محمد بويحيي: قراءة في مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 142 من القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية.

28 سبتمبر 2021 - 2:21 م في الواجهة , وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-

محمد بويحيي محامي متمرن بهيئة المحامين بوجدة

 نطرا للطبيعة الوقتية للمنازعات المتعلقة بالعمليات الانتخابية، فإن المشرع قد حدد في المادة 29 من القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية أجلا معينا للطعن في هذه العمليات الانتخابية، إذ أوجب الطعن داخل أجل ثمانية أيام تبتدئ من يوم إيداع المحضر الذي يتضمن إعلان نتائج الاقتراع، ويكون غير مقبول إذا قدم الطعن خارج هذا الأجل.

     يتبين من المقتضى الوارد أعلاه أن قرارات مكاتب التصويت تتحصن من أي طعن قضائي بمضي أجل ثمانية أيام من تاريخ إعلان نتيجة الاقتراع.

     إلا أنه و استثناء من مقتضيات المادة 29 من القانون التنظيمي رقم 59.11 سمح المشرع بموجب الفقرة الثانية من المادة 142 من نفس القانون التنطيمي رقم 59.11، بتجريد أي عضو بمجلس جماعة أو مقاطعة من صفته تلك، في حالة ما ثبت عدم أهليته للترشح للانتخابات بعد إعلان انتخابه حتى بعد انصرام أجل الطعن في هذا الانتخاب، حيث تنص هذه المادة صراحة على أنه ” يجرد بقوة القانون من صفة عضو بمجلس جماعة أو مقاطعة كل من ثبت عدم أهليته للترشح للانتخاب بعد اعلان انتخابه و انصرام الأجل المحدد للطعن في هذا الانتخاب. و يثبت هذا التجريد بحكم تصدره المحكمة الإدارية بطلب من الوالي أو العامل المعني. و تصدر المحكمة الإدارية حكمها داخل أجل ثلاثين يوما من تاريخ إحالة الطلب عليها. “

     غير أن المشرع قصر صلاحية استعمال هذه المكنة على العمال و الولاة فقط، وذلك بنص فريد.

     وعلى العكس من ذلك فإن إمكانية تقديم الطعون في القرارات الصادرة عن مكاتب التصويت و المكاتب المركزية و لجان الإحصاء لم تمنح حصرا للمرشحين الذين لهم مصلحة في ذلك فقط ، و إنما هي إمكانية منحت كذلك للعامل و الوالي من أجل سلوك مسطرة الطعن، و ذلك بصريح المادة 28 من القانون رقم: 59.11 الذي ينص على أنــــــــه ” يمكن أن يقدم الطعن المشار إليه في المادة السابقة كل من له مصلحة في ذلك أو الوالي أو العامل أو الباشا أو رئيس الدائرة الذين تقع الدائرة الانتخابية في نطاق اختصاصهم.”

مقال قد يهمك :   جامعة ابن زهر أكادير: مناداة بالإسراع في مشروع " التنظيم القضائي " وفق دستور 2011

     و إيمانا من المشرع المغربي بكون نتائج الاقتراع تتولد عنها مراكز قانونية للمرشحين الفائزين في الانتخابات، فإنه ضمانا لاستقرار هذه المراكز فقد تم التنصيص على آجال قصيرة للطعن في العمليات الانتخابية، و ذلك تحت طائلة عدم قبول الطعون المقدمة خارج الأجل.

     و ما يثير التساؤل بهذا الخصوص هو: هل يمكن تفعيل مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 142 من القانون رقم 59.11 عبر سلوك مسطرة التجريد، رغم انصرام أجل الطعن المنصوص عليه في المادة 29 من نفس القانون.

     جوابا عن التساؤل المثار أعلاه فإن تفعيل الفقرة الثانية من المادة 142 من القانون رقم 59.11 يبقى شبه مستحيل لتعارضه مع مبدأ مشهور و معمول به في الفقه و القضاء الإداري على حد سواء، وهو مبدأ الحقوق المكتسبة، ذلك أن تسليم الوصل النهائي بقبول الترشيح للانتخابات يعد قرارا إداريا بقبول الترشيح، ضمانا لاستقرار المراكز القانونية للناخبين، و هو ما تبنته عدة قرارات صادرة عن الغرفة الإدارية حيث اعتبرت حصول المرشح على وصل نهائي بقبول ترشيحه للانتخبات هو بمثابة قرار إداري بقبول الترشيح، ولا يمكن التراجع عنه من قبل الإدارة، لأن ذلك يعتبر مسا بحق مكتسب. وقد أصدرت الغرفة الإدارية عدة قرارات ألغت فيها قرارات الإدارة بسحب الترشيح بعد حصول المعني بالأمر على وصل نهائي بقبوله. و اعتبرت هذا السحب يمس بمبدأ الحقوق المكتسبة. من جملة هذه القرارات القرار عدد 68 بتاريخ 11/03/1993، ملف إداري عدد 1030 و القرار عدد 75 بتاريخ 11/03/93 ملف إداري عدد 92/10495.

     وقد يحدث أن يستغل العامل أو الوالي حسب كل حالة الامتياز الذي تخوله مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 142 من القانون رقم 59.11 من أجل فتح أجل جديد لسلوك مسطرة التجريد، بعد انصرم الأجل القانوني لسلوك مسطرة الطعن، للوصول إلى نفس الغاية رغم اختلاف المساطر، خاصة عندما يتعلق الأمر بحالات ثبوت انعدام أهلية الترشح بعد إعلان نتائج الانتخابات و انقضاء أجل الطعن.

مقال قد يهمك :   اضطرابات نظرية العقد في سماء الظاهرة الاقتصادية : نحو بلورة مدخل واضح و عميق لأي إصلاح لقانون العقود

     و حيث إن سوء استعمال مسطرة التجريد المتحدث عنها أعلاه، من شأنها أن تعطل تطبيق المادة  29 رغم أن أجل الطعن يعد من النظام العام.

     وقد يقول قائل بأن مسطرة التجريد يترتب عنها فقدان المترشح لعضويته في مجلس الجماعة أو المقاطعة، أما مسطرة الطعن فلا يترتب عنها إلا إلغاء العملية الانتخابية أو إلغاء النتيجة الانتخابية حسب طبيعة الطعن، إلا أن الآثار القانونية المترتبة عن مسطرة الطعن تجرده بصفة تلقائية من عضويته في مجلس الجماعة.

     كما أن المناقشات المثارة مؤخرا حول سن الرشد القانوني للترشح جعلت فرضية اللجوء إلى تفعيل مسطرة التجريد المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 142 من القانون التنظيمي رقم 59.11 واردة، خاصة و أن القضاء لم يتراجع عن موقفه الذي سبق و أن تبنته محكمة النقض في قراررها عدد: 340/1 الصادر بتاريخ: 25/02/2016، الذي أسس لقاعدة مفادها:  ” أنه يشترط في من يترشح للانتخابات الجماعية أن يكون ناخبا و بالغا من العمر واحد و عشرين سنة شمسية كاملة على الأقل في التاريخ المحدد للاقتراع. و المحكمة لما اعتمدت في قرارها سن التقييد في اللوائح الانتخابية و ليس سن الترشح لعضوية مجالس الجماعات الترابية تكون قد عرضت قرارها للنقض “

    وما يثبت استقرار هذا التوجه القضائي على كون السن القانوني المؤهلة للترشح  في الانتخابات الجماعية هو 21 سنة، هي مجموعة الأحكام القضائية الصادرة مؤخرا عن محاكم الموضوع، و من جملة هذه الأحكام ما صدر عن المحكمة الإدارية بوجدة بتاريخ 23/09/2021 التي قضت بإلغاء نتيجة الإقتراع لكون المطلوبة في الطعن و التي سبق أن انتخبت رئيسة لجماعة مستكمر ( إقليم تاوريرت ) لا تتوفر على السن القانوني للترشح، كما قضت نفس المحكمة في حكم آخر بتاريخ 24/09/2021 بإلغاء نتيجة الاقتراع لنفس السبب.

     و التساؤل الذي قد يثار بهذا الصدد هو: هل سيفعل العمال والولاة مسطرة التجريد المنصوص عليها في المادة 142 من القانون رقم 59.11 تنفيذا لما سار عليه الإجتهاد و العمل القضائي بخصوص السن القانوني لتقديم الترشيحات كشرط لاكتمال أهلية الترشح، أم أن لهذه الجهة تفسير و رأي أخر.؟

     أعتقد أن الأمر أعقد من ذلك، فبالإضافة إلى ما سبق و تحدثنا عنه حول تعارض مسطرة التجريد مع مبدأ الحقوق المكتسبة،  فأنه ما دام العمال و الولاة و بصفة عامة وزارة الداخلية كجهة وصاية تقبل طلبات الترشيح من الناخبين البالغين من السن 18 سنة، فإنها تكون قد سلمت بكون سن الرشد القانوني المؤهل للترشح للانتخابات الجماعية هو 18 سنة، و لها في مقتضيات الفصل 30 من دستور المملكة ما يبرر ذلك.

مقال قد يهمك :   إدلاء القاضي برأيه في مسألة ذات بعد سياسي معروضة عليه أمر لا يتعارض مع واجب التحفظ والحياد

     وعلى العكس من ذلك تماما فإن القضاء الإداري اعتبر سن الرشد القانوني الذي يؤهل الناخب للترشح للانتخابات الجماعية هو 21 سنة كاملة ، كما هو وارد أعلاه في قرار محكمة النقض، و هو الآخر توجه له ما له من مبررات في المادة 41 من  القانون رقم 9.97 المتعلق بمدونة الانتخابات.

    وأمام هذا التضارب الحاصل بين الجهاز التنفيذي ممثلا في وزارة الداخلية و الجهاز القضائي  حول السن القانوني للترشح،  فإنه لا يمكن تصورتفعيل مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 142 من القانون رقم 59.11، في الجزء المتعلق بالسن المؤهلة للترشح، لأنه لا يمكن لجهة قبلت طلبات ترشيح الناخبين البالغين من العمر 18 سنة باعتباره سن الرشد القانوني، أن تسلك مسطرة التجريد لثبوت عدم أهليته فيما بعد استنادا إلى سنه.

     وأعتقد أن المقتضى القانوني المنصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة 142 من القانون رقم 59.11  ولد ميتا و سيبقى ميتا إلى جانب العديد من النصوص القانونية المنظمة للانتخابات، إلى أن يتدخل المشرع من أجل تجديدها و تجويدها، بشكل لا يتعارض و إرادة نفس المشرع حول ضمان استقرار المراكز القانونية للمترشحين أولا ، وضمانا لحسن تنزيل مبادئ الدستور و قيمه ثانيا.

      وأن أي محاولة لتفعيل آلية التجريد الممنوحة حصرا للعمال و الولاة وفق الصياغة المنصوص عليها حاليا في مقتصيات الفقرة الثانية من المادة 142 من القانون التنظيمي رقم 59.11 يعد ضربا في كل قيم و مبادئ التطبيق السليم للقانون.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)