مفهوم العقد و تطوره : دراسة في الأسس التاريخية و الفلسفية

20 ديسمبر 2018 - 1:25 ص فضاء المكتبة , عروض الماستر , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

 مقدمة :

إن البحث العلمي عموما في أي مجال من المجالات يهتم بالإجابة على تساؤلات ذلك المجال وفق منهج يحدده الباحث أو يفرضه نطاق البحث، وأغلب العلوم في بحثها لا تهتم بتحديد المفاهيم لأنها لا تؤثر على مجال بحثها، لأن تحديد المفاهيم قديما، كان من اختصاص الفلسفة عموما، ثم انتقل إلى فلسفة كل على علم حدة.

علم القانون يسعى في وظيفته إلى تنظيم العمران البشري وعلاقات الأفراد داخله وذلك من خلال مجموعة من الآليات والمؤسسات والقواعد، هذا الدور يملي على علم القانون تحديد المفاهيم بدقة ووضوح حتى تتحقق النجاعة في أداء الوظيفة القانونية، والعقد قبل كل شيء هو إحدى طرق ممارسة التعايش الاجتماعي وتحقيق العمران البشري بشكل مزدهر، بل هو في ظهوره أسبق حتى من القانون، ولكن لاعتبارات وظيفية وتاريخية أصبح هذه  العقد يخضع للقانون في تنظيمه.

إذا تصورنا الممارسة الأولى للتعاقد في بداياتها وقارناها بآخر الممارسات التعاقدية في العصر الحديث، ونظرنا إليها بمنظار اقتصادي وظيفي فإننا ربما قد نستطيع أن نقول بأن مفهوم هذه العملية عند ذلك الإنسان البدائي وعند الإنسان المعاصر لا يختلف كثيرا، فالمفهوم واحد، لأن الأمر مرتبط عند كليهما بعملية التداولية وبفائدة يسعى كل منهما إلى الوصول إليها من خلال هذه الممارسة. 

هذا الاستنتاج السابق لأوانه والقابل للنقاش قد يجرنا إلى التساؤل حول ما هو مفهوم العقد، وهل هو مفهوم واحد منذ اهتداء الإنسان إلى هذه الآلية إلى غاية يومنا هذا؟ أم هناك مفاهيم متعددة على المستوى الأفقي والعمودي من حيث الزمان وفي حالة الإقرار بتعدد المفاهيم وهو يعني أن هذا المفهوم قد حدد تطوره البعد الزمني من جهة والرؤية الفلسفية للمعرفة من جهة أخرى.

بناء على ما سبق يمكن الحديث عن مفهوم متعدد للعقد أو مفهوم متطور حسب تطور الممارسة التعاقدية من جهة وحسب الخلفية والرؤيا الفلسفية التي تحكم الفقه الذي يصدر عنه هذا المفهوم، وذلك ما سنحاول ملامسته ومقاربته في عرضنا هذا، وذلك من خلال تتبع طريقتين، أولا من خلال تتبع هذه الممارسة في البعد التاريخي وثانيا من خلال بعد يحكمه رؤية فلسفة القانون.

عموما يمكننا الإقرار بثلاثة محطات مفصلية في تطور القانون عموما والعقد خصوصا. المحطة الأولى تتمثل فيما قبل القانون الروماني وخلاله، في حين تتعلق المحطة الثانية بصدور مدونة نابليون للقانون المدني، أما المرحلة الثالثة فلا يمكن ربطها بحدث معين ولكن مرتبطة بالنقاش الذي أثير بعد التطورات الاقتصادية التي أثرت في الممارسة التعاقدية بشكل قد يوحي أنها خارجة عن النطاق ومتناقضة مع الطرح الذي وضعته النظرية العامة للالتزام عامة والعقد خاصة لفقهاء النهضة والتي تجسدها مدونة نابليون.

واختبار هذه المحطات لم يكن عشوائيا، وإنما يرجع سبب ذلك لكونها شاهدة على أغلب الدراسات الفلسفية المرتبطة بالقانون والعقد، وكذلك علاقة القانون بالحق، وهذا الأخير بالعقد، ومن شأن دراسة هذه المحطات كشف اللثام عن مجموعة من الحقائق، خصوصا ما ارتبط منها بالعقد.

ومن خلال هذا التقديم تثور مجموعة من التساؤلات من قبيل، من الأسبق في الظهور هل العقد أم القانون؟ وبصرف النظر عن إجابة هذا السؤال هل وجد العقد بوجود الحق؟ هل يمكن تصور تعريف ثابت ومستمر للعقد؟

ومنه، فإن أهم إشكالية يمكن أن تؤطر موضوعنا يمكن طرحها بصيغة فلسفية أكثر مما هي قانونية، هل العقد ترجمة للحق أم للقانون؟

ولمعالجة هذه الإشكالية و التساؤلات السابقة، سنقسم بحثنا هذا إلى مبحثين:

المبحث الأول : المفهوم الكلاسيكي للعقد

المبحث الثاني : المفهوم الحديث للعقد


المبحث الأول : المفهوم الكلاسيكي للعقد

يحكي التاريخ أن المجتمع البشري في عصر الفطرة لم يكن محتاجا للمعاملات المبنية على التبادل الاختياري، فقد كانت الأسرة هي محور النظام، ورب الأسرة يملكها بما تحتويه من مال ورجال، وللأسرة ما يكفيها من حاجات أولية بسيطة، لم يدخل فيها ما أحدثته المدينة من تعقيد وتنوع[1]، وهذا التعقيد أدى إلى تطور القانون وأصبح يهتم بفكرة العقد وتنظيمها.

ومن خلال ما سبق فلا بد للتوقف عند دراسة تطور فكرة العقد (المطلب الأول) ثم محاولة تحليل التعريف الذي اشتهر به العقد لسنين طويلة (المطلب الثاني).

المطلب الأول : ماهية العقد

لم تكن الأسر قديما تحتاج للمبادلة مع غيرها من الأسر إلا في القليل النادر، ثم بدأت ملامح التبادل تتطور باعتماد التعاقد،فإذا احتاجت إلى ذلك لجأت إلى التعامل الفوري، فتأخذ في الحال بقدر ما تعطي، إما أن تتعاقد أسرتان على التزام لا ينفذ في الحال، بل يوكل تنفيذه إلى المستقبل، فلم يكن معروفا في هذه العهود الأولى، ذلك لأن القانون لم يكن يعنى بتنفيذ العقود، ولم يكن همه إلا حفظ السلام[2]، وإن كان ثابتا أنه لا تعتبر العقود اختراعاً جديداً، بل هي قديمة قِدم التاريخ البشري، إلا أن الباحثين اختلفوا في أول ممارسة تعاقدية ظهرت (الفقرة الأولى)، كما اختلف هؤلاء حول مصدر كلمة “عقد”، مما دفع بالكثير من الباحثين إلى البحث عن تاريخ هذه المصطلح وتمييزه عن ما تشابه به من مؤسسات أخرى(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : تطور فكرة العقد

كان للقرون التي خلت قبل الميلاد دورا كبيرا في انتشار بعـض العلاقات التعاقدية البسيطة، فبالإضافة لعقد الزواج الذي كان من العقود الدينية لدى البابليين، وحتّى في مصر الفرعونيـة، باعتبار أن هذا الزواج سيحقق استمرارية دائمة للأسرة البابلية والمصرية، فهو بنزعته الدينية يساهم في خلود العبادة، فـإن ثمة مجموعة من العقود البسيطة التي تسد من حاجات المجتمعات القديمة قد انتشرت وتوزّعت هنا وهناك حيث جاءت مجموعة حمورابي في عدة مواد مقننة للعديد من العقود كعقد المقايضة والبيع والإيجار والقرض ومجموعة كثيرة من العقود الزراعيـة، كما كان قانون بوخريص، والذي سمي بقانون العقود، لتنظيمه مجموعة لا بأس بها من العقود في الحضارة المصرية، [3]، وهذا ما أكدته الدراسات الأكاديمية في مادة تاريخ القانون[4].

وتؤكد نفس الدراسات أن العقد كمفهوم يجد أصوله البعيدة حسب البعض أمثال مارسيل موس وجورج دافي وبوتييه في العطية ومن مظاهرها المشهورة البوتلاشle potloch[5] لدى هنود أمريكا الشمالية ولاكولا لدى السكان الأصليين لجزر جنوب شرق آسيا وتيوسي لدى أمازيغ المغرب الكبير.

أما كمصطلح، فإن العقد لم يظهر، حسب البعض في القانون الروماني إلا في القرن الميلادي الأول. غير أن شيوعه لم يتكرس إلا بعد اعتماده في مجموعات جوستنيان في القرن الميلادي السادس المعتبرة من مصادر مدونة نابليون ومنه مصدر ق.ل.ع المغربي. على الرغم من هذا الشيوع فإن تحديد مصطلح العقد ظل غامضا، وأوضح ما كان في هذا التحديد أن القانون يحميه بسبب احترامه للشكليات التي يشترطها هذا القانون لتكوينه وتنفيذه. أما الاتفاق أي مجرد التراضي فلم يكن يحميه القانون. غير أن الضرورات الاقتصادية والاجتماعية دفعت إلى التقليل من هذا التشدد بأن صارت بعض الاتفاقات محمية قانونا وبالتالي عقودا(البيع والكراء والوكالة والشركة )، كما أنه أصبح في الأخير ينظر إلى العقد من زاوية الرضى ليس إلا ، ولذلك صار الاتفاق كما يقول دوما في القرن الميلادي 17 اسما عاما يستغرق مختلف أنواع العقود والمواريث والعهود[6].

بعد هذا التقديم الموجز لتطور فكرة العقد، لا بد من تمييزه عن ما يتشابه معه من مؤسسات.

الفقرة الثانية: تمييز العقد عن المؤسسات المشابهة له

أولا: تمييز العقد عن الإرادة المنفردة

كما سيتبين لاحق انه في العقد تتفق الإرادتان على إنشاء الالتزام وتوافق هاتين الإرادتين يكون لازما من أجل إنشاء الالتزام، بينما في الإرادة المنفردة نجد أن وجود إرادة واحدة لا تكفي لإنشاء الالتزام.

إن الإرادة المنفردة وإن كانت لا تستطيع أن تنشاً التزاما فإنها في كثير من الحالات تنشئ آثارا قانونية متعددة، ولكن هناك خلاف ينحصر فيما إذا كانت الإرادة المنفردة تكفي لوحدها من أجل إنشاء الالتزام أو لابد من العقد من أجل إنشاء الالتزام؟ إن الإجابة عن هذا السؤال يقتضي الرجوع إلى المدرستين الفرنسية والألمانية، فالمدرسة الفرنسية ترى أن العقد هو المصدر الوحيد للالتزام الناشئ عن الإرادة، أما الإرادة المنفردة فلا يمكن أن تكون مصدرا للالتزام رغم أنها يمكن أن تنشئ آثارا قانونية، في حين أن المدرسة الألمانية تذهب إلى اعتبار الإرادة أصبحت قادرة على إنشاء الالتزام، والمشرع المغربي حسب بعض الباحثين أخذ بموقف وسط، حيث  أن الإرادة المنفردة  قاصرة على إنشاء الالتزام في حالات استثنائية يتعذر فيها ميلاد الالتزام على أساس التعاقد، كحالة الإيجاب الملزم، والوعد بالجائزة، ونظم أحكامها من الفصل 14 إلى الفصل 18 من ق.ل.ع.

وتجدر الإشارة إلى أن التعبير عن الإرادة مصطلح ألماني استخدم في ق.ل.ع.م بمعناه السائد في القانون المدني الفرنسي والذي يفيد الإرادة المعبر عنها بتجلياتها La manifestation de la volante[7]، كما نجد المشرع في ق.ل.ع يستعمل عباراتين مختلفتين في البناء ” العقد” و”الاتفاق”، مما يستدعي دراسة ما إن كان هناك اختلاف بينهما.

ثانيا: تمييز العقد عن الاتفاق

لقد جمع الفصل 1101 من مدونة نابليون بين تعريف العقد والالتزام، وقد تستعمل تسمية العقد كما يجوز استعمال مفهوم الاتفاق، فليس هناك أي اختلاف بين العقد أو الاتفاق، فكلاهما ينشئ الالتزام أو ينقله أو يعدله أو ينهيه، وقد وردت العبارتان بقانون الالتزامات والعقود دون التمييز بينهما في المضامين. على أن البعض يجعل في ذلك تمييزا، فالاتفاق أشمل من العقد من حيث أنه يمكن أن ينشئ الالتزام أو ينقله أو يعدله أو ينهيه، في حين أن العقد، على معنى هذا الاتجاه، يختصر على إنشاء الالتزام أو نقله. فكل عقد هو اتفاق بالضرورة وكل اتفاق ليس بعقد إذ اكتفى الأطراف بتعديل الالتزام أو إنهائه[8].

ويعود أصل هذا التمييز لرجال القانون الفرنسي القديم، domatو potier، وانتقل هذا التمييز إلى القانون المدني الفرنسي بالتركيز على معنى النشأة في تعريف العقد بالفصل 1101[9]، حيث كان يعرف العقد بأنه اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة أشخاص آخرين بإعطاء شيء أو بفعله أو بالامتناع عن فعله .

ولكن التعديل الأخير الذي هم القانون المدني الفرنسي سنة 2016 أدخل تعديلا على الفصل 1101 حيث أصبح تعريف العقد على الشكل التالي:

العقد توافق إرادات بين شخصين أول أكثر لإنشاء، تعديل، نقل أو إنهاء الالتزامات.

إن التعريف السابق ليس إلا المفهوم الذي كان يقترحه أغلب الفقه التقليدي، والذي كان نتيجة لعدة اعتبارات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، من أجل فهم هذا التعريف أكثر لا بد من الوقوف عند العناصر المكونة له من إرادة وإحداث آثار قانونية، وكيف تم الجمع بين هذه الصيغة في تعريف، وهذا من خلال المطلب الثاني.

المطلب الثاني: تحليل عناصر المفهوم التقليدي

وإذ يتأكد من التعريف أعلاه دور الإرادة في إحداث آثار قانونية، إلا أن هذه الصيغة تبقى غامضة نوعا ما، ويطرح أكثر من تساؤل حول هذا البناء، فما المقصود بتوافق الإرادتين؟ (الفقرة الأولى)، ثم ما هي الآثار القانونية التي ينتجها توافق الإرادتين؟ (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : توافق إرادتين

من خلال التعريف التقليدي للعقد، يلاحظ أن العقد يتكون من توافق إرادتين، فالعبرة إذا ليست بإرادة كل فرد من المتعاقدين، وهي الإرادة الكامنة في نفسه، والتي قد لا يستطيع المتعاقد الآخر أن يعرفها، بل العبرة بالإرادة المشتركة فيما بينهما، وهي إرادة يعرفها كل منهما، لأنها مشتركة بينهما جميعا. ومتى توافقت الإرادتان تكون العقد.

وعلى ذلك فلا يكفي أن تتجه إرادة واحدة إلى أمر معين، بل يجب أن تتلاقى هذه الإرادة مع إرادة الطرف الآخر، ومن هذا التلاقي ينشأ التراضي[10] الذي يمثل جوهر كل اتفاق، وفي القانون المغربي لا يشترط أن يتم تلاقي الإرادتين على كل الشروط التفصيلية للعقد وإنما يكفي الاتفاق على المسائل الجوهرية[11].

والعنصر الأساسي في التعريف هو الإرادة لذلك لا بد من دراسة هذا المفهوم من خلال تعريفها (أولا) ثم علاقتها بالعقد (ثانيا).

أولا : تعريف الإرادة

كان موضوع الإرادة ومدى حريتها أو تقييدها من أهم المواضيع التي حظيت بالدراسة والاهتمام وذلك سواء من الجانب الفلسفي الوضعي أو اللاهوتي أو الميتافيزيقي[12].

وعلم القانون يهتم بالإرادة بعد انفصالها عن العالم المحسوس وخروجها إلى العالم الخارجي، ومن هنا اشترط القانون لصحة التصرف القانوني أن يصدر عن إرادة حرة سليمة خالية من العيوب ، وبما أننا ندرس الإرادة في إطارها القانوني، فيكفينا أن نعود لدراسات فلسفة القانون لمحاولة معرفة مكانة الإرادة في هذه الدراسات.

وهذه الدراسات خلفت آراء متباينة ومختلفة، فنجد على سبيل المثال، أن الإرادة عند القديس أوغسطين تمثل القدرة على قبول تصور أمر ما أو رفضه، وعند ديكارت أن الإرادة تقوم على استطاعتنا أن نفعل الشيء أو لا نفعله وأن تثبته أو تنفيه وأن تقدم عليه أو تحجم عنه[13].

وكثيرون هم الفلاسفة والفقهاء الذين تعرضوا لدراسة فكرة الإرادة بين التقييد والحرية إلا أن موضوع دراستنا يقتضي منا التوقف عند بعض التعاريف فقط والتي نحتاج إليها في موضوعنا، وهكذا فإن أهم مدرسة يمكن الانطلاق منها هي مدرسة القانون الطبيعي.

وبناء عليه فإن مذهب القانون الطبيعي عرف تطورات مهمة في أفكار مؤيديه، بدءا من أرسطو (أ) مرورا بالفلسفة الفردية (ب) ثم العقد الاجتماعي (ج)انتهاء بأهم مبدأ ممثل لهذه الاتجاهات مبدأ سلطان الإرادة(د).

أ-النظرية التقليدية عن القانون الطبيعي :

ترى نظرية القانون الطبيعي أنه يمكن اكتشاف القانون عن طريق العقل، فأنصارها يرون أن العقل بإمكانه إيجاد نظام يطلقون عليه تسمية القانون الطبيعي، والذي ما هو سوى وسيلة تعايش الإرادات الفردية داخل المجتمع، وبذلك تكون الإرادة المصدر الوحيد لكل الالتزامات القانونية[14].

أرسطو هو صاحب نظرية القانون الطبيعي، وعالج نظرية العقد تحت عنوان ” الاكتساب المصطنع للملكية”، فهو ينطلق من أن الإنسان  حيوان اجتماعي بطبعه، فهو لا يستطيع أن يعيش منعزلا عن الناس[15].

وبذلك، فالعقد هو أهم تصرف إرادي يقوم به الإنسان في حياته، عن طريق العقود تتم المعاملات بين الأفراد ولا شك أن كل فرد يسعى إلى تحقيق مصلحته وإلى تحقيق العدل بالنسبة لنفسه، ولذلك إذا ابرم إنسان عاقل عقدا فالمفروض أن يكون هذا العقد معبرا عن العدل بالنسبة له، ونظرا لأن العقود تبرم بين طرفين فيفترض أنها تحقق العدل لكل من هذين الطرفين.

الرومان لم يكن لديهم نفس المفهوم الحالي للعقد[16]، فقد كان العقد عندهم ينتج آثارا ملزمة إلا إذا تم إلباس إنشائه وفق بعض الشكليات، ويؤدي تخلفها إلى عدم قيامه، ويستبعد معه كل دور داخلي للإرادة في تحديد آثارها ويبقى دور الإرادة محصور في الدخول في ممارسة هذه الطقوس ، كما يستبعد كل دور خارجي للأوضاع بتعديل مضمونها، فالعقد متى نشأ بالطريقة المبينة سابقا يفرض تنفيذه ولو كانت الإرادة الحقيقية غير متوجهة نحو إنتاج تلك الآثار، ويتم ذلك في الساحة العامة مع مراعاة قيود وقوالب تحيط تعاقداتهم من حركات وإشارات ترجع في أصولها إلى اعتبارات دينية، ففي هذه المرحلة لا يمكننا الحديث عن مجرد توافق الإرادتين لإنشاء عقد أو توليد التزام.

وهكذا فالشكلية هي الطابع الذي ميز العقود في المراحل الأولى من القانون الروماني، ولم يكن للإرادة وحدها أي نتيجة قانونية بل لا بد للتصرف إذا ما أريد أن يكون له وجود ويرتب نتائج أن يلبس ببعض الشكليات، وأن تسبغ عليه بعض المراسيم ذات الطابع الشكلي، وذلك ضمن ألفاظ علنية وحركات محددة، وسبب نشوء الالتزام هو استيفاء هذه الشكليات والطقوس، فالالتزام صحيح حتى لو كان سبب التزامه غير صحيح أو مخالف للآداب[17].

وحسب أنصار الاتجاه الطبيعي فعن افتراض العدل في العقد يبدو أقرب من افتراضه في القانون، لأن الإنسان في العقد يسعى إلى تحقيق العدل بالنسبة لنفسه، أما في القانون فإن المشرع يسعى إلى تحقيق العدل بالنسبة للشعب.

وعليه فإن التضحية بالإرادة المطلقة للفرد في العقد تكون من أجل قيمة أسمى منها، وهي العدل أو الأخلاق أو القانون الطبيعي، ذلك أنها تعبر عن ما ينبغي أن تقوم على أساسه الدولة من أجل تحقيق وجودها الحقيقي، وهو الوجود الذي لا غنى عنه من أجل وجود الأفراد أنفسهم، وتحقيق السعادة لكل منهم[18]، ولأجل ذلك فأنصار هذا الاتجاه لا  يدعون إلى احترام العقود جميعا بغير استثناء[19]، بل العكس هم لا يترددون في مهاجمة بعض العقود التي يرون أنها تحقق الظلم ولا تحقق العدل، ومن هذا القبيل عقد الربا ” فالنقود لا تلد نقودا، فذلك نوع من الربح مخالف للطبيعة”[20].

وهكذا فإن إرادة الإنسان تتقيد باعتبارات العدل حتى وهي تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة، وحتى في بناء مجتمعها، وهو استنتاج يقترب مما ذهب إليه أصحاب نظرية العقد الاجتماعي في تفسير الدولة.

ب-نظرية العقد الاجتماعي :

إن نظرية العقد الاجتماعي حاولت في إطار التطورات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها أوربا في مرحلة ظهور هذه النظرية بناء نظرية تفسر قيام الدولة، ولا تعدو وأن تكون ترجمة سياسية لنظرية القانون الطبيعي[21]، وبذلك أريد بها تبسيط هذا الأخير، وجعله قريبا إلى الذهن.

مقال قد يهمك :   إدارية الرباط : 10 ملايين تعويضا لمهاجر مغربي اعتقل خطأ من طرف الأمن المغربي

 ويترتب على ذلك أن نظرية العقد الاجتماعي لا تذهب إلى إطلاق حرية الإرادة، بل على العكس فهي تخضع الإرادة لحكم العقل والعدل ومبادئ القانون الطبيعي[22]، وذلك ما تجسده إحدى تعاريف ومفاهيم العقد الاجتماعي الذي حدده في أنه عقد يتنازل فيه الأفراد بإرادتهم عن حريتهم لصالح الدولة والخضوع لها وللقانون، لأن القانون ما هو في الأخير إلا تعبيرا عن الإرادة الجماعية، وهو ما تأثرت به إيجابا الثورة الفرنسية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن لعام 1789، ووفقا لهذا الإعلان أصبحت قواعد القانون الطبيعي مبادئ مقننة رسميا في صلب القانون الوضعي[23].

كما سبق الذكر فإن العقد في القانون الروماني لم  يكن ينتج آثاره بمجرد توافق إرادتين بل يجب أن يستكمل شكليات معينة، ولكن تصر أفكار الفلاسفة والمفكرين الذين تبنوا القانون الطبيعي جعل الإرادة تحت رحمة هذا القانون، هذه الأفكار التي تطورت بفعل عوامل متعددة ومتنوعة أفرزت المذهب الفردي، لكن كيف كان تصور هذا المذهب للإرادة؟

ت-المذهب الفردي :

ما كاد تأثير الدين (وفق تفسير ورؤية الكنيسة في أوربا) يضعف حتى حل محله تأثير نظريات اقتصادية وفلسفية وسياسية، وكلها مشبعة بروح الفردية، وقد بلغت أوجها في القرن الثامن عشر، وهي تشيد بوجود قانون طبيعي مبني على حرية الفرد، ووجوب استقلال إرادته، وتسير هذه الإرادة لكل ما في الحياة من نظم اقتصادية واجتماعية.

كانط هو مؤسس مذهب الفردية القانونية، لأنه يجعل من الإرادة المصدر الوحيد للقانون: ” لا يمكن للشخص أن يخضع لقانون غير ذلك الذي أوجده لنفسه، سواء بمفرده أو باتفاق مع غيره”. كما أنه يجعل من الإرادة الضمان الوحيد لحقوق الفرد، لأن الشخص إن لم يقرر بنفسه فإنه قد يتعرض للظلم، أما إذا قرر بنفسه فإن ذلك سيكون مستبعدا[24]، وفي هذا السياق أكد الفيلسوف kant أنه لا يوجد إلا حق طبيعي واحد، يملكه الإنسان بحكم أنه إنسان، وهذا  هو حقه في الحرية على ألا تتعارض حرية شخص مع حرية الآخرين. وبناء على هذا الحق يمكن القول أن فلسفة kantتعتبر أن الإرادة هي مبدأ كل قانون أخلاقي، وأنه يمكن اكتشاف القانون بالعقل المجرد، فاستنتج من الإرادة مجموعة من القواعد تشكل نظاما عقلانيا ينظم سلوك الأفراد داخل المجتمع، أطلق عليها تسمية ” القانون الطبيعي”، وهو يرى أن القانون هو ” مجرد وسيلة لتحقيق التعايش بين إرادات الأفراد”، وبذلك يتأكد أن إرادة الشخص هي مصدر كل الالتزامات القانونية، وبناء على ما سبق ذهب بعض الفقه إلى تبني فكرة تؤكد أن الفضل يعود لكانط في تسمية سلطان الإرادة والمدافع الرئيسي عن فكرة الفردية القانونية أي الحرية في الالتزام، و لا يمكن أن ينشأ إلا بإرادة الإنسان وبسلطان للإرادة.

 وأصبح العقد بذلك أساس الصحة والمشروعية وهو القانون الحقيقي الذي لا يعلو عليه أي قانون، هذا فيما يتعلق بالأسس النظرية والفلسفية لهذا المذهب الذي انتقل إلى الاقتصاد وتم تدعيمه من المذاهب الاقتصادية التي طالبت بإفساح المجال أمام الفرد وإخضاع السوق لقانون العرض والطلب، وتبنى adamsmith ذلك بشكل مطلق من خلال التأكيد على أن الفردية هي الوسيلة الوحيدة في تحقيق التنمية الاقتصادية  والمصلحة الخاصة وبالتالي تنمية الصالح العام وخدمته.[25]

وفي هذا السياق أيضا قام الفيزيقراطيون ينادون بالحرية الاقتصادية  قانونا للمعاملات التجارية يتطابق ويتوافق بالضرورة مع  القانون الطبيعي، بل الأكثر من هذا يذهبون إلى أنه لو ترك الناس أحرارا في نشاطهم الاقتصادي وفتحت أبواب المنافسة بينهم، فلا تلبث الأمور أن تستقر، وستحدد الأسعار عن طريق المنافسة[26] بشكل يخدم مصالح كل الأطراف وبالتالي يحقق عدالة منسجمة مع العدالة في القانون الطبيعي.

ولاقت أفكار jean baptistaو adamsmithرواجا كبيرا في المنتصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهي أفكار متسايرة مع الأفكار السائدة في ذلك العصر، وهي تتأسس على مفاهيم اقتصادية، مفادها أنه يتوجب على الدولة السماح للأشخاص بتنظيم تبادل الثروة والخدمات كما يشاؤون، تماشيا مع مبدأ ” دعه يعمل، دعه يمر”، وبلغة القانون: تركهم يتعاقدون كما يشاؤون[27]، لأن ذلك من شأنه تحقيق الحرية، والتوازن الاقتصادي، والازدهار الاجتماعي. إن الهدف من التصرفات التي يبرمها الأشخاص في المجتمع هو تحقيق رغباتهم، فهم لن يبرموا عقودا إلا إذا قدروا أنها تحقق مصالحهم، فيكفي تدخل الدولة من أجل ضمان الحرية والمساواة بين الأشخاص لجعل العقود محققة للعدالة، لأن العقد باعتباره توافق إرادتين حرتين متساويتين كفيل بتحقيق مصالح مبرميه. [28]

وبذلك أصبح العقد يجسد أفكار الاقتصاديين التي تحقق العدالة من خلال مبدأ الحرية على المستوى القانوني ويحقق في نفس الوقت دعامة للمبادلات بين الأفراد وأساسا لها[29]، وبالتالي يمكننا القول بعد استعراضنا لهاته النظريات أنها ساهمت في الوصول إلى فكرة سلطان الإرادة كأساس للتعاقد ودورها المحوري في إنشاء الحقوق والالتزامات، لذلك سنحاول مقاربة هذا المبدأ وتحليله واختبار مدى صحته ومصداقية والتفسير المؤسس عليه للعقد.

ث-مبدأ سلطان الإرادة :

إن مبدأ سلطان الإرادة يعد الترجمة الحقيقية للمذهب الفردي في المجال الاقتصادي الذي يقدس الفرد، ويعتبر أن حريته لا تقيدها غير إرادته، وأن الدولة لا تتدخل إلا من أجل ضمان هذه الحرية وحمايتها، وبالتالي فإنه من الناحية القانونية عموما وفي التعاقد خصوصا حسب هذا المذهب فإن العقد يجد مصدره في إرادة الفرد[30].

لنتذكر[31] أن مبدأ سلطان الإرادة كمفهوم قانوني، صيغت أحكامه على امتداد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتعد هذه الفترة هامة بحكم حجم التغييرات التي شهدتها المرحلة، فهي الفترة التي سقط خلالها النظام الإقطاعي وشهدت ولادة النظام الرأسمالي، وتشكلت خلالها معظم الاتجاهات الفلسفية[32]. وبالتالي لا يمكن إنكار أن هذا المبدأ قد ألهم مؤلفي القانون المدني، ثم المترجمين الأوائل[33].

فحسب أنصار هذا المبدأ فالإرادة يتم ترجمتها عند تكوين العقد إلى حرية التعاقد أو الامتناع عنه، ثم تحديد مضمون العقد وفقا لهوى المتعاقدين، وإذا تمت عملية التعاقد فالأمر يصبح ملزما ولا يمكن تراجع أحد الأطراف عن ذلك، فإرادة المتعاقدين تعلو على التشريع في هذا المجال.

الإرادة وحدها هي التي تجعل للعقد وجودا قانونيا وبمعنى آخر هي أساس القوة الملزمة للعقد، ويمكن للقاضي البحث عنها أولا في صيغة العقد فإن لم يستطع فعليه البحث عن النوايا والبواعث لدى المتعاقدين، أي أن مفهوم الإرادة له طابعا ذاتيا أو شخصيا[34].

حسب أنصار سلطان الإرادة أن هذا المبدأ هو تفسير للالتزام العقدي، فالإنسان قبل التعاقد كان حرا، وهو بعد العقد أصبح مقيدا به لأنه صدر عن إرادته الحرة، ومن المتصور أن يكون أساس هذا التقييد ناتجا عن سلطة عليا هي سلطة الدولة أو سلطة القانون كما أنصار الاتجاه الوضعي،الذي رفضه أنصار نظرية سلطان الإرادة لأن الإنسان حر بطبيعته، ولا يمكن أن تتقيد حريته إلا  عن طريقه هو، فأساس الالتزام هو إرادة الفرد وليس إرادة القانون، والدور الوحيد الذي يقوم  به القانون هو ضمان تنفيذ الالتزامات الناشئة عن إرادة الأفراد الحرة[35].

وقام من الفلاسفة والفقهاء، بعد روسو وكانط من نصبوا أنفسهم دعاة لهذا المذهب الفردي، ومن هؤلاء فوييه، الذي ذهب إلى أن العقد هو الأساس الذي يجب أن يرجع إليه كل نظام قانوني،  وحسب هؤلاء وبتأثير مبدأ سلطان الإرادة تطور الأمر لتفسير كل التصرفات القانونية بل وحتى القانون بنفسه على أساس الإرادة، ولكن علاقة بموضوعنا سنحاول مقاربة الإرادة في علاقتها بالعقد فقط من خلال المحور الموالي.

ثانيا: علاقة الإرادة بالعقد

العقد حسب فوييه هو أصدق تعبير عن العدل، لأن العقد يتم بين أشخاص أحرار ومتساوين بحكم القانون، والشخص الحر لا يرضى بشيء إلا إذا كان محققا لمصلحته، فإذا اتفقت إرادة شخص حر مع شخص حر آخر على إبرام عقد بينهما، فلا شك أن هذا العقد يحقق مصلحتهما معا ويعبر عن العدالة في العلاقة القائمة بينهما، وبهذا أمكن القول أن ” كل عدالة هي عقد، وأن من قال عقدا، قال عدلا”[36].

ويعود الفضل في شهرة مقولة الفيلسوف الفرنسي fouilleeعند رجال القانون للأستاذ gounot، من خلال أطروحته الشهيرة “مبدأ سلطان الإرادة: دراسة نقدية للفردية القانونية”، والتي ناقشها عام 1912 التي صادفت  سنة وفاة foillee. وأهم ما يمكن أن يستخلص من أطروحة الاستاذ Gounotهو أنه إذا كان مبدأ سلطان الإرادة هو المبدأ في تفسير العقد، فيجب تقييده بمبدأ آخر يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن العقدي، والذي تجسده مقولة “ما بين القوي والضعيف الحرية هي التي تخضع والقانون يحرر”[37]، بمعنى آخر لا بد من تقييد الحرية لتحقيق التوازن، وذلك من خلال القانون الذي يحرر الطرف الذي التوازن مختلا على حسابه، فالعقد علاقة بالإرادة يتم بتوافق إرادتين مستقلتين، ولا يجوز تعديله بإرادة منفردة بل لا بد من توافق هاتين الإرادتين لتعديله من جديد، فلا يستقل أحد من المتعاقدين بتعديله بل ولا يجوز حتى للقاضي نفسه تعديله، بدعوى اتباع قواعد العدالة، لأنه يفترض أن توافق هاتين الإرادتين هو أسمى تحقيق للعدالة فيصبح هذا العقد قانونا بين الطريفين وحاجزا أمام القاضي للتدخل باسم القانون الوضعي. لكن الاستاذ gounotلم يكن مسلما بهذا بشكل مطلق بل حاول انتقاده، وذلك من خلال ما ذهب إليه في أطروحته فهو يرى أن وجود الإرادة شرط غير كاف لتكييف الواقعة على أساس أنها تصرف قانوني، فلا يكفي أن تلعب الإرادة دورا سلبيا، وإنما يجب أن تلعب دورا إيجابيا، وذلك بأن تحدد الإرادة مضمون الآثار التي ستنتج حتى نقول أن هناك تصرفا قانونيا، وبذلك يميز الأستاذ gounotبين الآثار القانونية التي تكون الإرادة هي التي حددت مضمونها، وتلك التي يقتصر دور الإرادة في إحداثها على تفعيل آلية منظمة مسبقا من قبل القانون الوضعي[38].

مما سبق يتضح أن مبدأ سلطان الإرادة ما هو إلا تعبير حي عن المذهب الفردي الذي يقدس الفرد ويعتبر أن حريته لا تقيدها غير إرادته، وأن الدولة لا تتدخل إلا لأجل تحقيق ذلك، فإرادة الفرد وحدها تكفي لإبرام العقود، وبالتالي تستطيع هذه الإرادة إنشاء الالتزامات العقدية، دون قيد على حرية الإنسان الكاملة، كما أنه لا إجبار عليه في أن يدخل في رابطة عقدية لا يرغبها، ولا يحد من هذه الحرية إلا الاعتبارات العامة[39].

بالتالي فالعقد يجد مصدره في إرادة الفرد، تلك الإرادة التي لا يمكن أن تكون في غير صالح صاحبها، مما يحقق مصلحة الطرفين معا، ثم إن مبدأ سلطان الإرادة كان يترجم تشجيع المبادرة الفردية على الصعيد الاقتصادي باعتبارها أفضل وسيلة لضمان الصالح العام، وتحقيق الزيادة في الإنتاج والازدهار[40].

وبناء على ما سبق فالإرادة الحـرة تحـدث مـا تشـاء مـن الآثـار في العلاقـات التعاقديـة، إعمـالا و تطبيقـا لمبـدأ  سلطان الإرادة[41]، الذي تفرعت عنه مبـادئ “: الحريـة التعاقديـة؛  القـوة الملزمـة للعقـد ؛ الأثـر النسـبي للعقـد “[42]، وبالتالي فمن الضروري تحديد الآثار القانونية من قبل الإرادة.

الفقرة الثانية : الآثار القانونية الناتجة عن توافق إرادتين أو أكثر

قام مذهب سلطان الإرادة كما بينا على حرية الفرد، وكان هذا هو أساسه الفلسفي: توغل في روح الفردية، وتقديس سلطان الإرادة. أما نتائجه القانونية فتتلخص كما قدمنا في أن الإرادة مصدر كل حق، وهي التي تحدد نطاق ذلك الحق.

فالعقد هو توافق إرادتين على إنشاء التزام، كعقد البيع، يتفق فيه البائع والمشتري على إنشاء التزامات، منها ما هو في جانب البائع، كالالتزام بنقل الملكية والالتزام بضمان التعرض، ومنها ما هو في جانب المشتري[43]، كالالتزام بدفع الثمن والمصاريف[44].

والعقد ينقل الحق الشخصي المقابل للالتزام من الدائن القديم إلى الدائن الجديد، وهو عقد الحوالة. كما أن العقد يعدل الالتزام، ومثاله الاتفاق على الزيادة في الأجرة، فهو تعديل لالتزام المكتري. والاتفاق على إنهاء العقد ينهي الالتزامات المترتبة عنه[45].

في التعريف الذي أوردناه أن العقد يحدث أثرا قانونيا، وليس من الضروري أن يكون هذا الأثر متعلقا بالتزام، فالتبني في القانون الفرنسي عقد لا ينشئ التزامات فحسب، بل يوجد ذلك أثرا قانونيا آخر، هو إنشاء مركز قانوني جديد أو تعديله[46].

بعد دراسة هذا المبحث، لا يجب أن يفهم بأن الأفراد كانوا أحرارا خلال المرحلة التي ساد فيها الفكر اللبيرالي، بل كانت الحرية دائما مقيدة باعتبارات مختلفة ولكن يمكن تلخيصها بكلمة فلسفية أكثر مما هي قانونية هي العدالة.

إذن فمن الثابت أنه لا يمكن تصور عقد بدون إرادة، وهذا ما تؤكده قولة دوما الذي يعتبر  من أبرز القانونيين الفرنسيين قولة يمكن إنشاء جميع الاتفاقيات بالعقود، شريطة أن تكون محترمة للأخلاق والآداب العامة، وبالتالي أصبح هناك تعايش أو مزج بين الإرادة والقانون، عن طريق رسم حدود تتحرك فيها هذه الإرادة، فما هي الحدود التي يسمح فيها بتحرك الإرادة؟ وهل استمر هذا التعايش أم تغيرت بتغير الأحداث؟ وهل المفهوم السالف دراسته مازال ثابتا مستقرا، أي مازال التعاقد يساوي العدل؟ وهل توافق الإرادتين يمكن أن ينشئ قانونا ويكون بذلك العقد مصدرا من مصادر القانون ؟

وهذا ما سنحاول داسته في المبحث الثاني.

المبحث الثاني : المفهوم الحديث للعقد

مما لا شك فيه أن الأفكار القانونية والاقتصادية التي سادت في القرون الثلاثة الماضية قد حققت تقدما حاسما للإنسانية، كما عرفت هذه الفترة نوعا من التطرف للأفكار وذلك ما تبين من خلال المبحث السابق، حيث تم الدفاع بشكل مفرط عن الفردية وتقديسها، وكذا في الربط بين الحق والقانون، بحيث كان ينظر إلى أن دور القانون الوضعي يقتصر على حماية الحقوق، أو إنشاء حقوق فردية أخرى مع العمل على حراستها[47]، مما أدى إلى ظهور مدرسة جديدة تنظر للعقد من زاوية مغايرة لما سبق دراسته وذلك بحكم الأفكار الجديدة لدى أنصارها، والتي سميت بمدرسة القانون الوضعي، مما أمكن الحديث عن تحليل وضعي للعقد (المطلب الأول)، وتزامن ظهور هذه المدرسة مع عدة أحداث غيرت الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وعجلت بظهور تيارات أخرى تنظر للعقد من زاوية المنفعة والعدل (المطلب الثاني).

المطلب الأول: العقد وفق التحليل الوضعي

ظهرت في القانون مدرسة أطلق عليها المدرسة الوضعية في القانون، فرغم محاولة أنصار هذه المدرسة الادعاء بأصالتها واستقلاليتها في دراسة القانون إلا أنه ليس هناك صعوبة في إثبات علاقة هذه المدرسة القانونية بالاتجاه الوضعي أو الفلسفة الوضعية في الدراسات الفلسفية، وذلك سواء من خلال اعتماد الوضعية القانونية على رؤية ومناهج الوضعية الفلسفية أو من خلال التأثير الواضح لفلاسفة الوضعية القانونية على رأسهم الفرنسيان اوغسط كونت واميل دوركايم على أنصار الوضعية القانونية وروادها لاسيما علمين من أعلامها ويتعلق الأمر بكل من هانز كيلسن وليون ديجي، لكن مع استحضار أن هذين العالمين رغم اشتراكهما في الانتماء إلى الوضعية القانونية إلا أن رؤيتهما جاءت مختلفتين، بل أحيانا يصل الاختلاف إلى حد التناقض بينهما، لكن يمكن القول أن أحدهما تعصب لهذه الوضعية وأفرز لنا اتجاها راديكاليا (روهيت)، اتجاها أقل راديكالية أو معتدلا ويتعلق الأمر بكل من ديجي وكيلسن، وسنحاول مقاربة كل منهما من خلال رؤيته للظاهرة القانونية وتفسيره لها وموقفهم من العلاقة التعاقدية أو مؤسسة العقد خصوصا.

الفقرة الأولى : نظرية الاستاذ duguit

إن ديجي فقيه فرنسي بل هو علم من أعلام من أعلام القانون في تاريخ فرنسا ترك بصمته في الدراسات القانونية من خلال ملفاته الموزعة على عدة تخصصات إضافة إلى العديد من المحاضرات[48]، التي حدد فيها رؤيته لمجموعة من القضايا القانونية وقدم إجابات لمجموعات من الإشكاليات، لكن ما يهمنا هنا يرتبط خصوصا برؤيته وتحليله للقانون من جهة وللعقد من جهة أخرى حيث طرح هذا الفقيه فكرة محورية تعتمد على إنكار فكرة الحق واستبدالها بفكرة المركز القانوني فقط، وحتى يتسنى لنا فهم موقف duguitيجب علينا أن نستحضر مفهوم هذا الأخير للعقد.

 يتكون العقد من تعبيرين عن الإرادة، مما يستلزم اتفاق مسبق لهاتين الإرادتين، فلكل تعبير عن الإرادة موضوع وهدف مختلف، لأنه يتم تحديده من الطرف الآخر. والتصرف بإجماله يهدف إلى إنشاء مركز قانوني يجمع شخصين أو مجموعتين من الأشخاص[49]، أي تنشأ بينهما علاقة دائن بمدين، ويذهب إلى أبعد من ذلك إذ أنه يرى أنه يجب أن تكون هناك مصلحتان متقابلتان[50].

ويرى duguitأنه يمكن أن تكون هناك عدة إرادات دون أن يكون هناك عقد، فلا يكون هناك عقد إذا كانت هناك مجموعة من التعبيرات عن الإرادة يكون موضوعها وهدفها واحد، فماذا سيكون عندئذ إن لم يكن عقد؟

يظهر أن مصطلح التصرف الجماعي ينطبق جيدا على هذه الحالة، وقد استدل على هذه الحالات بتأسيس الشركات، أين يجتمع عدد من التعبيرات عن الإرادة يكون موضوعها وهدفها واحد، فلا يجوز تكييفها على أساس أنها عقد، وإنما تصرف جماعي[51]، فحسب هذا التفسير وهذا التحليل للعقد، أن ليس كل توافق يرتب عقدا.

مقال قد يهمك :   أنموذج مشروع موضوع الدكتوراه في القانون العام

 يستشف أن نظرية سلطان الإرادة مردودة من الأساس في نظر هذا  المفكر لأن الحرية المطلقة المفترضة في الإرادة العقدية تعني بالضرورة تفوق الحق الشخصي على القانون. وهو ما لا يمكن قبوله علما وأن القانون بحكم اهتمامه بتنظيم الحياة في المجتمع، يعتبر أعلى مرتبة من الحقوق الشخصية ولا يجوز بالتالي للفرد مخالفته أو تغليب حقوقه على هذا القانون. ويلاحظ duguitأن القانون، وإن كان ملزما لجميع الأفراد، فإن جزءا من أحكامه ينطبق على الشخص دون اعتبار إرادته، مثل قواعد الأهلية او أحكام المسؤولية التقصيرية، في حين لا ينطبق الجزء الآخر عليه إلا بحكم إرادته. وذلك هو شأن الأحكام المنظمة للعقود، الأمر الذي يستخلص معه أن الإرادة العقدية ليست قادرة على إنشاء الحقوق، وأن العقد ليس إذن مصدر حق أو التزام، إنما هو فقط توافق بين شخصين أو أكثر يهدف إلى أن تطبق فيما بينهم أحكام قانونية معينة ما كان لها أن تطبق لولاه[52]، مما يتيح الوصول إلى استنتاج كان قد قدمه ديجيه مفاده أن الإرادة لا تصلح مطلقا في أن تكون مصدر الالتزام بل إن القانون هو منشئ كل شيء.

وعلى هذا الأساس لا يعترف هذا المفكر بالحقوق الشخصية أو الذاتية للفرد بمعنى أن يكون للإرادة دور المنشاة والزوال في الحق وإنما جميع الحقوق في رأيه هي حقوق موضوعية بمعنى أن القانون هو المحدد لهذه الحقوق من حيث النشأة والزوال[53]، إن هذا البناء القانوني يجعل أن العقد قد يكون توافق إرادتين ولكن ليس لإحداث آثار قانونية بل لإنشاء مراكز قانونية فقط لكن هذا يتم ليس على أساس حرية الأفراد وإرادتهم بل يتم على أساس ما حدده القانون وما سمح به ووفق ما نص عليه هذا القانون.

كما أن ديجي رغم أنه مفكر قانوني لكن لا يمكن التغاضي عن مدى تأثره بالأفكار الاشتراكية التي حاربت النزعة الفردية بل واعتمد هذه الأفكار إضافة إلى مجموعة من الأحداث السياسية والاجتماعية لرد النزعة الفردية لصالح الجماعة متبنيا الوظيفة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي[54] كمفاهيم أخذا من صديقه دوركايم.

وتقوم فكرة الوظيفة الاجتماعية على أساس أن لكل فرد في المجتمع مهمة يؤديها، وحاجة معينة ينفذها، وهو هذه بالذات هو أساس القاعدة القانونية التي تلزم الجميع، كبارا وصغارا، حكاما ومحكومين[55].

وفي نفس السياق نورد موقفا مناصرا لما سبق، فعندما كتب الفقيه (Demogue) منذ وقت عن العقود بأنها “تشكل عالما أو مجتمعا صغيرا يجـب على كل فرد فيه أن يعمل من أجل هدف واحد ألا وهو مجموع الأهداف الفردية التي يـسعى إليهـا كـل شخص، كما هو الحال تماما في الشركات المدنية أو التجارية، وبذلك يحل محل التعارض بين حق الـدائن ومصلحة المدين في شكل إتحاد بين هذه المصالح المتعارضة، بحيث يصبح العقد في النهاية أداة للتعـاون الصادق بين الطرفين”.[56] هذا لأن من أول مظاهر تطوير قانون العقود، أن أصبح هناك تنظيم لـ “علاقـة” بدلا من “عقد”.

هذه أهم مواقف ورؤية الأستاذ ديجي باعتباره أحد أنصار الوضعية القانونية فماذا عن الممثل الآخر لهذه الوضعية هانز كلسن.

الفقرة الثانية : نظرية الأستاذ كلسن[57]:

لقد حاول الأستاذ كلسن بناء نظريته في فلسفة القانون من خلال أطروحته التي سماها النظرية الخاصة للقانون، وتحاول هذه النظرية دراسة القانون كعلم خالص لا علاقة له بالعوامل الأخرى المحيطة به، كالأخلاق والاقتصاد والسياسة والدين وغير ذلك[58]، ولكن كما ذهب الأستاذ سمير تناغو ليس هناك صعوبة حقيقية في إثبات أن الوضعية كلسن ليس في الحقيقة إلا إسقاط لوضعية كونط ودوركايم الفلسفية على المجال القانوني[59].

وارتباطا ببحثنا، فإن كلسن يرفض المفهوم الكلاسيكي الذي يقصر آثار العقد على إنشاء أو تعديل الحق الشخصي[60]، بالنسبة له لا يقتصر العقد على التطبيق الفردي للقواعد العامة، هو في نفس الوقت منشئ لقواعد[61]، وبمعنى آخر فهو لا يختلف عن القانون أو عن الدستور، الأثر الأساسي للعقد هو خلق قواعد قانونية عن طريق توافق الإرادات، وهو بذلك له أثر مثل القانون كونه منشئا للقواعد القانونية.[62].

إن هذه النظرية قريبة من النظرية التقليدية من حيث أن صاحبها يعتبر أن دور الإرادة لا ينحصر في تطبيق أحكام قانونية عامة على أشخاص معينين،  إنما يرى على عكس ذلك أن العقد يشكل في ذاته قاعدة ملزمة ينشئها المتعاقدون ويضبطون محتواها بكل حرية وذلك بتفويض من القانون وتبعا لسياسة تشريعية مؤداها ترك حرية تنظيم المعاملات الاقتصادية للأفراد باعتبار عدالة هذا الحل وملاءمته مع مصالحهم.

 على أنkelsenيخالف تماما النظرية التقليدية ليقترب من نظرية ديجي، لما يضيف أن القاعدة العقدية التي أمكن للأطراف إنشاؤها وتحديد مضمونها بكل حرية لا تستمد قوتها الإلزامية من الإرادة الفردية، بل من القانون الذي يبقى أعلى درجة[63] من العقد، الأمر الذي يستخلص معه أن الإرادة الحرة حسب هذه النظرية في إنشاء ما تريد من القواعد العقدية ولكنها لا تتحكم في آثارها لأنها ليست أساس قوتها الإلزامية، إذ لا تستمد القاعدة قوتها إلا من القانون[64].

و بالتالي يمكن القول أن العقد انتقل من وظيفة إلزام الأطراف إلى وظيفة إنشاء قواعد قانونية[65].

وتجدر الإشارة إلى أن هناك اتجاه يسمى الاتجاه الراديكالي يرتكز على الإقصاء الكلي للمبدأ بتجاهل وجوده وهو الشأن بالنسبة للفقيه روهاتROUHETTEبقوله :

“..العقد ليس باتفاق إرادتين، …القوة الملزمة للعقد لم تؤسس عند محرري التقنين على احترام الإرادة ولكن على الضرورة الاجتماعية لاستقرار التعهـدات التعاقدية ،وإعمالا بسنة التطور الحاصل في العالم منذ 1804 فقد اندثرت الفردانية، ولم تعد الإرادة ملزمة إلا أنها تحت سلطة القانون…”[66].

غير أنه حسب الفقيه باتيفول فإن سن القوانين عمل فكري، فهو عمل إرادي ناتج عن وعي وتبصر، وعليه فإن تصور توفيق ما بين هاتين المدرستين (القانون الطبيعي والقانون الوضعي) ممكن، لأن القانون ليس من صنع الإرادة عن طريق احترام بعض القواعد العقلية، كما أنه ليس مجموعة قواعد مستمدة من وقائع اجتماعية، مستقلة عن كل تدخل إرادي،فهو تأسيس فكري ينبني على مجموعة من المعطيات الاجتماعية، لأن ملاحظة الوقائع فقط لا تمكن من وضع نظام قانوني، وإنما إعمال الفكر في هذه الوقائع هو الذي يجعلنا نستنتج نظاما قانونيا صالحا للمجتمع الذي استنتج منه.

إنه وعلى الرغم من حرية الإرادة ابتداء إلا أن ذلك لا يعني عدم تأثرها بالوسط الذي يعيش فيه الفرد، لأنه لا يتصور أن يعيش الفرد منعزلا عما يحيط به من مؤثرات، فهناك عوامل تؤثر عليه، وبالتالي فإن ذلك سينعكس على اختياره ويوجه إرادته نحو هذا الاتجاه أو ذاك، وعليه يجب مراعاة التطورات الحاصلة، وعلى المشرع كذلك أن يتطور مع المجتمع، وإلا أصبح التشريع عائقا يحول دون تطور المجتمع.

المطلب الثاني : التحليل المعاصر العقد

إن مدونة نابليون قد أوردت تعريفا للعقد، وربطته بالالتزام تأثرا بالقانون الروماني من خلال قراءات كل من بوتييه ودوما لهذا القانون وتحيينها لكن الفقه بعد ذلك نحى منحى آخر بالاعتماد على توافق الإرادتين، هذا التعريف الذي تبناه القانون الفرنسي مؤخرا ومرد التوجه الفقهي هذا إلى الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية آنذاك وازدهار الروح الفردية على الثقافة الأوربية كرد فعل على قهر الإنسان من قبل الكنيسة وتوجهاتها، ولكن الفقه قد أفرط بالأخذ بهذا المذهب الفردي في تفسيره للعقد ثم للقانون بعد ذلك إلى درجة أصبح مفهوم العقد هو ترجمة  للإرادة فقط بشكل مطلق هي التي تنشئ العقد وهي التي تحدد مقتضياته وآثاره، بل حتى تفسير القوة الملزمة للعقد أرجع إلى أساس الإرادة يعني أن العقد ملزم تجسيد لإرادة الأطراف واستمرت المبالغة لهذا التفسير إلى درجة اعتبر العقد قانونا يحكم أطرافه، وقوته تفوق قوة القانون حيث أنه ليس للقاضي التدخل والمساس بما توافق عليه الأطراف والأساس في ذلك عدة اعتبارات أهمها التوجه الفردي في الاقتصاد الذي أنتج فكرة هيمنت حين إذ تفيد بالضرورة أن سعي الفرد في تحقيق مصلحته الخاصة بكل حرية بالضرورة سيترتب عليه تحقيق مصلحة جماعية ونموا اقتصاديا وازدهارا، وهاته الفكرة ترجمت من الناحية القانونية إلى كون حرية الفرد في تعاقده، ورهن هذا التعاقد بإرادة الأطراف كفيل بتحقيق مصلحة هذين الطرفين بل تم الذهاب أكثر من ذلك أن مجرد التعاقد بين الأطراف بحرية وتوافق الإرادات الحرة سينتج بالضرورة عدالة تعاقدية، واستمر هذا التوجه الفقهي مدة من الزمن بل أثر في توجه محكمة النقض الفرنسية أيضا لكن الصدمة بدأت تصيب رجال القانون من خلال الأوضاع الكارثية التي أفرزتها عقود الشغل في مرحلة عرف الاقتصاد ازدهارا كبيرا وحاجة إلى اليد العاملة، فأصبحت حرية التعاقد مدخلا لأرباب العمل لتحقيق مزيد من الأرباح والمكاسب على حساب حقوق العمال وحرياتهم وإفقارهم أكثر فكان تدخلا تشريعيا في هذه العقود جعل الفقه السالف الذكر في موقف محرج تجاه ما طرحه من رؤية لعملية التعاقد، فنشأ اتجاه يتحدث عن مفهوم راج لمرحلة يروج لفكرة أزمة العقد دون تفسير منطقي وواضح لذلك، وفي مقابل ذلك ذهب أنصار المذهب الفردي للحرية التعاقدية وسلطان الإرادة إلى مراجعة أفكاره وفق المعطيات الجديدة دون التراجع عما سبق أن طرحوه ولكن إيجاد تحليل منطقي مبرر ومقبول لهاته الوضعية، وفي هذا الاتجاه نورد أهم التوجهات الفقهية المعاصرة من خلال نموذج فقط حيث وهو موقف الفقيه جاك غيستان الذي أسس طرحه على ثنائية العدالة والنفعية في تحديد وتفسير مفهوم العقد وهو ما نتناوله في (الفقرة الثانية) بعد أن نمهد له بالحديث عن السياق التاريخي لهذا التصور في (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى : السياق التاريخي لظهور مبدأ العدل والنافع

إن شراء صحيفة أو عقار يتم بموجب عقد بيع، تحويل النقود إلى أحد المصارف هو عقد وديعة، وإيداع الشيك للتحصيل هو عقد توكيل، والدين الذي يقدمه المصرف هو عقد قرض، واستعمال سيارة الأجرة عقد نقل يلتزم فيه السائق بعقد تأمين، ويمكن مضاعفة الأمثلة، فعدد العقود المبرمة يوميا وتنوعها ضخمان، ويجب بذل جهد جدي لمحاولة إعطاء تعريف عام للعقد، وهو صعب جدا أن تقوم بإعطاء تعريف مشترك للعقد، إن لم يكن مستحيلا حسب البعض. ولكن على الأقل يمكن أن يكون للعقد تعريف وظيفي يكون معناه متغيرا، وبهذا حسب الفقيه غيستان[67] فإن للعقد تعريف قانوني يعتمد على سلطان الإرادة، وتعريف اجتماعي (كما تم تبيان ذلك مع ديجيه) ، وتعريف اقتصادي.

وهذا ما أكده أستاذنا الحسين بلحساني  في أكثر من مناسبة، حيث يرى أن العقد هو العقد الآلية الأساسية لمبادلة الأموال في المجتمع، و البعد الاقتصادي هو الذي يحدد العلاقة الجدلية الدائمة المستمرة ما بين التطورات الاقتصادية وتطور مفهوم العقد، و للعقد بعدا سياسيا اجتماعيا بحيث لا ينبغي إغفال كون العقد يمثل وسيلة من وسائل الدولة لتوجيه هذه المبادلات، التحكم وتحديد فلسفة الدولة، هل تشجع مبدأ سلطان الإرادة مبدأ احترام قانون السوق أم تتدخل لتوجيه هذه الإرادة.

يبدو من الأفضل أمام هذه الصعوبة، اللجوء إلى خيار متواضع نسبيا والاكتفاء بمحاولة طرح تعريف للعقد يكون مقبولا في النظام القانوني[68].

ينطلق غيستان في محاولة لإعطاء عناصر جوهرية للعقد من الحديث حول خصائص العلاقات التعاقدية في بداية القران التاسع عشر، بقد كانت الصناعة والتجارة في ذلك الحين كممارسات على شكل حرفي بسيط، وكان للعلاقات بين المستخدمين والأجراء، أو بين المنتجين والمستهلكين، طابع شخصي، وكان العقد يبرم سواء تعلق الأمر بشراء جواد في السوق أو بعقار لدى كاتب عدل، بعد مناقشة العناصر الجوهرية.

لكن هذا النموذج من العقود التقليدية لم يستمر لفترة طويلة، ويرى الأستاذ غيستان أنه من الصعب تقدير المجال المتعلق بهذه العقود التي يمكن نعتها بالتقليدية، إلا أنه يبقى على الأقل أن عددا كبيرا من العقود، تبرم اليوم في ظروف مختلفة تماما لم يرتقبها واضعوا مدونة نابليون، ومن الصعب توفيقها مع المسلمات التي يرتكز عليها مبدأ سلطان الإرادة.

ولعل السبب في ذلك راجع إلى التطور والتحول الهائل في نمط الإنتاج والاستهلاك، حيث شهدت هذه العملية نموا مضطردا باعتباره تطورا اقتصاديا، وقد قابله على مستوى قانوني آخر ورافقه، وبالخصوص على مستوى التعاقد، وكان من مظاهر تطور تقنيات التعاقد هو ظهور عقود الإذعان والعقود النموذجية.

أوحى نمو العقود ونظامها القانوني بتفكير مذهبي جديد في المجال القانوني، وكان التساؤل عن طبيعة عقد الإذعان، وعن الاتفاقيات الجماعية وما الغالب فيها هل صفة القانون أم الصفة التعاقدية؟.

وما زاد من حدة النقاش هو التدخل المتكرر للدولة في العقد، مما أصبح التساؤل يتزايد، ولسان الفقهاء بمصطلحات تفيد انفجار أو تفكك أو انحدار أو أزمة عقد.

ولكن من جانب آخر كان هناك نقاش، يقول بأن العقد باقي شرط أن يتحول لكي يتكيف ويتمسك بعض المؤلفين بانطلاق مفهوم حديث للعقد.

ويؤكد أستاذنا بلحساني أنه وإن كان هناك أزمة فهي لا تتعلق إلا بمفهوم واحد معين للعقد وهو المفهوم المؤسس على استقلالية وسلطان الإرادة.

وبالتالي فإن من خلال ما سبق فإن تطور العلاقات التعاقدية والقانون الوضعي، لا يعني حسب الفقيه غيستان أن المفهوم التقليدي المستوحى من مبدأ سلطان الإرادة صحيح وغير قابل للمساس، ويمكن كذلك انطلاقا من ملاحظة الأشكال التعاقدية الجديدة مع الأخذ في الحسبان عند الضرورة عقود القانون العام، التساؤل عما إذا لم يكن من المناسب إعادة النظر في التعريف التقليدي لمحاولة استخراج ما هو العقد في الحقيقة؟

الفقرة الثانية: مبدأ النافع و العادل

لما كان العقد ترجمانا لحقيقة العلاقات داخل المجتمع بات من الضروري أن يتفاعل مع تطور هذه العلاقات، فإن التطورات الاقتصادية أفرزت رهانات جديدة حتمت تطورا متطورا للعقد يساهم في تحقيق التوازن الاقتصادي في العلاقات التعاقدية، وبدت النظرية العامة للعقد مهيأة للتفاعل مع القواعد الاقتصادية والاجتماعية رغم ما توفره العقود الخاصة من حماية لطرف على حساب آخر.

يبرر غيستان نظريته، ملاحظا أن العقد ليس توافق إرادتين بقدر ما هو معاوضة بمعنى انتقال قيمة من ذمة مالية إلى أخرى، وهي عملية تستوجب لا محالة موافقة الأطراف، لكن الموافقة ليست سوى مجرد إجراء يكتسي صبغة ثانوية. أما الأصل فهو العنصر الموضوعي المتمثل في انتقال القيمة المالية من ذمة إلى أخرى لأن المصلحة العامة التي يشترطها القانون في العقد لا تحصل إلا بهذا الانتقال طالما أن العقد هو أساسا أداة لتحقيق حاجيات أفراد المجتمع المتمثلة في تبادل الخيرات والخدمات.

يستند غيستان رأيه هذا إلى اتجاه فقهي معتبر بفرنسا تميز بتحليله لتبادل الالتزامات من زاوية اقتصادية أكثر منها إرادية، ويُعرّف أحد أتباع هذا الاتجاه المعاصرون العقد بكونه ” عملية اقتصادية مؤسسة على التوازن المادي والذاتي للقيم المتبادلة “، ويستنتج من هذا التعريف أن عنصر العدالة هو أيضا أساسي في العقد، وأن المهم في نظر القانون يحصل لأي منهما ضرر أو خسارة من العقد[69].

الأستاذ غيستان أحل كل من  المنفعة والعدالة أساسا للقوة الملزمة للعقد بدل مبدأ سلطان الإرادة، أي بعبارة أخرى يجرد العقد من قوته إذا لم يكن أداة للمنفعة الاجتماعية وإذا لم تحترم فيه العدالة التعاقدية، فالعقد يكون نافعا اجتماعيا لأنه يمثل أداة توقع، بما يسمح بتواصل المبادلات الاقتصادية، ويعتبر عادلا إذا كان ينظم توزيعا عادلا للقيم بين المتعاقدين، فالمسألة تتعلق بفرضيات اختلال التوازن الاقتصادي لظرف ما، أي الزمن الفاصل بين تكوين العقد الذي تظهر فيه الإرادة أكثر – وهو ما يبرر عدم نكرانها كليا- وبين مرحلة تنفيذه التي تخضع للظروف، فيتم اختبار الثقة المتبادلة أكثر، مما يستدعي تدخل اعتبارات ما هو نافع وعادل، وهو ما تبرره اعتبارات اقتصادية العقد، واجتماعيته التي تقوم عليها الأخلاق العقدية والتي تحقق هذه المرة ” تجانسا بين العقد ومحيطه” أي جعله رابطة حية.

فالمشرع في نطاق القانون المدني يعترف بالعقد التبادلي الذي مفاده أن العقد ملزم للطرفين متى تبادل المتعاقدان الالتزام ببعضهما البعض، وهذا بالفعل وجه من الأوجه التي أكدها الاستاذ غيستان لما ربط القوة الملزمة بمصدرها التبادلي أي المنفعة المتبادلة، وهو كذلك يعبر عن وظيفة اقتصادية للعقد، وهو المعطى الذي يؤكده تعريف العقد بعوض الذي مفاده أن العقد هو تبادل للمنافع، فرغم الاختلاف الموجود بين العقد التبادلي والعوضي إلا أن التركيز يجب أن يتجه لمعيار تحقيق تبادل اقتصادي يكون العقد أداته الأساسية، وهذا ما فسره الأستاذين Maury et Demolmbeg  بمناسبة تعريف العقد ” كعملية اقتصادية مبنية على التوازن الموضوعي أو الذاتي للقيم المتبادلة “[70].

وبناء على ما سبق، فإن التحليل السابق المتعلق بالعلاقة التعاقدية بالقانون عموما الذي قدمه الفقيه غيستان فإنه يرى في تطور العلاقة التعاقدية بمفهوم العقد تأثيرا على هذا المفهوم لأنه في السياق الزمني وفي سياق الممارسات التعاقدية التي كانت حين إذ والتي لازالت موجودة فإن هذا المفهوم ينطبق عليها، ويبقى أن المطلوب هو دراسة الأشكال التعاقدية الجديدة التي ظهرت بشكل يسمح بتحديد مفهوم جديد للعقد يستحضر المفهوم الذي كان سائدا من جهة والممارسة الجديدة للتعاقد التي أفرزتها التطورات الاقتصادية بالخصوص ليتحقق لدينا معرفة تحدد تحديدا حقيقيا للعقد.

مقال قد يهمك :   القضاة بين مطرقة واجب التحفظ و سندان الواجب الوطني

خاتمة :

أن تحديد مفهوم العقد، يرتبط بالدرجة الأولى بعلم المنطق عموما والمنطق القانوني خصوصا، لأن تحديد المفهوم في هذا العلم يرتكز على عنصر الماهية التي تشكل جوهر الشيء المحدد مفهومه والعقد قبل كل شيء هو وجه آخر لعنصر الاجتماع البشري منذ بداية أن الإنسان استقرار وانتهت مرحلة البدائية التي كان فيها مرتحلا، وتعرف مؤسسة العقد نموا وانتشارا متدرجا في اتجاه أعلى بشكل مستمر بشكل يوازي تدرج وتطور الحياة الإنسانية لدرجة أصبح يمكن القول :

أن تتعاقد يعني أن تعيش وان تعيش يعني المزيد من التعاقد، بل أكثر من هذا من التوجهات الفلسفية التي ربطت وضعية الأمم ومدى ازدهارها بوضعية التعاقد في هاته الأمة.

لكن في الوقت المعاصر لا يمكن لأحد أن ينكر دور الاقتصاد في حياة الشعوب والأمم لدرجة في كثير من الأحيان أصبح الاقتصاد هو المحرك والمحدد على حساب تراجع أبعاد أخرى كالسياسة والأخلاق والدين، وهذا الاقتصاد دائما كان يجد في العقد مبتغاه وظالته في تحقيق أهدافه مما يعطي أهمية مضافة لمؤسسة التعاقد، لكن من الناحية القانونية قد يبدو أن الاهتمام بالعقد وتحديد مفاهيمه مجرد عملية ذهنية أو طرف فكري لكن بالرجوع إلى المنازعات المعروضة أمام القضاء سواء على مستوى الموضوع أو على مستوى القانون يفسر أهمية الاهتمام بهذه المؤسسة وتحديد مفهومها، هذا من جهة ومن جهة أخرى وكما رأينا من قبل أن تحديد المفهوم من طرف الفقه دائما  تأثر فيه على الأقل عوامل وأسباب خارجة من النطاق القانوني وذلك بتأثير الفلسفة أحيانا والدين أحيانا أخرى والأوضاع الاجتماعية في حالة ثالثة وحتى تطور المعرفة الإنسانية، ومناهج البحث في العلوم لعب دورا أيضا في تحديد هذا المفهوم لدى القانونيين، ولكن أخيرا نقر عن نظرة متأملة ومبررة أنه يبقى تحديد مفهوم العقد الذي طرح على أساس ثنائي سواء كانت هذه الثنائية حرية أو عدالة أو منفعة وعدالة أقرب إلى الصواب وأرقى ما وصل إليه الفكر القانوني خصوصا والفكر الإنساني عموما.


لائحة المراجع :

المراجع العامة :

  • عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، الجزء الأول، الطبعة الثانية، منشورات الحبلي الحقوقية بيروت لبنان 1998.
  • عبد الرزاق أحمد السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني ، ج .01 ،نظرية الالتزام بوجه عام ، مصادر الالتزام ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، مصر ، ط . 2004
  • جاك غيستان.J GHESTIN ، المطول في القانون المدني ، تكوين العقد ، ترجمة ( منصور القاضي ) ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان ، ط . 01 ، سنة 2000 .
  • الحسين بلحساني، الوجيز في النظرية العامة للإلتزام، 2015
  • محمد الزين، النظرية العامة للالتزامات 1 العقد، الطبعة الثانية 1997
  • محمد شيلح العقد كمصدر نموذجي للالتزام في ضوء ق.ل.ع، مقرر مادة القانون المدني السنة الثانية حقوق كلية الحقوق بفاس. السنة الجامعية 2001,2002
  • سمير تناغو، النظرية العامة للالتزام، مكتبة الوفاء القانونية، الاسكندرية الطبعة الأولى 2009
  • العربي مياد، عقود الإذعان، مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالرباط، الطبعة الأولى 2004
  • علي كحلون، النظرية العامة للالتزامات، مجمع الأطرش للكتاب المختص تونس 2015
  • ضياء الدين عارف، التطورات العامة للقانون الخاص منذ مجموعة نابليون، سلسلة الدراسات القانونية، دار النهضة للدراسات والنشر الطبعة الثانية 2018
  • روبرت ألكسي، فلسفة القانون، مفهوم القانون وسريانه، ترجمة كامل فريد السالك، منشورات الحبلى الحقوقية الطبعة الثانية 2013
  • زهدي يكن، تاريخ القانون، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت لبنان، الطبعة الثانية، 1969 .
  • دينيس لويد،فكرة القانون، عالم المعرفة 1981.
  • سمير تناغو، النظرية العامة للقانون ، منشأة المعارف الاسكندرية مصر، 1974
  • Jacques ghestin, Grégorie Loiseau, Yves-marie Sernet, la formation du contrat: le contrat, le consentement 4 édition Tome 1, L.G.D.J 2013
  • Ghestin, La notion de contrat, Recueil Dalloz, 1990,

الرسائل و الأطروحات :

  • علاق عبد القادر،أساس القوة الملزمة للعقد وحدودها دراسة مقارنة، مذكرة لنيل شهادة الماجيستير في القانون الخاص، جامعة أبو بكر بلقايد تلمسان الجزائر السنة الجامعية 2007/2008
  • محمد شيلح، سلطان الإرادةفي ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي: أسسه ومظاهره في نظرية العقد، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، الرباط، السنة الجامعية 1983
  • سامي بديع منصور، عنصر الثبات وعامل التغير في العقد المدني في القانونين اللبناني والفرنسي والمقارن، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى 1987
  • حليس لخضر، مكانة الإرادة في ظل تطور العقد،رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص جامعة أبي بكر بلقايد تلمسان كلية الحقوق والعلوم السياسية، السنة الجامعية 2015/2016،
  • نسير رفيق، نظرية التصرف القانوني الثلاثي، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراة في العلوم، تخصص القانون، كلية الحقوق والعلوم السياسة، جامعة مولود معمري تيزي وزو الجزائر، السنة الجمعية 2014
  • بني يونس، مفهوم الإرادة في فلسفة القانون الخاص، أطروحة لنيل الدكتوراة، كلية الدراسات القانونية العليا، جامعة عمان العربية، الأردن.
  • زمام جمعة العدالة التعاقدية في القانون الجزائري، أطروحة لنيل شهادة دكتوراه علوم قانونية، كلية الحقوق جامعة الجزائر، السنة الجامعية 2014/2013
  • حسين بطيمي، مبدأ سلطان الإرادة بين الحرية والتقييد، مجلة دراسات لجامعة الأغواط عدد 38 يناير 2016
  • مسعد قطب الفقه الفردي التقليدي لمبدأ سلطان الإرادة في العقود ومدى اعتناق الفقه الإسلامي له، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية (كلية الحقوق جامعة عين شمس مصر ) مجلة عدد 31

الهوامش : 

*) تم إعداد هذا البحث من طرف الطلبة و الطالبات الآتية أسماؤهم : لصمك محمد-أسامة أقضاض-عبد الإله بونيس-كوثر المبارك-المسعودي سهيلة-شيماء زريول-عبد الله أوشاون-البلعيدي وليد-عبد الحميد العماري-كوثر المراقي-شيكر شيماء-أشركي دعاء و ذلك في وحدة نظرية العقد (الأسدس الاول ) من ماستر العقود و الأعمال بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور تحت إشراف الدكتور سفيان أدريوش.

[1]  للمزيد من الاطلاع راجع، عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، الجزء الأول، الطبعة الثانية، منشورات الحبلي الحقوقية بيروت لبنان 1998. ص 87.

[2] عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، الجزء الأول، م.س، ص 87.

[3]حسين بطيمي، مبدأ سلطان الإرادة بين الحرية والتقييد، مجلة دراسات لجامعة الأغواط عدد 38 يناير 2016، ص 199.

[4] للمزيد من الاطلاع:زهدي يكن، تاريخ القانون، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت لبنان، الطبعة الثانية، 1969 .

 دينيس لويد،فكرة القانون، عالم المعرفة 1981.

[5]بوتلاش : لفظ تستعمله بعض قبائل الهنود في الشمال الشرقي من امريكا ، و تمت استعارته و استعماله في حقل الانثربولوجيا بحيث اصبح اللفظ يدل على حفل توزيع الخيرات و الهبات الذي يقوم به الزعيم (المظيف) من اجل ضمان مكانته الاجتماعية و فرض الاعتراف به من طرف الضيوف.

https://www.marefa.org/ راجع الموقع الالكتروني (تاريخ الاطلاع 26/06/2018)

[6]محمد شيلح العقد كمصدر نموذجي للالتزام في ضوء ق.ل.ع، مقرر مادة القانون المدني السنة الثانية حقوق كلية الحقوق بفاس. السنة الجامعية 2001,2002 ص1 و 2.

[7]محمد شيلح م.س ص 83.

[8]ليس كل اتفاق عقد، فإذا كنت اتفق مع جاري لمشاهدة المباراة النهائية لبطولة التنس رولان غاروس إذا، فإننا لم نبرم عقدا

للمزيد من الاطلاع راجع: Jacques ghestin, Grégorie Loiseau, Yves-marie Sernet, la formation du contrat: le contrat, le consentement 4 édition Tome 1, L.G.D.J 2013 p: 42.

[9]عبد الرزاق السنهوري، المجلد الأول، المرجع السابق، ص 137.

[10] يرى الفقيه محمد شيلح أن المألوف في الكتابات المهتمة بدراسة ق.ل.ع أن يفهم الرضى بمعنى الإرادة، والحقيقة فإن الإرادة ليست هي الرضى، فالإرادة la volonté هي العزم المصمم في النفس على التعاقد أي القرار المتخذ في النفس بالتعاقد، أما الرضى le consentementفهو عدم السخط في النفس على العزم أي على القرار المتخذ.

محمد شيلح، العقد كمصدر نموذجي للالتزام في ضوء ق.ل.ع، م.س، ص 83.

[11]الفصل 19 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

[12]راجع: بني يونس، مفهوم الإرادة في فلسفة القانون الخاص، أطروحة لنيل الدكتوراة، كلية الدراسات القانونية العليا، جامعة عمان العربية، الأردن. ص ق.ق(المرجع المتوفر لدينا مرقم بهذه الطريقة بالحروف).

[13] للمزيد من الايضاح حول هذه التعاريف راجع مفهوم الإرادة في فلسفة القانون الخاص.

[14]نسير رفيق، نظرية التصرف القانوني الثلاثي، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراة في العلوم، تخصص القانون، كلية الحقوق والعلوم السياسة، جامعة مولود معمري تيزي وزو الجزائر، السنة الجمعية 2014،ص 276.

[15]سمير تناغو، النظرية العامة للقانون ، منشأة المعارف الاسكندرية مصر، 1974، ص 131.

[16]Jacques ghestin, Grégorie Loiseau, Yves-marie Sernet, op. cite p 34.

[17]سامي بديع منصور، عنصر الثبات وعامل التغير في العقد المدني في القانونين اللبناني والفرنسي والمقارن، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى 1987.  ص 82.

[18]سمير تناغو، النظرية العامة للقانون، م.س، ص 135 136.

[19] حسب أرسطو أن الطبيعة البشرية هي مصدر القانون الطبيعي لأن ما يميز الإنسان حاجته للمجتمع، فالقانون الطبيعي هو القاعدة التي يمليها علينا العقل القويم الذي وفقا له نقيم الأفعال، ويضفي أنصار القانون الطبيعي طابع القانون الآمر، فجعلوا من صفاته العلو، فهو يسمو على الإرادة، فليس لها أن تخالفه بل يجب عليها طاعته.

انظر، حليس لخضر، مكانة الإرادة في ظل تطور العقد،رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص جامعة أبي بكر بلقايد تلمسان كلية الحقوق والعلوم السياسية، السنة الجامعية 2015/2016، ص 31.

[20] سمير تناغو، النظرية العامة للقانون، ، ص 145 .

[21]ضياء الدين عارف، التطورات العامة للقانون الخاص منذ مجموعة نابليون، سلسلة الدراسات القانونية، دار النهضة للدراسات والنشر الطبعة الثانية 2018، ص 13

[22] سمير تناغو، النظرية العامة للقانون م.س، ص 173.

[23] حليس لخضر،م.س، ص 32.

[24]نسير رفيق، التصرف القانوني الثلاثي، ص 160.

[25] علي كحلون، النظرية العامة للالتزامات، مجمع الأطرش للكتاب المختص تونس 2015، ص 118

[26]عبد الرزاق السنهوري، م.س، ص 96 و97.

[27]العربي مياد، عقود الإذعان، مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالرباط، الطبعة الأولى 2004، ص32

[28]نسير رفيق،م.س، ص 161.

[29] Le contrat,support des échange individuels . voirbillement (j) op cit p13.

حليس لخضر،دور الإرادة في ظل تطور العقد،م.س ص 35.

[30]محمد شيلح، سلطان الإرادةفي ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي: أسسه ومظاهره في نظرية العقد، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، الرباط، السنة الجامعية 1983، ص 170, 169.

[31]تجدر الإشارة  أن مبدا سلطان الإرادة عرض مستقل.

[32]علي كحلون،م.س، ص 118.

[33] Elle se développe au XVIIIe siècle, nourrie par le libéralisme politique vanté par Rousseau, puis au XIXe siècle sous l’influence du libéralisme économique. Cette théorie a inspiré les auteurs du Code civil, puis ses premiers interprètes. L’idée essentielle est celle de la liberté individuelle : la liberté de l’individu ne peut être restreinte que par sa propre volonté et l’obligation ne peut venir que de l’individu lui-même et non d’une autorité extérieure. En conséquence, c’est uniquement la volonté des parties qui donne sa force au contrat et, librement consentie, l’obligation ne saurait être que juste.

  1. Ghestin, La notion de contrat, Recueil Dalloz, 1990, p22.

[34]مسعد قطب الفقه الفردي التقليدي لمبدأ سلطان الإرادة في العقود ومدى اعتناق الفقه الإسلامي له، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية (كلية الحقوق جامعة عين شمس مصر ) مجلة عدد 31 ص 1 و2.

[35]سمير تناغو، النظرية العامة للالتزام، مكتبة الوفاء القانونية، الاسكندرية الطبعة الأولى 2009، . 10

[36] سمير تناغو، نفس المرجع ص 10،

[37]نسير رفيق التصرف القانوني الثلاثي، م.س، ص 298.

[38]نسير رفيق، م.س، ص 127.

[39]حليس لخضر،مكانة الإرادة في ظل تطور العقد، م.س، ص 42.

[40]أيمن إبراهيم العشماوي، مفهوم العقد وتطوره… ص 113. أورده حليس لخضر مكانة الإرادة في ظل تطور العقد م.س، ص 43.

[41]أنظر، عبد الرزاق أحمد السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني ، ج .01 ،نظرية الالتزام بوجه عام ، مصادر الالتزام ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، مصر ، ط . 2004 ، ص . 70.

[42]أنظر، جاك غيستان.J GHESTIN ، المطول في القانون المدني ، تكوين العقد ، ترجمة ( منصور القاضي ) ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان ، ط . 01 ، سنة 2000 ، ص . 53.

[43] إذا باع زيد سيارة لعمر، يكون لزيد دين (حق شخصي) تجاه عمر هو أن يدفع له الثمن، وفي نفس الوقت يكون هو مدينا ( عليه التزام ) لصالحه هو قيامه بتسليمه السيارة.

[44] عبد الرزاق السنهوري،م.س، ص 27.

[45] أستاذنا الحسين بلحساني، الوجيز في النظرية العامة للإلتزام، 2015، ص 13.

[46] عبد الرزاق السنهوري، م.س، ص 81.

[47]للمزيد من الاطلاع راجع التطورات العامة في القانون الخاص، م.س، ص 14

[48] من أهم مؤلفاته Traité de droit constitutionnel, Paris : Fontemoing & Cie, 1911 ,كما له محاضرات مترجمة ومجمعة في كتاب التطورات العامة في القانون الخاص منذ مدونة نابليون.

[49] ضياء الدين عارف، م.س، ص 136 و137.

[50]نسير رفيق، م.س، ص 112.

[51]نسير رفيق،م.س ص .112

[52]محمد الزين، النظرية العامة للالتزامات 1 العقد، الطبعة الثانية 1997، ص 48.

[53]علي كحلون، م.س، ص 120.

[54] يرى ديجيه أنه توجد رابطة بين أفراد المجتمع، باعتبار أن لهم حاجات ومصالح لا يستطيع الإنسان بمفرده تحقيقها إلا بالحياة المشترطة مع غيره. وهذا التضامن الاجتماعي هو على نوعين الأول: التضامن بالاشتراك أو التشابه حيث يشترك الناس في حاجات واحدة، والثاني: التضامن بتقسيم العمل حيث تختلف حاجات الأفراد، وتتفاوت قدرتهم على تحصيلها، فيجنح كل منهم إلى التخصص، وعندها يتبادل الناس الخدمات فتتصع دائرة التضامن مع تقدم المدينة.

مؤيد زيدان، علم الاجتماع القانوني، الجامعة الافتراضية السورية، ص 48.

[55] ضياء الدين عارف، التطورات العامة للقانون الخاص منذ مجموعة نابليون،م.س، ص 128.

[56]  Mestre (Jacque).l’évolution contemporaine du droit des contrat.Journée. Savatier. PUF. 1985 .p.51. et Jamin (Ch). la nouvelle crise du contrat… op.cit.p.12 .et p.51

أورده زمام جمعة العدالة التعاقدية في القانون الجزائري، أطروحة لنيل شهادة دكتوراه علوم قانونية، كلية الحقوق جامعة الجزائر، السنة الجامعية 2014/2013،  ص46.

[57] ولد هانز كلسن في براغ 11/10/1881، درس الحقوق في جامعة قينا، ونال لقب الدكتوراة عام  1906، والاستاذية عام 1911. وساهم في وضع مشروع لقانون لجمهورية النمسا الجديدة عام 1920، وألف كتبا هامة في القانون العام والقانون الدستوري، القانون الدولي وقد قاد حملة ضد نظرية القانون الطبيعي، ما قاده إلى دراسة الفلسفة وعلم الإنسان. وابتدع نظرية في العلم القانوني البحت، عرضها في كتابه: ” علم القانون البحت Reine Rechtslehre”، التي ظهرت طبعته الأولى عام 1934 في جنيف.

روبرت ألكسي، فلسفة القانون، مفهوم القانون وسريانه، ترجمة كامل فريد السالك، منشورات الحبلى الحقوقية الطبعة الثانية 2013، ص 225.

[58]ضياء الدين عارف، التطورات العامة في القانون الخاص منذ مجموعة نابليون، م.س، ص 14.

[59] ضياء الدين، ن،م، ص18.

[60]Jacques ghestin, Grégorie Loiseau, Yves-marie Sernet, op. cite p 53.

[61]Jacques ghestin, Grégorie Loiseau, Yves-marie Sernet, op. cite p 70.

l’un des apports de la theorie pure de Kelsen est que, ” loin de réduire le contrat à un acte juridique secondaire”, celui-ci est “considéré à sa juste place, comme une source du droit à part entiére”.

[62]Jacques ghestin, Grégorie Loiseau, Yves-marie Sernet, op. cite p 70.

[63] تستعمل هذه العبارة للدلالة على نظرية التدرج الهرمي للقواعد، حيث تقوم هذه النظرية على أساس وحدة النظام القانوني في تدرج هرمي، وتقوم هذه النظرية كذلك على أساس التطابق بين القانون والقانون، فالدولة هي تشخيص للقواعد القانونية النافذة، وقواعد القانون لا تقف كلها في نفس المستوى، بل إن بعضها يعلو على بعض في الدرجة. وقواعد القانون على هذا النحو تشبه الهرم المكون من عدة درجات أو طوابق، وتتماسك هذه الدرجات فيما بينها، نظرا لأن صحة القواعد الموجودة في كل طابق فيها تعتمد على القواعد الموجودة في الطابق الأعلى، وهكذا. للمزيد، التطورات العامة للقانون الخاص منذ مجموعة نابليون ص 14و 15.

[64]محمد الزين، م.س، ص 47 48

[65]Jacques ghestin, Grégorie Loiseau, Yves-marie Sernet, op. cite p 49.

[66] علاق عبد القادر،أساس القوة الملزمة للعقد وحدودها دراسة مقارنة، مذكرة لنيل شهادة الماجيستير في القانون الخاص، جامعة أبو بكر بلقايد تلمسان الجزائر السنة الجامعية 2007/2008،  ص 96.

[67] جاك غيستان، ترجمة منصور الذهبي، 18.

[68] 63 غيستان، ترجمة منصور الذهبي، ص 63.

[69]  محمد الزين، م.س، ص 49، 50.

[70] زمام جمعة،م.س، 82،83.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)