استئنافية وجدة تساير محكمة النقض في تفسير المطالبة القضائية القاطعة للتقادم

قراءة في النظام الأساسي لهيئة موظفي إدارة الجمارك و الضرائب غير المباشرة

مشكلة تعليل الأحكام القضائية أو الأمن القضائي المفقود

30 يناير 2021 - 9:44 م المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

عبد المولى مريم أستاذة باحثة في القانون الخاص

الحكم القضائي ليس مجرد وثيقة رسمية فاصلة في النزاع، وإنما هو فوق ذلك تجسيد أن العدالة التي نشدها المتخاصمون قد تحققت ، وأن امنهم القضائي ثم حفظه ، وأن الحكم الذي صدر أشبع رغبتهم في تحقيق إنصاف أو عدالة انتهكها أحد أطراف الخصومة بانتزاع ميزة أو فضل لا حق له فيه .

ولكي يكون الحكم القضائي كذلك ، فلا بد أن يكون مقنعا قويا في مبناه ومعناه ،  وحينما نقول مقنعا نعني بذلك أن يكون تعليله متماشيا مع روح القانون ، لأن القانون هو الذي يخلق العدالة وليس العكس ولن نخوض في نقاش فلسفي بخصوص هذه النقطة ، لأنه طالما أن الدستور يقرر في فصله السادس أن ” القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة ” ويؤسس في فصله 110 لمبدأ  ” التطبيق العادل للقانون ” فهذا يعني أن هذه الأمة ارتأت أن يكون ما يقرره هذا القانون هو والعدالة صنوان ، غير أن مشكلة تعليل الأحكام في العمل القضائي المغربي أعقد من حصر نقاشها فيشرنقة   ‘” العدالة” وإنما تتجاوزه إلى المساس بمفهوم اخر وهو مفهوم ” الأمن القانوني  والقضائي ” ، إذ كثير من الأحكام القضائية إما بسبب الكم ، أو السرعة في انتاج الأحكام أو غيره من الأسباب  نجدها تحمل أثقال تعليلات ضعيفة ، وفضفاضة ، وعامة يستفاد منه أن القاضي الذي حرر الملف همه الأول والأخير  ان يتخلص من الملف لينتقل إلى ملف اخر .

وهذه في الواقع إشكالية ترهق القاضي والمتقاضي وكافة العاملين في صناعة الحكم القضائي، لأن انتاج حكم قضائي بمنطق الإنتاج يؤدي إلى نشر ” الرداءة ” و” الضعف ” في الأحكام القضائية، وخطورة هذا الأمر تتعزز بمراعاة أنه للأسف تحولت في المغرب إلى ما يشبه ” عرف قضائي ” مست جميع مراتب النظام القضائي المغربي بما في ذلك قرارات محكمة النقض التي ذب لها المنطق نفسه أي ” منطق الإنتاج ” فأحالت جزءا من قراراته إلى قرارات ضعيفة في تعليلها ومبناها، وهو ما بات يشتكي منه كثير من الفاعلين في جهاز الدفاع .

مشكلة تعليل الأحكام القضائية …المظاهر والتجليات

في الواقع الذين يقيسون كفاءة القاضي بحجم الملفات التي يبت فيها فإنهم في حقيقة الأمر، ومن حيث لا يشعرون ،ينتهكون مبدأ ” الأمن القضائي ” فتقييم القاضي يجب أن يتأسس على قوة التعليلات التي يوردها في اجتهاداته ، ومدي قدرته على فك طلاسيمو تعقد العناضر الواقعية والقانونية  الموجود بين يديه ، وحجم الجهد الذي بدله بشأنها  ، فالقاضي ليس رب مقاولة حتى يقع محاسباته بمنطق الإنتاج وإنما بمنطق الاجتهاد وبدل الجهد ومدى قدرته على اعمال اليات التفسير والتكييف المتاحة له لصناعة مقرر قضائي عادل ومنصف.

 ربما يبدو هذا الكلام طوباويا في ظروف تزداد فيها الملفات المتراكمة في المحاكم في مقابل قلة القضاة وتزايد أعباء التحرير والمراجعة وتصحيح الأحكام ، لكن إذا كان الواقع لا يرتفع كما يقال فيجب أن نكف عن تصريف خطاب مغلوط حول الأمن القضائي وعن العدالة وغيرها من الشعارات التي يتم رفعها في المنتديات واللقاءات العلمية من جهة ومن جهة ثانية فالعدالة أصلا يجب أن تكون طوباوية بمعنى أنه ليس بعد نشدان العدالة غاية أسمى وبالتالي فكل الظروف والعوائق المادية واللوجستكية التي تعوق تحقيق هذه العدالة من الواجب أن تزول وتضمحل .

مقال قد يهمك :   رئيس النيابة العامة: عدد طلبات الإذن بزواج القاصر تجاوز 33 ألف سنة 2018

ومشكلة ضعف تعليل الأحكام القضائية تأخذ عدة تمظهرات وتجليات قد لا يستوعبها هذا المقال لوحده، منها مثلا أن لا يجب القاضي على دفوعات دفاع المتقاضي من أصلها متوسلا في ذلك بالحيثية “المعيارية ” القاضي غير ملزم بتتبع الخصوم في كل مناحي أقوالهم ، أو يقصف المتقاضي ومن خلاله دفاعه بحيثية عامة ومبهمة لا علاقة لها بجوهر الدفع المطروح أمامه أو لا تفي بالجواب عن هذا الدفع ، أو ان يتبني تعليلات محكمة الدرجة الأولى فيما يشبه “إنتاج العدالة بالكيلو” ، إن صح هذا التعبير .

والواقع أن لجوء القاضي للتعليلات العامة وغير المقنعة لا يخرج عن ثلاث أسباب، دون الحديث عن الأسباب الأخرى المرتبطة بكم الملفات أو بعض مظاهر الفساد التي تؤرق المشتغلين بجهاز العدالة والمتقاضين على حد سواء:

الأول: القاضي يسبق لديه ما يتصوره في ذهنه بأنه هو الحل العادل للنزاع، وينزع من خلال ذلك إلى صياغة حل قضائي للنزاع المطروح أمامه ، وحينما لا يسعفه القانون في تبرير ما يعتبره حلا عادلا فإنه يتوسل إلى ما سبق وأن أشرنا إليه وهي الحيثيات العامة الفضفاضة والمبهمة التي كما يقال لا تحي ولا تميت .

وهنا لا بد من التأكيد على أننا  مع الحل العادل لكن يجب أن يكون في إطار القانون فهذا ما يقرره الدستور الذي لا يتصور حلا عادلا للنزاع خارج القانون  ، وبالتالي فإنه لا يسع الواحد منا  سوى أن يصفق للقاضي المجتهد الدي استطاع أن يعطي تأويلا مقنعا ومعقولا ومنطقيا للنص القانوني ، لا أن يجتهد على ضفاف النص القانوني او خارجه أو يحوره ويعطيه غير مدلوله الصريح أو ما يوحي إليه تفسيره المنطقي ، فالحل العادل حينما يصطدم مع نص القانون يفرغ العدالة من جوهرها ويكون كمن يحاول تجاوز مشكلة النص بخلق مشكلة أعوص منها وأعقد .والقاضي لا يلجأ إلى هذا الخيار الذي نعتبره هروبا للإمام إلا حينما يعجز عن رد دفع قوي ويرى بأن مسايرته يعني المساس بما يعتبره هو الحل العادل للملف ، فلا يجد أمامه إلا أن يعيد عجن هذا القانون ، أو تحوير الدفع نفسه من خلاله إعطائه تأويلا غير الذي منح له من طرف المتقاضي .

وهذا الوضع يجد معه المتقاضون أنفسهم ومن خلالهم دفاعهم أمام تعليلات يصعب تبين موضع القانون فيها ، وهذا أمر في غاية الخطورة وخطورته تكمن ليس فقط تكرس اللأمن القضائي ، وإنما خلق مشكلة أخرى تكمن في انعدام المرجعية أي المتكأ الذي يمكن للجميع أن يستند عليه ويقف عليه ، وهو ما يؤدي إلى الفراغ وانعدام الرؤية لدى الجميع ، وهذا ما يزيد من تعاظم مشكلة انعدام  التوقعات المشروعة لأطراف الخصومة.

الثاني: العجز عن الرد على دفوعات معنية  في مقابل وجود حلول درج عليها القاضي في حله لملفات مشابهة بدون مناقشة ، وبالتالي فإنه حينما يأتيه دفع يهدم ما جرى عليه العمل لديه أي هدم ما آلف إتباعه من حلول جرى بها العمل في هذه المحكمة او تلك ، يلجأ إلى التعليلات المذكورة ، وهذا أمر مؤسف ذلك أن عادة ” ما جرى به العمل ” المعمول بها في صياغة الأحكام القضائية لا تقتل فقط الخلق والإبداع ، وإنما تقود إلى السير في فهم خاطئ للقاعدة القانونية والدود عن هذا الفهم بشكل دغمائي صرف .

مقال قد يهمك :   "مهنة المفوض القضائي: بين القانون والواقع " موضوع الدورة العلمية الثانية للمفوض القضائي المتدرب

الثالث: وهو سليل من السبب الثاني ومؤداه غياب حس المنطق والقوة في الاستدلال، وهذا يجعل القاضي عاجزا عن هدم الحجج والتأسيس لاستدلالات قوية ومقنعة، وعاجزا عن استثمار ما يتيحه النص القانوني من إمكانيات للتأويل والتفسير، وهذا ربما ما يفسر الضعف الملحوظ في بعض الأحكام القضائية في الرد على الدفوعات التي ترد في مذكرات دفاع الأطراف ، وهي مذكرات ، حتى نكون منصفين ، لا نبرأ كثيرا منها من عيب الضعف وانعدام الجودة هي الأخرى وهذا موضوع اخر على أية حال .

وبطبيعة الحال حينما يكون التعليل متماسكا قويا ومنطقيا ويمس روح القانون ومبناه ويرد ويهدم كل دفوعات وأوجه دفاع من صدر المقرر القضائي ضده، فإن هذا الأخير، ولو خسر النزاع على الأقل يكون قد أشبع حقه في ضمان أمنه القانوني، وهو ما يحقق لديه ارتياح من أن العدالة قد تحققت بعد ذلك له أن يقنع المحكمة الأعلى درجة بصواب رأيه.

وهنا لا بد من لفت الانتباه إلى ان شظايا مشكلة التعليل لا تمس مرفق القضاء فقط ، وإنما جهاز و وظيفة الدفاع أيضا ،  فالمنطق الذي يحكم تفكير المحامي ليس هو المنطق الذي يحكم القاضي ، فالقاضي بالنسبة له هناك درجة ثانية للتقاضي لخاسر الدعوى له أن يسلكها لنيل حقه وبالتالي فهو في قرارة نفسه يعتقد أنه لا يمكن محاسبته عن قوة التعليل من عدمه ، لكن منطق الدفاع  خلاف ذلك تماما فالمحامي مسؤول أمام موكله وخسران الملف لن يعزوه الموكل لضعف تعليلات الحكم وإنما لضعف المحامي ، وهذا من شأنه أن يخلق معضلة فقدان الثقة بين الموكل ومحاميه ، ناهيك عن ضرب غير مباشر لمصداقية رسالة المحاماة ، وخلق ارتباك في تحديد معايير ” الكفاءة ” حتى في قطاع مهنة الدفاع .

مشكلة التعليل : نحو حلول عملية وإجرائية

يطرح التساؤل ما الحل؟ في الواقع الجواب عن هذا الإشكال ليس بالأمر الهين لأنه يتطلب أولا إرادة سياسية لرفع تحدي ” الجودة ” في مقابل ” الكم «، وثانيا وضوح الرؤية، والرؤية لا تكون واضحة إلا إذا بنيت على معطيات وتشخيص علمي دقيق للمشكلة . صحيح أن الجودة تتطلب تكلفة مالية ولوجستكية لا بد من توفيرها، لكن هي في نفس الوقت تتطلب تدبيرا عقلانيا للموارد البشرية ليس فقط فيما يخص القضاة وإنما أيضا كل ما يتعلق بتدبير ” المعلومة القضائية ” التي ترد في المقررات والأحكام القضائية.

وضمن هذا الإطار تحديدا لا بد من التفكير ، ونحن بصدد مراجعة التنظيم القضائي للمملكة ، من انشاء قسم لتقييم وضمان جودة الأحكام القضائية يكون تابعا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية لمراقبة الأحكام القضائية الشاده والغريبة ، والأحكام التي لا تتضمن جهدا في صياغتها ، والأحكام التي يتضح أن الهم من ورائها فقط هو الفصل فيها بأي ثمن ، وأيضا لمراقبة الأحكام القضائية المتميزة والفريدة ، وتخويله اصدار مناشير ودوريات في حدود ما يتعلق بهذه النقطة ، وفي حدود ما لا يمس باستقلالية القاضي ، وأن يكون رأي هذا القسم مهما في تحديد المسار المهني للقاضي ، وان يعهد إليه بوضع معايير لجودة الأحكام وتصنيف درجة المجهود المبذول فيها والكل دون المساس بمبدأ” استقلالية القاضي في إصدار الأحكام”

مقال قد يهمك :   مصطفى بن شريف : مستشارو الملك في النظام القانوني المغربي

وبموازه مع ذلك يجب التفكير في المأسسة لأقسام الأرشيف القضائي على صعيد كل محكمة عادية او متخصصة ، يتم وضع تصور واضح لها ، بالشكل الذي يجب أن يخضع الأرشيف القضائي لقواعد التوثيق والحفظ العلمية وليس الارتجالية الحالية السائدة في المحاكم  ، ويمكن التفكير في مقاربة علمية بهذا الخصوص تقوم على إنشاء  ماستر للتوثيق القضائي بمدرسة علوم المعلومات في أفق تخريج متخصصين في هذا المجال يتم توزيعهم على صعيد المحاكم المغربية ، لأن الحكم القضائي ليس فقط سند يفصل في النزاع ، وإنما يتضمن جهدا مبذولا في فك النزاع تعليلا ومناقشة ، ولا بد من وضع الية تقنية وتوثيقية تمكن القاضي والمتقاضين ودفاعهم  من الاطلاع عليها بشكل سلسل وسهل ، وهذا لا يمكن كما سلف التوضيح أن يتم بالارتجالية والعشوائية السائدة حاليا في المحاكم المغربية .

وبموازاة مع ذلك  من الأساسي التأسيس لأعراف قضائية تقوم على إقامة دورات وورشات تكوينية متخصصة في كافة الفروع القانونية تكون فرصة لتداول الإشكاليات القانونية التي تعترض قضاة محاكم الموضوع ومحاولة توحيد الرؤي حول المختلف حولها تفاديا لتضارب المحاكم بشأن النقطة القانونية الواحدة، وهذا من شأنه أن يخفف من قرارات النقض والإحالة التي تطيل أمد النزاع وتجرد المبدأ الدستوري القاضي بإصدار الأحكام في مدة معقولة من أية جدوى وفائدة.

  نقول بهذا ونحن نستحضر أن جزء كبير من مشكلة التعليل في المقررات والأحكام القضائية  ترتبطفضلا عما ثم تبيانه سلفا من جهة  بعدم استقرار الاجتهاد القضائي على موقف واحد من شانه أن يحقق للمتقاضين الأمن القضائي ،ومن جهة ثانية بكون كثير من محاكم الموضوع لا تكون على إطلاع بمواقف محكمة النقض من النقطة التي حسمتها أو أن المنتقى من اجتهادات هذه الأخيرة والمنشور في المجلات الصادرة عنها في الغالب يكون متضمنا لقواعد لها علاقة بالتطبيق  الحرفي للقواعد القانونية موضوع النازلة المعروضة على محكمة النقض ، مما يؤدي إلى صعود الملف إلى محكمة النقض ونقض القرار أو الحكم من جديد مع أنه لو اطلعت محكمة الموضوع على موقف محكمة النقض بخصوص النقطة التي تناولها بالحكم ، لوقع تلافي جزء كبير من هذا الصعود والنزول الذي يعد إهدارا للوقت والزمن القضائي وإهدار للجهد وإهدارا للمال وغيرها مما يمكن أن نسيه بالتبذير القضائي.

يبقى أنه  من الأساسي إعادة النظر في مناهج التلقين بالمعهد العالي للقضاء ، بإضافة مادة حول ” المنطق والحجاج ” لتقوية آليات الاستدلال لدى القاضي ، لأن التعليل ما هو في المحصلة النهائية سوى عملية حجاج عقلي ، يقع فيها استعمال القاضي لملكتي الحجاج والاستدلال إما لتأييد دفوعات الأطراف أو ردها ، ناهيك عما تتضمنه من قراءة للنص القانوني ومحاولة تنزيلها على المعطيات الواقعية للنزاع ، وهي عملية ذهنية تحتاج إلى دهن قوي وحدس متيقظ وقدرة كبيرة على البرهنة والاستدلال وهي كلها عمليات تحتاج إلى أن يكون ذهن القاضي مشبعا بروح المنطق وروح الاستدلال.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)