صدر –مؤخرا- القانون رقم 21.18 المتعلق بالضمانات المنقولة المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6771 بتاريخ 22 أبريل 2019، والذي تضمن مقتضيات جديدة مغيرة أو متممة أو ناسخة لقانونين أساسيين في الترسانة التشريعية، وهما الظهير الشريف المعتبر بمثابة قانون الالتزامات والعقود، والقانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، وهو إصلاح أملته اعتبارات خارجية تتمثل في تحسين مناخ الأعمال ورغبة المشرع في تحسين وضعيته ضمن مؤشر الأعمال Doing business ، إلى جانب اعتبارات داخلية أخرى تتجلى في تحقيق جملة من الأهداف تتمثل في تسهيل ولوج المقاولات إلى مختلف مصادر التمويل المتاحة عبر تقديم الضمانات المنقولة المتوفرة لديها؛ وتحسين شروط تنافسية المقاولات عبر تأمين عمليات تمويل الاستثمار؛ وترسيخ مبادئ وقواعد الشفافية في المعاملات المتعلقة بالضمانات المنقولة، وترتيب الآثار القانونية عليها؛ وتعزيز الحرية التعاقدية في مجال الضمانات المنقولة مع الحرص على تحقيق الأمن القانوني التعاقدي.

ولضمان تحقيق هذه الأهداف،أرسى هذا القانون مجموعة من المبادئ والقواعد الموضوعية والإجرائية التي من شأنها تسهيل المعاملات وتحقيق الأمن القانوني وترسيخ مبادئ الشفافية في تدبير الضمانات المنقولة وبالتالي تقوية الإمكانات المتاحة للمقاولات وتمكينها من تقديم الأصول المنقولة المادية وغير المادية كضمان لتعزيز فرص الحصول على التمويل، وتتمثل أهم هذه القواعد في توسيع مجال إعمال الضمانات المنقولة، إلى جانب تبسيط الإجراءات المتعلقة بإنشاء وإشهار وتحقيق هذه الضمانات وملاءمة الأحكام المنظمة للضمانات المنقولة مع حاجيات المقاولات والأنشطة التجارية والمهنية مع إحداث آلية جديدة لتمثيل الدائنين، وبصفة عامة يمكن الإشارة إلى أهم المقتضيات التي جاء بها هذا القانون من خلال الجوانب التالية:

أولا: توسيع مجال إعمال الضمانات المنقولة

كانت تتميز المنظومة القانونية المعمول بها من قبل بهيمنة الرهن الحيازي باعتباره الشريعة العامة للرهون، وإلى جانبه كانت هناك نصوص أخرى تعالج بعض صور الرهن بدون حيازة في المجال التجاري من خلال مدونة التجارة كرهن الأصل التجاري ورهن أدوات ومعدات التجهيز ورهن بعض المواد والمنتجات، وقد كانت المقتضيات المنظمة لها تثير أكثر من إشكال وأحيانا تؤدي إلى إفراغ الضمانة من قيمتها القانونية وتحولها إلى ضمانات وهمية مما كان ينتج عنه في الكثير من الأحيان عدم اقتناع المؤسسات المالية والبنكية التي كانت تفضل اللجوء إلى مطالبة المدين بضمانات أخرى إضافية قد تكون إما عقارية أو شخصية مع فرض مجموعة من الشروط التعسفية، ولذلك حرص هذا القانون، من جهة، على إعادة تنظيم الرهن الحيازي وتحسين وتجويد المقتضيات المنظمة له، ومن جهة أخرى على توسيع مجال الرهن بدون حيازة ليشمل كافة أنواع المنقولات دون حصره في المجال التجاري والمهني، بحيث أصبح من حق المقاولة أن ترهن أي منقول في ملكها مهما كانت طبيعته، وفي هذا الإطار جاء القانون بأنواع جديدة كرهن الديون ورهن الحسابات البنكية ورهن حسابات السندات، ومن جهة أخرى، بإدماجه لأشكال جديدة من الرهون والعمليات التي في حكمها كشرط الاحتفاظ بالملكية والائتمان الإيجاري وحوالة الديون المهنية وشراء الفاتورات على سبيل الضمان .

ثانيا: تبسيط الإجراءات المتعلقة بإنشاء الضمانات المنقولة

رغبة من المشرع في تسهيل وصول المقاولات إلى التمويل فقد تبنى مجموعة من المقتضيات التي ترمي إلى تسهيل وتبسيط إنشاء الضمانات المنقولة لتمكين المدينين من إنشاء ضمانات منقولة على جميع أموالهم بما فيها تلك الأموال اللازمة لمزاولة أنشطتهم المهنية وتلك التي تكون فيها الحيازة المادية مستحيلة، إضافة إلى إمكانية رهن الأموال المستقبلية، والسماح بإنشاء ضمانات منقولة لضمان الديون غير المحددة المبلغ أو تلك التي يمكن أن تتغير مع مرور الوقت، شريطة إمكانية تحديد المبلغ الأقصى لهذه الديون.

مقال قد يهمك :   الهجرة وتحديات الاندماج في ظل عولمة مسيجة موضوع ندوة علمية بالحسيمة

وبالإضافة إلى ذلك، فقد تم تسهيل عملية إبرام العقد المنشئ للضمانات المنقولة عن طريق تخيير الأطراف بين المحررات الرسمية والمحررات العرفية وحصر عدد البيانات الإلزامية، والتخلي عن إلزامية إمضاء هذا العقد لدى المصالح المختصة، مع إلغاء أي علاقة بين صحة ضمانة منقولة وتقييدها في السجل الوطني الإلكتروني للضمانات المنقولة، وهكذا ترتبط صحة هذه الضمانة بتوقيع العقد المنشئ لها، علما بأنه يمكن تسجيلها في السجل المذكور بعد عملية التوقيع.

وإلى جانب ذلك، يبقى من أهم المستجدات التي جاء بها القانون جواز الاتفاق على إمكانية استبدال الأموال المرهونة كليا أو جزئيا لاسيما إذا أصبحت المقاولة في حاجة ماسة لبعض الأموال المرهونة، وإمكانية رفع اليد جزئيا عن الضمانات المنقولة وجواز تقييد الوعد بالرهن، ومن المبادئ الإيجابية التي أرساها القانون الجديد أيضا إحداث السجل الوطني للضمانات تكريسا لمبدأ الشفافية في المعاملات المتعلقة بالضمانات المنقولة، حيث أحدث هذا القانون السجل الوطني الإلكتروني للضمانات المنقولة يعهد بتدبيره إلى الإدارة، وسيسمح هذا السجل بتجميع كافة المعلومات المرتبطة بالأموال المرهونة، وإشهار جميع أنواع الرهون بدون حيازة، وكذا العمليات التي تدخل في حكمها والتقييدات المعدلة لها، وكذا التشطيبات، وهو ما سيمكن الدائنين من التوفر على صورة متكاملة للوضعية المالية للمقاولة.

ثالثا: تعزيز الحرية التعاقدية في إطار العمليات المتعلقة بالضمانات المنقولة

من أهم المكتسبات التي جاء بها القانون رقم 18/21 تعزيز الحرية التعاقدية للأطراف من خلال مجموعة من القواعد، لاسيما إمكانية الاتفاق على ضمان جميع الديون الحالية والمستقبلية، سواء كان مبلغها ثابتا أو متغيرا أو لضمان التزام احتمالي أو موقوف على شرط؛ وإمكانية اقتصار الأطراف في وصف المال المرهون على تحديد المواصفات العامة وبالقدر الذي يمكن، حسب طبيعة المال، من التعرف عليه؛ وإمكانية اتفاق الأطراف على استبدال المال المرهون ورفع اليد كليا أو جزئيا، لضمان مرونة أكبر في تدبير الضمانات؛ وإمكانية الاتفاق على أن يكون الرهن بدون حيازة محل وعد بالرهن يجوز تقييده في السجل الوطني الإلكتروني للضمانات المنقولة.

كما يؤسس هذا القانون أيضا لمبدأ التناسبية بين الدين والمال المخصص كضمانة له بهدف تحقيق التوازن بين حقوق طرفي عقد الرهن وغيره من الضمانات المنقولة، والسماح بالرفع الجزئي للرهون أو لشرط الاحتفاظ بالملكية بكيفية تدريجية تتناسب والأداءات التي تمت، إضافة إلى إقرار مقتضيات جديدة بالنسبة لرهن المنتجات والمواد تعزز ضمانات الدائن المرتهن كجواز الاتفاق على أنه في حالة انخفاض قيمة المال المرهون، يتعين على المدين تعويض هذا الانخفاض أو سداد جزء من الدين بما يتناسب مع هذا الانخفاض تحت طائل حلول أجل الدين في حالة عدم الاستجابة لذلك من طرف المدين.

رابعا : تبسيط إجراءات تحقيق الضمانات المنقولة

تبعا للإكراهات والصعوبات التي كانت تطرحها مسطرة تحقيق الضمانات وما كان يترتب عن ذلك من إرهاق للدائنين وطول الإجراءات، فقد بادر المشرع بموجب القانون الجديد إلى ابتكار مجموعة من المقتضيات الجديدة التي تستجيب لحاجيات الاستثمار وتضمن تحسين نجاعة مساطر التحقيق وتسهيل تحقيق الضمانات المنقولة في وقت وجيز وبأقل التكاليف، إذ تم استحداث آليات جديدة تسمح بتيسير عملية التحقيق، ومنها إمكانية التملك القضائي للدائن عند عدم الأداء والذي يخول للدائن الحصول على المال المرهون بأمر من رئيس المحكمة بصفته قاضيا استعجاليا، وذلك بالنظر إلى الصعوبات التي تعترض الدائنين من أجل تحقيق ضماناتهم وأخذا بعين الاعتبار الآجال الطويلة التي تستغرقها عمليات تحقيق هذه الضمانات.

مقال قد يهمك :   اللاتمركز الإداري رافعة لورش الجهوية المتقدمة (تحميل pdf)

وعلاوة على ذلك، يمكن تحقيق الضمانة بواسطة آليات تعاقدية جديدة لا تستلزم اللجوء إلى القضاء كالتملك للأموال المرهونة عند عدم الوفاء وكذا البيع بالتراضي أو البيع عن طريق المزايدة الودية التي يشرف عليها أحد أشخاص القانون الخاص.

كما وضع القانون نظاما لتمثيلية الدائنين يتجلى في آلية « وكيل الضمانات « ويتيح للدائنين ذوي الضمانات المنقولة على الخصوص إمكانية منح لمن يمثلهم سلطات واسعة تهم إنشاء وتنفيذ وتحقيق الضمانات المنقولة؛ وعدم تأثير حوالة الحق على سلطات ممثل الدائنين أو الضمانات الممنوحة لضمان الديون المحالة، بل إن المشرع وسع صلاحيات وكيل الضمانات لتشمل إمكانية تمثيلهم أمام القضاء وتقديم التصريح بالديون نيابة عنهم أمام السنديك في إطار مساطر صعوبات المقاولة، وضمانا لفعالية هذه الآلية التمثيلية فقد نص المشرع على منع الدائنين من القيام بنفس الإجراءات بالموازاة مع وكيل الضمانات تفاديا لتضارب وتعارض المواقف.

وإذا كان القانون الجديد قد شكل بالفعل ثورة هادئة في مجال تعزيز آليات التمويل بالنسبة للمقاولات وتوفير حماية أنجع لفائدة الممولين والدائنين حيث جاء بمجموعة من المقتضيات الهامة في إطار تحسين المناخ القانوني للأعمال، فالملاحظ من خلال هذه المقتضيات أن المشرع لم تكن له الجرأة الكافية لتحقيق نظام شامل ومتكامل للضمانات من شأنه تسهيل آليات وطرق تمويل المقاولات فضلا عن كون المقاربة التشريعية ظلت مقاربة جزئية ولم تنظر إلى الموضوع بكيفية شمولية وعامة تعالج نظام الضمانات في شموليته سواء ما تعلق بالضمانات العينية أو بالضمانات الشخصية، والضمانات العقارية والضمانات المنقولة، وكل ما يتعلق بالرهون والامتيازات، ويكفي الإشارة إلى بعض الجوانب التي لم يجب عنها القانون أو أنه تطرق إليها غير أنه لم ينظمها بما فيه الكفاية، ولعل من بين هذه الجوانب نذكر ما يلي:

ـ عدم الحسم في ترتيب الدائنين باعتباره من أهم الأولويات التي ينبغي معالجتها: وهذه الإشكالية تعتبر من أهم الإشكاليات التي يعاني منها الدائنين في حالة حصول التزاحم مما يؤدي إلى حصول مجموعة من النزاعات الداخلية والخارجية، خاصة وأن ضمانات الدائنين تختلف وتتنوع بين الرهون بمختلف أنواعها، والامتيازات العامة والخاصة والدائنين الحاملين لكفالة عينية أو المتمتعين بحق الحبس، ولاشك أنه كان على المشرع أن يتطرق بشكل دقيق ومفصل لترتيب الدائنين في حالة التزاحم حتى يتم وضع حد للتضارب في التأويل وفي العمل القضائي .

ـ عدم معالجة إشكالية مدى جواز المقاصة بين المدين وبين الدائن المتمتع بالضمانة المنقولة في حالة خضوع المدين لمساطر صعوبات المقاولة، وكانت هناك علاقة دائنية ومديونية بين الطرفين .

ـ عدم تحديد الطبيعة القانونية لشرط الاحتفاظ بالملكية، ومن يتحمل تبعة هلاك الشيء المبيع قبل الأداء الكامل للثمن، وموقع المالك تحت شرط الاحتفاظ بالملكية من القواعد والموانع التي تفرض على الدائنين في مساطر صعوبات المقاولة، ومدى شموله بقاعدة وقف المتابعات الفردية وإلزامية التصريح وتحقيق الديون ومنع أداء الديون من عدمه وعلاقته بباقي الامتيازات الأخرى المقررة للدائنين الذين يبادرون إلى تمويل المقاولة بعد فتح مسطرة المصالحة أو مسطرة الإنقاذ ومسطرة التسوية القضائية واستثناء خلال مرحلة التصفية القضائية إذا ما تقرر استمرارية النشاط بشكل مؤقت لضرورات تقتضيها مصلحة المقاولة أو مصلحة الدائنين، ولاشك أن الأمل كان كبير جدا في هذا القانون من أجل سد مجموعة من الثغرات التي كانت تعاني منها القوانين السابقة.

مقال قد يهمك :   إشكالية الطبيعة الشخصية للزبناء في الأصل التجاري الإلكتروني

ـ عدم تحديد مآل الضمانات المنقولة بعد فتح مساطر صعوبات المقاولة: إذ لا يكفي إغراء الدائنين ببعض الضمانات الوهمية، ثم يفاجأوا بعد ذلك بأن تلك الضمانات أصبحت معرضة للبطلان إما لكونها أبرمت خلال فترة الريبة، أو خلال فترة إعداد الحل دون احترام الشروط والإجراءات التي نص عليها المشرع، وكيف يمكن تحميل الدائنين المسؤولية عن أخطاء ارتكبت من طرف المقاولة ولا علاقة لهم بها .

ـ جاء المشرع بتكريس قاعدة أساسية مؤداها أن حجية الضمانة تبدأ من تاريخ شهرها في السجل الوطني للضمانات المنقولة، لكن هذا الأمر قد يؤدي إلى زعزعة الائتمان التجاري في الحالة التي يقتني فيها بعض التجار مجموعة من الأموال والأدوات أو السلع التي تبدو بحسب الظاهر أنها في ملكية البائع ثم يفاجأ المشتري بعد مرور أجل معين بكون تلك الأموال أصبحت موضوعا للمطالبة بالاسترداد من طرف المالك تحت شرط الاحتفاظ بالملكية أو محلا للتنفيذ عليها من طرف الدائنين الحاملين للضمانات المنقولة، لذلك فإن التساؤل يطرح حول كيف يمكن التوفيق بين قواعد نظرية الظاهر والحيازة في المنقول سند الملكية وقواعد الإشهار في السجل الوطني للضمانات المنقولة .

ـ صحيح أن المشرع حاول توسيع نطاق الضمانات المنقولة بإحداث ضمانات جديدة وتحيين مقتضيات بعض الضمانات المنقولة، لكن الملاحظ أنه أغفل تنظيم جوانب أخرى من الضمانات المنظمة ببعض النصوص الخاصة الأخرى كمدونة تحصيل الديون العمومية والمدونة العامة للضرائب ومدونة التأمينات وديون الضمان الاجتماعي ومدونة الشغل بالنسبة لامتياز الأجراء وغيرها من النصوص الأخرى، والتي تنظم أنواعا أخرى من الضمانات كالرهون الجبرية والامتيازات المقررة لفائدة الخزينة، مما يطرح إشكالية التوفيق والمفاضلة بين هذه الديون.

كانت هذه بعض الجوانب المتعلقة بقانون الضمانات المنقولة الذي يجسد من حيث المبدأ التوجه نحو تحسين المناخ القانوني للاستثمار بالمغرب من خلال تعزيز نظام الضمانات وتسهيل الوصول إلى مصادر التمويل وتحقيق الشفافية في العمليات المرتبطة بإنشاء وتنفيذ وإشهار وتحقيق هذه الضمانات، غير أننا نعتقد بأن هذا القانون لا إصلاحا شموليا بمعنى الكلمة بقدر ما هو تنقيح وتجميع لمجموعة من النصوص وأنه رغم الإيجابيات والمكاسب التي تضمنها فإنه لم يرقى إلى المستوى المأمول كما نؤاخذ على هذا القانون أنه لم يكن موضوعا للنقاش العام بحيث لم يكن موضوعا لمناقشات ودراسات ولقاءات أو ندوات بين كل المهتمين بالشأن القانوني، لذلك فإننا نعتقد بأنه آن الأوان لإشراك كافة الجهات المعنية بالقانون من مهنيين وممارسين وقضاة وكذلك الجامعات بدل احتكار صياغة النصوص من طرف الإدارة دون الاستعانة بالمتخصصين والتقنيين المؤهلين لإبراز جوانب الخلل مع تقديم الاقتراحات المناسبة لتدارك العيوب والنقائص .