مريم رياض: النفقات الجبائية وسؤال الانصاف الجبائي

انقضاء عقد الكراء وفق القانون 49/16 وتأثير ذلك على الطرفين

فؤاد معلال: آليات الملكية الصناعية ومتطلبات مواجهة فيروس “كورونا”

20 يونيو 2020 - 11:27 م مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

فؤاد معلال أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بفاس

بعد فترة طويلة من الحجر الصحي، اضطرت مختلف دول المعمور، بما فيها المغرب، إلى الرجوع إلى حياة عادية، والكل يأمل في التوصل قريبا إلى دواء ولقاح للتعامل مع “كوفيد-19″، فيُطرح التساؤل بشأن الآليات القانونية التي ستحكم إنتاج وتوزيع هذه المنتجات الدوائية، علما أنها يمكن أن تكون محمية ببراءات اختراع، مما يطرح مشكلة إنتاجها وتوزيعها على نطاق واسع وتوفيرها بثمن مناسب بما يضمن تلبية حاجيات البشرية جمعاء.

وكجواب أولي، يمكن القول إن المعطيات التي تحف بوضع دواء ولقاح لـ”كوفيد – 19″ تجعل من الآليات التقليدية التي ينص عليها قانون الملكية الصناعية غير كافية، وتحتاج إلى الملاءمة فيما يتعلق بتوفير المواد الدوائية المحمية ببراءة اختراع للمواطنين.

من هنا، نقترح التوقف بداية عند بعض المعطيات المرتبطة بوضع دواء ولقاح لـ”كوفيد – 19″، والتي ستتحكم في النظام القانوني المؤطر لإنتاجهما وتوزيعهما؛ وذلك قبل محاولة رسم معالم ذلك النظام القانوني، والذي يدخل ضمن إطار الملكية الصناعية، وخاصة ضمن نظام براءة الاختراع.

أولا: المعطيات الخاصة المرتبطة بوضع دواء ولقاح لـ”كوفيد – 19″

هي أولا معطيات خاصة واستثنائية تختلف عما عهدناه إلى حد الآن من ظروف تحف بوضع المواد الدوائية الجديدة في الأوضاع العادية، مما يجعل المعطيات المرتبطة بحمايتها من الناحية القانونية تطرح بملامح مختلفة. ودون ادعاء تقديم رؤية شاملة بشأن هذه المعطيات، نرتئي أخذ التالي بعين الاعتبار:

1 ـ أنه بالنظر إلى اتساع انتشار الفيروس عبر العالم، لم يعد الأمر يعني كل دولة بمفردها. فمهما بذلت الدول من جهود بمفردها أو بشكل إقليمي في التعامل مع هذه الجائحة، فإنها لن تكون قادرة على تحصين نفسها من هذا الداء، لأسباب بديهية، ترتبط بتحرك الأشخاص والمواد والسلع بين الدول كمعطى اجتماعي واقتصادي يفرض نفسه على البشرية حاليا؛ ما يعني أنه لا بد من مقاربة عملية للقضاء على هذه الجائحة عبر مختلف مناطق المعمور، وليس بشكل وطني أو إقليمي.

2 ـ أن الانتشار الواسع لهذا الفيروس قد دفع المجتمع الدولي إلى التعبئة، من خلال منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والدول الكبرى عبر العالم، وبعض المؤسسات الخيرية الدولية مثل “مؤسسة بيل غيتس”، والتي عملت على توفير مبالغ مالية كبيرة لتمويل البحث في وضع لقاح لهذا الفيروس (منها المؤتمر الدولي للقاح الذي انعقد عن بعد يوم 4 يونيو الحالي، بمشاركة 32 دولة إضافة إلى الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، والذي أسفر عن تعهدات بجمع حوالي 9 مليارات أورو لهذا الغرض)، وتوفيره في أقرب وقت للبشرية جمعاء، مما يغير من المعطيات المتعلقة بتمويل البحث في مجال المواد الدوائية في حالة “كوفيد 19” عما هو معهود في مجال براءات المواد الدوائية في الأوضاع العادية، وبالتأكيد سيغير من المعطيات المتعلقة بإنتاجها وتوزيعها عبر العالم، كما سوف نرى فيما بعد.

3 ـ أنه من ضمن الدوافع التي تحكمت في تحرك هذه الهيئات والدول الوعي بوجوب توفير الدواء واللقاح عند التوصل إليهما لجميع البشرية (تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة ومدير منظمة الصحة العالمية، والعديد من رؤساء الدول العظمى؛ فرنسا ألمانيا…)؛ فالوعي قد حصل بشكل متنام من أنه لا يمكن الاعتماد كليا على قوى السوق التي أثبتت في السابق أنه غالبا ما يكون هناك نقص في الإنتاج وأسعار خيالية، وهو ما لا يلائم الوضعية الحالية المرتبطة بانتشار فيروس “كورونا”.

مقال قد يهمك :   إشكالية الاتصال و الانفصال بين النيابة العامة و وزارة العدل تعود للنقاش

4 ـ أن الكميات المتطلبة من هذه الأدوية واللقاحات ستكون كبيرة جدا، تتجاوز إلى حد كبير قدرات الإنتاج والتوزيع المتوفرة للمختبرات مالكة البراءة، مما يستوجب تعبئة قدرات الإنتاج والتوزيع الدولية، وفق خطة تروم توفير الدواء واللقاح حتى للدول غير القادرة على الإنتاج، وهي كثيرة.

5 ـ الطابع الاستعجالي للعملية، أي عامل الوقت؛ فالدول اضطرت إلى الخروج من الحجر الصحي لاعتبارات اقتصادية واجتماعية ونفسية وحقوقية، وهي تأمل في توفر الدواء واللقاح في أقرب وقت.

وقد دخل العالم، من خلال أكبر المختبرات، في سباق محموم لوضع أدوية ولقاحات. وحين التوصل إليها، سيكون هناك سباق محموم لاستصدار براءات اختراع عنها، وبعد ذلك لإنتاجها وتوزيعها، مما يقتضي اختزال المراحل (على مستوى آجال إصدار البراءات، ومنح رخص الاستغلال لوضع المنتجات في السوق، ووضع بنية الإنتاج والتوزيع الملائمة)، وهذا يطرح تحديا على الجهات المعنية (مكاتب الملكية الصناعية، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية “الويبو”، ومنظمة الصحة العالمية، والمصالح المختصة بالأدوية في الإدارات الوطنية المكلفة بالصحة).

فأمام هذه المعطيات، هل الآليات القانونية المؤطرة لوضع دواء ولقاح لـ”كوفيد– 19″، ولإنتاجهما وتوزيعهما، توفر حلولا ملائمة كفيلة بالاستجابة لانتظارات المجتمع الدولي؟.

ثانيا: الآليات القانونية الكفيلة بضمان وصول أدوية ولقاحات “كوفيد – 19” للجميع

عندما نستعرض الآليات القانونية المنصوص عليها حاليا في إطار الاتفاقيات الدولية والقوانين الداخلية للملكية الفكرية، ونسقطها على حالة جائحة “كوفيد – 19″، نجد أن هذه القوانين قاربت هذا المشكل بمنطق ضيق، من خلال القوانين الداخلية، بالنسبة لكل دولة على حدة، فخولتها إمكانية التعامل مع المشكل، ولكن فقط في حدود إقليمها الجغرافي، وبوسائلها الذاتية، من منطلق مبدأ إقليمية حقوق الملكية الصناعية، ومن دون أن تتوقع إمكانية نشوء مثل هذه الحاجة على مستوى أوسع بالنسبة لمجموع المعمور، مما جعل الآليات القانونية الحالية غير كافية للتعامل مع براءات الأدوية عندما يتعلق الأمر بجائحة تأخذ بعدا دوليا. وهذا يستدعي التفكير في آليات معوضة ذات بعد دولي.

1ـ عدم كفاية آليات قانون الملكية الصناعية الحالية للتعامل مع جائحة “كورونا”

فالآليات القانونية الحالية هي آليات وطنية، أقرتها اتفاقية “تريبس”، وتنص عليها القوانين الداخلية. وتتمثل هذه الآليات في نظام براءة الاختراع الخاص بالمواد الدوائية، وفي نظام التراخيص الإجبارية الذي تسمح به اتفاقية “تريبس”، وكلاهما قاصر على تحقيق المراد بالنظر إلى المعطيات المرتبطة بإنتاج وتوزيع لقاح وأدوية لـ “كوفيد – 19”.

أ ـ عدم كفاية نظام براءة اختراع المواد الدوائية التقليدي

عندما يتوصل مختبر من المختبرات لمادة دوائية جديدة، فإنه يحميها بواسطة براءة اختراع في مختلف الدول، بما في ذلك عبر نظام الإيداع الدولي، فتخول لتلك البراءة الاستئثار باستغلال اختراعه لمدة عشرين سنة. ويمنع على الغير استغلاله، سواء بصنعه أو عرضه للبيع أو بيعه أو استيراده، طيلة مدة الحماية.

وهذا يعني، في حالتنا هذه (حالة كوفيد – 19)، أنه يجب انتظار صدور براءة الاختراع بما تتطلبه من وقت طويل، ويجب كذلك انتظار حصول المختبر المعني على التراخيص اللازمة، من السلطات الإدارية المكلفة بالصحة في دولته، لطرح المنتج الدوائي في السوق، وذلك قبل الدخول إلى مرحلة الإنتاج، وبعد ذلك التوزيع، والتصدير عبر العالم بالوسائل الخاصة للمختبر، التي تبقى مهما بلغت عاجزة عن التلاؤم مع المعطيات التي سبق لنا أن طرحناها.

مقال قد يهمك :   الفقيه أحمد شكري السباعي : دراسة تقييمية لقانون الالتزامات و العقود المغربي

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنه لما كانت مختبرات الأدوية الكبرى تتمركز في الدول الغنية، وكانت هي التي تتحكم في تطوير الأدوية، وهي التي تملك، من ثم، أغلبية براءات الأدوية، فإن سياسة الإنتاج والأسعار التي تنهجها، ينتج عنها صعوبة الوصول إلى الدواء بالنسبة لمواطني الدول الفقيرة، بسبب ضعف القوة الشرائية لديهم. مما يعني أن ترك توفير لقاح وأدوية لـ”كوفيد – 19″ لقوى السوق العادية غير ملائم، لأنه من شأنه أن يؤخر توفيرهما في السوق، وحتى عند توفيرهما فسيكون ذلك بكميات وأسعار تحول دون ولوج غالبية المواطنين إليهما.

ب ـ عدم كفاية نظام الترخيص الإجباري لأجل مصلحة الصحة العمومية التي تنص عليها اتفاقية “تريبس”

للتعامل مع الإكراهات المرتبطة بتوفير الأدوية للمواطنين في بعض الحالات الخاصة التي تكتسي طابع الاستعجال، خاصة في حالة الأمراض والأوبئة التي تمثل تهديدا للصحة العامة، خولت اتفاقية “تريبس”، في مادتيها 31 و31 مكررة، للدول الحق في إصدار تراخيص إجبارية استغلال براءات الأدوية، دون حاجة إلى موافقة مالكها؛ وذلك بشروط بالطبع، لا يتسع المقام لتفصيلها، وهي تراخيص قسرية (تقابل في الاصطلاح القانوني التراخيص الاتفاقية التي تعقد رضاء مع مالك البراءة). ولقد أخذ القانون المغربي للملكية الصناعية (المادة 167 من القانون رقم 17/97) بهذه الإمكانية تحت مسمى “الترخيص التلقائي”، والذي يمنح بموجب قرار إداري تصدره السلطة الإدارية المختصة التي هي وزارة الصحة؛ وهو ترخيص مشروط بوجود حالة استعجال صحية (كما في حالتنا هذه)، تتصل بمصلحة الصحة العمومية، حيث متى كانت هناك مادة دوائية محمية في المغرب ببراءة اختراع، وكانت ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها وليس لها بدائل في السوق، وكانت إما لا يتم توفيرها بالقدر والكيفية الكفيلين بتأمين مصلحة الصحة العمومية أو يتم تسويقها بكمية أو جودة غير كافية أو بأثمان مرتفعة، فإنه يمكن لوزارة الصحة أن تصدر قرارا إداريا بمنح ترخيص تلقائي بإنتاجها وتسويقها في المغرب، لمختبر أو أكثر من المختبرات الوطنية، مقابل تعويضات تمنح لمالك البراءة الذي يبقى من حقه الرجوع إلى القضاء لمراجعة تلك التعويضات.

وقد ارتفعت بعض الأصوات في المغرب تطالب السلطات العمومية بإصدار مثل هذا الترخيص في حال التوصل إلى لقاح. وفي تقديرنا هذا ينم عن جهل بحقيقة هذا الترخيص، الذي يتطلب مسطرة طويلة؛ لأنه يجب انتظار صدور براءة الاختراع المعنية، وبعد ذلك تحريك مسطرة الترخيص التلقائي في المغرب والتي هي كذلك تأخذ بعض الوقت، في حين أن الوضعية الوبائية المرتبطة بفيروس “كورونا” تتسم بطابع الاستعجال.

هذا ناهيك عن أنه، في الغالب، لن يكون هذا الترخيص مجديا؛ لأن إنتاج اللقاح والدواء المعنيين سوف يتطلب التعرف على طريقة وضع التركيبة والتحكم فيها، ويتطلب التوفر على كافة مكونات التركيبة، بما فيها بعض العناصر الأساسية (الموليكول….)، والتي ليس من المتيسر توفيرها إلا بتعاون مع المختبر مالك البراءة، وهو أمر مستبعد في حالة الترخيص التلقائي، لأسباب واضحة.

2 ـ الحاجة إلى وضع نظام خاص لحالة “كوفيد – 19”

كل ما سبق يقودنا إلى القول إن المنظومة القانونية التقليدية المتمثلة سواء في نظام براءة الاختراع أو نظام الترخيص التلقائي لحاجات الصحة العمومية غير ملائمين للتعامل مع متطلبات توفير اللقاح والدواء لـ”كوفيد – 19″. ويجب، من ثم، التفكير في منظومة مغايرة، تقارب المشكل من زاوية دولية وليس داخلية. منظومة تأخذ أحد المنحيين: إما خارج نظام براءة الاختراع، أو من خلال نظام ترخيص إجباري له طابع دولي.

مقال قد يهمك :   تحميل قانون الخدمة العسكرية كما نشر بالجريدة الرسمية

أـ التخلي عن نظام البراءة في حالة لقاح أو أدوية “كوفيد- 19”

هذا هو النظام الذي يستجيب أفضل، في تقديرنا، للمعطيات المرتبطة بوضع وإنتاج وتوزيع لقاح “لكوفيد – 19″؛ لأنه يحررنا من الإكراهات المرتبطة بإصدار براءة اختراع عنه، على مستوى الوقت والإجراءات أولا، بما يلائم بشكل أفضل حالة الاستعجال التي تعيشها الإنسانية، وثانيا، على مستوى تفادي التعقيدات المتصلة بالحقوق الناتجة عن البراءة، والتي ينتج عنها خلق حالة احتكار لفائدة المختبر المالك لها.

وفي تقديرنا، فإن هذا الحل متيسر الآن، لأسباب متعددة، على رأسها المسار الذي يتخذه وضع اللقاح الآن، من حيث مواكبة المنظمات الدولية ـ وخاصة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية ـ والدول الكبرى، والبنك الدولي وبعض المؤسسات الخيرية الكبرى مثل مؤسسة بيل غيتس. أولا، على مستوى التمويل، لأنه هناك دعم مالي مهم موجه إلى المختبرات، وهناك مجهود كبير يبذل لتعبئة المجتمع الدولي لتوفير التمويل اللازم للعملية (المؤتمر الدولي للقاح لـ5 يونيو 2020)، علما أن هناك حديثا الآن عن إنشاء وكالة دولية لتوفير اللقاحات والأدوية، وتوزيعها بشكل عادل.

وثانيا، لكون هناك إرادة قوية عبر ويعبر عنها المجتمع الدولي (تصريحات أنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، بأن اللقاح ضد كوفيد-19 يعتبر “منفعة عامة عالمية”. وكذلك تصريحات مدير منظمة الصحة العالمية، وكبار قادة العالم) بوجوب جعل اللقاح في متناول البشرية جمعاء، بسرعة، وبالمجان، أو بتكلفة منخفضة.

ومثل هذا النظام يقتضي بلورة اتفاق مع المختبرات المعنية، التي يجب أن تتنازل عن حقها في استصدار البراءة، مقابل توفير التمويل لها، على أن تنخرط تطوعيا في خلق بنيات إنتاج وتوزيع كافية عبر العالم بشراكة مع مختبرات أخرى موزعة جغرافيا على نحو يضمن إنتاجا سريعا وبكميات وافرة وبتكلفة متحكم فيها. وقد أبدت العديد من شركات الأدوية رغبتها في المشاركة، والتزمت بجعل الابتكارات الطبية ضد “كوفيد-19” متاحة في جميع أنحاء العالم وبأسعار معقولة (تصريح لرئيس تجمع شركات الأدوية الألمانية).

ب ـ وضع نظام دولي للترخيص الإجباري

هو نظام معقد بالمقارنة مع المقاربة السابقة، ستنشأ الحاجة إليه في حال عدم توفق القائمين على العملية في الوصول إلى اتفاق مع المختبرات على التنازل عن حقها في البراءة. ومثل هذا النظام يستوجب وضع اتفاقية دولية تعطي الصلاحية لمنظمة الصحة العالمية في إصدار ترخيص إجباري له طابع دولي، يعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها هذه التراخيص في القانون الداخلي، فتخول منظمة الصحة العالمية لمختبرات موزعة عبر العالم ترخيصا بالإنتاج والتوزيع، علما أنها سبق لها أن أعلنت “كوفيد-19” جائحة عالمية.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)