قراءة في مدى ملاءمة مشروع قانون تعديل القانون الجنائي لأحكام القانون الدولي الإنساني

17 نوفمبر 2019 - 11:46 م المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

العمراوي أنوار باحث في العلوم القانونية

مقدمة :

هناك علاقة وثيقة تربط قواعد القانون الدولي الإنساني والتشريعات الوطنية, تتجلى أهم مظاهرها في أن اتفاقيات القانون الدولي الإنساني أحالت على التشريعات الوطنية مهمة تأثيم وقمع انتهاكات القانون الدولي الإنساني, بحيث عنيت اتفاقيات القانون الدولي الإنساني بتعريف هذه الجرائم وتحديد عناصرها وتركت للمشرع الوطني الالتزام بتقرير العقوبات الملائمة لها في تشريعاته الوطنية سواء أكان ذلك في التشريع الجنائي العادي  أو في التشريعات الخاصة بالمجال العسكري[1].

 و قد عمل المغرب خلال العقد الأخير على تحديث وملاءمة منظومته الجنائية مع المعايير الدولية في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، خاصة في أعقاب دستور 2011, وقد همت هذه الإصلاحات التشريعية المجال الجنائي سواء أكان عاديا أو عسكريا؛ ومن بين أهم المستجدات ذات صلة بتجريم الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني على المستوى الوطني ما تضمنه مشروع تعديل القانون الجنائي المغربي من مقتضيات, فإلى أي مدى استطاع المشرع الجنائي الوطني الملاءمة بين القانون الجنائي الوطني وأحكام القانون الدولي الإنساني ؟

للإجابة على هذا التساؤل, سنعالج موضوعنا من زاويتين, نخصص الجزء الأول لبيان بعض تجليات الحماية الجنائية لمنظومة القانون الدولي الإنساني في القانون الجنائي الحالي (أولا), على أن تقف في الجزء الثاني على تجريم الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في مشروع القانون رقم 10.16 (ثانيا) .

أولا :  تجليات الحماية الجنائية لمنظومة القانون الدولي الإنساني في القانون الجنائي الحالي

بالنسبة للقانون الجنائي المغربي الحالي, وبالرغم من أنه لم يساير حرفيا ما ورد في المعاهدات الدولية الملتزم بها من طرف المغرب في مجال القانون الدولي الإنساني, إذ لم ترد فيه أية إشارة لمصطلح جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية, إلا أن هناك نصوص عامة تستغرق بعض الجرائم المرتكبة أثناء الحرب [2], والتي يمكن تكييفها كجرائم دولية حسب الأحوال والظروف المحيطة بالواقعة, ومن أهم هذه الجرائم :

  • جرائم القتل العمد والتسميم :

يعتبر تجريم ومعاقبة كل أشكال الاعتداء على الحياة, أمرا ملائما لمبادئ حقوق الإنسان, وهو ما سار عليه المشرع في الباب السابع الذي استهله بمعاقبة القتل العمد [3], باعتباره أخطر الأفعال التي يمكن ارتكابها في حق الأشخاص, وباعتبار القانون الجنائي, يتولى حماية الأرواح والأجساد والأعراض, ولكون الروح تأتي في مقدمة القيم, التي يسعى المشرع إلى صيانتها وسلامتها .

وإذا كانت النتيجة في جميع جرائم القتل واحدة, وهي إزهاق روح المجني عليه, فإن أوصاف القتل تتعدد وتختلف, باختلاف الإرادة التي تشكل الركن المعنوي, والتي تصاحب الفعل المادي, واختلاف الظروف التي تواكبه [4].

وبالتالي فقد يشمل هذا النوع من الجرائم مختلف صور الجرائم الدولية, إذ يمكن تكييف قتل أفراد جماعة كجريمة إبادة جماعية وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 6 من نظام روما الأساسي, كما يمكن اعتبار القتل العمد أحد صور جرائم ضد الإنسانية متى ارتكب في إطار واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنين وعن علم بالهجوم وفق الشروط المنصوص عليها في المادة7, وكجريمة حرب بحسب الأحوال الواردة في المادة 8 من نفس النظام [5].

وفي نفس الإطار يمكن تكييف جريمة التسميم الواردة في الفصل 398 كجريمة حرب متى ارتكبت في السياق الوارد في المادة 8 من نفس النظام [6].

  • جريمة التعذيب :

تم تجريم التعذيب في الفصول من 1-231 إلى 8-231 بمقتضى تعديل لمجموعة القانون الجنائي بالقانون رقم 43.04 الصادر سنة 2006 المتعلق بتجريم ممارسة التعذيب يرمي إلى تتميم وتغيير مجموعة القانون الجنائي تحت عنوان “الفرع الثالث: شطط الموظفين في استعمال سلطتهم إزاء الأفراد وممارسة التعذيب”[7].

وقد جاء تعريف المشرع للتعذيب الوارد في الفصل 1-231 [8], متلائما مع مجمل العناصر المشكلة لفعل التعذيب, سواء العنصر البشري أو العنصر المادي أو العنصر المعنوي, والتي أوردتها المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية. وإذا كان هذا الفصل قد حصر صفة الأشخاص الصادرة عنهم أفعال التعذيب في الموظفين العموميين, فإن مشروع القانون رقم 10.16 المغير والمتمم لمجموعة القانون الجنائي وسع مجال التطبيق ليشمل المشارك أو المحرض من خلال إدراج عبارة “أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية أو يحرض عليه “, ليكون مشروع القانون قد حقق ملاءمة تامة مع مقتضيات المواثيق الدولية ذات الصلة [9].

وهناك جرائم أخرى نصت عليها مجموعة القانون الجنائي, ويمكن تكييفها كجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب أو جريمة عدوان إذا ما ارتكبت في سياق معين, من ذلك مثلا : جريمتي المس بسلامة الدولة الخارجية المنصوص عليها في الفصلين 188 و 195 (جريمة عدوان )[10], جريمة التخريب والتعييب والإتلاف المنصوص عليها في الباب الثامن من مجموعة القانون الجنائي[11] إذ يمكن تكييفها في كجريمة حرب في سياق نزاع مسلح متى ارتكبت عمدا ضد مواقع وأعيان مدنية.

يتبين إذن, أن عدم النص صراحة على الجرائم الدولية في مجموعة القانون الجنائي لا يعني البتة أنها غير مجرمة في ق ج م, إذ تبقى للقاضي الجنائي السلطة التقديرية في تكييف بعض الجرائم على أنها جرائم دولية إذا ما اجتمعت شروط معينة, إلا أن هذا النهج لا يستجيب لمبدأ الشرعية الجنائية باعتباره مبدأ أساسي من مبادئ القانون الجنائي, خاصة وأن هذه الجرائم مستقلة وقائمة بذاتها, وغير مرتبطة في مفهومها بجرائم قائمة سالفا رغم الضرر المجتمعي والإنساني, كما أنها تتميز بطابع الديمومة من جهة [12], ومن جهة أخرى, تمس أعلى قيم حقوق الإنسان بشكل جماعي, بل وهمجي أحيانا .

مقال قد يهمك :   المراقبة الجبائية في التشريع المغربي و مدى نجاعتها في تحقيق العدالة الضريبية

ثانيا: المستجدات ذات الصلة بمنظومة القانون الدولي الإنساني في مشروع القانون رقم 10.16

على ضوء ما تقدم, وفي إطار اهتمامه بتطوير التشريعات الوطنية فيما يتعلق بإضفاء الحماية على ضحايا النزاعات المسلحة, والوفاء بالالتزامات التي يفرضها المجتمع الدولي عن طريق الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ومكافحة الجريمة, وملاءمتها مع روح دستور فاتح يوليوز 2011 [13]؛ استحدث المشرع الجنائي المغربي في مشروع القانون رقم 10.16 المغير والمتمم لمجموعة ق ج م مجموعة من الجرائم المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني, من خلال إدراجه الصريح لجريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في الباب السابع مكرر من مجموعة القانون الجنائي .

  • أ‌- جريمة الإبادة الجماعية

حاول المشرع الجنائي المغربي الإحاطة بجرائم الإبادة الجماعية في الفرع الأول من الباب السابع مكرر [14], فمن خلال الفصل1-448, اعتبر المشرع كل من ارتكب قتلا عمديا لأفراد جماعة قومية أو إثنية أو دينية أو عرقية بصفتها هاته بقصد إهلاكها كليا أو جزئيا, مرتكبا لجريمة الإبادة الجماعية ويعاقب بالإعدام .

والملاحظ أن التعريف الوارد لجريمة الإبادة الجماعية بمقتضى هذا الفصل, جاء منسجما ومطابقا لأحكام المادة الثانية من اتفاقية منع الجريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 وما أوردته المادة 6 من نظام روما الأساسي, ومع ذلك فلا مانع – بحسب رأي المجلس الوطني لحقوق الإنسان بخصوص هذا المشروع – من التوسع والتدقيق في مفهوم جريمة الإبادة الجماعية, ليشمل بالإضافة إلى ” أفراد جماعة قومية أو إثنية أو دينية أو عرقية ” كل جماعة محددة على أساس معايير تعسفية, سيرا على نهج المادة 1-211 من القانون الجنائي الفرنسي [15].

كما نص الفصل 2-448 كذلك على أنه :” تعتبر أيضا الأفعال الآتية جرائم إبادة جماعية, ويعاقب عليها بالسجن المؤبد, إذا ارتكبت بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هاته إهلاكا كليا أو جزئيا :

1- إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة؛

2- إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية بقصد إهلاكها فعليا كليا أو جزئيا؛

3- فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة؛

4- نقل أطفال الجماعة قسرا إلى جماعة أخرى “.

ونظرا لخطورة هذا النوع من الجرائم وبشاعتها سيما وأنها تقوم على منطق القوة والغلبة بهدف إذلال وإهلاك جماعة بشرية معينة بسبب انتمائها القومي أو الإثني أو العرقي أو الديني بحكم أنها تشكل أقلية, وما يؤشر عليه ذلك من عصبية زائدة وهمجية تترتب عنها آثار وخيمة [16], فقد تشدد المشرع الجنائي في العقوبة على ارتكاب هذه الجريمة (الإعدام في الحالة المنصوص عليه في الفصل 1-448 والمؤبد في الحالات الأخرى له المنصوص عليها في الفصل 2-448) لضمان تحقيق الردع  لكل من تسول له نفسه مثل هذه الجرائم الشنيعة  .

  • ب‌- الجرائم ضد الإنسانية

  تضمن الفرع الثاني من الباب السابع مكرر من مشروع القانون رقم 10.16 ثلاثة فصول تتعلق بالجرائم ضد الإنسانية, حيث اعتبر الفصل 3-448 مرتكبا لجريمة ضد الإنسانية, ويعاقب بالإعدام, كل من ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي قتلا عمديا ضد مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بهذا الهجوم.

كما يعتبر الفصل 4-448 مجموعة من الأفعال جرائم ضد الإنسانية, ويعاقب عليها بالسجن المؤبد, إذا ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موسع ضد مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بهذا الهجوم, وتتمثل هذه الأفعال في:

1- الإبادة, بتعمد فرض أحوال معيشية معينة قاسية, من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء بقصد إهلاك جزء من السكان؛

2- الاسترقاق, وذلك بممارسة حق أو أكثر من الحقوق المترتبة عن ملكية الأشياء على الأشخاص, بما في ذلك ممارسة هذه الحقوق بهدف الاتجار بالبشر خاصة النساء والأطفال؛

3- إبعاد السكان أو نقلهم أو طردهم قسرا , بدون مبرر مشروع, من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة؛

4- الاضطهاد, بحرمان أي جماعة محددة أو مجموعة محددة من السكان, لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية أو متعلقة بنوع من الجنس, حرمانا متعمدا وشديدا من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي وذلك بسبب هوية الجماعة أو المجموع؛

5- الاختفاء القسري للأشخاص, بالقبض عليهم أو احتجازهم أو اختطافهم وذلك بقصد رفض الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم, بهدف حرمانهم من حماية القانون لمدة زمنية طويلة .

 وتعتبر الأفعال الآتية أيضا, جرائم ضد الإنسانية, ويعاقب عليها بالسجن المؤبد, إذا ارتكبت في إطار ” هجوم منهجي واسع النطاق موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بهذا الهجوم:

مقال قد يهمك :   الموافقة على مرسوم لاقتراض أزيد من 45 مليار سنتيم لبناء سفينة أبحاث أوسيانوغرافية.

1- السجن, أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية, بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي؛

2- التعذيب, بتعمد إلحاق ألم شديد أو معاناة شديدة بدنيا أو نفسيا, لشخص موجود تحت إشراف الفاعل أو سلطته؛

3- الاغتصاب أو هتك العرض أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على ممارسة البغاء أو الإكراه على الحمل أو الولادة أو الحرمان من القدرة التناسلية أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة؛

4- التمييز, المرتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد والسيطرة الممنهجين, من قبل جماعة عرقية تجاه جماعة أو جماعات عرقية أخرى, بقصد الإبقاء على ذلك النظام “[17].

إن هذا التحديد الوارد في الفصول 3-448 و4-448 و5-448, جاء منسجما مع التحديد الوارد لصور هذه الجريمة في المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية, باستثناء جريمتين لم يتم التطرق لهما في الفصول المذكورة. ويتعلق الأمر بجريمة ” القتل العمد ” والجريمة الموصوفة ب” الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية ” [18].

وعطفا على جريمة الإبادة الجماعية, تشدد المشرع في العقوبة على الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية بحيث رفع سقف العقوبة إلى الإعدام وهي أقصى عقوبة جنائية, حيث يمكن الحكم بهذه العقوبة على مرتكب جريمة ضد الإنسانية متى ما اقترنت بقتل عمدي ضد مجموعة من السكان المدنيين في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي, وجعل عقوبة المؤبد هي الملائمة لباقي صور هذه الجرائم [19].

  • ج‌- جرائم الحرب

تناول مشروع القانون رقم 10.16 بالتجريم الأفعال التي اعتبرها تدخل ضمن جرائم الحرب في الفرع الثالث من الباب السابع مكرر [20], سواء كانت تستهدف أشخاصا محميين بموجب القانون الدولي الإنساني أو طرقا وأساليب للقتال محظورة أو هجمات موجهة ضد أعيان وممتلكات محمية أو سوء استعمال للشارات والعلامات المميزة أو استخدام أسلحة وسموم [21], ونظرا لخطورة هذه الجرائم فإن المشرع المغربي وانسجاما مع الاتفاقيات المصادق عليها في هذا الإطار اتجه إلى تشديد العقوبات (الإعدام والمؤبد) [22].

وبغض النظر عن الأفعال المكونة لجرائم الحرب, يتضح أن المشرع الجنائي في مشروع القانون لا يعاقب بالإعدام إلا إذا ترتب عنها قتل كما هو الشأن في الفصل 6-448 عندما اعتبر من ارتكب قتلا عمديا ضد الأشخاص المشمولين بحماية القانون الدولي الإنساني وقت النزاع المسلح, يعد مرتكبا لجريمة حرب, ويعاقب بالإعدام [23].

والملاحظ أن المشرع الجنائي في هذا الفصل لم يميز بين النزاع المسلح الدولي وغير الدولي, كما أن ربطه لعقوبة الإعدام بنتيجة القتل يجعل الأفعال الواردة في البندين 1 و2 من الفصل 9-448 والمعاقب عليهما بالمؤبد [24], في غير محليهما إذ تشكل أيضا قتلا عمديا وبالتالي يجب أن تعاقبا بنفس العقوبة الواردة بالفصل    6-448 .

إن تجريم هذه الأفعال المتمثلة في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب, يروم حماية المصالح والقيم الإنسانية وتوفير الأمن والاستقرار, إذ تتجاوز فلسفة الردع [25], وفي حالة المصادقة على مشروع القانون رقم 10.16 سيكون المغرب قد تجاوز العديد من ثغرات التشريعات الوطنية ذات الصلة بالقانون الدولي الإنساني التي تعرقل استكمال ورش الملاءمة بين التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني من جهة, ويعد خطوة أولى للمصادقة على نظام روما الأساسي من جهة ثانية, كما أنه يضمن للقضاء الوطني اختصاصه الأصلي بمتابعة ومحاكمة المتهمين بمثل هذه الجرائم .

 ومما تجدر الإشارة إليه أخيرا, أنه ورغم إدراج الجرائم الدولية المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني على النحو المقرر دوليا في مشروع القانون رقم 10.16, إلا أنه كان من الصواب على المشرع الجنائي المغربي أن يوسع دائرة المساءلة الجنائية لتشمل معاقبة المحرض على ارتكاب هذه الجرائم بأية وسيلة كانت من جهة, وأن يرسخ مبدأ عدم الإفلات من المتابعة والعقاب على أساس التذرع بالتعليمات والأوامر الرئاسية من جهة أخرى [26].

خاتمة :

 مما سبق, يتضح بجلاء أن المغرب لم يكتف فقط بالانخراط في منظومة القانون الدولي الإنساني, بل عمد إلى البدء في اتخاذ إصلاحات قانونية يتوخى من خلالها ملاءمة التشريع المغربي مع الالتزامات الدولية في مجال القانون الدولي الإنساني؛ ولعل إدراج المشرع لجريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في مشروع القانون رقم 10.16 المغير والمتمم لمجموعة القانون الجنائي, وتبنيه للاختصاص الجنائي العالمي في مشروع قانون المسطرة الجنائية, يشكل تعبيرا صريحا عن توجه المغرب للوفاء بالتزاماته في  مجال القانون الدولي الإنساني, ورغبته في ضمان احترامها, وتمهيدا كذلك لمصادقته على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ومع ذلك, فلا بد من استكمال ورش الملاءمة بين التشريع المغربي وقواعد القانون الدولي الإنساني, خاصة في المجال الجنائي وذلك من خلال إدخال التعديلات الكفيلة باستيفاء متطلبات القانون الدولي الإنساني, بما فيها :

 – النص على عدم تقادم كل الأفعال التي لها بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني,

مقال قد يهمك :   الاختصاص والتنظيم المستقبليين لوزارة العدل المغربية

–  رفع الحصانة عن مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني,

– حصر حق العفو الخاص بالنسبة لهذه الجرائم في إمكانية تخفيف العقوبة بعد قضاء ثلثي مدتها أو 25 سنة في السجن المؤبد كما هو منصوص عليه في نظام روما, وكذلك تحويل عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد في انسجام مع المواثيق الإنسانية,

– الأخذ بالمسؤولية الجنائية الفردية, وما يترتب عنها من قواعد قانونية.


الهوامش:

[1] – للإطلاع على أساس الالتزام بتجريم انتهاكات القانون الدولي الإنساني في القانون الوطني, وكذا أساليب الملاءمة بين القانون الجنائي الوطني وقواعد القانون الدولي الإنساني, راجع :

– أنوار العمراوي, ملاءمة التشريع المغربي مع الالتزامات الد ولية في مجال القانون الدولي الإنساني, رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون العام , كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية, جامعة سيدي محمد بن عبد الله, فاس, السنة الجامعية: 2018-2019, ص ص : 72-83.

[2]  – هند بن الشيخ الصنهاجي, التطبيق الوطني للقانون الدولي الإنساني, بحث لنيل شهادة الماستر في العدالة الجنائية والعلوم الجنائية, كلية العلوم القانون والاقتصادية والاجتماعية, جامعة سيدي محمد بن عبد الله, فاس, السنة الجامعية 2013-2014, ص : 67 .

[3]  – حيث ينص الفصل 392 من مجموعة القانون الجنائي على أن :” كل من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا، ويعاقب بالسجن المؤبد “.

لكن يعاقب على القتل بالإعدام في الحالتين الآتيتين:

– إذا سبقته أو صحبته أو أعقبته جناية أخرى؛

– إذا كان الغرض منه إعداد جناية أو جنحة أو تسهيل ارتكابها أو إتمام تنفيذها أو تسهيل فرار الفاعلين أو شركائهم أو تخليصهم من العقوبة ” .

[4]  – محمد الإدريسي العلمي المشيشي, دراسة حول ملاءمة مشروع القانون الجنائي مع المبادئ والقواعد المعتمدة في منظومة حقوق الإنسان, المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومنشورات la Croisée des Chemins, 2012, ص : 150 .

[5]  – عبد الحق عهداوي, ملاءمة التشريع المغربي مع الالتزامات الدولية في مجال القانون الدولي الإنساني, أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الحقوق, جامعة مولاي إسماعيل, كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية, مكناس, السنة الجامعية 2015-2016, ص : 208.

[6]  – الفقرة 6 (ب) ” 17″  من المادة 8 من نظام روما الأساسي .

 [7] – الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.06.20 بتاريخ 15 من محرم 1427 (14 فبراير2006)،الجريدة الرسمية عدد 5398 بتاريخ 24 محرم 1427(23 فبراير 2006)،ص 492 .

[8]  – ويقصد بالتعذيب حسب الفصل 1-231 ” كل فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسدي أو نفسي يرتكبه عمدا موظف عمومي أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه، في حق شخص لتخويفه أو إرغامه أو إرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو اعتراف بهدف معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه.

ولا يعتبر تعذيبا الألم أو العذاب الناتج عن عقوبات قانونية أو المترتب عنها أو الملازم لها “.

[9]  – محمد الإدريسي العلمي المشيشي, دراسة حول ملاءمة مشروع القانون الجنائي مع المبادئ والقواعد المعتمدة في منظومة حقوق الإنسان, مرجع سابق, ص : 138 .

[10]  – المادة 8 مكرر من نظام روما .

 [11] – الفصول من 580 إلى 607 .

[12]  – محمد الإدريسي العلمي المشيشي, مرجع سابق, ص : 114.

 [13] – أحمد قيلش, جرائم القانون الدولي وحقوق الإنسان من خلال مسودة مشروع القانون الجنائي, المجلة المغربية للقانون الجنائي والعلوم الجنائية, العدد 3, 2016, ص : 161.

 [14] – الفصلين 1-448 و2-448 من مشروع القانون رقم 10.16 .

[15]  – المجلس الوطني لحقوق الإنسان, رأي بخصوص مشروع القانون رقم 10.16, ص : 58 .

[16]  – أحمد قيلش, مرجع سابق, ص : 174 .

[17]  – الفصل 5-448 .

[18]  – المجلس الوطني لحقوق الإنسان, رأي بخصوص مشروع القانون رقم 10.16, ص : 59 .

[19]  – أحمد قيلش, مرجع سابق, ص : 176 .

 [20] – الفصول من 6-448 إلى 10-448 .

[21]  – عبد الحق عهداوي, مرجع سابق, ص : 318 .

[22]  – غزلان بورشيد, جرائم الحرب من خلال الاتفاقيات الدولية ومسودة مشروع القانون الجنائي, المجلة المغربية للقانون الجنائي والعلوم الجنائية, العدد المزدوج 4-5, دحنبر 2017, ص : 194 .

 [23] – المرجع السابق, ص : 194

[24] – جاء في البندين 1 و2 من  الفصل 9-448 ما يلي : ” يعاقب بالسجن المؤبد على الجرائم التالية :

1- قتل أو جرح مقاتل استسلم عن طواعية, بعدما ألقى سلاحه أو لم تعد لديه وسيلة للدفاع؛

2- قتل أفراد منتمين إلى دولة معادية أو جيش معاد أو إصابتهم غدرا, وذلك عبر حمل الغير على الاعتقاد بحقه في الحماية واستغلال تلك الثقة في إلحاق الضرر بهم؛ …” .

[25] – أحمد قيلش, مرجع سابق, ص : 175 .

[26] – المجلس الوطني لحقوق الإنسان, رأي بخصوص مشروع القانون رقم 10.16, ص :61 .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)