زهير بونعايمية: البعد الحمائي في قانون حماية المستهلك بين افتراض الهشاشة و ضرورة إثباتها

محمد اهتوت: حماية البيئة في التشريع المغربي

مصطفى بن شريف: المغرب بين نظام الجهوية الإدارية و الجهوية السياسية

28 مايو 2018 - 10:23 م مقالات , القانون العام , مقالات
  • حجم الخط A+A-
  • د.مصطفى بن شريف: محام و أستاذ زائر.

قبل بسط نظام الحماية على المغرب، في 30 مارس 1912 من طرف فرنسا، كانت البنيات الإدارية للدولة السلطانية أو المخزنية جد متخلفة وغير مهيكلة، لاعتبارات سياسية وتاريخية واقتصادية واجتماعية، حيث إن السلطان رئيس المخزن هو من كان يتولى الهيمنة على السلطات والوظائف في الدولة المخزنية الغارقة في التقليدانية.

وفي ظل نظام الحماية الفرنسية، تم تقسيم المغرب إلى جهات عسكرية وأخرى مدنية، وهذا الأسلوب في التنظيم الإداري لم تكن غايته سوى ضبط الأمن وبسط نفوذ دولة الحماية على سائر المناطق، تحت إشراف مسؤولين فرنسيين، مدنيين أو عسكريين.

ولم يكن الهدف من ذلك تطوير الإدارة المخزنية والنهوض بالتنمية المجالية والاقتصادية، وهو الأسلوب الذي اتبعته فرنسا حتى نهاية الاستعمار في 1956، وبعد ذلك ستكون الدولة المغربية مجبرة على تأهيل وتنظيم الإدارة، حيث ستعمد إلى الأخذ في البداية بنظام العمالات والأقاليم منطلقا للتقسيم الترابي، في حين تم إغفال الاهتمام بالجهة كجماعة ترابية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي (1).

إن تبني نظام الجهوية في المغرب سيتم لأول مرة بمقتضى الظهير رقم: 77-77-1 بتاريخ 16 يونيو 1971، الذي بموجبه تم العمل بالجهوية الاقتصادية، عبر إحداث الجهات الاقتصادية الاستشارية، وعددها سبع جهات اقتصادية.

وكان الهدف من اعتماد نظام الجهوية الاقتصادية النهوض اقتصاديا بالأقاليم والعمالات المكونة لكل جهة، وهو الرهان الذي فشلت فيه الدولة، لاعتبارات تبدو واضحة منذ البداية، تتمثل في كون الجهوية الاقتصادية التي تم تبنيها لا تخرج عن نطاق العمل الاستشاري، وهو ما يعني بأنها لم تكن تتصف بكونها وحدة ترابية لا مركزية، ولم تكن تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وهو ما جعلها نظاما متحكما فيه من طرف الإدارة المكلفة بالداخلية، وجعل ولادتها ميتة.

وفي إطار البحث عن صيغ جديدة لنظام الجهوية، الذي قد يكون هو الأمثل أو على الأقل القادر على الانتقال من المركزية المفرطة إلى اللامركزية الإدارية، سيتبنى المغرب نظام الجهوية الإدارية، وهو الموضوع الذي كان الراحل الحسن الثاني شغوفا به، إذ ما فتئ يترافع من أجل جهوية إدارية متقدمة، عبر عنها بشكل واضح في استجواب له مع صحيفة “لوموند الفرنسية” يوم 04 غشت 1988، حينما قال:

آمل أن أترك لخلفي مغربا مبنيا على شاكلة المقاطعات الألمانية المسماة لاندر Lander، لأن بلدي له من التنوع ما يجعلني لا أرغب في أن أضعف قوته.

وبدون شك، فإن فلسفة الراحل الحسن الثاني وتصوراته لنظام اللامركزية الإدارية أقرب إلى نظام اللامركزية السياسية، وفقا للشكل الذي أعلن عنه في حواره المذكور مع جريدة “لوموند الفرنسية”، لكن لاعتبارات سياسية وتاريخية لم يتأثر التنظيم الإداري المغربي بالنموذج الألماني، بل ظل وفيا للنموذج الفرنسي.

وفي إطار العمل بفلسفة الراحل الحسن الثاني، وفي سياق الإصلاح الدستوري لسنة 1992، سيتم الإعلان في الباب العاشر من دستور 1992 عن دسترة الجهات، معتبرا إياها جماعة محلية (جماعة ترابية)، وأكد بأنه لا يمكن إحداث أي جماعة محلية أخرى إلا بقانون (الفصل 94 من دستور 1992)، وهو التوجه نفسه الذي تبناه دستور 1996 فيما يتصل بنظام الجهوية وشكلها، كما هو واضح من الفصول 100 و101 و102 من دستور 1996.

مقال قد يهمك :   د.محمد براو : مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة -جولة من الداخل-

إن الانتقال من نظام الجهوية الاقتصادية إلى نظام الجهوية الإدارية يستمد شرعيته من المبادئ المؤسسة في دستوري 1992 و 1996، حيث تم الارتقاء بالجهوية إلى مؤسسة دستورية، وتم تمتيعها بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي.

ورغم تبني دستور 1992 نظام الجهوية، لم يتم إصدار قانون خاص بها إلا بعد بدء العمل بدستور 1996، بمقتضى القانون رقم: 96-47 المؤرخ في 02 أبريل 1997 (2)، حيث تقرر تقسيم المغرب إلى 16 جهة تشمل عددا من العمالات والأقاليم، وكل جهة يرأسها رئيس ينتخب عن طريق الاقتراع غير المباشر، وهذا الشكل من الجهوية يعرف بأنه جهوية إدارية، تندرج في إطار اللامركزية الإدارية وليس اللامركزية السياسية أو الجهوية السياسية.

ويؤخذ من مقتضيات القانون رقم: 96-47 (تم نسخه حاليا) أنه اعتبر الجهوية وحدة من الوحدات الترابية الخاضعة للقانون العام، وبأنها من الشخصيات المعنوية العامة الترابية. كما حدد الأجهزة التي تتكون منها الجهة (الرئيس ونواب الرئيس، مكتب المجلس، اللجان الدائمة)، وبالإضافة إلى ذلك بين الاختصاصات المقررة للرئيس وتلك التي هي من اختصاص المجلس (مجلس الجهة).

وأمام محدودية النتائج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للجهوية الإدارية بالمغرب، وبالنظر إلى استمرار النزاع حول الصحراء المغربية من وجهة نظر القانون الدولي، لاعتبارات إقليمية وأخرى دولية، سيتم الإعلان بصفة رسمية من طرف الملك محمد السادس في 06 يونيو 2006 عن “مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية”، التي قدمت من طرف المغرب إلى الأمين العام للأمم المتحدة في أبريل 2007، والتي تمثل وجهة نظر المغرب الرسمية كحل سياسي لإنهاء النزاع في الصحراء، عن طريق تمتيع الأقاليم الصحراوية بالحكم الذاتي كشكل من أشكال اللامركزية السياسية، من خلال إحداث هيئات تنفيذية وتشريعية وقضائية ذات اختصاصات وصلاحيات لإدارة أقاليم الصحراء بشكل ديموقراطي تشاركي، على أن تستمر الدولة المغربية في ممارسة أعمال السيادة بالنسبة للدفاع والسياسية الخارجية والصلاحيات الدستورية والدينية للملك (3).

وفي إطار سعي المغرب، في ظل حكم الملك محمد السادس، إلى صيغ سياسية جديدة للحكم، بدأ التفكير من جديد في تبني نظام جهوية سياسية أو لا مركزية سياسية قادر على حل المشاكل التي تطبع الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي يعانيها المغرب منذ الاستقلال،

و سيتم تتويج مسلسل الإصلاح المؤسساتي بالإعلان عن تبني أسلوب الجهوية المتقدمة، التي تعتبر شكلا من أشكال اللامركزية، وتجمع بين خصائص اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية.

إذن، بعد إخفاق تجربتي اللامركزية الاقتصادية واللامركزية الإدارية، وفي ظل العمل بتقسيم المغرب إلى 7 جهات اقتصادية، ثم إلى 16 جهة إدارية، سيعمد المغرب إلى تبني تصور جديد للجهوية سيعرف بالجهوية المتقدمة تقوم على وحدة الدولة والوطن والتراب. إن انتقال المغرب من نظام الجهوية الإدارية إلى نظام الجهوية المتقدمة، يفسر بأنه تبنى أسلوبا يجمع بين خصائص اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية، وهو ما يعطيه خاصية توصيفه بنظام الجهوية المتقدمة القابل للتطوير مستقبلا، قد يأخذ شكل الجهوية السياسية.

مقال قد يهمك :   حسن فتوخ : الدعاوى العقارية في القانون المغربي-ج1-

وهكذا، وفي إطار الإصلاح الدستوري لسنة 2011 (4)، في سياق الإصلاحات السياسية التي طبعت فترة حكم الملك محمد السادس، سيتم اعتماد دستور جديد بمقتضاه تم التأكيد، في الفقرة الأخيرة من الفصل 1 من دستور 2011، بأن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة”.

وبناء عليه، أكد دستور 2011 بشكل صريح بأن الجهوية كوحدة ترابية تعتبر رافعة للنمو ولتطوير الديموقراطية المحلية، من أجل تجاوز سلبيات النموذجين السابقين: الجهوية الاقتصادية والجهوية الإدارية، اللتان حلت محلهما، الجهوية المتقدمة، التي قد تبدو بأنها نوع من الجهوية الهجينة، تجمع بين خصائص الجهوية الإدارية والجهوية السياسية، وهي بذلك ستحتاج إلى مزيد من التطوير والمراجعة.

لكن مهما يكن من أمر، فإن دستور 2011 أعطى للجهوية مكانة خاصة في المتن الدستوري، مؤكدا بأن الجهة شخصية اعتبارية، خاضعة للقانون العام، تسير شؤونها بكيفية ديموقراطية، وتنتخب بالاقتراع العام المباشر (الفصل 135 من الدستور). ويرتكز التنظيم الجهوي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن (الفصل 136 من الدستور). كما تساهم الجهات في تفعيل السياسة العامة للدولة (الفصل 137 من الدستور).

وفي إطار تنزيل مقتضيات دستور 2011، خاصة تلك المتعلقة بإصدار القوانين التنظيمية (5)، بناء على تفويض دستوري، سيتم إصدار القانون التنظيمي رقم: 14-111 المتعلق بالجهات بعد أن خضع للرقابة الدستورية الإجبارية القبلية للمجلس الدستوري، والذي صدر الأمر بتنفيذه بتاريخ 07 يوليوز 2015، مما أكسب الجهوية مرجعيتين: مرجعية دستورية ومرجعية تنظيمية، وهو المبدأ نفسه الذي يحكم الجماعات الترابية الأخرى: العمالات والأقاليم والجماعات.

وبناء عليه، يستفاد من القانون التنظيمي رقم: 14-111، المتعلق بالجهات، بأنه يتكون من 256 مادة موزعة على قسم تمهيدي يتضمن الأحكام العامة، وثمانية أقسام، هي كالتالي:

  • القسم الأول : يتعلق بتحديد شروط تدبير الجهة لشؤونها، والذي يتفرع إلى باب أول موضوعه تنظيم مجلس الجهة، وباب ثان نطاقه تسيير مجلس الجهة، وباب ثالث يتعلق بالنظام الأساسي للمنتخب (المواد من 9 إلى 79).
  • القسم الثاني : تم تخصيصه لاختصاصات الجهة، ويضم أربعة أبواب، هي: الباب الأول، ويتعلق بمبادئ عامة، والباب الثاني خصص للاختصاصات الذاتية للجهة، والباب الثالث، نطاقه الاختصاصات المشتركة، والباب الرابع، للاختصاصات المنقولة (المواد من 80 إلى 95).
  • القسم الثالث : يتعلق بتحديد صلاحيات مجلس الجهة ورئيسه (المواد من 96 إلى 122).
  • القسم الرابع : مجاله إدارة الجهة، وأجهزة تنفيذ المشاريع، وآليات القانون، والشراكة (المواد من 123 إلى 164).
  • القسم الخامس : ويتعلق بالنظام المالي للجهة، ومصدر مواردها المالية (المواد من 165 إلى 228).
  • القسم السادس: وموضوعه صندوق التأهيل الاجتماعي، وصندوق التضامن بين الجهات (المواد من 229 إلى 236).
  • القسم السابع : يتعلق بالمنازعات والإجراءات التي تحكم التقاضي ومقاضاة الجهة، (المواد من 237 إلى 242).
  • القسم الثامن : تم تخصيصه لقواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر (من 243 إلى 250).
مقال قد يهمك :   محمد عبد النباوي : تقادم الدعوى العمومية و تقادم العقوبة في التشريع المغربي

وبالإضافة إلى الأقسام الثمانية المذكورة، تضمن القانون التنظيمي (6) رقم 14-111، أحكاما متفرقة وردت في المواد من 251 إلى 256.

إن القانون التنظيمي رقم: 14-111 المتعلق بالجهات، يشكل إلى جانب باقي القوانين التنظيمية الأخرى المتعلقة بالجماعات الترابية تحولا قانونيا ومؤسساتيا، ونقلة نوعية في تدبير الشأن العام.

ولتحقيق الأهداف المتوخاة من القانون التنظيمي رقم 14 -111 المذكور، صدر المرسوم رقم: 40-15-1 المؤرخ في 20 فبراير 2015، المتعلق بتحديد عدد الجهات وتسميتها ومراكزها والعمالات والأقاليم المكونة لها(7).

وبالنظر إلى أهمية ومكانة الجهة في النظام الدستوري المغربي، فإن القانون التنظيمي رقم: 14-111 عرفها في المادة 3، مؤكدا بأن “الجهة جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتشكل أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، باعتباره تنظيما لا مركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة”.

إن تدبير الجهة يقوم على مبدأ التسيير الحر، في حدود اختصاصاتها، وتتداول في قضاياها بكيفية ديموقراطية، ولها سلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها.

و هي المبادئ التي لم تكن مقررة في القوانين السابقة المنظمة للجهات، حيث كانت خاضعة لسلطة ووصاية الولاة ممثلي السلطة الإدارية المكلفة بالداخلية.

إن أهمية الجهة كجماعة ترابية تؤكدها مكانة الصدارة التي تحتلها بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، وتستمدها من أحكام الفصل 143 من الدستور، الذي نص على أنه :

“تتبوأ الجهة، تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، في عمليات إعداد وتتتبع برامج التنمية الجهوية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات الترابية”.


الهوامش :

1- عبد الله إدريسي، المختصر في التنظيم الإداري المغربي، مطبعة الجسور، وجدة، 2016، ص.26 .

2 – راجع الظهير الشريف رقم: 84-97-1 المتعلق بتنفيذ القانون رقم: 96-47 المؤرخ في 2 أبريل 1997، الجريدة الرسمية عدد: 4470 بتاريخ 03/04/1997، ص.556.

-3 عبد الله إدريسي، المختصر في التنظيم الإداري المغربي، مرجع سابق، ص.29.

– 4 ظهير شريف رقم: 91-11-1 صادر في 27 شعبان 1432 (29 يوليوز 2011) المتعلق بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد: 5964 بتاريخ 30 يوليوز 2011، ص.3600.

5 – القوانين التنظيمية يعتبرها الفقه الدستوري جزءا من الكتلة الدستورية، تصدر عن السلطة التشريعية بتكليف من الدستور (الفصل 86 من دستور 2011)، وموضوعها هو تنظيم السلطات العامة في الدولة.

6 – الظهير الشريف رقم: 1.15.83 الصادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليوز 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم: 14-111 المتعلق بالجهات، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد: 6380 بتاريخ 23 يوليوز 2015، ص.6585.

7 – راجع الجريدة الرسمية عدد: 6340 بتاريخ 5 مارس 2015، وبموجبه تم تحديد عدد الجهات في 12 جهة عوض 16 التي كان معمولا بها سابقا.

8 – راجع الظهير الشريف رقم: 1.15.84 الصادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليوز 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم: 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم. نشر بالجريدة الرسمية عدد: 6380 بتاريخ 23 يوليوز 2015، ص.6625.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.