السيادة الرقمية في المغرب

الإصلاح الجبائي المحلي لبنة أساسية نحو تنزيل النموذج التنموي الجديد

محمد مسعودي: مبدأ حسن النية وتفسير العقود، أية علاقة؟

19 أغسطس 2021 - 2:07 م مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

محمد مسعودي باحث في سلك الدكتوراه مختبر البحث في العقار والتعمير ومتطلبات الحكامة الترابية الكلية المتعددة التخصصات بالناظور، جامعة محمد الأول، بوجدة

تمهيد :

      أدى تطور المجتمع إلى خلق مراكز قانونية للأفراد غير متكافئة، مما جعل من حرية التعاقد[1] غير كفيلة لوحدها من أجل ضمان مصالح الأطراف، في ظل إمكانية استغلال أحد الطرفين للضعف[2] الذي يعاني منه الطرف الآخر، إذ هنا ظهرت أهمية مبدأ حسن النية[3] في إعادة رسم حدود جديدة للعلاقات التعاقدية، من خلال محاولة خلق توازن بين تحقيق المصلحة الشخصية للأطراف المتعاقدة، والالتزام بحسن النية، في مختلف مراحل العقود، بدءا بالمفاوضات حولها إلى غاية تنفيذها.

وعليه، ولتوضيح المقصود بمبدأ حسن النية سنقتصر بداية على تحديده،[4] كقاعدة من قواعد التفسير التي يمكن إعمالها من طرف القاضي للتعرف على النية المشتركة لأطراف العقد، وهو ما يفرض علينا طرح الإشكالية التالية :

ما هي الأهمية التي يمكن أن يلعبها مبدأ حسن النية بمناسبة عرض نزاع ما على القضاء يتعلق بتفسير العقود؟

هذه الإشكالية تتفرع عليها مجموعة من التساؤلات الفرعية من قبيل :

 ما المقصود بمبدأ حسن النية؟ أي تنظيم تشريعي لهذا المبدأّ؟ وهل يقتصر دور القاضي على مراعاته أثناء تنفيذ العقد فقط، أم أثناء مرحلة المفاوضات وإبرام العقد أيضا؟ وهل يمكن اعتماده من طرف القاضي قبل استنفاذه لقواعد التفسير الأصلية؟.

      ومن أجل مقاربة إشكالية هذا الموضوع، إرتأينا تقسيمه إلى مطلبين، سنتناول في الأول التأصيل التشريعي لمبدأ حسن النية وعلاقته بتفسير العقود، وفي المطلب الثاني بعض التطبيقات القضائية للمبدأ المذكور في علاقته بتفسير العقود.

المطلب الأول : التأصيل التشريعي لمبدأ حسن النية وعلاقته بتفسير العقود

قبل التطرق لعلاقة مبدأ حسن النية بتفسير العقود (الفقرة الثانية)، سنتطرق للتأصيل التشريعي لهذا المبدأ مع محاولة تحديد مفهومه (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى : التأصيل التشريعي لمبدأ حسن النية

حسن النية، وسوء النية عبارتان، لا يخلو استعمالهما في أي مجتمع، للتعبير عن تصرف ما، إذ ترتبطان غالبا بالتعامل المرتبط بمجال الأخلاق[5]، وإن كنا سنناقش مبدأ حسن النية في تفسير العقود، لننتقل  بالمفهوم من دائرة القاعدة الأخلاقية إلى دائرة القاعدة القانونية، وهو ما يجسده الفصل 231 من ق إ ع، الذي ينص على أن “كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية، وهو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب، بل أيضا بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون[6] أو العرف أو الانصاف  وفقا لما تقتضيه طبيعته[7]، وهو ما يعني أن المشرع قد وضع قاعدة ذهبية يجب مراعاتها أثناء نظر الدعاوى المتعلقة بتفسير العقود في حالة الخلاف حولها بين الأطراف، إذ أن الالتزام بمراعاة حسن النية بصدد تنفيذ العقد يقتضي تيسير سبل الوصول إلى إعماله عوض إهداره، خاصة وأن العقود ما أبرمت إلا لتجد طريقها إلى التنفيذ، وهي نتيجة منطقية لمبدأ حسن النية، الذي يعتبر احترامه بمثابة صمام أمان لكي تنتج العقود آثارها كاملة، دونما عرقلة من أحد الأطراف أو منهما معا[8].

وهذا التعريف لمبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات، يفرض على المتعاقدين وهما يبرمان العقد أن تتجه نيتهما إلى تنفيذه، لكون الغاية من العقد، هي تحديد حقوق والتزامات كل طرف[9]، مع الحرص على اتباع الصدق والأمانة والوفاء، في أن تنتج العقود آثارها، والابتعاد عن التدليس والغبن والإكراه سواء أثناء التفاوض حول العقد، أو عند إبرامه أو في مرحلة تنفيذه، وهو ما تبناه المشرع الفرنسي في المادة 1104 ق م ف، بحيث جاء فيها “يجب التفاوض على العقود وإبرامها وتنفيذها بحسن نية”.

هذا، وقد تم التنصيص على مبدأ حسن النية من طرف مجموعة من التشريعات المقارنة كالقانون م م[10]، والقانون م ج [11]، والقانون م س[12]، وإن كانت الصياغة المستعملة موحدة بين جميع هذه التشريعات لدرجة التطابق، مع التركيز على اعتماد مبدأ حسن النية أثناء تنفيذ العقد، وإغفاله في مرحلتي التفاوض حول العقد وإبرامه، وهو ما يدفعنا إلى المناداة بضرورة أن تحدو هذه التشريعات حدو المشرع المدني الفرنسي الذي ألزم المتعاقدين باحترام المبدأ المذكور، مند مرحلة التفاوض على العقد، مرورا بإبرامه وإلى غاية تنفيذه، وكذا المشرع اللبناني[13]، وفي ذلك حماية للطرف الضعيف في العقد، وتحقيق للتوازن والعدالة العقديين.

الفقرة الثانية : تحديد مفهوم مبدأ حسن النية وعلاقته بتفسير العقود

اختلف الفقه[14] في تحديد مفهوم مبدأ حسن النية، وإن أجمعوا على أنه مبدأ قانوني وأخلاقي، بحيث عندما تساءل فابروكيت[15] عن معنى حســـــن النية أجاب “هو النية المستقيمة، الصدق، هو عكس الخيانة، عكس الخداع، عكس الغش أو التحريف، وأن حسن النية ينظر إليه أيضا بالمعنى المرادف للقسط (الإنصاف)، وأخيرا فإنه يعني الرأي الواصف للشخص الذي يتصرف على وفق ما له الحق أي بصفة مشروعة”.

وعرف الفقيه  Ghestinمبدأ حسن النية بأنه “التطابق بين الأفعال والأقوال من جهة، والفكرة مع القصد من جهة أخرى، وبذلك يصبح الشخص حسن النية عندما يحصل التوافق بين أفعاله ونواياه[16]“، وبعبارة أكثر دقة عرفه الفقيه Santa Maria بأنه “يمكن أن يفهم حسن النية على أنه منح الاتفاق المعنى المقبول من المتعاقدين إذا كان معلوما ومشروعا، وإلا وجب الأخذ بالمعنى المقبول بصفة عادية في مثل هذه الاتفاقات[17]“.

ورغم أهمية هذه التعريفات لمبدأ حسن النية، فإن هذا تعريف هذا المبدأ في الحقيقة لم يكن محل اهتمام كبير من طرف فقهاء القانون، لا سيما البحث في طبيعته، وبتعبير الفقيه محمد شيلح، فإن “التهرب من تحديد الطبيعة الحقيقية لحسن النية، لا يرجع إلى عجز الفقه عن القيام بهذا الأمر، بقدر ما يعود إلى حقيقة هذا الطبيعة، التي تتسم دائما بالتغير”.

         ونعتقد من باب إبداء الرأي، أنه ما دام أن أساس فكرة حسن النية يدور بين دائرة الأخلاق والقانون، لدرجة يصعب معها إعطاء تعريف لحسن النية من الناحية القانونية، لأن وحدة القياس في الأخلاق تختلف في مجال القانون، فإنه يستحسن عدم إعطاء أي تعريف لمبدأ حسن النية حتى يؤدي دوره على أحسن وجه في ميدان العقود عموما، وفي عملية التفسير على وجه الخصوص[18].

وبخصوص علاقة مبدأ حسن النية بتفسير العقود، فإن المشرع المغربي، وإن أغفل التنصيص على إلزامية احترام مبدأ حسن النية أثناء المفاوضات[19]، حول العقد وبمناسبة إبرامه، خلاف ما ذهب إليه المشرع الفرنسي، الذي اشترط مراعاة واحترام هذا المبدأ، سواء أثناء التفاوض حول العقد، أو أثناء إبرامه، أو في مرحلة تنفيذه، فإن طرفي العقد ملزمون بمراعاة حسن النية في سير المفاوضات التعاقدية، والقصد من ذلك، هو إقامة نوع من التوازن المقبول والمعقول بين مبدأ الحرية التعاقدية، الذي لا يلزم الأطراف بالتوصل إلى إبرام العقد النهائي، وبين ضمان حد أدنى من الثقة وحسن النية في المفاوضات[20]، بحيث إذا تم قطعها بين الأطراف، فإن ذلك لا يرتب أي مسؤولية كمبدأ عام، إذا ثبت أن قطع هذه المفاوضات كان بحسن نية[21].

وبالمقابل، إذا كانت المفاوضات حول العقد، قد تمت بسوء نية[22]، سواء من أحد الأطراف أو منهما معا، فإن إثبات ذلك، يفرض إقامة الدليل أمام القضاء، حتى يتسنى المطالبة بالتعويض[23]، وهي مسألة واقع، يمكن للقاضي استنباطها من خلال البحث عما إذا كانت نية الأطراف وهم يتفاوضون حول العقد، قد اتجهت فعلا إلى عدم الإفصاح عن النوايا الحقيقية للوصول إلى إبرام العقد النهائي، كما إذا لم يقم المهني مثلا بتوجيه وتبصير وإعلام[24] المستهلك حول منتوج معين في مرحلة التفاوض[25]، إذ هنا يمكن للمستهلك طلب إعفائه من الإلتزام، لكونه ما كان ليقبل بالمنتوج لو تم توجيهه وتبصيره من طرف المهني[26]، أو عدم قيام المؤمن له مثلا في عقد التأمين بالتصريح عند إبرام العقد بكل الظروف المعروفة لديه، والتي من شأنها أن تمكن المؤمن من تقدير الأخطار التي يتحملها[27].

هذا، بالإضافة إلى أن تفسير العقد من طرف القاضي، يستلزم البحث عما إذا كانت نية الأطراف المشتركة تتجه فعلا إلى إبرامه بحسن نية، مسترشدا في ذلك بما يحمله هذا المبدأ من خصال نبيلة تنم على الوصول بالعقد إلى مرحلة التنفيذ، التي تعتبر غاية كل متعاقد، مع تفسير العقد لصالح من ثبت أنه فعلا كان حسن النية، وهي مسألة واقع يستخلصها القاضي من ظروف التعاقد والشروط المتفق عليها والبنود المضمنة بالعقد.

المطلب الثاني : بعض التطبيقات القضائية لمبدأ حسن النية في تفسير العقود

على الرغم من عدم التنصيص التشريعي الصريح بعلاقة مبدأ حسن النية بتفسير العقود، بحيث تم التأكيد فقط على وجوب احترام المبدأ المذكور بمناسبة تنفيذ العقود في الفصل 231 من ق إ ع، كما سبق بيانه، فإن القضاء استطاع في أكثر من مناسبة، ترجمة المبدأ المذكور عند تفسير عقد من العقود.

 ومن التطبيقات القضائية لمبدأ حسن النية، ما جاء في حكم قضائي صادر عن المحكمة التجارية بوجدة[28]، من أن “المدعي (المؤمن له)، صرح بمقتضى عقد الـتأمين المؤرخ في 21/01/2009، الذي يربطه بالمدعى عليها الثانية (شركة التأمين)، بكونه غير مصاب بأي مرض مزمن أو معدي ولا يشكو من أمراض، ولم يسبق له أن خضع لمعالجة طبية، أكثر من ثلاثة أسابيع، حسب الثابت من الصورة الشمسية من التصريح بعقد التأمين، والحال أنه كان مريض بمرض السكري مند سنة 1988، ومع ذلك لم يصرح به للجهة المؤمنة رغم أن ذلك من الالتزامات الملقاة على عاتقه بمقتضى المادة 20 من مدونة التأمينات[29]، التي تلزم المؤمن له بأن يصرح عند إبرام العقد بكل الظروف المعروفة لديه والتي من شأنها أن تمكن المؤمن من تقدير الأخطار التي يتحملها، وكذا بمقتضى عقدة التأمين التي وقع عليها المدعي والتي تتضمن بكونه في حالة كون رأسمال يساوي 500.000 درهم ولا يتجاوز1.000.000 درهم، فالمؤمن له ملزم بالتصريح بالظروف الصحية، وأن المدعي رغم كونه كان مريض بمرض السكري مند سنة 1988، لم يصرح به للمؤمن (الشركة العامة المغربية)، وأخفاه عنها، كما أنه صرح بأنه غير مصاب بأي مرض حسب الثابت في عقدة التأمين، وفي غياب إثبات قاطع لواقعة كون حالة العجز التي أصيب بها المدعي كانت بعد إبرام عقدة التأمين، يجعل طلب المدعي غير مؤسس ويتعين التصريح برفضه”[30].

مقال قد يهمك :   مصطفى درويش: آثار الإستئناف الفرعي بعد النقض والإحالة

وفي نفس التوجه، قضت محكمة النقض[31] بتأييد قرار استئنافي رفض طلب المؤمن له، لكون هذا الأخير أخل بمبدأ حسن النية في مرحلة المفاوضات حول العقد، بحيث أخفى على شركة التأمين كونه مصاب بعجز نتيجة إصابته بحادث سقوط سابق أحيل على إثره للتقاعد، إذ جاء في حيثيات قرارها : “من المقرر أن المؤمن له ملزم بأن يصرح للمؤمن بالظروف المنصوص عليها في بوليصة التأمين والتي ينتج عنها تفاقم الأخطار، وأن أي كتمان أو تصريح كاذب يترتب عنه بطلان عقد التأمين، والمحكمة لما ثبت لها أن الطالب أخفى إصابته موضوع التقارير الطبية على شركة التأمين عند إبرام العقد حتى يمكنها تقدير المخاطر التي قد تنتج عن احتمال تفاقم العجز الناتج عن الحادث السابق، واعتبرت أن كتمانه يشكل إخلالا منه بإلتزامه بوجوب التصريح عند التعاقد للمؤمن بكل الظروف التي يمكن أن ينتج عنها تفاقم الأخطار، وقضت برد استئنافه، وأيدت الحكم الابتدائي القاضي برفض طلبه، تكون قد طبقت صحيح أحكام المادتين 20 و 30 من مدونة التأمينات، وجاء قرارها معللا تعليلا كافيا وسليما ومرتكزا على أساس”[32].

وبالنسبة للقضاء المقارن، فقد صدر قرار عن محكمة النقض الفرنسية،[33] بخصوص الالتزام بمبدأ حسن النية جاء فيه “يلتزم المؤجر بتسليم العين المؤجرة وكذا ضمان انتفاعها من طرف المستأجر بصورة هادئة، وأنه ملزم أيضا بتنفيذ هذا الالتزام بحسن نية، مع الأخذ بعين الاعتبار جميع ما تمليه قواعد الانصاف”.

وجاء في قرار لاستئنافية باريس،[34] قضت فيه بمسؤولية وكالة الأسفار عن تعويض الأضرار التي لا تغطيها شركة التأمين، بناء على كون صياغة العقد غير دقيقة وغير كاملة، لكونها لم تضع حدا للضمان، ولم تثر انتباه عملائها لضرورة إبرام تأمين تكميلي، بهدف ضمان تغطية كافة المخاطر المحتملة، خصوصا وأن السائحين سبق لهما تسديد قسط التأمين كجزء من تكاليف الرحلة، بهدف إبرام عقد تأمين غير محدود، بحسب صياغة العقد الذي تم إبرامه مع وكالة الأسفار.

ولم يقف القضاء الفرنسي عند تكريس المبدأ المذكور، بل ذهبت محكمة النقض الفرنسية،[35] إلى استلزام توافر مبدأ حسن النية أثناء تكوين العقد، باعتباره من المبادئ التي يستلزمها القانون، ليس فقط أثناء تنفيذ العقد وإنما أيضا أثناء تكوينه.

وبالرجوع إلى التساؤل الذي طرحناه، بخصوص مدى إمكانية إعتماد القاضي لمبدأ حسن النية قبل استنفاذه لطرق التفسير الأصلية[36]، نرى أنه من باب أولى، إعمال هذا المبدأ، من طرف القاضي بمناسبة تفسيره للعقد، بحيث أن البحث عن النية المشتركة للأطراف، لن يتأتى إلا من خلال البحث أولا في مدى احترام المتعاقدين، وهم يتفاوضون، لحسن النوايا والتعاون[37] والتبصير والالتزام بضمان السلامة، وإلا سيتم تفسير العقد ضد من ثبت سوء نيته كجزاء له على عدم التعامل بحسن نية، وإن كانت هذه المهمة في الحقيقة ليست بالهينة بالنسبة للقاضي، إلا أن تجربته وحنكته ستساعده في الكشف عن النية الحقيقية لأطراف العقد، مع الأخذ بعين الاعتبار، الظروف المحيطة بإبرام العقد وطبيعة التعامل والأعراف وقواعد العدل والإنصاف إلخ[38].

هذا، ويمكن القول، أن مبدأ حسن النية، يشكل ضمانة قانونية تكفل تنفيذ العقد بصورة صحيحة وموافقة لأحكام القانون، وفلسفة المشرع من سنه لهذا المبدأ، وفي نفس الوقت، الحيلولة دون تنفيذ عقود مشروعة في ظاهرها، ولكن غايتها غير مشروعة، تنطوي على كثير من الاستغلال[39]، وهو ما يدفعنا للقول، بأن مبدأ حسن النية أصبح محددا أساسيا في آلية تفسير العقود، بل مبدأ قانونيا أثبت نجاعته كقاعدة سلوك عام في ميدان العقود، لدرجة أن نجاح القاضي في مهمة التفسير، ترتبط بشكل كبير بمدى قدرته على استجلاء النية المشتركة لأطراف العقد، والتي تتحدد في غالب الأحيان من خلال الالتزام الملقى على طرفي العقد باحترام المبدأ المذكور، ليس فقط أثناء تنفيذ العقد، بل أيضا في مرحلة التفاوض حوله وأثناء إبرامه أيضا، وبالتالي فتحقيق الأمن التعاقدي، لن يتأتى في اعتقادنا، إلا من خلال إعمال هذا المبدأ، الذي يحمل في طياته، خصال إنسانية حميدة، كالصدق والأمانة والوفاء[40]، التي تبنى عليها العلاقات الاجتماعية والانسانية.

      بالإضافة إلى أن فكرة حسن النية، أخذت أبعادا جديدة في العصر الحاضر، حيث أضحى التركيز على الثقة المشروعة في التعامل، وضرورة التعاون بين المتعاقدين عند التعاقد وأثناء تنفيذ العقد، وكذا التزام المتعاقد بتبصير الطرف الآخر بكل التفاصيل المتعلقة بمحل العقد، وإسداء النصح[41] له للوصول إلى أفضل النتائج، فهذه كلها أوجه للإلتزام بحسن النية، كما يسري هذا المبدأ على جميع العقود بدون استثناء.

        ونخلص في الأخير، إلى أن مبدأ حسن النية، وإن كان في الأصل ينتمي للقواعد الأخلاقية، فإن أهميته في المعاملات التعاقدية، جعلت منه مبدأ قانونيا وقاعدة سلوك عام واجبة الاتباع، تحت طائلة توقيع الجزاء المدني بشقية العقدي والتقصيري المتمثل في تقرير التعويض، إذ أن محكمة النقض الفرنسية قضت في أحد قراراتها بتعويض المتعاقد المتضرر نتيجة إخلال الطرف الآخر بمبدأ حسن النية[42]، بل ألزمت حتى الأغيار عن العقد بضرورة احترام مبدأ حسن النية، بحيث صدر عنها قرار جاء فيه : “يلزم الموثقين قبل تحرير عقودهم، من التحقق من الوقائع والشروط الأساسية لهذه العقود، وإلا اعتبر ذلك تقصيرا منهم في إسداء واجب النصح[43]للأطراف المتعاقدة”[44].

      وكخلاصة لما سبق، فإن محاولة ربط مبدأ حسن النية بتفسير العقود، ليس بالأمر السهل واليسير، لكون المشرع لم ينص صراحة على هذا الترابط، إلا أننا حاولنا قدر الإمكان، وبما جادت به النصوص القانونية المتوفرة، أن نقيم هذا الترابط من منطلق إيماننا بأن ألية تفسير العقود التي نظمها المشرع في ق إ ع وقانون حماية المستهلك، تجد لها أصلا في مبدأ حسن النية الذي يفترض أن العملية التعاقدية يجب أن تبدأ بصدق النوايا والإفصاح عليها، بعيدا عن الغش والتحايل والتدليس والغبن التي تعتبر عيوبا للإرادة التي تنبني عليها فلسفة العقد.


الهوامش:

[1] – حرية التعاقد المبنية على مبدأ العقد شريعة المتعاقدين (الفصل 231 من ق إ ع)، ومبدأ القوة الملزمة للعقد، ومبدأ الأثار النسبية للعقد، والتي تقتضي أن يكون أطراف العقد في وضع متكافئ، أو على الأقل تمكينهم من التفاوض والمساومة دونما تأثير ملحوظ على إرادتهم الظاهرة والباطنة، مع أن الممارسة العملية أفرزت مجموعة من العقود التي تسيطر فيها فئة على فئات أخرى تحت غطاء احترام مبدأ العقد شريعة المتعاقدين.

هذا الوضع، فرض إعادة النظر في مفهوم الحرية التعاقدية من منظور تقليدي، إذ أصبحت الدولة تضع يدها على جميع العقود سواء المدنية أو التجارية وغيرها  المبرمة بين الخواص، ويظهر هذا التدخل في مجال عقود الشغل وعقود الكراء وعقود الاستهلاك إلخ، وهو ما ينم على أن هذا التدخل فرضته المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي عرفها العصر الحديث، ذلك أنه وإلى عهد قريب كانت جل المعاملات الإنسانية تتمحور حول الحياة فوق الأرض، إلى أن استطاعت السفن الفضائية الملاحة في الفضاء، بعد إطلاق مركبة السبوتنيك سنة 1957، “أول قمر اصطناعي أطلقه الاتحاد السوفياتي“.

 للمزيد من التفاصيل حول تراجع الحرية التعاقدية وبزوغ تدخل الدولة في المجال التعاقدي، يراجع : العربي محمد مياد، “عقود الإذعان بين التأصيل الفقهي والعمل القضائي”، دراسة مقارنة محينة، مطبعة المعاريف الجديدة، طبعة 2018،الرباط، ص : 98 وما يليها.

[2]– فكرة الطرف الضعيف، تتفاوت بين التشريعات من حيث نوع الضعف الذي يكون محل اعتبار، وبالتالي تأثيره على العلاقة التعاقدية، ومن حيث الحماية التي قررتها التشريعات للطرف الضعيف، وانعكاساتها على العلاقة العقدية، إذ أن أهم التطبيقات لهذا المفهوم تتبلور فيما يعرف بعقود الإذعان والعقود الاستهلاكية، بحيث تنعدم المساواة بين أطراف العقد بشكل يجعل من أحدهم – بداهة – طرفا ضعيفا، أو ما يطلق عليه بالضعف التعاقدي، وهو ما جعل المشرع يولي أهمية لهذه المسألة بحيث جاء في المادة 59 من القانون رقم 31.08  المتعلق بحماية المستهلك بأنه “يقع باطلا بقوة القانون كل التزام نشأ بفعل استغلال ضعف أو جهل المستهلك، مع حفظ حقه في استرجاع المبالغ المؤداة من طرفه، وتعويضه عن الأضرار اللاحقة”.

– ظهير شريف رقم 1.11.03 صادر في 14 من ربيع الأول 1432 (18 فبراير 2011) بتنفيذ القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، المعدل بالقانون رقم 78.20 القاضي بتغيير المادة 202 من القانون رقم 31.08 بشأن تحديد تدابير لحماية المستهلك الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.85 بتاريخ 25 من ربيع الآخر 1442 (11 ديسمبر 2020)، الجريدة الرسمية عدد 6945 بتاريخ 6 جمادى الأولى 1442 (21 ديسمبر 2020)، ص 8465، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5932 بتاريخ 3 جمادى الأولى 1432 (7 أبريل 2011)، ص 1072.

للمزيد من التفاصيل حول مفهوم الضعف التعاقدي ، يراجع : درماش بن عزوز، “التوازن العقدي”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية ،جامعة أبي بكر بلقايد– تلمسان- ، السنة الجامعية 2013-2014، ص :  81 وما يليها.

وفي نفس التوجه، ذهب الأستاذ  Frédiric Leclerc، بأن الضعف يتضح من خلال علاقة تعاقدية بين شخصين يحكمهما التخوف، بحكم ضعف أحدهما، وذلك لأسباب متعددة :

– ضعف المؤهلات الجسمية والنفسية؛

– ضعف المؤهلات التقنية؛

– غياب توازن بين أطراف العلاقة التعاقدية، بحكم الظروف الاقتصادية والاجتماعية لأحدهما.

-Frédiric Leclerc, « la protection de la partie faible dans les contrats internationaux » , Etude de conflis de lois.TomI,Thèse, Université Rebert Schuman de Strasbourg.p11.

ذكره، محمد الهيني، الحماية القانونية والقضائية للمؤمن له في عقد التأمين، م س، ص : 6.

مقال قد يهمك :   نص الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة

[3] – مبدأ حسن النية (الذي يقابله سوء النية)، يحتل مكانة هامة في ميدان العقود وغيرها من التصرفات القانونية، بحيث على سبيل المثال نجد أن المشرع، قد نص على هذا المبدأ في مجموعة من النصوص القانونية،  ومن الأمثلة على ذلك على سبيل المثال لا الحصر نجد الفصول الواردة في ق إ ع (  82، 101، 102، 103، 104، 108، 125، 231، 240، 477)، والمادة 5 من ق م م التي تنص على أنه “يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية “.

– للتوسع في الموضوع، تراجع : زيتوني فاطمة الزهراء، “مبدأ حسن النية في العقود، دراسة مقارنة”، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة أبي بكر بلقايد، بالجزائر، السنة الجامعية 2017-2018.

– بن يوب هدى، “مبدأ حسن النية في العقود”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة العربي بن مهيدي –أم البواقي- الجزائر، السنة الجامعية 2012-2013.

[4]– لقد اعتمدنا في إقحام الفصل 231 من ق إ ع ضمن قواعد التفسير الاحتياطية، ارتباط هذا الفصل المتعلق بمبدأ حسن النية بالفصل 463 من نفس القانون، بحيث أن هناك ارتباط بين الفصلين لدرجة يصعب الفصل بينهما.

[5] – لدرجة أن أحد الفقه الفرنسي اعتبر أن حسن النية وسيلة لإدخال القاعدة الأخلاقية إلى القانون الوضعي.

– Ripert : La régle morale dans les obligations civiles, 4 ème édition, Paris 1949, N 157, p : 287.

[6]– إن إستعمال لفضة “القانون”، يقتضي منطقيا الاستغناء عما جاء بعدها، لأن القانون ينصرف إلى كل ما يمكن اعتباره قاعدة قانونية خاصة بالمتعاقدين أو موضوعية تلزم الجميع، أي إلى كل ما يمكن اعتباره  مصدرا للقاعدة القانونية الذاتية أو الموضوعية، أي التشريع والعادة والعرف والإنصاف، إلى جانب التصرف حسب مفهوم الفصل 230 من ق إ ع.

نقلا عن : محمد شيلح، “تأويل العقود في قانون الالتزامات والعقود المغربي”، محاولة دراسة ميتودولوجية للفهم القضائي والفقهي للقانون التعاقدي، مختبر قانون الالتزامات والعقود، كلية الحقوق، فاس، الطبعة الأولى، 2017، ص : 533.

[7]– هذا الفصل تم نقله من الفصل 243 من المجلة التونسية للالتزامات والعقود، والذي جاء فيه “يجب الوفاء بالالتزامات مع تمام الأمانة، ولا يلزم ما صرح به فقط، بل يلزم كل ما ترتب في الالتزام من حيث القانون أو العرف أو الإنصاف حسب طبيعته “.

[8]– لكون الالتزام بحسن النية في جميع مراحل العملية التعاقدية، يقتضي حرص جميع الأطراف على مصالح الآخرين وصيانتها ورعايتها، وفقا لما يقتضيه الحال من تعاون وتبادل للمعلومات اللازمتين لقيام كل طرف بالوفاء بالتزاماته، الصريحة والضمنية، كما تم التوافق بشأنها في العقد، أو نص عليها القانون، أو جرت بشأنها عادة أو عرف، ومن الطبيعي أن يكون أي عمل أو امتناع عن عمل، من شأنه الإضرار بالمتعاقد الآخر، أو انقاص مفعول الالتزام، أو تخفيض مستوى توقعات المتعاقد وقت إبرام العقد، مخالفا لمبدأ حسن النية ولنزاهة التعامل”.

– عيسى أبو حاج، محمود دودين، “نظرية واجب الدائن بتخفيف الضرر في الالتزامات العقدية وتأصيلها في القوانين المدنية العربية، دراسة مقارنة”، مقال منشور بمجلة القانون والأعمال الدولية، العدد 26، فبراير 2020، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، ص : 252.

[9] – جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية للرباط ما يلي : “إن مبدأ حسن النية ينشأ إلتزام على الدائن بوجوب التعاون مع المدين في الوفاء بالالتزام الملقى على عاتقه ويسأل عقديا عن ذلك”.

– حكم رقم 2522، صادر بتاريخ 22/10/2008، ملف رقم 1/2227/2006، منشور بمجلة الحقوق المغربية، العدد 8، سنة 2009، ص : 222.

ونعتقد أن المفهوم الذي أضفته المحكمة المذكورة يعد قاصرا، لكونها ركزت على مسؤولية الدائن بوجوب التعاون مع المدين في الوفاء بالالتزام، والحال أن مبدأ حسن النية يلزم طرفي العقد معا للوصول بالعقد إلى غايته المثلى، وهي تنفيده بكل أمانة ونزاهة، وهي مبادئ عامة لا تقوم العلاقات التعاقدية بدونها.

[10]– تنص المادة 148 ق م م على أنه “يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبحسن نية”.

[11]– تنص المادة  107 ق م ج على أنه “يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبحسن نية”.

[12]– تنص المادة 148 ق م س على أنه “يجب تنفيذ العقد، طبقا لما اشتمل عليه، وبطريقة تتفق وما يوجبه مبـدأ حسن النية”.

[13] – جاء في المادة 221 من قانون الموجبات والعقود اللبناني، “إن العقود المنشأة على الوجه القانوني تلزم المتعاقدين، ويجب أن تفهم وتفسر وتنفذ وفقا لحسن النية والانصاف والعرف”، وهو ما يستشف منه أن فهم العقود لا يكون إلا عن طريق التفاوض حولها بين طرفي العقد، وهي مرحلة مهمة تتيح الفرصة للنقاش والفهم والتمعن قبل الإقدام على التعاقد.

[14] – محمد شيلح، م س، ص : 535-536.

– Jacque Ghestin « La notion d’erreur dans le droit positif actuel », librairie générale de droit et jurisprudence, paris 1971, N° 84 ; p : 99.

– Santa Maria « les systèmes d’interprétation des contrats », université de paris, faculté de droit et des sciences économiques, 1968, p : 136.

[15]–  Fabreguettes « la logique judicaire et l’art de juger », Librairie générale de droit et jurisprudence, paris, 1914.

نقلا عن : محمد شيلح، م س، ص : 535.

[16]– Jacque Ghestin, op cite, p : 99.

[17]– Santa Maria, op cit, p : 136-137.

[18] – أنظر في هذا المعنى، خالد عبد حسين الحديثي، “تكميل العقد، دراسة مقارنة”، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، دون ذكر مكان النشر، سنة 2012، ص : 90.

[19] – يقصد بالمفاوضات، أو التفاوض التعاقدي، تلك العملية التي يتم فيها تقديم المقترحات والنظر فيها ومناقشتها من طرفي العقد، بغاية التوصل إلى أفضل الشروط التي تحقق مصالحهم المشتركة، وكذا تحديد حقوقهم والتزاماتهم التعاقدية، خاصة وأن إبرام العقد النهائي وضمان حسن تنفيذه يتوقف على مرحلة المفاوضات.

[20]– عبد الرحمان الشرقاوي، العقد السياحي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس، أكدال – الرباط، السنة الجامعية 2008-2009، ص : 206.

[21]– أحمد السعيد الزقرد، نحو نظرية عامة لصياغة العقود، دراسة مقارنة في مدى القوة الملزمة لمستندات التعاقد، مجلة الحقوق الكويتية، العدد الثالث، شتنبر 2001، ص : 263، أشار إليه عبد الرحمان الشرقاوي، م س، ص : 206.

[22] – ونعتقد أن البحث عن سوء النية هو السبيل الذي سيمكن المتضرر من الوصول إلى حقه في التعويض، شريطة إثبات أن المتسبب في الضرر كان سيء النية، لكون حسن النية مفترض إلى أن يثبت العكس، وبالتالي يبقى دور القضاء مهما في استجلاء حقيقة سوء نية المتسبب في الضرر من خلال ما يمكن أن يقدمه المتضرر من اثباتات لتدعيم ادعائه تحت طائلة عدم قبول التعويض.

لتمييز مفهوم حسن النية عن سوء النية، راجع : بوكلوة كنزة، بوطرنيخ فضة، “مبدأ حسن النية في إبرام وتنفيذ العقود”، مذكرة لنيل شهادة الماستر في القانون، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد الصديق بن يحي/جيجل، السنة الجامعية 2017-2018، ص : 28 وما يليها.

[23] – نقصد هنا التعويض في إطار الفصل 77 من ق إ ع، في انتظار تدخل المشرع لتنظيم المفاوضات قبل التعاقد، وكذا الأساس القانوني لتقرير التعويض إن كان له محل.

ينص الفصل 77 من القانون المذكور : “كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر.

 وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر”.

[24]– – نقصد هنا الالتزام بالإعلام، الذي يعتبر من الالتزامات المهمة والأساسية التي تقع على المهني، بحيث يمكن المستهلك من مجموعة من المعلومات حول المنتوج، حتى يكون على بينة بخصوص ما هو مقدم على اقتنائه من سلع وخدمات، ويعتبر القانون 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، أول قانون نص على هذا المبدأ، إذ جاء في المادة 47 منه “يجب على كل من يبيع منتوجات، أو يقدم خدمات، أن يعلم المستهلك عن طريق وضع علامة أو ملصق أو إعلان، أو بأي طريقة مناسبة أخرى، بالأسعار والشروط الخاصة للبيع أو لإنجاز الخدمة”.

ظهير شريف رقم 1.00.225، صادر في 2 من ربيع الأول 1421(5 يونيو 2000)، بتنفيذ القانون رقم 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 4810 بتاريخ 06/07/2000، ص : 1941.

وبالنظر لأهمية مبدأ الالتزام بالإعلام، فإن المشرع قد تبنى المفهوم  في ق إ ع، من خلال ما جاء في الفصل 52 من القانون المذكور من أن : “التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر، ويكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به”.

 وأيضا تم تكريس المفهوم  بقانون حماية المستهلك، ( المواد من 2 إلى 14)، حيث جاء في المادة 3 من القانون المذكور على أنه : “يجب على كل مورد أن يمكن المستهلك بأي وسيلة ملائمة من معرفة المميزات الأساسية للمنتوج أو السلعة أو الخدمة وكذا مصدر المنتوج أو السلعة وتاريخ الصلاحية إن اقتضى الحال، وأن يقدم إليه المعلومات التي من شأنها مساعدته على القيام باختيار معقول باعتبار حاجياته وإمكانياته”، وإن كنا نعيب على المشرع أنه ترك للمورد الاختيار فيما يتعلق بوضع تاريخ الصلاحية على المنتوج أو السلعة، بحيث استعمل عبارة “إن اقتضى الحال“، والتي قد تستغل من طرف بعض الموردين سيئي النية، وهو ما سيساهم  في إضعاف دور الجهات المكلفة بمراقبة السلع والمنتوجات، والتي غالبا ما تستعين بتاريخ الصلاحية كدليل على صلاحية أو عدم صلاحية السلعة أو المنتوج للاستهلاك، وهو ما يدعونا للقول بأن المشرع يجب عليه التدخل لسد هذه الهفوة التشريعية بالنظر لآثارها الخطيرة على صحة المستهلك.

مقال قد يهمك :   الفرض التلقائي للضريبة بين صحة المسطرة و المغالاة في تقدير مبلغ الضريبة

[25]– مرحلة التفاوض حول العقد، تعتبر من أهم المستجدات التي أدخلها المشرع الفرنسي في تعديل 2016، بحيث تظهر هذه الأهمية على عدة مستويات :

حرية المفاوضات : شريطة الالتزام فيها بحسن النية تحت طائلة تقرير التعويض لمصلحة الطرف المتضرر من الترك التعسفي للمفاوضات ، بحيث جاء في المادة 1112 ق م ف ما يلي “يكون اقتراح المفاوضات قبل التعاقدية وسيرها وقطعها حرا، ويجب أن تراعى هذه المسائل مقتضيات حسن النية “.

وبجد هذا المستجد التشريعي في ق م ف مرجعا له في مجموعة من القرارات الصادرة عن محكمة النقض الفرنسية التي اعتبرت فيها أن “الإنقطاع المفاجئ للمفاوضات دون وجود عذر شرعي هو انقطاع بسوء نية يستوجب التعويض” .

– Cass.com, 20 mars 1972, 70-14-174 ; cass.com, 7 avril 1998,95-20-361 ;cass.com, 20 juin 2000,96-16-497 ; cass.com, 2 juillet 2002,00-13.459, http//www.légifrance.gouv.fr/ ; cass.com, 26 novembre 2003, Henri CAPITANT, les grands arrêts de la jurisprudence civile,tome 2 , Obligations, contras spécieux, sûreté  broché, 12 édition, 2008, p 1 et suivante.

– الالتزام بالإعلام في مرحلة المفاوضات :نصت المادة 1112-1 من ق م ف على ضرورة إعلام كل متعاقد للآخر بجميع المعلومات المتوفرة لديه واعتبار ذلك من النظام العام يمكن أن يترتب عليه بطلان العقد.

-الالتزام بضمان سرية المعلومات المتحصل عليها خلال مرحلة المفاوضات : حيث اعتبر المشرع الفرنسي في المادة 1112-2 ق م ف أن الإخلال بهذا الالتزام يعتبر خطأ يستوجب التعويض.

[26]– تجدر الإشارة إلى أننا سنتطرق لمبدأ حسن النية بشكل مستفيض بمناسبة دراستنا للتطبيقات العملية بخصوص تفسير وتكييف العقود في الباب الثاني من هذه الأطروحة، وأن اقتصارنا على الإشارة للمبدأ دون تقديم بعض العقود كأمثلة، حسبنا في ذلك تفادي التكرار.

[27]– البند 2 من المادة 20 من مدونة التأمينات.

[28]– حكم عدد 496/2017، ملف عدد 340/16/8210، صادر بتاريخ 27/04/2017، منشور بمجلة المعرفة القانونية والقضائية، عدد مزدوج 2 و3 ، دون ذكر السنة، ص : 411 وما يليها.

[29] – ينص البند 2 من المادة 20 من مدونة التأمينات على أن المؤمن له ملزم “بأن يصرح بالضبط عند إبرام العقد، بكل الظروف المعروفة لديه، والتي من شأنها  أن تمكن المؤمن من تقدير الأخطار التي يتحملها.

– القانون رقم 99-17 المتعلق بمدونة التأمينات ، صيغة محينة بتاريخ 19 سبتمبر 2016، منشور بالجريدة الرسمية  عدد 5054، الصادرة بتاريخ 2 رمضان 1423( 7 نونبر 2016) ص:3105.

[30] – جزاء الاخلال  بواجب الإعلام لا يكون دائما مدنيا، بل يمكن أن يصير جزاء جنائيا، وهو ما جسده حكم صادر عن ابتدائية الدار البيضاء جاء فيه : “لما كانت الشركة منتجة اللقاح قد أخفت على العموم معطيات علمية هامة، لها علاقة بالاصابات التي يمكن أن يحدثها اللقاح بصفة مباشرة لمستعمليه، فإنها بذلك تكون قد خالفت النظم والقوانين واللوائح الجاري بها العمل في مجال صناعة الأدوية، وتبقى مسؤولة جنائيا عن هذا الفعل، وعن الاصابات التي يحدثها اللقاح ما دامت رابطة السببية بين الفعل والإصابة قائمة”.

– حكم المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء صادر بتاريخ 07/11/2005، ملف رقم 244 ج ع /04، غير منشور.

للمزيد من التفاصيل حول واجب الإعلام وتمييزه عن بعض المفاهيم المشابهة، يراجع : ثامر كشيدة، “الالتزام بالإعلام كوسيلة لحماية المستهلك في التشريع الجزائري”، مذكرة لنيل شهادة الماستر، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد بوضياف-المسيلة، السنة الجامعية، 2018-2019، ص : 7 وما يليها.

[31] – قرار محكمة النقض عدد 242، الصادر بتاريخ 16/05/2019، الملف التجاري عدد 318/3/1/2018، منشور بمجلة قضاء محكمة النقض، عدد 87، مطبعة الأمنية، الرباط، ص : 103.

[32] – إن الإخلال بمبدأ حسن النية يمكن أن يؤدي إلى قلب القواعد العامة في مجال التفسير، إذ وعلى الرغم من كون المقترض يعتبر طرفا ضعيفا في عقد القرض، وبالتالي يستفيد من الحماية القانونية التي أضفاها المشرع لفائدة المستهلك في العقود الاستهلاكية، إلا أن الاخلال بالالتزام القانوني المرتبط بضرورة إعلام الطرف الآخر المؤمن بكل الظروف التي يمكن أن ينتج عنها تفاقم الأخطار، سيؤدي إلى تحمل المؤمن له “المقترض” المسؤولية عن عدم التصريح، والذي يفسر بأنه كتمان يترتب عليه بطلان عقد التأمين، وأن تضمين هذا الشرط ببويلصة  التأمين لا يمكن اعتباره شرطا تعسفيا، بل هو واجب قانوني يقع على عاتق المؤمن له “المقترض”.

[33]– « Alors que le bailleur, tenu d’une obligation de délivrance et de faire jouir paisiblement le preneur des lieux loués, a le devoir de reconstruire le bâtiment démoli aux fins de reloger le preneur, qu’il est tenu d’exécuter cette obligation de bonne foi et à toutes les suites que l’équité commande ).

– Cour de cassation, chambre civile 3 , 7 juillet 2016 , 15-13, 489, inédit, Légifrance.

[34]– Cass.Civ, 1er civ, N 228, R.T.D, 1984, oct, J.H.U.E.T.

[35]–  Cass .Civ. 1er ch, 10 Mai 1989, Bull. Civ. P : 187.

أشارت إليه : ماجدة عبد المجيد عبد المهدي المخاترة، م س، ص : 251، هامش رقم 7.

[36] – نقصد بقواعد التفسير الأصلية، تلك المنصوص عليها في ق إ ع، (الفصول 464 إلى 473)، والتي يمكن تلخيصها في سبع قواعد :

–  بنود العقد يؤول بعضها البعض؛

– إذا أمكن حمل عبارة وبند على معنيين، كان حمله على المعنى الذي يعطيه بعض الأثر، أولى من حمله على المعنى الذي يجرده من كل أثر؛

– يلزم فهم الألفاظ المستعملة حسب معناها الحقيقي ومدلولها المعتاد في مكان إبرام العقد؛

– التنازل عن الحق يجب أن يكون له مدلول ضيق، ولا يكون له إلا المدى الذي يظهر بوضوح من الأسماء المستعملة ممن أجراه، ولا يسوغ التوسع فيه عن طريق التأويل، والعقود التي يثور الشك حول مدلولها لا تصلح أساسا لاستنتاج التنازل عنها؛

– عندما تذكر في العقد حالة لتطبيق الالتزام، فينبغي ألا يفهم من ذلك أنه قد قصد تحديد مجاله بها، دون غيرها من بقية الحالات التي لم تذكر؛

– إذا كان المبلغ أو المقدار بالحروف وبالأرقام، وجب عند الاختلاف الاعتداد بالمبلغ المكتوب بالحروف ما لم يثبت بوضوح الجانب الذي اعتراه الغلط.

[37] – الالتزام بالتعاون من الالتزامات المتبادلة التي تقع على عاتق طرفي العقد، بحيث يعتبر احترامه تجسيدا لمبدأ حسن النية الذي يفرض التعاون المشترك للمتعاقدين بداية من مرحلة التفاوض حول العقد إلى غاية تنفيذه، إذ أن كل محاولة لقطع المفاوضات بدون مبرر أو عرقلة سيرها مثلا، يعتبر إخلالا بالتعاون الذي يجب أن يسود جميع مراحل العملية التعاقدية.

[38]– ويمكننا أيضا التساؤل حول من يقع عليه عبء إثبات سوء النية ؟، بحيث أن الأصل في الإنسان البراءة، أي حسن النية، وبالتالي على من يدعي خلاف هذا الأصل إثبات ذلك، لأنه يدعي خلاف الأصل، وهو ما يعني أن المدعى عليه بسوء النية لا يلزم بأي إثبات لإبعاد المسؤولية عن نفسه، شريطة عدم إظهاره ما يوحي بأنه فعلا كان سيئ النية وهو يتفاوض أو يبرم أو ينفذ العقد.

[39]– عالي طوير، “التوازن المعرفي في عقود الاستهلاك”، مقال منشور بالمجلة المغربية  للفقه والقانون، العدد 4، ص : 100.

[40] – نقصد بالوفاء هنا، قيام طرفي العقد بتفيذ الالتزام بحسن نية، وكذا الأداء العادل للالتزام، وإلا أعتبر ذلك خطأ جسيما، كما ذهبت إلى ذلك محكمة النقض الفرنسية في أحد قراراتها الحديثة، والذي اعتبرت فيه عدم احترام الأجير لشرط عدم المنافسة يعد خطأ جسيما.

– Cass. com., 14 novembre 2018, n°17-19.851.

نفس التوجه نحته محكمة النقض في أحد قراراتها جاء فيه : “الأجير ملزم بعدم الإضرار بمشغله، وتأسيس شركة من طرفه منافسة لمشغله فيه ضرر لهذا الأخير ويكون خطأ جسيما”.

– قرار عدد 1019، دون ذكر رقم الملف، صادر بتاريخ 19/09/1999، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، المجلس الأعلى، مجموعة تشريع واجتهاد، 1958 -2005، قرص مدمج.

[41] – يقصد بالالتزام بالنصح، “التزام المتعاقد المحترف بتقديم الاستشارات والنصح وفقا للأسس الثابتة والمقررة في الحرفة التي يمتهنها، بحيث يكون لهذه الاستشارة الأثر في توجيه المتعاقد الآخر إلى اتخاذ قراره النهائي بصدد المسألة محل الاستشارة”.

– ماجده عبد المجيد عبد المهدي المخاترة، م س، ص : 261.

[42]– Cass, Com, 19 décembre 1989, Bull.Civ.Iv. N327, p : 220.

أشارت إليه : ماجده عبد المجيد عبد المهدي المخاترة، م س، ص : 251، هامش رقم 6.

[43] – واجب النصح من الواجبات الأساسية التي ألزم بها القانون الموثق في علاقته بأطراف العقد، بحيث لا يكفي أن يقوم الموثق بإبرام العقد حسب الشكليات المتطلبة قانونا، بل يقع عليه تقديم النصيحة للأطراف التي ترغب في التعاقد، حتى يكونوا على بينة وإطلاع على ما يمكن أن تنتج من آثار قانونية بعد إبرام العقد، وهو ما تم التنصيص عليه صراحة في المادة 37 (الفقرة الثانية) من القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق والتي جاء فيها  أنه : “يجب على الموثق إسداء النصح للأطراف، كما يجب عليه أن يبين لهم ما يعلمه بخصوص موضوع عقودهم، وأن يوضح لهم الأبعاد والآثار التي قد تترتب عن العقود التي يتلقاها”.

– ظهير شريف رقم 1.11.179 صادر في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011)، بتنفيذ القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27 ذو الحجة 1432 (24 نوفمبر 2011)، ص : 5611.

– Pour plus de détails, voir : Kaoutar El Gachbour «Le devoir de conseil du notaire en droit marocain », article publié dans le magazine de la cour de cassation N° 88, l’imprimerie el oumniaa, Rabat, p : 325 et suivante.

[44]-Cour de cassation, chambre  civile, 3,27 octobre 2016, 15-20-612, inédit, Légifrance.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)