محمد أهاروش/ع.العاطي سلواني: مبدأ التدبير الحر للجهات بين ضمانات التنزيل وسؤال التفعيل

22 يناير 2024 - 12:48 م مقالات , القانون الخاص , مقالات
  • حجم الخط A+A-

محمد أهاروش أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والسياسية جامعة الحسن الأول -سطات

عبد العاطي سلواني باحث بسلك الدكتوراه، كلية العلوم القانونية والسياسية -سطات

مقدمة:

تشكل الجهة أحد المكونات الترابية  ذات الأهمية البالغة، باعتبارها المجال الأنسب للعمل، والفضاء الملائم للتشاور والتداول حول القضايا المحلية[1]، وقد احتلت الجهة بالمغرب على الدوام مكانة متميزة وهدفا ساميا تستحق من أجل بلورتها من مجرد فكرة راودت الجهات العليا ورجال السياسة والإدارة والباحثين والمهتمين إلى حقيقة واقعية تطلبت بذل المزيد من الجهد والتفكير والمثابرة ودراسة وتحليل تجارب دول عدة سبقت إلى تطبيقها قبل الشروع في إرساء قواعدها على أرض الواقع وعلى أسس متينة والمغرب واثق من نظام جهوية متقدمة مندرجة ترقى به إلى مصاف الدول التي قطعت شوطا بعيدا في هذا النظام[2].

وفي هذا السياق، كان بين أهم المستجدات التي جاء بها دستور 30 يوليوز 2011[3]، التنصيص على التدبير الحر للجماعات الترابية في الفصل 136 منه الذي جاء فيه: “يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة”، وهو ما تضمنه أيضا الفصل 146 الذي أشار إلى أنه تحدد بقانون تنظيمي بصفة خاصة “قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر”.

لقد كان صدور ظهير 7 يوليو 2015 بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات[4]، كان فرصة لترسيخ الجهة كجماعة ترابية خاضعة للقانون العام تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، وتشكل أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، باعتباره تنظيما لا مركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة، ويرتكز في تدبير الجهة لشؤونها على مبدأ التدبير الحر الذي يخول بمقتضاه لكل جهة سلطة التداول بكيفية ديمقراطية، وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها[5].

إذا كانت المقتضيات الدستورية والقانونية تشكل ضمانة أساسية لانخراط مجالس الجهات في اعتماد مبادئ الحكامة والديمقراطية والتدبير الحر كأساس لتدبير شؤونها، وتبني اختياراتها وبرامجها. فإن الإشكالية التي تطرح نفسها في هذا الإطار، هي: إلى أي مدى استطاعت الأرضية الدستورية والتنظيمية التي أقرها المشرع المغربي ضمان تفعيل مبدأ التدبير الحر للجهات؟

هذه الإشكالية المركزية يمكن تقسيمها إلى سؤالين محوريين كأساس لتحليل هذا الموضوع:

  • ما هي خصوصيات التدبير الحر للجهات من خلال دستور 2011 والقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات؟
  • ما مدى مساهمة مبدأ التدبير الحر للجهات في حكامة التدبير الترابي الجهوي؟

لتحليل هذا الموضوع والإجابة على الإشكالية الرئيسية والأسئلة المطروحة، ارتأينا تقسيم الموضوع إلى محورين على النحو التالي:

  • المحور الأول: الجهة وخصوصيات التدبير الحر على ضوء الدستور والقانون
  • المحور الثاني: مساهمة مبدأ التدبير الحر للجهات في حكامة التدبير الترابي الجهوي

المحور الأول: الجهة وخصوصيات التدبير الحر على ضوء الدستور والقانون

نحاول من خلال هذا المحور الإجابة على ثلاث أسئلة أساسية: ما المقصود بمبدأ التدبير الحر للجهات؟ وما هي مختلف المرجعيات الدستورية والتنظيمية التي يستند عليها؟ وما هي كذلك ضمانات وآليات تنزيله بالنسبة للجهات؟

أولا: مضمون مبدأ التدبير الحر للجهات

تجدر الإشارة في البداية إلى أن مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية ظهر لأول مرة في فرنسا من خلال دستور 27 أكتوبر 1946، كما تمت الإشارة لهذا المبدأ في دستور الجمهورية الخامسة لسنة 1958 والتعديل الدستوري لـ 28 مارس 2003[6]، وتم التنصيص عليه بعبارة مبدأ حرية إدارة الجماعات المحلية (Principe de libre administration des collectivités locales) والذي منح للجماعات المحلية حرية إدارة مجالسها وفق الشروط المحددة في القانون، وقد كان لاجتهادات القضاء الدستوري الفرنسي أهمية بارزة في وضع الأسس الأولية والنظرية للمبدأ، وكذا تحديد مضمونه وتوضيح مجاله وضمان الالتزام بتطبيقه وحمايته من تدخل المشرع[7].

إن التدبير الحر[8]، ليس شيئا آخر، سوى الانتقال بالنسبة للجماعات الترابية، وفق ما جاء به دستور 2011، من جهات الدولة إلى دولة الجهات، ومن الأقاليم والعمالات المؤطرة بمقاربة أمنية إلى واقع جديد أملته الحاجيات الاجتماعية والاقتصادية لعموم الساكنة، ومن الجماعات ذات مهام ووظائف متصلة أساسا بالإشهاد الإداري إلى مؤسسات قائمة الذات مهتمة بسياسات القرب[9]، ومن ثم يفيد هذا المبدأ في معناه العام، إلى شكل من أشكال الحرية والاستقلالية في تدبير الجماعات الترابية لشؤونها المحلية؛ وعلى ذلك، فإنه مبدأ يمكن هذه الأخيرة من تدبير شؤونها بنفسها، وتحديد وبلورة اختياراتها وبرامجها التنموية بكيفية مستقلة وديمقراطية، ولا يسمح بتدخل ممثل السلطة المركزية في أنشطتها ومهامها، إلا في الحدود التي يسمح بها القانون[10].

يبدو أن معنى التدبير الحر يعد مرادفاً لحرية تسيير الجماعات من طرف هيئات منتخبة، لكن في ظل الحدود التي يضعها الدستور والقانون في دولة بسيطة ليتضح أن الغرض من الارتقاء بمبدأ التدبير الحر إلى المرتبة الدستورية، جاء ليتوافق مع الجماعات الترابية ويخولها بعض الاستقلالية باعتباره العنصر الهيكلي للامركزية، كما يوحي هذا التطور أيضاً بأن هناك منحى لتعزيزه وجعله أكثر اتساقاً، وللتأكيد على تقديم إطار مبتكر أكثر وضوحاً وتنظيماً، وبالتالي الاعتراف بقدرة الجماعات الترابية على استقلاليتها في الإدارة من خلال تعهد الدولة بجعلها أكثر مسؤولية وفعالية وديمقراطية، ومن تم يمكن الفهم بأن مبدأ التدبير الحر أسند إلى مجالس منتخبة لتكون مسؤولة عن إدارة الجماعات الترابية[11]، بحرية واستقلالية، إلا أن الحرية التي يمنحها المبدأ للجماعات الترابية غير مرادفة لحرية الحكم المحلي، لأن حرية الإدارة أو التسيير لا تعني الحكم أو اتخاذ قرارات ذات طابع سياسي[12].

لا شك أن إعمال مبدأ التدبير الحر سيعطي للجهات استقلال حقيقي وحرية أكبر في اتخاذ قراراتها وفي التعبير عن إرادتها، وضمان حصولها على الوسائل القانونية الكفيلة بتحقيق ذلك من خلال تمتيعها بسلطة تنظيمية محلية تتولى من خلالها وضع قواعد تنظيمية في المجالات التي يحددها القانون، وحرية تعاقدية معترف بها لفائدة الجماعات الترابية تتمثل في حرية إبرام العقود المناسبة لأداء مهامها[13]، وكذا حرية اختيار طرق تدبير المرافق العامة والحرية في التعاقد أو الامتناع عن التعاقد واختيار المتعاقد معها، وفي تكوين العقد وتحديد مضمونه وطرق تنفيذه.

وبالتالي فمبدأ التدبير الحر يعني -بالنسبة للجهة- تمتعها بالحرية والاستقلالية في إدارة شؤونها المحلية واتخاذ القرارات المتعلقة بالتنمية والإدارة، دون تدخل ممثلي السلطة المركزية، وهذا يشكل مرحلة متقدمة في مجال اللامركزية، أو ما يمكن تسميته باللامركزية الحرة، التي تفيد إعطاء الوحدات الترابية حق تنظيم حياتها المحلية بحرية وتوسيع آليات وصلاحيات تدخلها، في حدود الضوابط والتشريعات المعمول بها، وهذا المفهوم يعزز الديمقراطية والمسؤولية المحلية ويسمح للجهات بتكوين برامج تنموية واتخاذ قرارات تتعلق بشؤونها بشكل مستقل.

ثانيا: التدبير الحر لشؤون الجهة وسؤال المرجعيات

يجد مبدأ التدبير الحر في التنظيم الترابي الجهوي أصوله في مستويين اثنين من المرجعيات؛ أولاهما المرجعية الدستورية، حيث أن الفصل 136 من دستور 2011 نص في مقتضياته، على أنه “يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن؛ ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة”، وهي مقتضيات ستعطي قيمة دستورية للمبدأ، وستجعله بالتالي أحد مرتكزات التنظيم الترابي على المستوى الجهوي.

أما المستوى الثاني من هذه المرجعيات فإنه يجد أهم مقتضياته في النصوص التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية ومنها الجهات. وهكذا، فإن المادة الربعة من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، تنص من جانبها على أن “يرتكز تدبير الجهة لشؤونها على مبدأ التدبير الحر، الذي يخول بمقتضاه لكل جهة في حدود اختصاصاتها…سلطة التداول بكيفية ديمقراطية، وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها طبقا لأحكام هذا القانون التنظيمي، والنصوص التشريعية والتنظيمية المتخذة لتطبيقه”.

إن المقتضيات الدستورية والتنظيمية السابق الإشارة إليها، تشكل الإطار المرجعي الصلب لمبدأ التدبير الحر، الذي أصبح يحوز على قيمة دستورية بصريح نص الدستور. كما أن النصوص التنظيمية، ستعمد من جهتها إلى ملامسة الأبعاد الكبرى المؤسسة للمبدأ، والذي يقابل في محتواه العام التدبير الحر لشؤون الجهة، بما يستتبعه ذلك من استحضار كل من مقومي الاختيار الحر والتدبير الحر لهذه الأخيرة[14]. وينطوي التنصيص على مبدأ التدبير الحر في الوثيقة الدستورية على الاعتراف الصريح والتكريس القانوني للحق المطلق بالنسبة للجهات في تسيير شؤونها المحلية بنفسها من خلال إعطائها استقلالية ذاتية تتيح لها ممارسة اختصاصاتها ووضع التدابير اللازمة لتحقيق ذلك على أساس انفلاتها وانعتاقها من الوصاية المركزية، ويتمثل ذلك في المكانة التي منحت لرؤساء مجالس الجهات، حيث يقومون بتنفيذ مداولات هذه المجالس ومقرراتها[15].

في ذات السياق، فإنه تسعفنا المقتضيات التنظيمية لقانون الجهات، في إبراز العناصر المهيكلة لتفعيل وأجرأة مبدأ التدبير الحر بالنسبة للجهات، وذلك من خلال ما ورد في الفقرة الأولى من المادة 4 من القانون 111.14 المتعلق بالجهات. والتي تنص على أنه “يرتكز تدبير الجهة لشؤونها على مبدأ التدبير الحر الذي يخول بمقتضاه لكل جهة، في حدود اختصاصاتها…سلطة التداول بكيفية ديمقراطية، وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها”.

مقال قد يهمك :   محمد الأعرج : القاضي الإداري و مسطرة الإشعار لدى الغير.

والواقع، أنه بالرجوع إلى هذه المقتضيات سيظهر الجانب الإجرائي للتدبير الحر، والذي لا يخرج على أحد المستويين الاثنين من المكونات، المستوى المؤسساتي، أي سلطة التداول بكيفية ديمقراطية من طرف المجالس المنتخبة. وهو مستوى يرتبط في المقام الأول، بحرية هذه الأخيرة في اختيار هياكلها، وفي اتخاذ قراراتها، وفي التعبير عن إرادتها، بالشكل الذي يمكنها من تدبير شؤونها المحلية، وينمي حرية عملها. أما المستوى الثاني، فإنه يرتبط بالمستوى التدبيري أو الوظيفي، المقابل لسلطة تنفيذ المداولات والمقررات من قبل المجالس الجهوية. وهو مستوى يجد تجسيده الأولي والعملي، في تمتيع هذه الأخيرة بالوسائل القانونية الكفيلة بتحقيق ذلك، والمتمثلة أساساً في حق ممارسة سلطة تنظيمية محلية، تتولى من خلالها وضع قواعد تنظيمية في الحالات التي يحددها القانون، إلى جانب منحها اختصاصات فعلية وواقعية تمكنها من تدبير شؤونها وتعزز حرية عملها[16].

يمكن القول إن مبدأ التدبير الحر في التنظيم الترابي الجهوي في المغرب يمنح للجهات حرية كبيرة في تدبير شؤونها، وذلك من خلال تمكينها من ممارسة اختصاصات فعلية وواقعية، ومنحها وسائل قانونية تمكنها من تنفيذ مداولاتها ومقرراتها. ومع ذلك، يجب الأخذ بعين الاعتبار ضرورة تعزيز قدرات المجالس الجهوية من أجل تفعيل مبدأ التدبير الحر على أرض الواقع. والتنسيق بين الجهات والسلطات المركزية من أجل تحقيق التنمية المستدامة في المستويات المحلية. إلى جانب إشراك السكان المعنيين في تدبير شؤون الجهات من أجل تعزيز الديمقراطية المحلية.

ثالثا: ضمانات وآليات تنزيل مبدأ التدبير الحر للجهات

إن الهدف الرئيسي الذي يتوخاه المشرع المغربي من خلال التنصيص على مبدأ التدبير الحر للجهات، هو منح المجالس المنتخبة سلطة التداول وسلطة تنفيذ مقرراتها بكيفية ديمقراطية طبقا لقواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر لشؤون الجهة، من خلال احترام العديد من القواعد المجسدة في المساواة بين المواطنين في ولوج المرافق العمومية، وكذا الاستمرارية في أداء الخدمات وضمان جودتها وتكريس قيم الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمسؤولية وترسيخ سيادة القانون والتشارك والفعالية والنزاهة[17]، وفي إطار تنزيل مبدأ التدبير الحر لشؤون الجهة كما نص على ذلك الفصل 136 من دستور 2011 عمل القانون التنظيمي للجهات رقم 111.14 على تعزيز وتوسيع صلاحيات المجلس الجهوي، وكذا منح رئيسه سلطة تنفيذية وتنظيمية وتدبيرية للمصالح الإدارية للجهة بعدما كان ممثل السلطة المركزية سابقا يطلع بدور محوري في هذا الباب[18].

وعليه يقتضي مبدأ التدبير الحر أن تتوفر الجهة أولا، على مجلس تداولي منتخب يتمتع باختصاصات فعلية، ويقتضي أيضاً، أن تتوفر الجهة على موارد عامة كافية لتأمين هذا التدبير الحر، والتدبير الحر يقتضي أخيراً حرية التقرير، بل الحر في التدبير الذاتي، وهو ما يعني موضوعيا سلطة التقرير الحر في كل القضايا التي تكتسي طابعا جهويا[19]، حيث أناط المشرع بالجهة مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة داخل دائرتها الترابية، وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها، ولهذه الغاية تمارس الجهة اختصاصات ذاتية، واختصاصات مشتركة مع الدولة، واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة[20].

تمارس الجهة اختصاصات ذاتية في مجال التنمية الجهوية. كما تقوم بإعداد وتتبع تنفيذ برنامج التنمية الجهوية والتصميم الجهوي الإعداد التراب[21]، وفي هذا الإطار، خول المشرع المغربي الجهات العديد من الاختصاصات التي تدخل في إطار تحقيق التنمية على الصعيد الجهوي، وتشمل أساسا: التنمية الاقتصادية، التكوين المهني والتكوين المستمر والشغل، التنمية القروية، النقل، الثقافة، البيئة، التعاون الدولي[22].

ومن أجل تنزيل هذه الاختصاصات التنموية، أصبح للجهة الحق في وضع برنامجها الخاص بها للتنمية الجهوية لمدة ست سنوات تحت إشراف رئيس مجلسها والعمل على تتبعه وتحيينه وتقييمه، يتضمن الأعمال التنموية المقرر برمجتها وإنجازها بتراب الجهة وفق منهج تشاركي وبتنسيق مع ولي الجهة، هذا البرنامج الذي يمكن تحيينه ابتداء من السنة الثالثة من دخوله حيز التنفيذ[23].

إلى جانب ذلك، يضع مجلس الجهة تحت إشراف رئيس مجلسها التصميم الجهوي لإعداد التراب وفق القوانين والأنظمة الجاري بها العمل في إطار توجهات السياسة العامة لإعداد التراب المعتمدة على المستوى الوطني وبتشاور مع الجماعات الترابية الأخرى والإدارات والمؤسسات العمومية، وممثلي القطاع الخاص المعنيين بتراب الجهة[24]، ويهدف التصميم الجهوي لإعداد التراب على وجه الخصوص، إلى تحقيق التوافق بين الدولة والجهة حول تدابير تهيئة المجال وتأهيله وفق رؤية استراتيجية واستشرافية بما يسمح بتحديد توجهات واختيارات التنمية الجهوية[25].

كما تمارس الجهة اختصاصات مشتركة مع الدولة، وتشمل مجالات التنمية الاقتصادية، التنمية القروية، التنمية الاجتماعية، البيئة، الثقافة، ثم إنعاش السياحة[26]. وهي اختصاصات لم يكن منصوصا عليها في القانون رقم 47.96 المنظم للجهات سابقا، بحيث يمكن للجهة أن تمارسها بينها وبين الدولة بشكل تعاقدي إما بمبادرة من الدولة أو بطلب منها واعتمادا على مواردها الذاتية[27].

وبناء على مبدأ التفريع[28]، تمارس الجهة اختصاصات منقولة إليها من الدولة في مجالات محددة مع ضرورة مراعات مبدأ التدرج والتمايز بين الجهات عند نقل الاختصاصات من الدولة إلى الجهة[29].

من الواضح أنه تم تعزيز وتوسيع اختصاصات وصلاحيات مجلس الجهة بواسطة القانون التنظيمي للجهات 111.14 بالمقارنة مع الوضع القانوني السابق. يتيح هذا القانون لمجلس الجهة أن يشارك في مناقشة القضايا ذات الصلة بسلطاته، مثل إنشاء المرافق العامة التابعة للجهة وتنظيم طرق إدارتها وفقًا للأنظمة واللوائح السارية بعدما كان دوره مقتصرًا في السابق على تقديم اقتراحات بشأن إنشاء المرافق العامة الجهوية والمشاركة في تأسيس شركات التنمية الجهوية أو الاشتراك في رأسمالها بالتعاون مع القطاعين العام والخاص وفقًا للقانون السابق رقم  47.96.

بالإضافة إلى التوسيع من مجال الاختصاصات الممنوحة للجهات، تم أيضا في ظل الإطار الدستوري والتنظيمي المؤطر للجهة، منح رؤساء مجالس الجهات صلاحيات تنفيذ مداولات هذه المجالس ومقرراتها، من خلال الفصل 138 من دستور 2011، وتم تأكيد هذا المقتضى الدستوري في المادة 101 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، وذلك بعدما كانت السلطة التنفيذية المحلية عبر مختلف مراحل تطور نظام اللامركزية بالمغرب موزعة بين الهيئات المنتخبة والأجهزة المعينة[30].

لقد أصبح لرئيس مجلس الجهة الحق في إعداد وتنفيذ برنامج التنمية الجهوية والتصميم الجهوي لإعداد التراب وإعداد وتنفيذ الميزانية، وإبرام صفقات الأشغال والتوريدات أو الخدمات، ورفع الدعاوى القضائية باسم الجهة[31]، كما يعتبر هو الآمر بقبض مداخيل الجهة وصرف نفقاتها، ورئاسة مجلسها وتمثيلها في جميع أعمال الحياة المدنية والإدارية والقضائية والسهر على مصالحها طبقا للقانون[32].

ومن بين الآليات الضرورية لتجسيد مبدأ التدبير الحر لشؤون الجهة، والتي نصت عليها الفقرة الثانية من الفصل 140 من دستور 2011، هي منح رئيس مجلس الجهة صلاحية ممارسة السلطة التنظيمية بعد مداولات المجلس بموجب قرارات تنشر في الجريدة الرسمية للجماعات الترابية طبقا لأحكام المادة 251 من القانون التنظيمي للجهات، وتعني السلطة التنظيمية المحلية السلطة التي تنصب على اتخاذ القرارات والقيام بالإجراءات التي يتطلبها حسن سير المرافق العمومية بكيفية منتظمة ومضطردة من أجل الحفاظ على النظام العام والتدخل لتنظيم أوجه الحياة العامة في مجالاتها المتعددة عن طريق اتخاذ قرارات تنظيمية عامة وفردية[33].

المحور الثاني: مساهمة مبدأ التدبير الحر للجهات في حكامة التدبير الترابي الجهوي

يتناول هذا المحور ثلاث مداخل أساسية تتعلق بتفعيل مبدأ التدبير الحر لشؤون الجهة، ينطلق أولا من سؤال الأسس، ثم حدود التفعيل، وثالثا آفاق ورهانات تجسيد حكامة التدبير الحر للجهات.

أولا: الجهة وأسس حكامة مبدأ التدبير الحر

بالعودة إلى مختلف التعريفات التي تم إعطاؤها للحكامة الترابية، نجد أنها عبارة عن منظومة أو شكل أو إطار للحكم المحلي، يعمل على تقوية وتوسيع قدرات المجتمعات المحلية والتنوع في خياراتها وحرياتها الاقتصادية والاجتماعية وتفيد أيضا الوضع الذي يعطى فيه حق المشاركة في اتخاذ القرار للمستويات الإدارية المحلية دون أن يلغي ذلك حق الإدارة المركزية في اتخاذ القرار؛ فهي بالتالي أسلوب في الحكم يقوم على مبدأ توزيع سلطة صنع القرار والصلاحيات بين السلطة المركزية وهيئات أخرى مستقلة تتواجد في الأقاليم والتجمعات السكانية المختلفة[34].

في إطار التأسيس لحكامة التدبير الترابي الجهوي، هناك جملة من الآليات الإجرائية والمسطرية التي تشكل الأدوات العملية لأجرأة أسس حكامة مبدأ التدبير الحر على مستوى الجهة. هذه الآليات، قد تهم في المقام الأول كلا من مجلس الجهة ورئيسه والهيئات التابعة له كما أنها قد تهم في المقام الثاني رئيس مجلس الجهة[35]، وتنبني قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر العمل على الخصوص على احترام المبادئ العامة التالية[36]:

  • المساواة بين المواطنين في ولوج المرافق العمومية التابعة للجهة؛
  • الاستمرارية في أداء الخدمات من قبل الجهة وضمان جودتها؛
  • تكريس قيم الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمسؤولية؛
  • ترسيخ سيادة القانون؛
  • التشارك والفعالية والنزاهة.

وتتمثل الآليات التي تهم مجلس الجهة ورئيسه والهيئات التابعة له، في ضرورة احترام الإجراءات والمقتضيات والقواعد التي تنص عليها المادة 244 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، وهي كالتالي:

مقال قد يهمك :   الديمقراطية التشاركية : براديغم جديد لتدبير الشأن العام المحلي

  • مقتضيات النظام الداخلي للمجلس؛
  • التداول بكيفية ديمقراطية خلال جلسات المجلس؛
  • حضور ومشاركة الأعضاء بصفة منتظمة في مداولات المجلس؛
  • شفافية مداولات المجلس؛
  • آليات الديمقراطية التشاركية؛
  • المقتضيات المتعلقة بوضع الميزانية والتصويت عليها وتنفيذها؛
  • المقتضيات المنظمة للصفقات؛
  • القواعد والشروط المتعلقة بولوج الوظائف بإدارة الجهة والهيئات التابعة لها، ومجموعات الجهات ومجموعات الجماعات الترابية؛
  • القواعد المتعلقة بربط المسؤولية بالمحاسبة؛
  • عدم استعمال التسريبات المخلة بالمنافسة النزيهة؛
  • التصريح بالممتلكات؛
  • عدم تنازع المصالح؛
  • عدم استغلال مواقع النفوذ.

وعلى رئيس مجلس الجهة اتخاذ الإجراءات الضرورية من أجل اعتماد الأساليب الفعالة لتدبير الجهة، ولا سيما: تحديد المهام ووضع دلائل للمساطر المتعلقة بالأنشطة والمهام المنوطة بإدارة الجهة وبأجهزتها التنفيذية والتدبيرية، تبني نظام التدبير بحسب الأهداف، ووضع منظومة لتتبع المشاريع والبرامج تحدد فيها الأهداف المراد بلوغها ومؤشرات الفعالية المتعلقة بها[37].

كما أن الجهة تحت إشراف رئيسها، مطالبة باعتماد آليات للتقييم الخاص بالأداء، والمراقبة الداخلية وتقديم الحصيلة؛ آليات تقتضي برمجتها من طرف المجلس وهي الجهوي، وضرورة نشرها ليطلع عليها العموم أيضا بإمكان المجلس أو رئيسه، ووفق إجراءات حددها القانون إخضاع تدبير الجهة والهيئات التابعة لها التي تساهم فيها، لعمليات تدقيق بما في ذلك التدقيق المالي.

ثانيا: مبدأ التدبير الحر للجهات وحدود التفعيل

في نظر جانب من الفقه، هناك بعض الثغرات تدل على محدودية فعالية هذا المبدأ، ذلك أن الدستور قد عبر صراحة على خيار التدبير الحر للجماعات، وصحيح أيضا أن القوانين التنظيمية للجماعات قد كررت هذا المبدأ بنصها على سلطة المجلس الجماعي في التداول بكيفية ديمقراطية، وسلطة تنفيذ المداولات والمقررات التي يتخذها المجلس، إلا أنها عادت لتكريس نوع من الوصاية فيما يشبه تراجعا على مبدأ التدبير الحر، فالمقررات التي تهم الجانب المالي مازالت غير قابلة للتنفيذ إلا بعد تأشير سلطة الوصاية عليها[38].

وإذا كان القانون التنظيمي للجهات قد شدّد  أكثر من الرقابة الإدارية على تدخلات واختصاصات الجهة في بعض الجوانب -خاصة المالية- فإن أبعاد هذه المراقبة الإدارية تطرح العديد من التساؤلات التي لم تتم الإجابة عنها بوضوح، ومن بينها علاقة الدولة بالجهة كجماعة ترابية، هل هي علاقة وصاية أم رقابة أم مصاحبة، لا سيما في الجوانب المالية ذات الأهمية القصوى في تحديد اختيارات الجهة وأولوياتها[39]، وإذا كانت المراقبة كآلية ضرورية ومحددة للعمل الجهوي ترتبط بدرجة اللامركزية التي تخولها الأنظمة السياسية على اختلافها لمكوناتها الترابية، فإن ممارستها بشدة وإفراط، لا شك يقلص من الفعالية المتوخاة من المجالس الجهوية، ويفرغ مبدأ الحرية والمبادرة وإشراك السكان في تدبير شؤونهم من مضمونه[40].

نظرا لتعدد الفاعلين في تدبير الشأن العام المحلي، وبالإضافة إلى إشكالية العلاقة ما بين الدولة والجماعات الترابية في تحديد وتوزيع الاختصاصات، تعاني عملية بلورة السياسات العمومية الترابية من إشكالية تداخل الاختصاصات وتحديد الأدوار وتوضيح المهام ورسم حدود تدخل كل فاعل في عملية اتخاذ القرار المحلي. وهذا راجعا إلى عدم وضوح القوانين والنصوص المنظمة لتوزيع الاختصاصات والمهام. فالقراءة المتأنية للنصوص التنظيمية للجماعات الترابية، توضح أنها جاءت بمحتويات ومضامين ذات صيغ فضفاضة وعامة، مما يصعب معه تحديد الغاية والأهداف المسطرة، فالاعتقاد قد ينصرف إلى تأويل لوسائل وآليات التدخل بلا حدود في كل المجالات، وهو ما سيؤدي إلى تنازع الاختصاصات، وإلى تعدد المتدخلين في إعداد وتنفيذ مختلف المشاريع والأوراش[41].

وعلى الرغم من تنصيص القانون التنظيمي المتعلق بالجهات في المادة الثالثة منه على تمتيع الجهة كجماعة ترابية بالاستقلال المالي، إلا أن تفحص مضامينه تقودنا لاستجلاء مؤشرات ضعف، إن لم نقل غياب هذا الاستقلال المالي، ومن بين هذه المؤشرات، عدم استقلالية القرار المالي للجهة، فقد حرصت سلطة المراقبة على أن تكون لها الكلمة الفصل في أهم المقررات المالية للمجالس الجهوية، كالمقررات المتعلقة بالميزانية والاقتراضات والضمانات المنصوص عليها في المادة 202 من القانون التنظيمي للجهات، وكذا المقررات ذات الوقع المالي على النفقات والمداخيل، ولا سيما تحديد سعر الرسوم والأتاوى ومختلف الحقوق وتفويت أملاك الجهة وتخصيصها، بحيث لا يمكن تنفيذها إلا بعد التأثير عليها من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية. ومن بين المؤشرات الأخرى الدالة على محدودية الاستقلال المالي للجهة، ضعف الموارد المالية وخاصة الموارد الذاتية التي تبقى دون المستوى المطلوب الأمر الذي يجعل من الموارد المحولة المورد الأساسي للجهة.

ولعل تكريس الوصاية على الجهات راجع إلى عدة عوامل موضوعية أحيانا، كمحدودية النخب المحلية التي تفرزها الصناديق على مستوى الكفاءات، بل أيضا على مستوى الحكامة، إذ أن التجربة ربما أفرزت عدة تجاوزات على مستوى التدبير والحكامة، وهذا المعطى يستشف من حجم المخالفات الواردة في تقارير لجان المراقبة وعلى رأسها المحاكم المالية المختصة، ولعل تلك التقارير تشكل دراسة لواقع التدبير الجماعي ومستوى تطور اللامركزية ببلادنا في جانب الممارسة وتخريج النخب[42].

ويمكن تلخيص أهم الإشكالات التي تعترض تفعيل مبدأ التدبير الحر للجهات على النحو التالي:

  • تداخل الاختصاصات: عدم وضوح تحديد الاختصاصات بين الجهات والدولة، والتي يمكن أن تؤدي إلى تداخل وتضارب في صلاحياتهم.
  • ضعف الاستقلال المالي: على الرغم من منح الاستقلال المالي للجهات، فإنها تواجه بعض القيود المالية التي تعيق قدرتها على اتخاذ قرارات مالية مستقلة.
  • الرقابة: تعيق الرقابة الإدارية المطبقة على الجهات في بعض الأحيان استقلاليتها في اتخاذ القرارات وفي تدبير شؤونها بحرية.
  • نقص الموارد: نقص الموارد المالية والبشرية يعيق قدرة الجهات على تحقيق أهدافها.
  • نقص الكفاءات: تفتقر بعض الجهات إلى الكفاءات والخبرات اللازمة لإدارة شؤونها بفعالية.
  • تجاوزات في التدبير: تقارير المراقبة تشير إلى وجود تجاوزات ومخالفات في ممارسة التدبير والحكامة.

ثالثا: رهانات وآفاق حكامة التدبير الحر للجهات

يعتبر التدبير الحر آلية هامة وفعالة لربح الرهانات المطروحة فيما يتعلق بتنمية الجهات وجعلها أقطاباً حقيقية للتنمية، فالمجلس الجهوي في ظل هذا المبدأ الدستوري هو القائد المخطط، والبنّاء الاستراتيجي للتنمية الجهوية، وذلك لتوفره على صلاحيات وضع وتتبع البرامج التنموية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، وهذا يجعل الجهة مجلساً للتدبير، خاصة بعد التنصيص على التنسيق بين القطاعات اللاممركزة الذي يقوم به الولاة والعمال على الصعيد الجهوي، وهذا لا شك أنه سيؤدي إلى تبني سياسة اللاتمركز الواسع الذي يعتبر مدخلاً أساسياً لنجاح الجهوية المتقدمة.

وهكذا، يقتضي مفهوم التدبير الحر التعامل وفق مقاربة شمولية أي عدم إقصاء أي عنصر، بمعنى كل الآراء وكل الطاقات والامكانيات البشرية المتاحة كما يندرج تحته معطى التفاعل من وحدات ترابية وفاعلين سياسيين وجمعويين ومنظمات وأحزاب سياسية، وبالتالي يعني انخراط كافة القوى الحية وهيئات المجتمع المدني وأخيرا المواطنين[43].

إن نجاح السياسات التنموية على المستوى الترابي وتفعيلها يستدعي التنسيق بين الفاعلين المؤسساتيين في الجهة للوصول إلى المردودية والنجاعة المرتقبة من الأجهزة المتدخلة في تدبير السياسات العمومية الترابية، لأن سياسة الجهوية وفق ما تم تنزيله من مقتضيات دستورية وتنظيمية، يتطلب التقائية جهود جميع الفاعلين الترابين، وذلك لأجل ضمان التنسيق في رسم السياسات العمومية على المستوى الترابي وتفادي إشكالية التداخل والتضارب في إعداد السياسات العمومية الترابية.

وانطلاقا من مبدأ التفريع الذي يكتسي ركيزة أساسية بالغة بين الجهات والجماعات الترابية، سيتضح أن الحلقة الأكثر أهمية بين الوحدات الترابية ليست الجهة؛ بل الجماعة لكونها الأقرب للساكنة ولكون منتخبيها أدرى بمشاكل واحتياجات الجماعات وساكنتها، فإذا كان هناك أي برنامج قائم على التنسيق على المستوى العمودي ثم على المستوى الأفقي؛ فلا بد أن ينطلق من الأساس القاعدي أي الجماعة، وإذا كانت مسألة الصدارة تتناقض مع مبدأ التدبير الحر؛ فعلى الدولة أن تخلق آليات للتحفيز ليكون هناك انسجام بين جميع الفاعلين على المستوى الترابي خدمة للاحتياجات الضرورية لتحقيق التنمية المنشودة. لتبقى مسألة العمل على تطوير نظام اللاتركيز الإداري ضرورة ملحة نظرا لمسؤولية الولاة في تنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية، على اعتبار أن الجهوية المتقدمة حاليا اركانها غير متكاملة؛ لكونها تقوم على لا مركزة اختصاصات الدولة وبالمقابل لاتمركز اختصاصات القطاعات (علما أن بعض الدول عالجت هذا المشكل كفرنسا مثلا وذلك بإصدار قانون يحدد هذه الاختصاصات -قانون 7 يناير 1983 الذي حدد توزيع الاختصاصات بين مختلف الوحدات اللامركزية وبين هذه الأخيرة والدولة)[44].

بالإضافة إلى ذلك، تعد المشاركة مدخلا أساسيا للحكامة الترابية، وركيزة أساسية لتفعيل مبدأ التدبير الحر لشؤون الجهة، من خلال إعطاء الساكنة المحلية الحق في المساهمة في بلورة القرار الترابي، فإذا كانت الحكامة تشكل النواة المركزية للمفهوم، فإن المرتكزين الآخرين يتمثل أولها في مفهوم التشاركية الذي تم تأطيره بالمقاربة التشاركية، لأنها تمثل مرجعا ذاتيا وموضوعيا للحكامة، كما تتحد معها في جوهر المشاركة إلى درجة التطابق التام، وتمدها بنتاجها النظري والتطبيقي بتوظيف مضامينها وآلياتها وتجاربها. ويتمثل ثانيهما، في مفهوم الترابية الذي تم تأطيره بدوره بمفهوم اللامركزية، ما دام أن من أهداف اللامركزية توسيع قاعدة المشاركة القاعدية المنطلقة من الأسفل[45].

إن التدبير التشاركي له أهميته القصوى كذلك في مرحلة التشخيص المطلوبة على مستوى المشاريع وعلى مستوى تحديد المواقع، إذ يحيلنا على فكرة أساسية أخرى وهي كون التشخيص التشاركي يمكن اعتباره الأداة الفعالة التي تسمح بتحديد عوامل ومظاهر الضعف والقوة على المستوى الداخلي والخارجي. بالإضافة إلى التأطير الدستوري لسنة 2011 للمسألة التشاركية في تدبير الشأن المحلي. فإن القانون التنظيمي للجهات نجده ينص على مجموعة من آليات للتشاور والحوار، فتجد الباب الرابع والخامس من القانون التنظيمي للجهات ينص على إحداث ثلاث هيئات استشارية[46]. وبالإضافة إلى هذه الهيئات تمثل العرائض أداة لتجسيد المقاربة التشاركية على أرض الواقع من خلال تقديم المواطنات والمواطنين والجمعيات للعرائض[47].

مقال قد يهمك :   قراءة نقدية للنصوص المنظمة لصفقات الجماعات الترابية وأوجه تجويدها

تأسيساً عليه، يتضح أن حكامة التدبير الحر للجهات تشكل نموذجًا هامًا لتحقيق التنمية المستدامة والشمولية على المستوى الترابي. كما تقوم على التفاعل والتعاون بين مختلف الفاعلين المحليين والمؤسسات الحكومية والمجتمع المدني. ويتطلب النجاح في هذا السياق تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية، وضمان توجيه الجهود نحو تجويد حياة الساكنة على المستوى الجهوي والمحلي. إن تحقيق التنمية الترابية تتأسس على تنظيم وتعاون جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الجماعات الترابية والهيئات الاستشارية، لتحقيق الأهداف المشتركة وتحسين جودة الحياة على المستوى الجهوي.

خاتمة:

في الختام، يظهر جليا أن مبدأ التدبير الحر للجهات الذي نصّ عليه دستور 2011 والقانون التنظيمي للجهات 111.14، والقوانين التنظيمية الأخرى الخاصة بالجماعات، يمثل ضمانة أساسية لتطوير مسلسل الديمقراطية على المستوى الترابي، ودعامة رئيسية لتعزيز الحكامة الترابية الجيدة، إلا أن هذا المبدأ من حيث التنزيل والتفعيل لم يرق بعد إلى مستوى تحقيق سياسات عمومية ترابية من خلال إعطاء استقلال حقيقي للجهات لتدبير شؤونها بحرية، ومدّها بالإمكانات والأطر والموارد البشرية وتوفير الموارد المالية اللازمة لتمكينها من المساهمة بشكل فعال في تحقيق التنمية بكل أبعادها، إلى جانب ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تتمكن الجهات من تدبير الشأن العام الجهوي وفق مقاربة تتأسس على أداء الواجب والامتثال للقانون، وخدمة المواطن، وتحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، وإنتاج سياسات عمومية ترابية فعالة وذات جودة، والعمل على التخفيف من الممارسات الرقابية، وهو الكفيل بتحقيق تنمية شاملة ومستدامة على المستويين الجهوي والوطني.


الهوامش:

[1] مصطفى بلقزبور، مبدأ التفريع واختصاصات الجهة بالمغرب، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، السنة الجامعية 2014/2015، ص 5.

[2] عبد العزيز أشرقي، الجماعات الترابية: الآفاق المستقبلية وتحديات التنمية المستدامة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 2016، ص 26.

[3] ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليو 2011، ص 3622.

[4] ظهير شريف رقم 1.15.83 صادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الجريدة الرسمية عدد 6380 بتاريخ  6 شوال 1436 (23 يوليو 2015)، ص 6585.

[5] أسماء لمسردي، “واقع التنظيم اللامركزي بالمغرب وآفاقه”، ورقة سياسات، المنظمة العربية للقانون الدستوري، أغسطس 2021، ص 5.

[6] سعيد الدحماني، مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية ورهان الاستقلال المالي الترابي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا، السنة الجامعية 2014/2015، ص 78.

[7] أحمد بوسيدي، “التدبير الحر للجماعات الترابية”، مجلة المنبر القانوني، عدد مزدوج 2-3، أبريل-أكتوبر 2012، ص 197.

[8] بتفكيك المعنى اللغوي لمفهوم التدبير الحر نجد أن مصطلح التدبير يفيد حسب معجم المعاني: حسن القيام بالشيء، ودبر الأمر يعني فكر فيه وخطط له بعناية وروية، ويقابله في اللغة الفرنسية حسب معجم (Larousse) مصطلح (La gestion) الذي يعني طريقة في الإدارة والتوجيه والتنظيم، وفي اللغة الإنجليزية يتناظر و مصطلح (The management)، أما مصطلح الحر الذي يشكل مصدر لكلمة الحرية، فإن معناه يخالف القيد والخضوع حسب معجم اللغة العربية المعاصر، وهو يفيد القدرة على التصرف بصل، الإرادة والخيار، ويقابله في اللغة الفرنسية مصطلح (Libre)، ومع مصطلح (Free) فيا اللغة الإنجليزية. أنظر: مصطفى عبدي، “نشأة وتطور مبدا التدبير الحر للجماعات الترابية في التشريعين الفرنسي والمغربي”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 150-151، يناير-أبريل 2020، ص 181.

[9] محمد يحيا، “مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية بين التفسيرين الضيق والواسع في القانونين الدستوري والإداري المغربيين”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 133، مارس-أبريل 2017، ص 13.

[10] سعيد جفري، التنظيم الترابي بالمغرب، مكتبة الرشاد، سطات، 2018، ص 76.

[11] مصطفى عبدي، مرجع سابق، ص 182.

[12] Mohammed EL YAAGOUBI, La notion constitutionnelle de gestion démocratique des collectivités locales à la lu- mière des idées d’élection et de représentation, in Réflexions sur la démocratie locale au Maroc, almaarif al Jadida, Rabat, 2007, P 16.

[13] Dominique POUYAUD, Concurrence, transparence et libre administration, à propos de la décision du conseil constitutionnel n° 92-316 DCD 420 janvier 1993, RFDA, septembre-octobre 1993, P 906.

[14] سعيد جفري، مرجع سابق، ص 78.

[15] هاجر لهيث، “مبدأ التدبير الحر كدعامة أساسية للحكامة الترابية”، مجلة مسارات في الأبحاث والدراسات القانونية، العدد الثاني، 2017، ص 170.

[16] سعيد جفري، مرجع سابق، ص 78-79.

[17] هاجر لهيث، مرجع سابق، ص 173.

[18] عبد الهادي الخياطي، “التدبير الحر لشؤون الجهة بين آليات وحدود الاشتغال ورهانات التنمية”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 158، ماي-يونيو 2021، ص 307-308.

[19] محمد اليعكوبي، “المفهوم الدستوري للتدبير الحر بالمغرب”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 143، نونبر-دجنبر 2018، ص 17.

[20] عبد الهادي الخياطي، مرجع سابق، ص 308.

[21] المادة 81 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[22] المادة 82 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[23] المادة 83 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[24] المادة 88 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[25] المادة 89 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[26] المادة 91 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[27] عبد الهادي الخياطي، مرجع سابق، ص 308.

[28] إن أساس ومنطلق مبدأ التفريع يتجسد في أنه يعطي الأسبقية للقاعدة على هرم السلطة من حيث أنه يوجب مساعدة هذه الأخيرة للسلطة الأدنى بغاية ضمان ممارستها لاختصاصاتها، وبناء عليه يجب على المستوى الأعلى أن لا يتدخل لممارسة الاختصاصات المسندة للمستوى الأدنى إلا عند عجز هذا الأخير عن القيام بها و عدم قدرته على تحقيق الأهداف والبرامج التي رسمها، وبالتالي فإن معيار نقل الاختصاصات ليس هو محتوى الفعل الذي يأخذ في الاعتبار، ولكن المعيار هو القدرة على تحمل وممارسة ذلك الاختصاص. أنظر: مصطفى عبدي، “مبدأ التفريع بين القانون التنظيمي 111.14 والممارسة”، مجلة البوغاز للدراسات القانونية والقضائية، العدد 6، يونيو 2020، ص 96.

[29] المادة 94 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[30] محمد عنتري: “الجديد في السلطة التنفيذية المحلية”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 32، سنة 2011، ص 30.

[31] المادة 105 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[32] المادة 101 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[33] عبد الهادي الخياطي، مرجع سابق، ص 311.

[34] سعيد جفري، الحكامة وأخواتها، الشركة المغربية لتوزيع الكتاب، طبعة 2010، ص 167-168.

[35] سعيد جفري، التنظيم الترابي بالمغرب، مرجع سابق، ص 84.

[36] المادة 243 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[37] المادة 245 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[38] هاجر لهيث، مرجع سابق، ص 176.

[39] إبراهيم الزيتوني، “رهانات وآفاق الجهوية على ضوء القانون التنظيمي للجهات”، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد 33/34، 2015، ص 118.

[40] عبد الهادي الخياطي، مرجع سابق، ص 313.

[41] مصطفى عبدي، مصطفى عبدي، نشأة وتطور مبدا التدبير الحر للجماعات الترابية في التشريعين الفرنسي والمغربي، مرجع سابق، ص 344.

[42] هاجر لهيث، مرجع سابق، ص 176.

[43] عبد الحق الحطاب، مرتكزات الحكامة الترابية بالمغرب وفق الوثيقة الدستورية الجديدة، موقع الجامعة القانونية المغربية الافتراضية، على الرابط: https://shorturl.at/vOR59، تم الاطلاع عليه بتاريخ: 22/01/2024 12:34

[44] يوسف النصري، اشكاليات مبدأ التدبير الحر بين اللامركزية واللاتمركز، موقع العلوم القانونية، على الرابط: https://shorturl.at/evzR9، تم الاطلاع عليه بتاريخ: 22/01/2024 12:34

[45] أنظر: عبد الرحمان الماضي، الحكامة الترابية التشاركية: منظور تشاركي لدور الساكنة والمجتمع المدني في التدبير الترابي، منشورات حوارات جلة الدراسات السياسية والاجتماعية، سلسلة أطروحات وأبحاث، طبعة 2014، ص 68.

[46] المادة 117 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

[47] المادة 118 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)