محفوض حجيو: محاكمة المتهم عن بعد في زمن كورونا وسؤال مبدأ الشرعية الجنائية

1 يوليو 2020 - 11:05 ص مقالات , القانون الخاص , مقالات
  • حجم الخط A+A-

 الدكتور محفوض حجيو، منتدب قضائي باحث في القانون الجنائي والعلوم الجنائية

عضو المكتب المحلي للنقابة الديمقراطية للعدل بالناظور

إذا كان الأصل أن تنعقد جلسات المحاكمة الجنائية في حيز جغرافي واحد، بحضور المتهم وباقي أطراف الدعوى العمومية والشهود وهيئة الحكم، بحيث يتسنى لكل منهم أن يكون طرفا إيجابيا فاعلا يسمع ويرى ويتكلم ويشارك في كل ما يدور في هذه الجلسات، احتراما لشفوية وعلنية المحاكمة الجنائية، وتحقيقا لمبدأ المواجهة بين أطراف الدعوى العمومية. فإن اللجوء إلى المحاكمة عن بعد باستخدام تقنية الاتصال المرئي المسموع Vidéoconférence في مجال المحاكمة الجنائية، يترتب عنه امتداد النطاق الجغرافي لجلسات المحاكمة، بحيث يشمل مكانين أو أكثر داخل إقليم الدولة الواحدة، أو تتفرق بين أقاليم دول متعددة، يتواجد فيها المتهم أو المتهمين والشهود وغيرهم من أطراف الدعوى العمومية، ويستطيعون من خلال هذه التقنية المشاركة الإيجابية الفعالة عن بعد في هذه الجلسات، بحيث تحقق مبدأ المواجهة بين الخصوم، دون الحاجة إلى التواجد الفعلي في أماكن انعقادها (1).

وتعتبر محاكمة المتهم عن بعد آلية حديثة في المجال الجنائي، يتم الاستعانة بها في بعض الحالات، لسماع شهادة الشهود والمتعاونين مع العدالة، لكشف غموض الجرائم الخطيرة لاسيما المنظمة منها، إلى جانب محاكمة المتهمين رغم تواجدهم بالمؤسسات السجنية أو المؤسسات الأخرى المحدثة لإيواء المتهمين، أمام محكمة قد تبعد عن هذه المؤسسات مئات الكيلومترات. ويفترض رغم استخدام هذه التقنية أن جلسة المحاكمة الجنائية قد تمت في نطاق جغرافي واحد، وهو قاعة المحكمة التي توجد بها هيئة الحكم. وذلك تحقيقا لبعض الاعتبارات التي يتمثل أهمها في كفالة فعالية إجراءات الملاحقة الجنائية وسرعة الفصل في القضايا، وتقليل النفقات التي تتكبدها الدولة في عمليات نقل المتهمين من أماكن اعتقالهم إلى مقر المحكمة لحضور جلسات المحاكمة(2).

وينضاف إلى ذلك، أن المحاكمة عن بعد توفر الحماية للمجني عليهم والشهود وغيرهم من المتعاونين مع المحكمة، كما أنها تدعم آليات التعاون القضائي الدولي في الميدان الجنائي دون الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة، لاسيما ما اتصل منها بحقوق الدفاع، واحترام مبدأ المواجهة بين الخصوم تحت إشراف القاضي رئيس الجلسة(3).

لهذه الاعتبارات، أعطى وزير العدل المغربي (مصطفى رميد) الانطلاقة لأول تجربة من محكمة الاستئناف بالدار البيضاء خلال شهر أكتوبر 2016، في أفق تعميمها على باقي محاكم المملكة، خاصة المحاكم التي يكثر فيها عدد المتهمين الموجودين في حالة اعتقال ويتم نقلهم يوميا بين السجن والمحكمة، أو المحاكم التي تبعد كثيرا عن السجن(4)، وهي التجربة التي تم خلالها القيام ببعض إجراءات محاكمة المتهم عن بعد، من خلال التأكد من هوية المتهم بعد إحضاره إلى قاعة في السجن مزودة بشاشات وكاميرات (Vidéoconférence)، تمكنه من الرؤية والتفاعل مع هيئة الحكم المنعقدة بالمحكمة، باستثناء كاتب الضبط الذي يكون حاضرا بالسجن إلى جانب المتهم لتحرير محضر الجلسة، الذي يضمنه هوية المتهم وسبب تأخير قضيته والتاريخ المحدد للجلسة المقبلة.

ذلك أن هذه التقنية –حسب وزير العدل- سيتم اعتمادها في مرحلة تجهيز الملفات فقط، وهي المرحلة التي لا تتطلب إحضار المتهم من السجن إلى المحكمة ليتأكد القاضي من هويته، ثم يلتمس المتهم مهلة لتنصيب محام لمؤازرته في الدفاع أو من أجل إطلاع المحامي على الملف أو التأخير لاستدعاء الشهود، مؤكدا أن إحضار المتهمين من السجن إلى المحكمة، سيقتصر فقط عن الملفات الجاهزة للبحث والمناقشة أي القضايا الجاهزة للحكم.

كما أشار وزير العدل إلى أن هذا النظام يمكن استعماله أيضا في حالات الاستماع لشهود يتعذر الكشف عن هويتهم في إطار إجراءات حماية الشهود، أو ضحايا بعض الجرائم التي يفضل عدم الكشف عن هويتهم، حيث سيتم وضعهم في قاعة أخرى غير قاعة المحاكمة ويتم الاستماع إليهم عبر نظام التواصل من دون رؤية ملامحهم.

وهو ما جاء وزير العدل الحالي محمد بنعبد القادر ليؤكده يوم الأربعاء 22 أبريل 2020، مشيرا إلى أن وزارته ستشرع يوم الخميس 23 أبريل 2020 في بدء عملية التقاضي عن بعد، وذلك في إطار الإجراءات الاحترازية التي يقوم بها المغرب لمحاربة تفشي فيروس كورونا المستجد، وأن هذا القرار جاء بتنسيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة، والمندوبية العامة لإدارة السجون، وأنه تم تحضير اللوازم التقنية واللوجستيكية لانطلاق هذه العملية(5).

هذا، وإن كانت هذه التجربة الأولى لسنة 2016 لم يدور حولها أنذاك جدال قانوني أو حقوقي، لكونها كانت تجربة محدودة ولم يتم تفعيلها على نطاق واسع، إلا أنه بسبب ظهور جائحة كورونا(covid-19) وفرض الحجر الصحي في عموم الوطن، جعل وزارة العدل تعيد طرح الموضوع من جديد واتخاذ قرار اللجوء إلى محاكمة المتهم عن بعد باعتماد تقنية Vidéoconférence، في الشق المتعلق بإجراءات تأخير ملفات المعتقلين. فقد دفع ذلك النقابة الديمقراطية للعدل، النقابة الأكثر تمثيلية لموظفي كتابة الضبط إلى الاحتجاج عن هذا الإجراء، من خلال بلاغها الصادر يوم 22 أبريل 2020، والقول بعدم قانونية مضمون الاجتماع الذي جمع عدد من مسؤولي وزارة العدل مع المسؤولين الاداريين للدوائر الاستئنافية، الذي تم خلاله إقرار جلسات عن بعد تتولى فيها الهيئة القضائية التي تنعقد بمقرات المحاكم تأخير الملفات غير الجاهزة بعد التواصل بتقنية الفيديو مع المعتقلين على ذمة القضايا المعنية، وفي نفس الوقت انتداب أحد موظفي كتابة الضبط للانتقال الى السجن للتحقق من هوية المعتل المعني بالمحاكمة واثبات حقيقة مثوله أمام الهيئة عن بعد.

مقال قد يهمك :   فاتن دويرية :اللاجئ بين الحماية الدولية و المبادرة الوطنية: أية ضمانات؟

وهي الخطوة التي نسجل عليها مجموعة من الملاحظات إن لم نقل الخروقات، ذلك أن اللجوء إلى محاكمة المتهم عن بعد، وقع دون أي تعديل لقانون المسطرة الجنائية بما يتماشى مع متطلبات هذه المحاكمة، لأن هذا القانون على حاله لا يسعف لاتخاذ مثل هذه الإجراءات مع العلم أن قانون المسطرة الجنائية له ارتباط وثيق بحقوق وحريات الأفراد، وهو ما يعد خرق لمبدأ أساسي يشكل صمام الأمان في المنظومة الجنائية، وهو مبدأ شرعية الإجراءات الجنائية، خاصة إذا علمنا أن قانون المسطرة الجنائية يتحدث عن الحضور الشخصي للمتهم أمام المحكمة سواء كانت القضية جاهزة للحكم أم غير جاهزة لذلك، ونذكر على سبيل المثال ما جاء في المواد التالية:

– المادة 311 من ق.م.ج إلى أنه: “يحضر المتهمون شخصيا..”

– المادة 312 من ق.م.ج تشير إلى أنه: “يتعين على كل متهم أن يحضر في الجلسة..
يمكن في القضايا الجنحية إحضار المتهم المعتقل للجلسة بدون سابق استدعاء وإصدار حكم حضوري في حقه..”

– المادة 318 من ق.م.ج تشير إلى أنه: “يأمر الرئيس بإحضار المتهم..”.

كما أنه ليس هناك أي نص قانوني يقول بانتقال كاتب الضبط إلى السجن وتحرير محضر للإجراءات المتخذة خلال المحاكمة، باستثناء في حالتين مرتبطتين بحالة الضرورة فقط:

– الحالة الأولى: ينتقل فيها كاتب الضبط رفقة أحد أعضاء الهيئة القضائية التي تنظر في القضية، وهي حالة تعذر حضور المتهم لأسباب صحية ووجود أسباب خطيرة لا يمكن معها تأجيل القضية، طبقا لما ورد في الفقرة الرابعة من المادة 312 التي جاء فيها: “غير أنه إذا كان المتهم في وضعية صحية يتعذر عليه فيها حضور الجلسة، ووجدت أسباب خطيرة لا يمكن معها تأجيل الحكم في القضية، فإن المحكمة تكلف بمقتضى مقرر خاص ومعلل أحد أعضائها بمساعدة كاتب الضبط، لاستنطاق المتهم في المكان الذي يوجد به”.

مقال قد يهمك :   مولاي حفيظ قاديري : تطور نظام الأموال المشتركة منذ ظهير الالتزامات و العقود-الشركات التجارية نموذجا-

– الحالة الثانية: عندما يتم إحضار المتهم المعتقل أمام المحكمة ويحدث فوضى بالجلسة، طبقا لما نصت عليه المادة 358 من ق.م.ج التي جاء فيها:

“إذا كان المتهم هو نفسه الذي أحدث الاضطراب، أمر رئيس المحكمة بطرده من الجلسة، وتتابع المناقشات في غيبته.

فإذا كان معتقلا نقل إلى المؤسسة السجنية، ويتعين على كاتب الضبط، عند الاقتضاء، أن ينتقل عقب الجلسة إلى هذه المؤسسة ويتلو عليه محضر المناقشات وملتمسات النيابة العامة وكذا الأحكام أو القرارات التمهيدية الصادرة منذ طرده..”

والغريب في الأمر أن حتى مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، في موادها التي تنظم مسألة محاكمة المتهم عن بعد، تسند مهمة الإشراف على العملية في المكتب المحدث بالسجن إلى قاضي تكلفه الهيئة القضائية بمساعدة كاتب الضبط وبحضور النيابة العامة وموظف يعمل بالمؤسسة السجنية، ولا تسمح بانتداب كاتب الضبط وحده، إذ جاء في المادة 6-347 من المسودة بأنه:

“يتولى القاضي المعين من طرف رئيس المحكمة المنتدبة الإشراف الاشراف على العملية وضبط النظام بالمكتب أو القاعة التي يجري بها الاستماع، وعليه أن يحرر بعد التأكد من هوية الأطراف محضرا يبين فيه نوع الإجراء المنجز وسند تنفيذه وتاريخ وساعة بدايته ونهايته والأشخاص الذين شاركوا فيه والأحداث التي تقع بالمكان الذي ينجز به الإجراء دون أن يضمن فيه المناقشات التي تجريها مباشرة الهيئة القضائية التي أصدرت الانتداب والدفوع المتعلقة بها والتي تتولى الهيئة الأخيرة تسجيلها بمحضر الجلسة مع الإشارة فيه إلى أن الاستماع تم عن بعد.

يساعد القاضي المعين للإشراف على العملية كاتب الضبط.
تحال نسخة من المحضر فورا من طرف المحكمة على الهيئة القضائية التي أصدرت الانتداب ويحتفظ بنسخة بملف خاص.
يتم الاستماع بحضور ممثل النيابة العامة “.

وتضيف المادة 7-347 من المسودة بأنه: ” إذا تعلق الأمر بشخص معتقل، أمكن للهيئة القضائية، بعد أخذ رأي النيابة العامة، الاستماع إليه أو استنطاقه أو أخذ تصريحاته باستعمال تقنية للاتصال عن بعد تضمن سرية البحث، بحضور موظف يعمل بالمؤسسة السجنية..”.

لهذا، وبالإضافة إلى انعدام الأساس القانوني لمحاكمة المتهم عن بعد، فإننا نجد أنفسنا أمام مجموعة من الأسئلة لم نجد لها جواب منطقي، حول الداعي إلى انتقال كاتب الضبط إلى السجن وعدم البقاء رفقة الهيئة القضائية وتحرير محضر الجلسة؟ ولماذا تم الاقتصار على كاتب الضبط وحده دون غيره على الرغم أن حتى مسودة مشروع ق.م.ج ينص على حضور القاضي المنتدب وممثل النيابة العامة وكاتب الضبط وموظف بالمؤسسة السجنية؟؟؟.

عموما، وعلى الرغم من أن اللجوء إلى محاكمة المتهم عن بعد في شموليتها، يهدف إلى تبسيط وسرعة إجراءات المحاكمة الجنائية، بحيث يتم الفصل في الدعوى خلال مدة زمنية معقولة، كما أنه يوفر الكثير من النفقات على الدولة، ويحقق التعاون القضائي الدولي في الميدان الجنائي بشكل فعال وبسيط يتجاوز التعقيدات المسطرية بهذا الخصوص، وهو ما يجعل هذه التقنية تتماشى مع التوجهات الحديثة للسياسة الجنائية المعاصرة وتساهم في تطوير أداء مرفق العدالة الجنائية، وليس بها ما يخل بمبدأ المواجهة، خاصة إذا كانت هذه المحاكمات تسجل بهذه الأجهزة ويتم حفظها للرجوع إليها عند الحاجة. إلا أن ذلك ليس مبررا لخرق مبدأ شرعية الإجراءات الجنائية الذي يستوجب بطلان كل إجراء أنجز بخلاف ما نص عليه قانون المسطرة الجنائية، إعمالا لمقتضيات المادة 751 التي جاء فيها: “كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم ينجز..”.

مما ينبغي معه عدم تفعيل هذا الإجراء (حتى ولو تم الاقتصار عن تأخير القضية فقط) رغم مزاياه المذكورة أعلاه، إلى حين العمل على تعديل قانون المسطرة الجنائية بما يتماشى مع متطلبات محاكمة المتهم عن بعد بشكل يضمن له كافة ضمانات المحاكمة العادلة، أسوة بالتشريعات التي سبقته في تنظيم هذا المجال.

مقال قد يهمك :   حسن فتوخ : إشكالات النظام المالي للزوجين في ضوء مدونة الأسرة و الاجتهاد القضائي.

الهوامش:

(*)  تم تحكيم هذا المقال العلمي من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون للدراسات و الأبحاث القانونية.

 1-Gherardo Colombo: La vidéoconférence au service des commissions rogatoires internationales, Petites affiches, 26 Fév. 1999, N° 41, P 24.

2- حاتم محمد فتحي، مبدأ الشفهية والتقنية الحديثة في المحاكمة الجنائية: مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، العدد التاسع والأربعون-أبريل 2011، ص 51 وما بعدها.

– 3 Gian Carlo Caselli: La participation à distance dans le procès pénal, petites affiches, 26 Fév. 1999, N° 41, p 18.

4- كلمة ذ/مصطفى الرميد وزير العدل والحريات المغربي، منشورة بالصوت والصورة على الموقع:
https://youtub.be/B1vpoRKLWxc

5-www.2m.ma

6- عادل يحي، التحقيق والمحاكمة الجنائية عن بعد –دراسة تحليلية تأصيلية لتقنية الـ Vidéoconférence في المجال الجنائي: دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 2006، ص 16

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)