد.[12]

اولا: دواعي تخليق الحياة العامة

1) ظاهرة شيوع الرشوة: تنبع ظاهرة الرشوة من صميم المجتمع والوسط الإداري،بمعنى أن مكونات المجتمع الاقتصادية والسوسيو-الثقافية والسيكولوجية،والمناخ الإداري الفاسد، والظروف السياسية تشكل أهم مسببات الظاهرة والدافع إليها ومن ثمة فان العوامل المولدة للرشوة متعددة.

من الثابت  أن هناك علاقة تأثير وثأتر بين الوسط الإداري وظاهرة الرشوة،بحيث إذا كان المناخ الفاسد الذي يميز هذا الوسط أحد عوامل انتشار الظاهرة،فان هذه الأخيرة تؤثر كذلك سلبا على هذا الوسط وتزيد بالتالي الإدارة فسادا في فساد[13].

وإذا كانت الإدارة المغربية ملزمة بالتصرف وفق مبدأي المجانية والمساواة أمام المرافق العامة،فان استعمال الرشوة كمقابل للحصول على خدمات قانونية مثل تسريع البث في ملف معين أو الحصول على وثيقة إدارية،أو الحصول على خدمات غير مشروعة أو استعمال الخدمات غير المشروعة من خلال بيع الوظائف والمناصب دون تحديد واحترام المواصفات الدقيقة والشروط المطلوبة،تبقى كلها سلوكات مخلة بمبدأي المجانية والمساواة كإحدى المبادئ الضرورية لسير واستمرار المرافق العمومية[14].

ومن جهة أخرى فالرشوة تعمل على تعكير صفو العلاقات داخل الإدارة بين مختلف فئات الموظفين، ويظهر ذلك من خلال تبادل التهم سواء بالتواطؤ أو المشاركة في الارتشاء أو بالإهمال.وعموما فان الاضطراب الذي ينتج عن الرشوة مؤداه خلق ظروف غير مناسبة للعمل ولا يجد الموظفون أي ارتياح لأداء مهامهم.

2) ظاهرة المحسوبية والزبونية:

إلى جانب العلاقات الرسمية التي تتم في ممارسة العمل الإداري من خلال المقتضيات القانونية والتنظيمية واحترام التسلسل الإداري،تطفو على السطح علاقات غير رسمية أخذت مكانا لها ضمن الفضاء العام للممارسة الإدارية،وهذه العلاقات يمكن تصورها داخل الإدارة من خلال العلاقات بين الموظفين كما يمكن تصورها في علاقة الموظف بالمواطن،حيث أن الإدارة تعد مكانا لتقاطع عدة توجهات وأفكار وسلوكات.وذلك بحكم الطابع الإنساني لهذه الظاهرة الاجتماعية، و بحكم الارتباط القائم تتولد هذه العلاقات التي يطبعها الصراع والتجاذب كذلك[15]. فعلى مستوى الإدارة تظهر هذه العلاقات فيما بين المرؤوسين ورئيسهم حيث تسود ثقافة الولاء والزبونية[16].

وكما هو الحال داخل الإدارة، ينطبق نفس الأمر على علاقة هذه الأخيرة بالمواطنين حيث تمر هذه العلاقة عبر قناة الوساطة لقضاء المصالح الإدارية، وتتم هذه العملية عبر السماسرة الذين تكون لهم علاقة وطيدة بالعقليات الإدارية التي يقصدها المواطن[17].

إن مسألة الوساطة في الحصول على خدمة الإدارة تخل بمبدأ المساواة أمام المرافق العامة لكونها تجعل البعض يحصل على طلبه بسرعة بينما يجد البعض ألآخر نفسه أمام الأبواب المسدودة والسلوكات العنيفة للإدارة،وقد أصبح الهاتف يلعب دورا أساسيا في هذه العملية،فبمجرد مكالمة هاتفية يمكن تلبية الطلب المرغوب في الحصول عليه.

ففي ظل هذا السلوك التمييزي اللا أخلاقي تبقى القاعدة القانونية موقوفة التنفيذ،فلماذا لا يذهب المواطن مباشرة فتقدم هذه الخدمات دونما هذه الوساطة،إن هذا السلوك يحتمل تفسيرين[18]:

أولاهما يتجلى في سلوك وعقلية الإدارة في تعقيد المساطر والإجراءات الإدارية وثانيهما يكمن في تحايل المواطن على القانون.

3) الأزمة التواصلية داخل الإدارة:

إن جميع المؤسسات التي ابتدعها الإنسان ليمارس من خلالها نشاطاته وإبداعاته تعتمد على مرونة من المعلومات اللازمة لمجرد وجودها ، ومن ثم بلوغ الأهداف المعينة.فحسن سير العمليات والممارسات التي تقوم بها الإدارة يتوقف على تنظيم العلاقات الداخلية وكذا الخارجية في إطار تنظيم محكم يضمن الفعالية الإدارية،فقد بات من المسلم به أن نجاح التنظيم الإداري يعود أساسا إلى نجاعة نظامه التواصلي.كما أن طبيعة النظام الإداري تتحدد من خلال مؤشر علاقة الإدارة بالعموم[19]،ذلك أن درجة انفتاح أو انغلاق الإدارة يتحدد حسب نوعها مع المحيط.وبالتالي يمكن اعتبار التواصل بمثابة الشرايين في الإدارة.

مقال قد يهمك :   الدفع بعدم الاختصاص النوعي و فكرة النظام العام

لكن وبالرغم من المحاولات الداعية إلى تحسين قنوات التواصل بين الإدارة والمواطن والانفتاح عليه، فان معظم الإدارات لازالت تعيش أزمة حقيقية على مستوى نظامها التواصلي الناتج عن انغلاق هذه الإدارات في وجه العموم ، ويبتدئ ذلك جليا منذ الوهلة الأولى التي تطأ فيها قدما المواطن الإدارة من خلال عملية الاستقبال،لتبدأ معاناة هذا المواطن بين مسالك ومصالح الإدارة خاصة عند الحصول على المعلومة،أو ما يمكن تسميتها بإشكالية الإعلام الإداري.

  4– الاختلاس:

هو عبث الموظف العام بالائتمان على حفظ الأموال التي وجدت بين يديه بمقتضى وظيفة سواء كانت تخص الدولة أو الأفراد.

ويعتبر الاختلاس من أسوأ الانحرافات الإدارية حيث يلجأ الكثير من المسؤولين إلى استغلال نفوذهم ووظائفهم عن طريق اختلاس الأموال العمومية فهي جريمة مخلة بالشرف تتجسد في الاستيلاء على الأموال التي تكون بعهدة الموظف العام أو عندما يقوم الموظف بتحصيل أموال غير مستحقة كجباية رسم أو غرامة أو فوائد[20].

5-التزوير:

هو تغيير حقيقة في محضر رسمي يقصد الغش وبإحدى الطرق التي عينها القانون،والتي تسبب ضررا للغير،وهو إحدى الجرائم التي تمثل الانحراف في السلوك الأخلاقي للموظف العام،وهو استغلال الوظيفة والنصب لتحقيق مأرب أو أغراض غير مشروعة تستنكرها المبادئ والقيم[21].

إن كل هذه الأسباب السالفة الذكر، جعلت الحكومة المغربية تتبنى ميثاق حسن التدبير الذي ينبثق من مقاربة إستراتيجية ترمي إلى ترسيخ إدارة مواطنة وحديثة تطمح إلى بعث الحيوية في هياكلها والى تجديد دواليبها.

ويعد هذا الميثاق إطارا مرجعيا يحدد القيم والمبادئ الكبرى التي يجب أن تشكل أساس العمل والتصرف في نطاق جميع المرافق العمومية،بهدف خدمة المصلحة العامة وتلبية احتياجات المواطن و إعادة الثقة في الإدارة،ولقد تمحور هذا الميثاق[22] حول ثلاثة نقط رئيسية:

  • الالتزام بالعمل على تخليق الحياة الإدارية.
  • الالتزام بترشيد التدبير العمومي.
  • الالتزام بتدعيم التواصل والتشاور وانفتاح الإدارة على محيطها.

أما بالنسبة للصعوبة التي عاقت ولازالت تعيق هذا الميثاق فهي تلك المتعلقة بالبيئة العامة التي يتم فيها العمل الإداري والتي لا تساعد بتاتا على ذلك،يضاف إليها النقص الحاصل في الموارد البشرية وذات العلاقة بالأجهزة الإدارية، فالعنصر البشري يعد جوهر عملية تنفيذ وتطبيق العمليات الإصلاحية وترجمتها إلى واقع ممارس.

ثانيا :المداخل الأساسية لتخليق الحياة العامة.

لقد انبثق ميثاق حسن التدبير من مقاربة إستراتيجية ترمي إلى ترسيخ إدارة مواطنة وحديثة،تطمح إلى بعث الحيوية في هياكلها والى تجديد دواليب اشتغالها،وإرساء ثقافة من نوع جديد ترتكز على الوضوح والشفافية،وبهذا فقد شكل الميثاق إطارا مرجعيا يحدد،كما أسلف الذكر،القيم والمبادئ الكبرى التي يجب أن تشكل أساس العمل والتصرف في نطاق جميع المرافق العمومية بهدف خدمة المصلحة العامة وتلبية حاجيات المواطنين وإعادة الثقة له في الإدارة[23].

لقد كان من نتائج أو انعكاسات ميثاق حسن التدبير إصدار عدة قوانين منها:

1- قانون التصريح بالممتلكات:

في إطار ترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة ونظافة الذمم المالية للموظفين والمسؤولين،أصدر المشرع  القانون الخاص بالتصريح الإجباري بالممتلكات لبعض فئات الموظفين العموميين بممتلكاتهم[24].

2)- تخليق إبرام الصفقات العمومية:

لقد نص مرسوم 5 فبراير 2007 ولأول مرة في نظام الصفقات العمومية[25] على مواد ومقتضيات قانونية تهدف إلى تخليق تسيير الصفقات العمومية وتحارب الغش والرشوة،وهي خطوة تبدو منسجمة مع توجه المغرب في إطار الإجراءات والمبادرات التي اتخذها في مجال مكافحة الفساد والرشوة في تخليق الحياة العامة.

وقد حرص هذا المرسوم في مقاربته التخليقية للصفقات العمومية على إعطاء الاهتمام الكافي للارتقاء بمستوى أعمال الإدارة والمتدخلين من جانبها إلى الدرجة المطلوبة من الشفافية والاعتماد على الواجب والضمير المهني في أشغالها سواء بالنسبة لمرحلة الإبرام أو مرحلة التنفيذ،وذلك على اعتبار ما يمثله تخليق تسيير الصفقات العمومية من أهمية كبرى بالنسبة للحفاظ على المال العام وتجويد المرفق العام.وفي هذا الإطار فقد أرسى المرسوم المذكور مجموعة من المقتضيات القانونية الجديدة تشكل ركيزة أساسية لعملية تخليق أعمال الإدارة في ميدان الصفقات العمومية[26].

ويتجلى تخليق الصفقات العمومية في إلزامية قيام الإدارة بالإعلان عن البرامج التوقعية السنوية للمشاريع التي تنوي انجازها وكذا فتح الاظرفة في جلسة عمومية وكذا إدلاء المتنافسين بتصريح الشرف ويمكن أن يؤدي عدم صحة المعلومات إلى عقوبات تأديبية كالإقصاء المؤقت أو النهائي[27].

إن الإصلاح القانوني والتنظيمي الذي سعى إلى وضع تدابير قانونية تهدف في مضمونها إلى تخليق الحياة العامة وإعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي في العمل الإداري عبر إدراج مبادئ الشفافية والمسؤولية في هذه القوانين.

تأسيسا على ما سبق جاء الخطاب الملكي ل9 مارس 2011 المتعلق بالإصلاح الدستوري بمجموعة من المرتكزات تهم إصلاح بنية الدولة والمجتمع،من بينها المرتكز السادس في الخطاب الذي نص على تقوية آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة.

لقد زكى الدستور الجديد للمملكة[28] لسنة 2011 تخليق الحياة العامة وجعله مرتكزا أساسيا لمواصلة بناء دولة حديثة وإرساء دعائم مجتمع تتوفر فيه مقومات العيش الكريم.فقد نص على مبادئ جديدة،وتضمنت نصوصه إجراءات تروم تحقيق الشفافية ومحاربة الرشوة،فما هو يا ترى الجديد الذي أتى به الدستور الجديد في مجال تخليق الحياة العامة؟.

لقد نص الدستور الجديد لسنة 2011  في الباب الثاني عشر المتعلق بالحكامة الجيدة على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة و الشفافية والمحاسبة والمسؤولية[29].

كما تم في الدستور دسترة التصريح الإجباري بالممتلكات حيث تم إلزام كل شخص منتخبا كان أو معينا يمارس مسؤولية عمومية،بتقديم تصريح كتابي بالممتلكات والأصول التي هي في حيازته ،بمجرد تسلمه لمهامه،وكذا خلال ممارستها وعند انتهائها(الفصل158 من الدستور)،وذلك استنادا إلى قاعدة تلازم ممارسة المسؤوليات والوظائف العمومية بالمحاسبة،ولتحقيق هذه الغاية شدد الدستور الجديد على استقلالية الهيئات المكلفة بالضبط والحكامة الجيدة وإمكانية إحداث هيئات أخرى وفق الضرورة،على أن تقدم هذه الهيئات تقارير عن أعمالهالاخضاعها للنقاش من طرف البرلمان.وأفرد مشروع الدستور الجديد جزءا من باب الحكامة (الفصول من 161الى 170) للتنصيص على مؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية  التشاركية ، ومن هذه الهيئات نجد المجلس الوطني لحقوق الإنسان،ومؤسسة الوسيط،والهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز،كما نجد أيضا الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري التي نص الفصل 165 من الدستور على أنها تسهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر،والحق في المعلومة في الميدان السمعي البصري.

مقال قد يهمك :   المجلس الجهوي للموثقين بوجدة ينظم ندوة علمية تقارب عقد الوعد بالبيع وإشكالاته العملية

كما أناط مشروع الدستور بالهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة،مهام المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد،والمساهمة في تخليق الحياة العامة[30].وهذا يعني أن صلاحياتها لن تكون تحت تأثير أي جهة،مما سيمنحها إمكانيات أكبر للقيام بعملها بشكل فعال وناجع،وبالتالي لن يقتصر دورها على الاستشارة والاقتراح.

كما زكى الدستور الجديد دور المجالس الجهوية للحسابات والمجلس الأعلى للحسابات في مراقبة المالية العمومية والمحلية بالمغرب،حيث تمارس هذه المحاكم المالية مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة وباقي الأشخاص المعنوية العامة الأخرى.إضافة إلى ذلك أناط الدستور الجديد بالمجلس الأعلى مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات،وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية،وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية[31].

خلاصة :

نستنتج مما سبق ان دور الرقابة الإدارية في تخليق الحياة العامة يكتسي أهمية بالغة حيث يتعين الضرب على أيدي كل من سولت له نفسه التلاعب بالمصلحة العامة واستغلال النفوذ والاستيلاء على الأموال العامة أو غير ذلك من التصرفات غير القانونية،

إلا أن هذه الرقابة الإدارية لا يجب أن تنحصر على التفتيش والتدقيق الموكولين إلى الأجهزة والهيئات المختصة،ولكن أيضا إلى الرقابة التي يضطلع بها الرأي العام والمجتمع المدني ككل،وكذا الرقابة التسلسلية التي يقوم بها كل مسؤول-مهما كان موقعه في الهرم الإداري-على المصالح التابعة له، فالالتزام بإعادة الاعتبار للأخلاقيات،والعمل على مراعاة ضوابط حسن التدبير،يقتضي بالضرورة الاندماج التام للجهاز الرقابي في هذا المسلسل،والتأكيد على أهمية حضوره الفعلي في تهذيب الحياة العامة.


الهوامش:

(=) تم تحكيم هذا المقال من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون للدراسات والأبحاث القانونية

[1]– مولاي إبراهيم بابوزيد”مراقبة الدولة المالية على المؤسسات العمومية” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة،جامعة محمد الخامس،أكدال الرباط،2002،ص191.

[2]-Michel poisson ;L’audit au service des collectivités territoriales, cahier de la fonction publique, Janvier 2004, page 50.

[3]– محمد حركات: “التدبير الاستراتيجي والمنافسة، رهانات الجودة الكلية بالمقاولات المغربية “، مطبعة فضالة، المحمدية، الطبعة الثانية، 1997.ص  170

[4] محمد حركات: “التدبير الاستراتيجي والمنافسة، رهانات الجودة الكلية بالمقاولات المغربية “، مطبعة فضالة، المحمدية، الطبعة الثانية، 1997.ص  10

[5] – محمد حركات: “التدبير الاستراتيجي والمنافسة، رهانات الجودة الكلية بالمقاولات المغربية “، مطبعة فضالة، المحمدية، الطبعة الثانية، 1997.ص  124-115

[6] – محمد مجيدي: “دور المجالس الجهوية للحسابات في تطوير أداء الجماعات المحلية”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط- أكدال، السنة الجامعية 2006-2007، ص 272،273

[7]– يوسف سعيد المدلل” دور وظيفة التدقيق الداخلي في ضبط الأداء المالي والإداري، رسالة لنيل الماجستير في التمويل والمحاسبة، الجامعة الإسلامية، غزة، كلية التجارة 2007.

8- إدريس خدري،”الإسلام وافتحاص المال العام بالمغرب”،دار النشر المغربية،البيضاء،2002. “،ص97

[9] – صلاح الدين بروحو”مالية الجماعات المحلية بين واقع الرقابة ومتطلبات التنمية”،المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،عدد 70،2011، ص113.

[10] – الصالحي (ي)،قراءة في كتاب:”دليل الفحص الجماعي-أداة المدبر الجماعي”،جريدة الاتحاد الاشتراكي،عدد 25 أكتوبر،1998،ص 9.

[11] – مولاي إدريس الحلابي الكتاني”أية وظيفة للتخليق في إصلاح الإدارة المغربية”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،العدد41،2001،ص83.

[12] – بشرى بوفتال:”تخليق الحياة العامة بالمغرب ضمانة لتفعيل علاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس أكدال الرباط،2006،ص183.

[13]– سعيد بايش:”ظاهرة الرشوة في الإدارة العمومية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة،جامعة الحسن الثاني عين الشق  الدارالبيضاء،2003، ص27

14– سعيد بايش:”ظاهرة الرشوة في الإدارة العمومية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة،جامعة الحسن الثاني عين الشق  الدار البيضاء،2003.ص29.

[15] – عبد الله شنفار:”الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، العدد 19، الطبعة الأولى، 2000.ص85.

[16] – زهور بورزة: ثقافة العمل داخل الإدارة المغربية- الإدارة المحلية لمدينة آزرو نموذجا-، المجلة المغربية للسياسات العمومية،العدد الرابع، 2009، ص 94.

[17]– ادريس احد يدو:”تخليق العمل الإداري وأثره على المرفق العام-الإدارة الجماعية نموذجا-،رسالة لنيل دبلوم الماسنر في القانون العام،جامعة الحسن الأول،كلية الحقوق،سطات،2010،ص23

[18]– عبد الله شنفار:”مرجع سابق”ص92.

[19]-علي سدجاري:”الدولة والإدارة بين التحديث والتقليد”،دار القلم الرباط،1995،ص27.

20أحمد محمد عبد الهادي”الانحراف الإداري في الدول النامية””،مركز الإسكندرية للكتاب .1997.ص50.

21 سعيد خيزران:”مرجع سابق”، 29.

[22] ميثاق حسن التدبير- وارد في:  www.mmps.gov.ma الموقع الالكتروني لوزارة تحديث القطاعات العامة.

  • 23إدريس احد يدو:”تخليق العمل الإداري وأثره على المرفق العام-الإدارة الجماعية نموذجا-،رسالة لنيل دبلوم الماسنر في القانون العام،جامعة الحسن الأول،كلية الحقوق،سطات،2010.ص 68.

[24]– ظهير شريف رقم 202-07-1 الصادر في 20 شوال 1429.(20 أكتوبر 2006) بتنفيذ القانون رقم 06-54 المتعلق بإحداث التصريح الإجباري لبعض منتخبي المجالس المحلية وبعض فئات الموظفين والأعوان العموميين بممتلكاتهم.الجريدة الرسمية عدد 5679،بتاريخ 5 نونبر 2008 ص 4014 .

[25] – مرسوم رقم 388-06-2 صادر في 16 مجرم 1428 (05 فبراير 2007) المتعلق بتحديد شروط أشكال إبرام صفقات الدولة وكذا القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها، ج.ر عدد 5518 بتاريخ فاتح ربيع الثاني 1428 المرافق ل 19 أبريل 2007، ص 1235

[26]– عبد الله البو : شفافية إبرام الصفقات العمومية بالمغرب- في ضوء مرسومي 30 دجنبر 1998 و5 فبراير 2007، رسالة لنيل د.د.ع.م، في القانون العام، وحدة تدبير الشأن العام، جامعة محمد الخامس- السويسي، كلية الحقوق- الرباط، السنة الجامعية 2007/2008، ص 101

[27]– المادة 24 من مرسوم الصفقات العمومية السالف الذكر.

[28] – ظهير شريف رقم 1.11.82 صادر في 14 رجب 1432(15 يونيو 2011)بمثابة دستور للمملكة المغربية، الجريدة الرسمية، عدد 5952.

[29] – الفصل 154 من الدستور.

[30] – الفصل 167 من الدستور السالف الذكر.

[31] – الفصل 147 من الدستور.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)