التهرب الضريبي الدولي -أسبابه و تقنياته و آثاره و طرق مكافحته-

زهير بونعايمية: البعد الحمائي في قانون حماية المستهلك بين افتراض الهشاشة و ضرورة إثباتها

محمد اهتوت: المسؤولية القانونية للعدول في التشريع المغربي.

23 مايو 2018 - 11:48 م مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-
  • من إعداد : محمد اهتوت، باحث في القانون الخاص.

مقدمة:

شهد المجتمع المغربي تطورا مهما على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، جعلت أفراده يرتبطون فيما بينهم بعلاقات متنوعة، ولتنظيم وضبط هذه العلاقات، كان من اللازم توثيقها بطريقة تجعلها مطابقة للقوانين، ولتحقيق هذه الغاية النبيلة كان لزاما وجود مؤسسة لها دراية بهذا الشأن تسهر على ضبط المعاملات بين الأشخاص، وتحريرها بكل دقة وإتقان[1].

وتعتبر مؤسسة التوثيق العدلي هي المؤسسة المؤهلة للقيام بهذا الدور، وتجد أساس قيامها من الشريعة الإسلامية حيث أن الإسلام أعطى أهمية بالغة للتوثيق ودوره في الحفاظ وصيانة الحقوق والأموال وإقامة العدل، إذ يقول عز وجل في كتابه العزيز: “يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه ولا يأبى كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب”[2]، فهذه الآية القرآنية تعد دليلا قاطعا على وجوب الكتابة والإشهاد على العقود.

وقد ظهر علم التوثيق العدلي مع بداية فجر الإسلام، حيث أن هناك العديد من الوثائق التي كتبت في عهد الرسول (ص) والصحابة والتابعين[3]، وقد عرف هذا العلم نهضة خاصة في الأندلس، وقد تطورت هذه المهنة في المغرب منذ القرن 17 الهجري، حيث كثر التأليف في هذا الفن إنشاء وشرحا، وكان من أبرز المؤلفين في هذا العصر قاضي فاس، ومفتي المغرب الشيخ علي بن محمد الزرويلي الخمسي الغمالي[4].

كما أن الملوك المغاربة منذ نشأة الدولة المغربية في القرن الثامن الميلادي أولوا اهتماما بالغا للتوثيق العدلي خاصة وأن النظام المغربي آنذاك كان يقوم على البيعة، ومن خصوصية البيعة بالمغرب أنها عقد مكتوب، يقوم من خلاله أعوان العدل في الدولة بكتابة الإشهاد، وتسجيل التزامات على من يعقدون البيعة، بمعنى المبايعة على السمع والطاعة للمرشح الذي اختارته الأمة ليكون ملكا عليهم[5].

وأثناء الحماية الفرنسية على المغرب فقد تم تنظيم مهنة التوثيق العدلي، حيث صدر أول ظهير في هذا الصدد بتاريخ 7 يوليوز 1914 ينظم القضاء الشرعي ونقل الملكية العقارية في المملكة، واستمر العمل بهذا الظهير لحدود سنة 1938، حيث صدر ظهير 23 يونيو بنفس السنة، والذي كان يعتبر القانون الأساسي للعدول كما تم تعديله بموجب ظهير 7 فبراير 1944 والذي بمقتضاه ألغي ظهير 7 يوليوز 1914.

وبعد مدة ليست بالقصيرة تدخل المشرع المغربي لتنظيم خطة العدالة وذلك بإصداره القانون 11.81 بتاريخ 6 ماي 1982 والذي تم تعديله بالقانون 16.03 الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006.

وتماشيا مع الأهمية القصوى التي تحظى بها مؤسسة التوثيق العدلي فقد تم وضع مجموعة من المؤهلات التي ينبغي توفرها في العدل وتنصيبه لهذه المهمة والمتمثلة بالأساس في حفظ الحقوق والأعراض والأنساب، كما أن قيام العدل بالإشهاد يرتب عليه مسؤوليته على كل إخلال بقواعد التوثيق العدلي الواردة في القانون 16.03 المنظم لخطة العدالة وهذه المسؤولية قد تكون مدنية أو جنائية أو تأديبية.

وتبرز كذلك أهمية دراسة مسؤولية العدول في كونها منظمة بمقتضى جملة من القوانين سواء العامة منها[6]، أو الخاصة منها، فضلا عن أهمية هذه الدراسة في إبراز مسؤوليات العدول ومتابعتهم مدنيا وجنائيا عن كل الأفعال غير المشروعة والتي من شأنها المساس بسلامة المحررات العدلية وحماية الثقة الموضوعة فيها من طرف المتعاقدين.

وعليه، يمكن التساؤل عن طبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق العدول في حالة الإخلال بأحد أو كل الالتزامات المسندة عليهم وما هي الآثار المترتبة عن ذلك؟

لمعالجة هذه الإشكالية، اعتمدت خطة التقسيم الثنائي في محاولة لرصد مختلف الجوانب المحيطة بالموضوع، وذلك وفق الشكل التالي:

  • المبحث الأول : نطاق مسؤولية العدول
  • المبحث الثاني : الآثار المترتبة عن مسؤولية العدول

المبحث الأول: نطاق مسؤولية العدول

إن أداء العدول للمهمة التوثيقية المنوطة بهم تحكمها ضوابط وقواعد واردة في القانون 16.03 المنظم لخطة العدالة، والتي يكون الهدف منها هو الحفاظ على سلامة الوثيقة العدلية وصمان حجيتها، كما أن المشرع المغربي جعل مسطرة العملية التوثيقية خاضعة لرقابة القضاء قصد الإشراف والتوجيه، لكن قد يحدث أن يعترض أداء العدول لهذه الرسالة النبيلة مجموعة من العوارض بسبب إخلالهم بواجباتهم المهنية الملقاة على عاتقهم، الشيء الذي يمكن أن تثار معه مسؤوليتهم المدنية في حالة إن كانت الأفعال المنسوبة إليهم ذات طابع مدني (المطلب الأول)، أو تثار المسؤولية الجنائية متى كانت الأفعال المنسوبة اليهم جنائية، كما أنه يمكن متابعتهم تأديبيا (المطلب الثاني).

المطلب الأول: المسؤولية المدنية للعدول

من خلال استقراء مختلف النصوص القانونية المنظمة لخطة العدالة وعلى خلاف بعض الباحثين[7] الذين يجزمون بكون هذه النصوص لم تشر الى مسؤولية العدول، فإني أجد المادة 33 من القانون 16.03 المنظم لخطة العدالة تنص على ما يلي:

“تكتب الشهادة تحت مسؤولية العدلين في وثيقة واحدة دون انقطاع أو بياض أو بتر أو إصلاح أو إقحام أو إلحاق أو تشطيب أو استعمال حرف إضراب”.

وعليه يمكن القول إن المشرع المغربي قد حدد أساس هذه المسؤولية في ظل هذه النصوص إلا أن هذه المقتضيات تبقى غير كافية لتأسيس كل الأخطاء التي يرتكبها العدول أثناء قيامهم بوظيفتهم من جهة، والأخطاء التي يرتكبها مستخدميهم وكتابهم من جهة ثانية مما يحتم الرجوع للنص العام الذي نظم هذا النوع من المسؤولية في قانون الالتزامات والعقود المغربي.

والمسؤولية المدنية للعدول تنقسم الى عقدية متى كان فيها الإخلال بالتزامات تجاه المتعاقدين (الفقرة الأولى)، وتقصيرية متى كان الإخلال بالتزامات تجاه الغير أو القانون (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المسؤولية العقدية للعدول

تتحقق المسؤولية العقدية للعدول في حالة ما إذا تبين أن الخطأ الذي ارتكبه العدول بمناسبة أدائهم لمهامهم التوثيقية في مواجهة أحد المتعاقدين أو في مواجهتهما معا.

ويعرف الفقه[8] الخطأ بأنه “الإخلال بالتزام عقدي”، كما عرفه المشرع المغربي في الفصل 78 من قانون الالتزامات والعقود بأنه :

ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه وذلك من غير قصد لإحداث الضرر.

ومن خلال التمعن في النصوص القانونية المنظمة لمهنة العدول يتضح أن المشرع المغربي لم يقم بحصر وتحديد الأخطاء التي قد يرتكبها هؤلاء في حق المتعاقدين، وإنما عمد على غرار التشريعات المقارنة الى وضع صياغة عامة يمكن أن تندرج تحته جميع الأخطاء التي قد يرتكبها العدول في حق المتعاقدين، ومن هنا يمكن القول بأن الخطأ العقدي الذي تقوم عليه المسؤولية العقدية للعدل يترتب في الحالة التي لم يقم فيها العدل بتنفيذ التزاماته الناشئة عن هذا العقد سواء أكان عدم التنفيذ بالامتناع الناتج أصلا عن عدم القيام بما يوجبه العقد، أو سواء أكان التنفيذ غير مطابق لما تم الاتفاق عليه أو غير محقق للهدف المتوخى من العقد، أو سواء أكان عدم التنفيذ قد أحدث عمدا أو ترتب على إهمال دون أن يكون مقصودا وبلا حاجة الى قيام الزبائن أصحاب المصلحة في التنفيذ بإثبات العمد أو الإهمال، فبمجرد عدم التنفيذ يعتبر خطأ عقديا يستوجب مسؤولية العدل العقدية.

وتجدر الإشارة الى أن القانون 16.03 المتعلق بخطة العدالة لم يوضح بالكفاية بعض الواجبات والالتزامات التي تقع على عاتق العدل ومن بينها مفهوم واجب إسداء النصح للمتعاقد، رغم أن هذا الالتزام لا يجعل العدل بمنأى عن المساءلة متى لم يقدم النصح بشكل يخدم مصالح المتعاقدين لأن هذا الالتزام وإن لم يرد بشأنه نص خاص فهو واجب تفرضه طبيعة مهنة التوثيق العدلي وأعراف المهنة[9].

أما قانون الالتزامات والعقود فإنه وضع القاعدة العامة للمسؤولية العقدية في الفصل 263 منه والذي جاء فيه:

“يتحقق التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام وإما بسبب التأخر في الوفاء به وذلك ولو لم يكن هناك سوء نية من جانب المدين”.

ومن خلال مقتضيات الفصل 263 أعلاه يمكن القول بأن الخطأ العقدي يقع في الحالة التي يحجم فيها العدل عن توثيق عقد معين، أو الحالة التي يتأخر فيها عن الوفاء بالتزامه كعدم تسجيل العقود الرسمية لدى مصلحة التسجيل والتمبر داخل الآجال المحددة في القانون مما يطرح مشاكل على المستوى العملي، وبالتالي فالخطأ العقدي في هذه الحالة هو الإخلال بالتزام من الالتزامات التي تنشأ عن العقد المبرم بين العدل والمتعاقدين الأمر الذي قد يستوجب مساءلة العدل قانونا طبقا لقواعد المسؤولية العقدية.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض : تقديم الطعن بالنقض من شخص متوفى

الفقرة الثانية: المسؤولية التقصيرية للعدل

يتحقق هذا النوع من المسؤولية في حالة ارتكاب العدل خطأ بسبب إهماله وتقصيره وعدم مراعاته للقوانين والنظم المعمول بها في إطار وظيفته مما ينتج عنه ضرر لشخص لا تربطه به أية علاقة تعاقدية، وبالعودة الى القانون 16.03 المنظم لخطة العدالة سنجد هذا النوع من الخطأ يتمثل في صفات وخصال يلتزم العدل بضرورة التحلي بها والتي تبرز بالأساس في الأمانة والوقار والحفاظ على شرف المهنة وأخلاقياتها وأسرار المتعاقدين، وهذه الصفات تظل لصيقة بالعدل أينما حل وارتحل تلازمه ولا تفارقه.

وهكذا فالمسؤولية التقصيرية هي كل إخلال بالتزام فرضه القانون أي الاخلال بالتزام قانوني، مع إدراك العدل لهذا الإخلال وهذا ما نص عليه الفصل 78 من قانون الالتزامات والعقود المغربي والذي جاء فيه:

“الخطأ هو ترك ما كان يجب فعله، أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر”.

وبالتالي يمكن لكل شخص من الغير أن يقاضي العدل على أساس المسؤولية التقصيرية[10]، ويقصد بالغير الشخص الأجنبي عن العملية التوثيقية والذي لحقه ضرر من جرائها، كما أن المتضرر عليه أن يثبت الخطأ الذي ارتكبه العدلين فلا مسؤولية في هذا الإطار بدون خطأ، وبالتالي لا يكتفي بحدوث الضرر للقول بجواز مساءلة العدلين لأنه لا يمكن مثلا مطالبة الورثة بالتعويض بدعوى أن العدلين عملا على تلقي الإشهاد بوصية لفائدة الغير ولم يلحقهم بضرر في حقوقهم الإرثية لأن عنصر الضرر متوفر هنا أما الخطأ غائب لأن تلقي مثل هذا الإشهاد جائز ومشروع ويعتبر من صميم عمل العدل الذي لم يرتكب في هذا الإطار أي خطأ.

والمسؤولية المدنية سواء كانت عقدية أو تقصيرية فإن العدول متابعون مدنيا عن الأفعال غير المشروعة سواء كانت ناتجة عن فعلهم الشخصي أو الناتجة عن فعل الغير.

1-المسؤولية المدنية الناتجة عن الفعل الشخصي

من خلال قراءة النصوص القانونية المنظمة لخطة العدالة يتضح جليا أن المشرع المغربي عمل على إحاطة العملية التوثيقية بمجموعة من الشكليات والضوابط الخاصة التي تلزم العدول بضرورة التقيد بها أثناء ممارستهم لمهامهم التوثيقية بالصورة الذي يحفظ للوثيقة العدلية حجيتها وقوتها الثبوتية والحمائية لحقوق الأفراد وأعراضهم، وبالمقابل فكل إخلال بهذه الضوابط والالتزامات يترتب عنها إثارة مسؤولية العدول إما تأديبيا عندما يكون الفعل المرتكب مقتصرا على مخالفة الضوابط المهنية الصرفة، مثال ذلك عدم التقيد بالأجل القانوني لتحرير الوثيقة العدلية أو تحريرها في مذكرة غير مأذون له في استعمالها وما الى ذلك، أو أن تثار مسؤوليته المدنية عندما تتجاوز آثار إخلاله الطابع المهني الى إلحاق ضرر بالمتعاقدين ويستوي الضرر بصورتيه المادية والمعنوية فيكون العدل ملزما بتعويضهم عنه.

و هكذا يلاحظ أن المسؤولية المدنية للعدول التي يمكن أن تثار في مواجهتهم عن الأفعال التي يرتكبونها بصفتهم الشخصية أثناء مزاولتهم لمهامهم.

2-المسؤولية المدنية للعدول عن فعل الغير

تستمد المسؤولية المدنية للعدول عن فعل الغير أساسها القانوني من القواعد العامة للمسؤولية المدنية المنصوص عليها ضمن أحكام الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود المغربي والذي جاء فيه: “على أن الشخص لا يكون مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه بفعله فحسب، لكن كذلك مسؤول عن الضرر الذي يحدثه الأشخاص الذين في عهدته…”

وهذا ما يعرف بمسؤولية المتبوع عن أعمال التابع بمعنى أن المتبوع العدل يسأل عن الضرر الذي يحدثه تابعه في أداء مهامه التي كلف بها فيتحمل المسؤولية عن أعمال النائب أو عن أعمال العدل المتمرن مثلا، وهو ما أكدته صراحة المادة 9 من القانون 16.03 المنظم لخطة العدالة.

ولقيام مسؤولية العدل المتبوع لا بد من ارتكاب العدل التابع المتمرن عملا غير مشروع أو اقتراف خطأ سبب ضررا للغير[11].

كل هذا بخصوص المسؤولية المدنية، فماذا عن المسؤولية الجنائية والتأديبية؟

المطلب الثاني: المسؤولية التأديبية والجنائية للعدول

إن مسؤولية العدل تكون جنائية عندما يتعلق الأمر بأفعال ذات طابع جرمي يترتب عنه المساس بالحق العام (الفقرة الثانية)، وتكون تأديبية عندما يتعلق الأمر بأفعال ذات طابع مهني (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى: المسؤولية التأديبية للعدول

تعرف المسؤولية التأديبية بأنها مجموعة من الإجراءات المترتبة عن الإخلال بالواجب المهني، والتي تنتهي بثبوت خطأ المخالف وتوقيع الجزاء التأديبي عليه من قبل السلطة التأديبية المختصة، أو بمعنى آخر كل إخلال بواجبات ومقتضيات الوظيفة سواء كان إيجابيا أو سلبيا، وسواء تم النص عليها قانونا أو كانت بمناسبة أدائه لمهامه[12].

وبالرجوع الى القانون 16.03 المنظم لمهنة العدول نجد المشرع المغربي قد خصص القسم الثالث منه لتناول المسؤولية التأديبية للعدول الذين أخلوا بواجباتهم المهنية.

ويعتبر إخلالا بالواجب المهني بالنسبة للعدل كل تقصير أو إهمال للقواعد التي قررها المشرع لممارسة هذه المهنة، سواء القواعد المتعلقة بتلقي الشهادة وتحريرها (أولا)، أو تلك المتعلقة بكيفية التعامل مع المتعاقدين (ثانيا).

أولا : الإخلال بالقواعد المتعلقة بتلقي الشهادة وتحريرها

يعتبر تلقي الشهادة من أهم المراحل التي تمر منها عملية إنشاء الشهادة، ويعتبر واجبا يقع على عاتق العدول المنتصبين لمهنة العدالة، فلا يجوز لهم الامتناع عن تلقيها داعيا إليها بحكم مهنتهم، مادام موضوعها لا يخرج عن دائرة التعامل القانوني ولا يتنافى مع النظام العام والآداب العامة.

وتلقي الشهادة يكون صحيحا من قبل عدلين في آن واحد، إلا إذا كان حال مانع فإن الشهادة يمكن أن يتلقاها العدلين منفردين بإذن من القاضي وفي أوقات متفاوتة[13].

ويجب أن يتم التلقي في مذكرة الحفظ، كما يجب عليهم أثناء تلقي الشهادة من العاجزين عن الكلام أو السمع تلقيها بواسطة الكتابة أو الإشارة المفهمة مع التنصيص على ذلك في العقد[14].

وللعدلين الاستعانة بترجمان أو بأي شخص يرانه أهلا لذلك، كما يجب عليهما تلقي الشهادة التي يكون موضوعها خارجا عن دائرة التعامل[15].

هذا فيما يخص الإخلال بقواعد تلقي الشهادة، أما الإخلال بضوابط التحرير فلا بد لهذه الأخيرة أن تكتب تحت مسؤولية العدول في وثيقة واحدة دون انقطاع أو بتر أو إصلاح أو إقحام أو تشطيب أو استعمال حرف إضراب[16]، وكل هذا حتى لا يترتب مسؤولية العدول عند تحرير الشهادة، ولكي تكون الوثيقة العدلية رسما بصفته الإشهادية التوثيقية قاطع الدلالة بضماناته الفعلية والقانونية يجب أن تستوفي العناصر التالية[17]:

  1. اسم شاهديها وهما العدلين المنتصبين بدائرة محكمة الاستئناف المعينين بها؛
  2. التواريخ الخمسة وهي تاريخ تلقي الشهادة ويكون بالساعة واليوم والسنة، وتاريخ تحريرها وهو تاريخ ميلاد الوثيقة، وتاريخ تضمينها وهو تاريخ التضمين الرسمي للوثيقة بكناش سجل المحكمة بعد الموافقة القبلية لقاضي التوثيق ويكون تحت مسؤولية الناسخ بمقتضى المادة 11 من القانون 49.00 المنظم لمهنة النساخة، ثم يليها تاريخ التسجيل المالي والذي يعد تاريخ أداء الواجب المالي[18]، بالإضافة الى تاريخ الخطاب –خطاب قاضي التوثيق-والذي من شأنه إضفاء الطابع الرسمي على الوثيقة؛
  3. مراجعة مذكرة الحفظ؛
  4. المشهود عليه حيث يجب تعيينه بشكل دقيق يرفع الجهالة عنه؛
  5. المشهود فيه والذي يتعين تحديده وتعيينه كافيا، الى جانب قيمته؛
  6. مستندات المشهود فيه وهي المستندات اللازمة والتي تتوقف عليها الشهادة؛
  7. الصيغة المشهود بها وهي الصيغة التي من خلالها يربط العدل إرادة الموجب بإرادة القابل بشكل لا يدع مجالا للشك أو الريبة؛
  8. بيان حالة المشهود عليه؛
  9. ختم الوثيقة وذلك بوضع العدلان علامتهما المتميزة وإعلام القاضي بالخطاب عليها مع وضع اسمه وطابع المحكمة.

وإذا ثبت هذا فإنه لابد من الإشارة الى أن أغلب المسؤوليات التأديبية التي تثار في حق العدل تأتي من هذه الناحية وذلك باستقراء عدد من القضايا المعروضة على القضاء في مواجهة العدول ومن أمثلة ذلك ترك فراغات لملئها فيما بعد بأرقام بطاقات التعريف وتحرير عقود الزواج المختلط دون الحصول على إذن السيد الوكيل العام للملك[19].

ثانيا : الإخلال بالقواعد المتعلقة بكيفية معاملة المتعاقدين

يعد إسداء النصح وإرشاد الأطراف المتعاقدة من أهم القواعد التي يجب على العدل إتباعها، بحيث يجب عليه متى لاحظ أن زبونه سيقدم على عمل قانوني قد يقع باطلا أو فيه مضيعة للوقت والمال أن يثنيه أو أن يبين له كيفية إصلاحه قبل فوات الأوان، كما يجب على العدل أن يلتزم بقاعدة إسداء النصح بكيفية حدية ومعقولة عندما يطلب المتعاقد منه ذلك، بل يجب عليه أن ينصحه حتى ولو لم يطلب هذا الأخير ذلك، وذلك كلما تبين للعدل أن المتعاقد في حاجة الى الإرشاد والنصح.

مقال قد يهمك :   استئنافية تازة : إحالة المتهم على المحاكمة بعد 9 أيام من اعتقاله يخل بالأمن القضائي

ومن القواعد التي تحكم معاملة العدل مع المتعاقد أيضا عدم السمسرة أو جلبهم بالإضافة الى الحفاظ على أسرارهم، كما يتوجب عليهم كذلك الاعتناء بالشهادات التي تولوا تحريرها ولم يتسلموها لمدة خمس سنوات ابتداء من تاريخ مخاطبة قاضي التوثيق عليها وأن يحافظوا لهم على المستندات الإدارية التي مكنوهم منها لإعداد الشهادة.

و جدير بالذكر أن القانون 16.03 قد رتب المسؤولية التأديبية في حق العدل المتمرن أيضا[20].

الفقرة الثانية: المسؤولية الجنائية للعدل

يقصد بالمسؤولية الجنائية بوجه عام صلاحية الشخص لتحمل الجزاء الجنائي عما ارتكبه من جرائم، والعدول كعامة الناس المتواجدين بالمملكة المغربية يسري عليهم التشريع الجنائي الذي يحدد الأفعال التي يعدها جرائم بسبب ما أحدثه من اضطراب اجتماعي ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية.

وقد نص المشرع المغربي في الفصل 132 من القانون الجنائي على أن : “كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا عن:

-الجرائم التي يرتكبها؛

-الجنايات أو الجنح التي يكون مشاركا في ارتكابها؛

-محاولات الجنايات؛

-محاولات بعض الجنح ضمن الشروط المقررة في القانون للعقاب عليها ولا يستثنى من هذا المبدأ الحالات التي ينص فيها القانون صراحة على خلاف ذلك”.

وعليه فالمسؤولية الجنائية للعدول تعني أهلية الإنسان العاقل الواعي لأن يتحمل الجزاء العقابي نتيجة اقترافه جريمة مما ينص عليها القانون الجنائي المغربي، وهكذا وفي حالة ما إذا ارتكب عدل أعمال تخالف الأحكام الواردة في القانون الجنائي المغري فإنه يتعرض للمساءلة والمحاسبة الزجرية فإذا ما توافرت أركان تلك الجريمة يكون بذلك العدل مسؤولا جنائيا، وبالتالي يكون مستحقا لتوقيع وترتيب العقوبة المقررة في القانون نتيجة هذه المسؤولية.

المبحث الثاني: آثار مسؤولية العدول

في هذا المبحث سأحاول التطرق الى الآثار المترتبة عن مسؤولية العدول، إذ يحق للمتضرر رفع دعوى المسؤولية في مواجهة العدلين وهذه الدعاوى تخضع في مجملها للقواعد العامة الواردة في قانون المسطرة المدنية.

وعليه، يقتضي منا هذا المبحث دراسة الآثار المترتبة عن مسؤولية العدول المدنية (المطلب الأول)، ثم التطرق للآثار المترتبة عن مسؤولية العدول الجنائية والتأديبية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: آثار المسؤولية المدنية للعدول (العقدية والتقصيرية)

المسؤولية المدنية تخضع في مجملها للقواعد العامة الواردة في القانون المدني وقانون المسطرة المدنية، ومن خلال الوقوف على مضامين القانون 16.03 المنظم لمهنة العدالة نجد المشرع المغربي لم يقم بحصر وتحديد الأخطاء المرتكبة من طرف العدلين اتجاه المتعاقدين، وإنما عمد الى وضع صياغة عامة يدخل في ضمنها كل إخلال من شأنه الإضرار بالمتعاقدين.

وعليه، يحق للمتضرر من جراء خطأ ارتكبه العدل رفع دعوى عن الضرر الذي لحقه من جراء ذلك، وفق القواعد العامة الواردة في قانون المسطرة المدنية.

ومنه، سنقسم هذا المطلب الى ثلاث فقرات، نتحدث في (الفقرة الأولى عن إجراءات رفع دعوى المسؤولية)، أما (الفقرة الثانية سنخصصها لوسائل دفع المسؤولية)، في حين سنتناول في (الفقرة الثالثة التعويض).

الفقرة الأولى: إجراءات رفع الدعوى

لا تختلف القواعد المتبعة لتحريك دعوى المسؤولية المدنية بالنسبة للعدل عن القواعد الواردة في قانون المسطرة المدنية، فالمدعي في دعوى المسؤولية هو المتضرر أو خلفه وكل من حل محله في حقوقه بمقتضى عقد أو نص قانوني.

وانطلاقا مما سبق، يمكن القول أن الحق في الدعوى بالتعويض عن الضرر هو حق ثابت للمتضرر شخصيا أصالة عن نفسه، أما إذا حدث وتوفي فينتقل هذا الحق لورثته، كما يمكن المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من هو في عهدته نيابة عنه، إذا كان المتضرر فاقدا للأهلية أو ناقصها[21]، وتقام الدعوى في هذه الحالة من قبل نائبه الشرعي أي من طرف الولي أو الوصي أو المقدم حسب الأحوال طبقا لقواعد قانون المسطرة المدنية ومدونة الأسرة.

ويمكن القول أن حق الادعاء هو حق ثابت للمتضرر شخصيا إذا ما ثبت وجود خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما، أما المدعى عليه –العدل- ترفع عليه الدعوى عن الفعل الشخصي المرتكب كما ترفع عن الأخطاء المرتكبة من طرف المتمرنين والمستخدمين لديه طبقا لقواعد القانون 16.03 المنظم لمهنة العدالة، وتنبني هذه المسؤولية على فكرة الخطأ المفترض في جانب المتبوع، وهو خطأ في اختيار التابع وخطأ الرقابة والتوجيه طبقا للفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، ومتى تعلق الأمر بمسألة الإثبات في دعوى المسؤولية فالمبدأ أن المدعي هو الذي يقيم الدليل على وجود الضرر ثم الخطأ ثم العلاقة السببية، وبوسعه إقامة الدليل بكافة وسائل الإثبات المنصوص عليها في الفصل 404 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

كما تجدر الإشارة أن الطرف الذي يتحمل عبء الإثبات يختلف حسب طبيعة المسؤولية عقدية أم تقصيرية،

فمتى تعلق الأمر بالتزام تعاقدي فأنداك فالعدلين هما اللذان يتحملان عبء الإثبات بقيامهما بواجبهما المهني والقانوني، وأنهما قاما بتنفيذ التزامهم العقدي، أما عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية التقصيرية فحينئذ يقع عبء الإثبات على عاتق المتعاقد من خلال إثباته أن العدل قام بمخالفة الالتزام الناشئ عن القانون وأنه ارتكب خطأ تقصيريا مثل حالة إفشاء السر المهني، حيث يجوز للمتضرر إثبات الضرر المادي والمعنوي الذي تسبب فيه فعل الإفشاء.

وترفع دعوى المسؤولية ضد العدل لدى المحكمة الابتدائية فيكون الحكم ابتدائيا قابلا للاستئناف وفق قواعد الاستئناف الواردة في قانون المسطرة المدنية.

فلو تسبب خطأ العدل في ضرر وحدث وقام المتضرر برفع دعوى التعويض عليه، وطلب المتضرر تعويضا، أمكن للمدعي عليه –العدل-أن يطلب من المحكمة إدخال العدل الآخر المنتصب معه للإشهاد، وكذا إدخال قاضي التوثيق باعتباره مسؤولا متضامنا وهذا وفق مقتضيات الفصل 164 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

هذا بخصوص الحالة التي يكون المتضرر متعاقد، أما إذا لم تربط المتضرر أية علاقة مع العدل فإن الدعوى ترفع وفق مقتضيات الفصلين 99 و 100 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

كما أنه يحق للمتضرر إقامة الدعوى على العدلين بصفتهما مسؤولين عن أعمال المتمرنين والمستخدمين لديهم.

أما بخصوص خطأ العدل الناتج عن إفشاء السر المهني أو التزوير فإن المتضرر له الحق في المطالبة بالتعويض أمام غرفة الجنايات في إطار ما يسمى بالدعوى المدنية التابعة إلا أن هذه الدعوى المدنية التابعة تتميز بشروط وهي أن يكون العدل متابع أمام نفس المحكمة والمدعي تضرر من أفعاله بصفة مباشرة، ويتعين رفع الدعوى أمام محكمة عمل العدل تبعا للجهة التي تمارس الرقابة عليه.

فإذا كان الخطأ عقدي كان الاختصاص لمحكمة محل التعاقد أو تنفيذ العقد، أما إذا كان الخطأ تقصيري كما هو الحال بالنسبة للغير الذي لا تربطه أية علاقة عقدية مع العدل المتابع فيتم الاحتكام الى الفصل 28 من قانون المسطرة المدنية وتكون المحكمة التي وقع بدائرتها الفعل الضار هي من تنظر في المتابعة[22].

أما بخصوص الاختصاص المحلي فقد وضع المشرع في الفصل 27 من قانون المسطرة المدنية القاعدة العامة في هذا المجال والتي تقضي بأن هذا الاختصاص ينعقد لمحكمة موطن الحقيقي أو المختار للمدعى عليه، ثم عمد في الفصل 28 من نفس القانون الى تقليص حدود مبدأ اختصاص محكمة موطن المدعى عليه، ونص على استثناءات عديدة لهذا المبدأ من بينها تلك الواجب تطبيقها على الدعوى المقامة على العدل، فقد جاء في الفصل 28 ما يلي: “…في دعاوى التجهيز والأشغال والكراء وإجارة الخدمة أو العمل أمام المحكمة محل التعاقد أو تنفيذ العقد إذا كان هو موطن أحد الأطراف وإلا فأمام محكمة موطن المدعى عليه”.

الفقرة الثانية: وسائل دفع المسؤولية

يمكن للعدل دفع المسؤولية في حالة انعدام العلاقة السببية بين الخطأ والضرر الذي لحق المتضرر أو أن يدعي بأن الالتزام المترتب على مسؤولية العدل قد قضى بالوفاء أو الإبراء، وبذلك فما دام المشرع المغربي يشترط لقيام المسؤولية المدنية إثبات العلاقة السببية بين الخطأ والضرر فإن المدعى عليه يمكن له أن يتحلل منها إذا أثبت وجود القوة القاهرة أو الحادث الفجائي باعتبارهما من أهم حالات السبب الأجنبي التي تمكن العدل من دفع المسؤولية المدنية عن طريق نفي العلاقة السببية بين فعل الخطأ وعنصر الضرر. ومن ثم إعفاء العدل من تحمل المسؤولية طبقا للفصل 268 و269 من قانون الالتزامات والعقود المغربي عند تعريف المشرع المغربي للقوة القاهرة.

مقال قد يهمك :   العمل الجمعوي القضائي و مشروع قانون المجلس الوطني لحقوق الإنسان

كما يعد خطأ المتضرر الى جانب كل من القوة القاهرة والحادث الفجائي من الأسباب التي تمكن التي تعفيه من المسؤولية ومن الضمان أيضا.

وتنتفي مسؤولية العدل إذا كان الضرر ناتج عن المتضرر بتهاونه في إحضار الوثائق التي يتوقف عليها تحرير العقد مثلا، وبالتالي عدم تمكين العدل من تحرير العقد في الوقت المحدد أو عدم تحريره نتيجة تهاون المتضرر.

أما إذا كان الضرر ناتج عن خطأ المدعي والمدعى عليه فإن المسؤولية تتوزع في هذه الحالة بينهما، بحسب النسبة التي ساهم خطأ كل منهما في الضرر، فقاضي التوثيق الذي لا يرتبط مع العدلين بأي عقد رغم تدخله معهم في العملية التوثيقية إذا رفض الخطاب على الوثيقة أو تقاعس عن منح الإذن في إنجاز الشهادة، يجب على العدلين إثبات هذا التماطل والتقاعس من طرف القاضي لدرء المسؤولية عنهما[23].

أما فيما يخص الدفع بالتقادم فإن المدة تختلف حسبما إذا كان الأمر يتعلق بمسؤولية عقدية أو تقصيرية، ففي الأولى وضع المشرع القاعدة المتعلقة بالتقادم في هذا المجال في الفصل 387 من قانون الالتزامات والعقود وهي خمس عشرة سنة، أما الثانية فتتقادم عند تحقيق أحدة الأجلين المنصوص عليها في الفصل 106 من نفس القانون.

الفقرة الثالثة: التعويض

في حالة توفر الشروط المحددة للمسؤولية المدنية، يلتزم المدعي عليه بتعويض المتضرر عما أصابه من ضرر باعتبار التعويض وسيلة لجبر الضرر، فقواعد التعويض في دعوى المسؤولية للعدول لا تختلف عن القواعد العامة في دعوى المسؤولية، والقاضي وهو في سبيل تحديد وتقدير التعويض قد يحكم على جميع المسؤولين بطريقة تضامنية، كما قد يحكم به على أحدهم، مما يخوله حق الرجوع على الآخرين في حدود القدر الذي أداه، فإذا وقع عمل غير مشروع تسبب في الضرر، كان للمتضرر الحق في الحصول على التعويض عما لحقه من ضرر، وباعتبار أن العدلين مسؤولان عن الإخلال بالالتزامات القانونية اتجاه الزبون فإن الجزاء الذي يترتب عليه هو التعويض الذي يجب أن يمنحه العدلين للمتضرر، ويخضع هذا التعويض للقواعد العامة الواجبة التطبيق الواردة في قانون الالتزامات والعقود المغربي.

وعليه يمكن للزبون المتضرر متى صدر عن العدلان تدليس أو خطأ جسيم أن يطالب بالتعويض حسب الكيفية المعمول بها في المجال التقصيري، حيث يكون في هذه الحالة أشمل التعويض المقدر حسب الطريقة الواردة في ميدان المسؤولية العقدية.

فالأول يشمل الى جانب التعويض النقدي الذي يقدر بقيمة الضرر الناشئ عن الخطأ سواء كان ماديا أو أدبيا والمصاريف التي تحملها المدعي والرسوم القضائية وأتعاب المحامي.

بينما الثاني لا يتضمن إلا الخسارة الحقيقية اللاحقة بالمتضرر من جراء الخطأ وما فاته من كسب حقيقي[24].

وسلطة المحكمة في تقدير التعويض يستقل بها قضاة الموضوع حيث يتوفرون على السلطة التقديرية في تعيين المبلغ الواجب أداؤه للمتضرر، عكس المجال التقصيري حيث يتعلق الأمر بتعويض يقدر وفق أحكام الفصل 98 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

المطلب الثاني: آثار المسؤولية التأديبية والجنائية للعدل

في هذا المطلب، سأتطرق للآثار المترتبة عن المسؤولية التأديبية (الفقرة الأولى)، وذلك على أساس أن أتحدث عن آثار المسؤولية الجنائية في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: آثار المسؤولية التأديبية للعدل

تتعدد الآثار المترتبة عن المسؤولية التأديبية للعدل، فالمتابعة التأديبية عن الاختلالات التي يرتكبها العدول أثناء مزاولتهم لمهامهم تجد أساسها في المادة 42 من القانون 16.03 المنظم لخطة العدالة[25].

ويتولى تحريك هذه المتابعة الوكيل العام للملك، وتكون غرفة المشورة بمحمة الاستئناف هي المختصة للبت فيها.

وعموما، فإنه يترتب عن ثبوت المخالفة التأديبية في حق العدول معاقبتهم إما بالإنذار أو التوبيخ أو الإقصاء المؤقت عن ممارسة المهنة لمدة لا تتجاوز السنة، وذلك تبعا لنوع الفعل الثابت في حقهم[26].

الفقرة الثانية، آثار المسؤولية الجنائية للعدل

بمجرد تحقق المسؤولية الجنائية، يمكننا الحديث عن العقوبة كإحدى آثار المسؤولية الجنائية فهي ذلك الجزاء الذي يوقعه القضاء على كل من ارتكب فعلا أو تركا مخالفا به أحكام القانون الجنائي[27]، كما أنها شخصية بحيث لا تطال صاحبها، فهي أحيانا مرادفة للمسؤولية الجنائية[28]، بحيث لا يمكن تصور قيام المسؤولية الجنائية لشخص دون معاقبته، والعقوبة تكون إما أصلية أو إضافية.

و باستقراء قانون خطة العدالة نجد أن العدل لا يخرج عن نطاق تطبيق القواعد العامة المنصوص عليها في القانون الجنائي

ذلك أنه يتعرض للعقوبات سواء كانت أصلية أو إضافية إلا أن ما يميز العدل هو الصفة التي تعتبر ظرف تشديد وذلك بصريح العبارة الت ينجدها في الفصلين 352و353 من القانون الجنائي حيث ينص الأول على أنه يعاقب بالسجن المؤبد كل قاضي أو موظف عمومي أو موثق أو عدل ارتكب أثناء قيامه بوظيفته تزويرا، وجاء في الفصل الذي يليه المشار اليه أعلاه نفس المقتضى المذكور، ذلك أن المشرع المغربي هنا سوى بين العقوبة والثقة الممنوحة للعدل[29].


الهوامش :

[1]– محمد الربيعي، الأحكام الخاصة بالموثقين والمحررات الصادرة عنهم، دراسة على ضوء التوثيق العدلي والتوثيق العصري، الطبعة الأولى، 2008، ص 2.

[2]-سورة البقرة، الآية 281.

[3]-العلمي الحراق، التوثيق العدلي بين الفقه المالكي والتقنين المغربي وتطبيقاته في مدونة الأسرة، الجزء الأول، مكتبة دار السلام الرباط، طبعة 2009، ص 57.

[4]-عمر جيد، ابن فرحون حياته وآثاره وآراءه الفقهية، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1987، ص 233.

[5]– موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تاريخ الولوج 05/04/2018.

[6]-القوانين المنظمة لمهنة العدول بالإضافة الى قانون خطة العدالة هناك قانون الالتزامات والعقود، مدونة الأسرة، مدونة التسجيل والتمبر…

[7]-محمد الكامل، المسؤولية المدنية للموثقين في التقنين المغربي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القضاء والتوثيق، جامعة القرويين، كلية الشريعة فاس، 2009، ص 88.

[8]– الفقيه بلانيول، أوردته سلمى شادلي، المسؤولية المدنية للموثق والعدل، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، السنة الجامعية 2012-2013، ص 41.

[9]-سلمى الشاذلي، مرجع سابق، ص 44.

[10]-الطاهر الكركري، المسؤولية المدنية والتقصيرية والعقدية، مطبعة أنفوبرات، فاس2004، ص 57

[11]-الطيب الفصايلي، النظرية العامة للالتزام، الجزء الأول، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الثانية 1997، ص 256.

[12]-محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الجزء الثاني، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 61، الجزء الثاني، طبعة 2009، ص 137.

[13]-المادة 27 من القانون 16.03 المتعلق بخطة العدالة.

[14]-المادة 28 من القانون 16.03 المتعلق بخطة العدالة.

[15]-المادة 32 من القانون 16.03 المتعلق بخطة العدالة.

[16]-الفقرة الأولى من المادة 33 من القانون 16.03 المتعلق بخطة العدالة.

[17]-عبد المالك أولاد محمد، مميزات التوثيق الرسمي –الوثيقة العدلية نموذجا-، مقال منشور بمجلة الأملاك، العدد 3، 2007، ص 110.

[18]-طبقا لأحكام الفقرة الثانية من المادة 25 من القانون 16.03 التي تنص على أنه ” يمنع على القاضي أن يخاطب على الشهادات الخاضعة لواجبات التسجيل إلا بعد تأديتها”.

[19]-قرار المجلس الأعلى-محكمة النقض حاليا-عدد 460 صادر بتاريخ 12.10.2005 في الملف الشرعي عدد 131.1.2.2005 غير منشور.

[20]-المادة 30 من القانون 16.03 المنظم لمهنة العدالة.

[21]-علال حمداش، التوثيق بين الفقه المالكي والتقنين المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في الشريعة، كلية الشريعة، جامعة القرويين بفاس، السنة الجامعية 2009-2010، ص 220.

[22]-علال حمداش، مرجع سابق، ص 224.

[23]-محمد الكامل، مرجع سابق، ص 193.

[24]-محمد الكامل، مرجع سابق، ص 201.

[25]-تنص المادة 42 من القانون 16.03 المنظم لخطة العدالة على ما يلي:

“…يتعرض العدل كلما ارتكب مخالفة للقواعد المقررة أو إخلال بالقواعد المفروضة عليه طبقا للنصوص القانونية أو التنظيمية المعمول بها لمتابعة تأديبية”.

[26]-المادة 43 من القانون 16.03 المنظم لخطة العدالة.

[27]-عبد الواحد العلمي، القانون الجنائي العام، ص 381.

[28]-حيث نجد أن المسؤولية الجنائية قائمة والعقاب غير موجود في كثير من الأحيان في القانون الجنائي كالفصل 534 المتعلق بسرقة الأزواج بعضهم لبعض.

[29]-هشام الهيلاني، مرجع سابق، ص 17.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.