يونس مليح: المجلس الأعلى للأمن بين التأطير الدستوري ورهانات التنزيل

الجهوية المتقدمة وميثاق اللاتمركز الإداري: أية إضافة؟

مبدأ الوقاية كأساس جديد للمسؤولية المدنية

13 يونيو 2019 - 1:20 ص المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

بلال الفقيري طالب باحث بسلك ماستر العلوم القانونية كلية الحقوق أكدال الرباط

 المسؤولية المدنية هي التزام شخص بالتعويض عن ضرر أحدثه للغير، سواء بفعله أو بفعل الأشياء والأشخاص الذين هم في حراسته، وهي تتخذ شكلان: مسؤولية عقدية، تتمثل في تعويض المتضرر عن الخسائر التي لحقت به نتيجة عدم تنفيذ عقد أو التأخر في تنفيذه، ومسؤولية تقصيرية أو غير عقدية، وهي تتحقق كقاعدة عامة كلما تم الإضرار بالغير نتيجة فعل غير مشروع.

  وقد أثارت المسؤولية المدنية نقاشات فقهية وقضائية عميقة، نظرا لما أحدثه التطور العلمي والتكنولوجي من تغيير فيها، وستستمر في إثارة النقاش تبعا للتطورات الاقتصادية والإجتماعية الحاصلة.

  ومن بين أبرز مظاهر هذا التطور، تقدير المسؤولية المدنية على أساس نظرية موضوعية، ترتكز على عنصر الضرر، عوض النظرية الشخصية التي تقيم المسؤولية على أساس الخطأ الواجب الإثبات، بل وظهور نظريات متطورة، كنظرية الفائدة ونظرية الوقاية كأسس جديدة للمسؤولية المدنية، وما صاحب هذا التطور من تكثيف حالات التأمين الإلزامي قصد ضمان حصول المضرور على التعويض.

وسنخصص هذا البحث لدراسة مبدأ الوقاية، باعتباره واحدا من بين أبرز مستجدات مشروع قانون المسؤولية المدنية بفرنسا.

  يتجسد مبدأ الوقاية، كمظهر من مظاهر تطور أحكام المسؤولية المدنية، في فكرة بسيطة وأساسية تتمثل في التصدي للضرر قبل وقوعه، أي عوض انتظار وقوع ضرر ثُم التعويض عنه فيما بعد، تَم التفكير في مبدأ الوقاية كوسيلة للتصدي للضرر قبل حصوله، بناء على القاعدة الأصولية التي تفيد بأن الوقاية خير من العلاج.

  فالغاية من مبدأ الوقاية تكمن في حث الفاعلين، لاسيما العموميين منهم، على عدم إغفال المخاطر المستقبلية، عند اتخاذهم القرارات خاصة تلك المرتبطة بالجوانب الماسة بالأشخاص وممتلكاتهم[1].

  ويعتبر المبدأ 15 من إعلان ريو لسنة 1992 المتعلق بالبيئة والتنمية، النص المرجعي العام لمبدأ الوقاية، حيث نص على أنه من أجل حماية البيئة، هناك تدابير وقائية ينبغي اتخاذها على مجال واسع من قبل الدول بحسب قدراتها ومؤهلاتها[2].

  كما تم التعبير على مبدأ الوقاية في القانون الأوروبي بمقتضى المادة 174 من معاهدة الإتحاد الأوروبي، ومن خلالها انتقل إلى القانون الفرنسي، حيث تم التنصيص عليه في القانون البيئي، واعتبرها قانون 2 فبراير 1995 من أسس حماية البيئة، كما تم نقله إلى العديد من التشريعات في مجالات متعددة، لاسيما في المجال الأمني والصحي[3].

  ومن بين هذه التشريعات يوجد تشريعنا المغربي، الذي نص على مبدأ الوقاية من أضرار النفايات في عدة نصوص قانونية، من بينها القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة 38 منه على أن النفايات الطبية والصيدلية تخضع لتدبير خاص تفاديا لأي ضرر يمكن أن يلحق بصحة الإنسان والبيئة.

مقال قد يهمك :   فراجي ترد على الجامعي: النيابة العامة تطبق القانون والمشرع هو المطالب بتغييره

  كما أن المادة 31 من نفس القانون نصت على أنه لا يمكن القيام بنقل النفايات الخطرة من أماكن إنتاجها إلا إذا كانت اللفائف والحاويات اللازمة لنقلها تحمل ملصقات تُعَرِّفُ بشكل واضح وجلي بهذه النفايات وذلك طبقا للمعايير الجاري بها العمل.

  تم اعتماد مبدأ الوقاية كذلك في قانون الماء رقم 10.95 كما تم تعديله بالقانون رقم 36.15، وبالضبط في مادته الثانية والمادة 104، فالبند التاسع من المادة الثانية جعل مبدأ الوقاية من بين المرتكزات التي يقوم عليها قانون الماء[4]، أما المادة 104 فقد جاء فيها:

“يمكن للإدارة أن تتخذ كل إجراء من شأنه الحد من تلوث المياه الناتج عن مصادر أخرى غير صَبِّ المياه المستعملة.

كما يمكن للإدارة عند معاينة حصول أضرار تهدد الصحة أو الأمن أو السلامة العمومية أن تتخذ، بتنسيق مع وكالة الحوض، أي إجراء نافذ فوريا للحد منها”.

  ومن بين المجالات الأخرى التي نص فيها المشرع المغربي على مبدأ الوقاية، يمكن الإشارة للوقاية من التلوث البحري، كما يتضح لنا من خلال مراجعة المادتين 34[5] و35[6] من القانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة.

  وعموما، فإن هذا المبدأ يسمح للمتضررين المحتَمَلِين وليس فقط الحاليين باعتماد العديد من تدابير الوقاية من أجل تفادي وقوع أضرار خطيرة وجماعية، والتي تكون إيكولوجية وصحية ووراثية.[7]

  وقد لاحظنا إحجام الفقه عن تناول مبدأ الوقاية في المؤلفات الخاصة بالمسؤولية المدنية، إلا أن التحرك التشريعي المتنامي نحو إقرار هذا المبدأ سيدفع بالفقه لا محالة نحو الاهتمام به وإعطائه حقه من الدراسة والتحليل.

  ومن بين مظاهر هذا التحرك التشريعي، نشير إلى مشروع قانون إصلاح قواعد المسؤولية المدنية بفرنسا، الذي يرجع لتاريخ 13 مارس 2017، فهذا الأخير تطرق لمبدأ الوقاية في الفصل 1266 الذي جاء فيه: ” في المجال غير التعاقدي، وبغض النظر عن التعويض المحكوم به عن الضرر الحاصل، يجوز للقاضي أن يتخذ ما يراه مناسبا من تدابير معقولة من أجل منع حصول ضرر، أو وضع حد للإضطراب غير القانوني الذي يتعرض له المدعي “[8].

  ورغم ما يلاحظ على هذا المبدأ من محاسن وإيجابيات، إلا أنه لم يسلم من العديد من المؤاخذات، يأتي في مقدمتها تهديده لإستمرارية شركات التأمين في العمل، بحيث أن إعماله قد يؤدي إلى إفلاس هذه الشركات، ولنا في قضية بيريش[9] الشهيرة والأثار التي رتبتها خير دليل.

مقال قد يهمك :   تفاقم احتجاجات الأساتذة المتعاقدين في ضوء خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان (2018/ 2021)

  تساؤل آخر طرحه العديد من الباحثين، وهو يتعلق بالحالة التي يوجد فيها ضرر وشيك الوقوع ولكنه غير مؤكد علميا بشكل كامل؟ كما هو الشأن بالنسبة للأشخاص الذين يقطنون بالقرب من محطات إطلاق الموجات اللاسلكية الخاصة بالهاتف النقال أو الموجات الكهرومغناطيسية الخاصة بالراديو، وقد سبق للقضاء الفرنسي أن أمر بتحويل مكان تواجد محطة لإرسال الموجات اللاسلكية نظرا لتواجدها بالقربمن مدرسة ابتدائية[10]، وفي نازلة أخرى تردد القضاء الفرنسي في الأمر بنقل وتحويل محطة لإرسال الموجات الكهرومغناطيسية بعلة أن الشكوك لازالت تحوم حول تأثيرها المضر بصحة الإنسان[11].

  هذا التضارب في موقف القضاء سيؤدي حتما لعدم الأمن القانوني والقضائي، وما قد يترتب عن ذلك من آثار سلبية على جلب الإستثمار في المجال التكنولوجي، وتحقيق التنمية بشكل عام[12].

  ونفس الإشكال يطرح بخصوص المخاطر التي قد ترتبها الكائنات المعدلة وراثيا على صحة الإنسان، ويأتي في مقدمتها مختلف الأغدية التي نستهلكها يوميا[13].

  كما أنه حسب أحد الباحثين، فمبدأ الوقاية من الضرر الذي قد يحدث مستقبلا، قد يعيد بناء قواعد المسؤولية المدنية على أساس الخطأ، وبالتالي عودة النظرية الشخصية التي كادت تندثر في عصرنا الحالي أمام النظرية الموضوعية[14].

  لذلك نرى بأنه يجب على المشرع الفرنسي أن يقوم بتحديد شروط وحدود إعمال مبدأ الوقاية، الوارد في مشروع قانون إصلاح قواعد المسؤولية المدنية، حتى لا يؤدي به الأمر إلى نتائج لا تحمد عقباها.

  كما أننا نؤكد على ضرورة مسايرة المشرع المغربي لهذه المستجدات التشريعية، عن طريق إدراج مبدأ الوقاية ضمن القواعد العامة وتحديد مجال إعماله، حتى يكون دعامة أساسية لحماية الضحايا في مجال المسؤولية المدنية.


الهوامش : 

[1]– عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني، دراسة حديثة للنظرية العامة للإلتزام في ضوء تأثرها بالمفاهيم الحديثة للقانون الاقتصادي، مصادر الإلتزام، الجزء الثاني، الواقعة القانونية، الطبعة الثالثة 2018، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، ص 31.

[2]– Le principe de précaution, Rapport au premier ministre présenté par Philippe Kourilsky et Geneviève Viney, Edition Odile Jacob, la documentation Française, Janvier 2000, page 11.

[3]– عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني،دراسة حديثة للنظرية العامة للإلتزام في ضوء تأثرها بالمفاهيم الحديثة للقانون الاقتصادي، م س، ص 31.

[4]: جاء في المادة الثانية من قانون الماء رقم 36.15: ” ترتكز مقتضيات هذا القانون على المبادئ التالية:

مقال قد يهمك :   إحصائيات وزارة العدل بخصوص نتائج الامتحان الكتابي لمباراة المحاماة (دورة 31 مارس 2019)

-الوقاية، من خلال تقييم وتقدير أثر الأنشطة التي من شأنها أن تضر بالماء خاصة وبالملك العمومي المائي عامة وتحديد وتنفيذ الإجراءات الملموسة لإزالة هذه الآثار أو التقليص من انعكاساتها السلبية…

[5]: ورد في المادة 34 من القانون رقم 11.03 ما يلي: ” تحدد النصوص التشريعية والتنظيمية:

– التدابير اللازمة من أجل الوقاية من التلوث البحري ومحاربته بما في ذلك التلوث البحري الصادر عن الحوادث البحرية الطارئة…”.

[6]: نصت المادة 35 من هذا القانون على أنه: ” بغرض حماية واستصلاح الساحل والمحافظة عليه، تُتَّخذ تدابير قانونية وتنظيمية من أجل ضمان تدبير مندمج ومستدام للنظام البيئي الساحلي ووقاية موارده من كل تدهور “.

[7]: عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني، دراسة حديثة للنظرية العامة للإلتزام في ضوء تأثرها بالمفاهيم الحديثة للقانون الاقتصادي، م س، ص 34.

[8] : L’article 1266 stipule que : « En matière extracontractuelle, indépendamment de la réparation du préjudice éventuellement subi, le juge peut prescrire les mesures raisonnables propres à prévenir le dommage ou faire cesser le trouble illicite auquel est exposé le demandeur ».

[9]: أنظر تفاصيل هذا القرار على الرابط التالي: http://www.startimes.com/?t=28928944

[10] : CA Aix-en-Provence 4e ch., 8 juin 2004, Dalloz 2004, page 2678.

– للمزيد بخصوص هذا القرار والإنتقادات التي تعرض لها، أنظر:

– Eugénie AMRI, La responsabilité du fait des antennes relais de téléphonie mobile et le principe de précaution, Master II droit des affaires, UNIVERSITE PANTHEON-ASSAS PARIS II, 2010 – 2011, page 25.

[11] : Versailles 14e Ch., 4 février 2009, n° 08/08775.

[12] : Dessa-nin Ewèdew Awesso, La réforme du droit de la responsabilité civile à l’aune des principes de prévention et de précaution : l’échec d’une double consécration ? article publié sur le site suivant : lien

[13]: للإطلاع على المزيد بخصوص هذه المخاطر، أنظر:

– A. Marciano et B. Tourrès, Regards critiques sur le principe de précaution, Le cas des OGM, Librairie Philosophie, Paris, 2011.

– Philippe Kourilsky, Du bon usage du principe de précaution, Réflexion et modes d’action, Edition Odile Jacob, Paris, Janvier 2002.

[14] : Guégan Anne, L’apport du principe de précaution au droit de la responsabilité civile, Revue Juridique de l’Environnement, n°2, 2000, page 161.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)