المصادقة على مشروع مرسوم يحدد دوائر نفوذ المحاكم المختصة في جرائم غسل الأموال

تفاصيل مشروع مزاولة الأجانب لمهنة الطب في المغرب

ناجم توفيق: الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد الإداري

24 أغسطس 2021 - 2:22 م مقالات , القانون العام , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

ناجم توفيق دكتور في القانون العام باحث في العلوم الإدارية

تمهيد:

تتباين الاستراتيجيات المتبعة للإصلاح الإداري من حيث شمولیتها والأمور التي تركز عليها والمستوى الذي تتم فيه، ويعود ذلك إلى اختلاف الدول والمؤسسات القائمة عليه فيها، وكذا الموارد التي توفرها له، فقد تكون هذه الجهود مشتتة وارتجالية أو تكون مناطة بجهاز خاص يتولى إدارتها ومتابعة تنفيذها ورصد نتائجها.

ولعل التجربة المغربية في مجال الإصلاح الإداري والتنمية الإدارية من التجارب التي حققت خطوات لا بأس بها، من خلال تبنيها لسياسات واستراتيجيات وبرامج تنموية دفعت بها إلى حال أحسن بغية الحد من مظاهر التخلف الإداري والفساد الإداري والمالي، حيث تجدر الإشارة إلى أن تجربة المغرب في تبني الإصلاح الإداري كآلية فعالة لتحقيق التنمية الإدارية، والتي أفضت إلى مخرجات ذات فاعلية في شتى المجالات.

ويمكن تلخيص أهم الاستراتيجيات في مجال الإصلاح الإداري على النحو التالي:[1]

  • التركيز على النواحي التنظيمية والهيكلية.
  • التركيز على إحداث أجهزة الرقابة والتفتيش والمراجعة لعمل الأجهزة الإدارية.
  • التركيز على توفير الشفافية والوضوح في عمل الأجهزة الإدارية.
  • التركيز على تحرير الإدارة الحكومية من خلال تفعيل آليات السوق وتطبيقها عليها.
  • ضرورة وجود إستراتيجية شاملة تتناول مختلف الجوانب السابقة مع التأكيد على مفهوم الوظيفة العامة خدمة لا كسلطة.
  • إلزامية محاربة الفساد الإداري في المؤسسات العمومية المغربية.

وتعد هذه الاستراتيجيات أساسية في مجال الإصلاح الإداري، إلا أننا في ورقتنا هذه سنركز على النقطة الأخيرة، والمتمثلة في الفساد الإداري وإستراتيجية محاربته في المرافق العامة بالمغرب.

وعلى هذا الأساس، اخترنا تقسيم مقالنا إلى محورين أساسيين، وذلك وفق الشكل التالي:

المحور الأول: دوافع ضرورة مكافحة الفساد الإداري

المحور الثاني: سبل مكافحة الفساد الإداري

المحور الأول: دوافع ضرورة مكافحة الفساد الإداري

تعني كلمة الفساد “سوء استخدام أو استعمال المنصب أو السلطة للحصول على أو إعطاء ميزة من أجل تحقيق مكسب مادي أو قوة أو نفوذ على حساب الآخرين”.

أما الفساد الإداري فهو الخروج عن القانون والنظام (عدم الالتزام بهما) أو استغلالهما من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لفرد أو جماعة معينة.[2] لذلك كان لزاما على الدول أن تحارب مثل هذه المظاهر، وفق عدد من الدوافع والمنطلقات.

وهذا ما سنعمل على تناوله من خلال ما يلي:

  • أولا: دوافع اجتماعية
  • ثانيا: دوافع أخلاقية
  • ثالثا: دوافع ترشيدية وتواصلية

أولا: دوافع اجتماعية

تضطلع الإدارة العمومية، خاصة في الدول النامية، بمهام اجتماعية أساسية، حيث يفترض فيه أن تكون في خدمة المواطنين والتنمية والرفع من مستوى المواطنة، وأن تكون محايدة في أي صراع مجتمعي، فلقد أثبتت التجارب أنه إذا لم يتم تغيير وتطوير الإدارة لمواكبة التغيرات الداخلية والخارجية، فإن السمات المرضية ستطبع المرفق العام، وستلح على ضرورة إحداث التغيير، وذلك -خاصة- لأن الفساد الإداري جزء من العقبات الأساسية أمام الإصلاح الحقيقي لا يجب أن يقتصر على إجراءات إدارية تأخذ تدابير ضابطة للعمل، بل لا بد أن يكون بمثابة إطار مرجعي لتطوير العمل والسلوك داخل الإدارة بشكل يرتبط بتغذية روح المواطنة الصادقة والانضباط لقواعد الإلزام وتحمل المسؤولية المشتركة في التنفيذ والابتعاد عن كل مظاهر الفساد الإداري.[3]

وهنا يتضح أن دوافع مكافحة الفساد الإداري كثيرة وخاصة أن نجاحها لا يقاس فقط بعطائها الاقتصادي، بل يرتبط في جزء كبير منه بقدرتها على الاندماج في النسيج الاجتماعي، وهذا ما يستلزم منها انفتاحا أكبر على جمهور المتعاملين، كما إن مكافحة الفساد الإداري لا يمكن أن يكون فعالا دون توفر الحد الأدنى من حقوق المواطنة بالنسبة للفرد، وترسيخ الشعور بانتماء والإخلاص والحرص على المصلحة العامة، ومن أهم حقوق المواطنة تمتع الإنسان بقدر مناسب من الحرية والمشاركة في صنع القرار من منطلق تأكيد مسؤوليته المجتمعية وانتماءه الحضاري.

فلا سبيل لإنجاز إصلاح فعال ما لم يتم تعبئة الفاعلين الاجتماعيين عبر تشاركية تعاقدية، وبذلك تتم معاملة المواطنين والهيئات التي تمثلهم كشركاء حقيقيين معنيين هم أنفسهم بالتغيير.[4]

مقال قد يهمك :   "حمار الليل"و"تخراج العينين"و"بيع الترويسة" عبارات تجر محاميا للمجلس التأديبي بهيئة الدار البيضاء

إن الحراك الشعبي والسياسي، والمظاهرات والانتفاضات التي شهدتها المغرب سنة (2011)، في إطار حركة العشرين من فيفري الشبابية، التي طالبت بحريات أكبر، ضمت نشطاء يطالبون بإصلاحات في المغرب، رافعين مطالبهم في البيان التأسيسي للحركة، الذي تضمن ما يلي:[5] “في ظل ما يعيشه الشعب المغربي اليوم من احتقان اجتماعي والإحساس بالإهانة والدونية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين بسبب تجميد الأجور والارتفاع الصاروخي للأسعار، والحرمان من الاستفادة من الخدمات الاجتماعية الأساسية (الصحة، التعليم، الشغل السكن…) كل هذا في ظل اقتصاد تبعي ينخره الفساد والغش والرشوة والتهرب الضريبي ومناخ حقوقي يتسم بالقمع الممنهج لحرية الرأي الاعتقالات المتتالية، منع حق التظاهر، قمع حرية الصحافة وإيمانا منا ک “شباب 20 فيفري” أن تراكم المعضلات الاجتماعية يرجع بالأساس إلى الاختيارات السياسية وبنية النظام السياسي المغربي المناهض لمصالح أبناء الشعب الفقراء، نطالب (نذكر بعض المطالب):

  • دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا يمثل الإرادة الحقيقية للشعب.
  • قضاء مستقل ونزيه.
  • محاكمة المتورطين في قضايا الفساد واستغلال النفوذ ونهب خيرات الوطن.

وذلك قصد الاستجابة لتطلعات عموم أحرار هذا الوطن العزيز وتوفير شروط العيش الكريم يضمن:

  • الإدماج الفوري والشامل للمعطلين في أسلاك الوظيفة العمومية.
  • ضمان حياة كريمة بالحد من غلاء المعيشة والرفع من الحد الأدنى للأجور.
  • تمكين عموم المواطنين من ولوج الخدمات الاجتماعية وتحسين مردوديتها”.

كمحاولة لنقل شرارة الربيع العربي إليها، والتي استبقها العاهل المغربي بإعلانه في التاسع من شهر مارس (2011)، في خطاب لم تتوقعه الطبقة السياسية المغربية إجراء تعديل دستوري شامل، عرض على الشعب المغربي وتبناه في استفتاء تم في الأول من جويلية (2011)،[6] حيث أن الحكومة المغربية انتبهت إلى مشكلاتها وإدراكها أن هناك انعدام تواصل بين الإدارة والمواطنين ونقصا كبيرا في الإنصات إلى مشاكلهم والعناية بهمومهم، رافعة الشعار “خدمة المواطن، هي جوهر التنمية المستدامة والشاملة”.[7]

فالتقرير الذي سلمه البنك الدولي للحكومة المغربية، يشير أن ما حققه المغرب من مؤشرات إيجابية على المستوى الاقتصادي لا يواكبه احتواء التفاوت الاجتماعي الذي تتسع هوته بين الفئات الاجتماعية وتوسع جغرافيا الفقر في المجتمع، بالإضافة إلى ظاهرة الرشوة فهناك دراسات تصنف المغرب ضمن مجموعة الدول الأكثر تضررا بخوص التعامل بالرشوة، إن استفحال هذه الظاهرة وتزايد انعكاساتها السلبية على مسلسل التنمية في البلاد تطلب تدخلا من أعلى سلطة في المغرب فكان خطاب العاهل المغربي شديد اللهجة عن هذه الآفة وانعكاساتها على البلاد مطالبا الحكومة والبرلمان بتفعيل الآليات التشريعية والمؤسسية الهادفة لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين وضبط الأسعار ومحاربة الرشوة،[8] وهنا لا يمكن إغفال الدور الأساسي والمسؤولية الرئيسية للإدارة في كل هذه النتائج، فحتما لو تحسن أداؤها لكانت النتيجة مغايرة وهذا ما يجعل الدافع إلى الإصلاح ملح أكثر فأكثر.[9]

ثانيا: دوافع أخلاقية

لأن التخليق أصبح مطلبا تمليه العواقب الوخيمة للفساد الإداري على أداء الإدارة وسيرورة التنمية، وعلى محمل الأداء الحكومي، كما أن استشراء الفساد والمحسوبية والزبونية والرشوة، ملفات تستحق المعالجة السريعة، فلقد صار من الضروري إعادة الاعتبار للأخلاقيات داخل المرافق العمومية، ولهذا جاء في ميثاق حسن التدبير تركيز على الالتزام بالعمل على تخليق الحياة الإدارية ودعوة كافة العاملين بالإدارة إلى مراعاة ضوابط السلوك المستقيم في عملهم اليومي لإعطاء صورة مشرفة مغايرة عن المصالح العمومية، مما يساعد في توفير المناخ المناسب لبلورة إصلاحات عميقة تستهدف الرفع من أداء الجهاز الإداري. ولبلوغ هذه الأهداف أعلنت الحكومة المغربية التزامها بالعمل على:[10]

  • تنمية ثقافة أخلاقية سليمة ترتكز على القيم والمبادئ المثلى في التعامل مع المواطنين.
  • احترام القواعد القانونية وتنفيذ أحكام القضاء وإرساء دعائم دولة الحق والقانون حرصا على تعزيز علاقات الثقة بين الإدارة ومحيطها.
  • ضمان مساواة المواطنين أمام المرفق العام.

ثالثا: دوافع ترشيدية وتواصلية

1/ منطلق ترشيدي:

اعتبارا لندرة الموارد وازدياد حاجيات وحرص السلطات العمومية على الحد من ثقل المديونية وتخفيض الضغط الضريبي واحترام الالتزام باتجاه الشركاء، تلتزم الإدارة بترشيد وعقلنة التسيير العمومي والتحكم في التكلفة من خلال إعادة النظر في مناهج التسيير العمومي وقواعد المحاسبة العمومية، وإجراء عمليات التدقيق التنظيمي والتحليل المؤسساتي وإعادة النظر في تنظيم المصالح الإدارية وهيكلتها، وكذا نشر تقارير المراقبة والتدقيق بهدف تمكين المواطن من الاطلاع على كيفية أداء الإدارة، بالإضافة إلى إقرار نظام محكم لمراقبة وتقويم مردودية وكفاءة الموظفين، بهدف تحديد المسؤوليات وإبراز المهارات والكشف عن النقائص والهفوات وتحديد مواطن الضعف والتقصير، والوقوف على مظاهر الفساد.[11]

مقال قد يهمك :   الرميد يحاضر من طنجة حول التطور القانوني و المؤسساتي لحقوق الإنسان بالمغرب

2/ منطلق تواصلي:

إن الانتقادات الموجهة للإدارة مصدرها غالبا هو انكماش الإدارة على نفسها وعجزها عن التواصل مع محيطها والإنصات إلى انشغالات المتعاملين معها، ومن أجل تجاوز هذه السلبيات ورغبة في إرساء العلاقات بين الإدارة ومحيطها على أسس جديدة، فإن الحكومة المغربية تلتزم من خلال هذا الميثاق بــ:

  • اعتبار التواصل ركنا أساسيا في عمل الإدارة.
  • جعل حسن استقبال المواطنين وإرشادهم من الانشغالات المركزية للمصالح الإدارية.
  • تبني مبدأ الشفافية في عمل الإدارة بغية تعزيز روابط الثقة بينها وبين المجتمع كحسن نية في مكافحة الفساد ونبذه.

ولقد تشعب المجال التواصلي وأصبح الشغل الشاغل للحكومات المتعاقبة بالمغرب، وصار يشكل تطوير وتحديث الإدارة المغربية واستعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال أمرا ضروريا للغاية، لذلك كان لزاما على الإدارة المغربية اتخاذ المبادرة والقيام بالدور المنوط بها كأداة فاعلة وفعالة للرقي بعملية تطوير التسيير الإداري ومكافحة الفساد بغية مسايرة الركب الحضاري الذي يفرضه مفهوم العولمة الإدارية.

المحور الثاني: سبل مكافحة الفساد الإداري

إن الفساد لا يخص مجتمعا بعينه أو دولة بذاتها، وإنما هو ظاهرة عالمية تشكو منها كل الدول، لما له من خطر على الأمن الاجتماعي والنمو الاقتصادي والأداء المالي والإداري. ومن هنا حازت هذه الظاهرة على اهتمام كافة المجتمعات والدول وتعالت النداءات إلى إدانتها والحد من انتشارها ووضع الصيغ الملائمة لذلك.

ولا يتأتى ذلك إلا من خلال وضع استراتيجيات شاملة تساعد على مكافحة الفساد الإداري، وهذا ما سنتعرض له وفق الشكل التالي:

  • أولا: إستراتيجية مكافحة الفساد من خلال إنشاء أجهزة التفتيش والرقابة
  • ثانيا: إستراتيجية الوضوح والشفافية في عمل الأجهزة الإدارية
  • ثالثا: إلزامية مكافحة الفساد لإصلاح إداري مثالي

أولا: إستراتيجية مكافحة الفساد من خلال إنشاء أجهزة التفتيش والرقابة

تركز هذه الإستراتيجية على التقليل من نفقات الأجهزة الإدارية من خلال زيادة الرقابة على الصرف عن طريق إنشاء الأجهزة الرقابية المختلفة للحد من التبذير والحيلولة دون استغلال الوظيفة العامة لأغراض خاصة، ومن آلياتها تفعيل إجراءات تحصيل الديون الحكومية، وتدقيق إجراءات صرف النفقات من خلال أجهزة رقابية متخصصة وتؤكد هذه الإستراتيجية على عكس سابقتها التي ترى أن المشكلة تكمن في الإجراءات والهياكل الإدارية أكثر منها مشكلة في سلوك الموظفين على ضرورة إيجاد التوازن بين سلطات المدراء وطلبات المواطنين، وهو ما تؤيده السلطة التشريعية وأجهزة الإعلام من خلال المطالبة بكشف مخالفات المسؤولين ومحاسبتهم عليها، ويترتب عن هذه الإستراتيجية التأثير على الروح المعنوية للموظفين بسبب كثرة الرقابة مما يبطئ في سرعة الانجاز كما يشكك البعض بأن تكاليف تطبيقها تفوق ما تسعى لوقفه من الهدر.

ثانيا: إستراتيجية الوضوح والشفافية في عمل الأجهزة الإدارية

تحرص هذه الاستراتيجية على التأكد من تطابق ممارسات الموظفين في الأجهزة الإدارية مع الأعراف المهنية والمعايير والأخلاقيات (أخلاقيات المهنة) من خلال إتاحة الفرصة للجمهور ووسائل الإعلام وجماعات المصالح المختلفة للاطلاع على سير العمل في الأجهزة المختلفة والحصول على المعلومات التي يرغبون فيها للاطلاع عليها، مما يعزز الثقة بالجهاز الإداري، وهي مشكلة يراها دعاة هذه الاستراتيجية إحدى الحلقات المفقودة في نمط التعامل بين الأجهزة الإدارية والمواطنين.

ثالثا: إلزامية مكافحة الفساد لإصلاح إداري مثالي

يلعب الإصلاح الإداري دورا أساسيا في تطوير وتنمية النوعية الإدارية، حيث أن الإصلاح الإداري هو أحد العوامل الأساسية في المردود النوعي للإدارة لأنه ينبغي بذل جهد كبير قصد تحسين فعاليته باستمرار دائم حيث يعتبر الإصلاح الإداري مقوما رئيسا لنجاح خطة التنمية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية ولا يمكن تحقيقه دون إجراء إصلاح شامل في الجهاز الإداري وهذا متوقف على ما يحدث من إصلاح وتنمية للجوانب المجتمعية الأخرى وجوهر عملية الإصلاح هو إحداث تغيير يتم حصر نطاقه وتحديد مراحله تبعا لأوضاع الدولة المعينة وظروفها وأيديولوجيتها.

مقال قد يهمك :   محمد بخنيف : الملكية العقارية المشاعة بين المصلحة العامة و المصلحة الخاصة

كما يعد في الوقت الراهن خيار استراتيجيا يسمو إلى إعادة الاعتبار للإدارة العمومية وفق تصرف عقلاني تقدمي يراعي مطالب التنمية المستدامة الشاملة ويفسح المجال نحو انتفاء نسبة الفوارق الاجتماعية، وإن الإدارة والمصالح العامة والمواطنين هدف مشروع تسعى إلى تحقيقه كل مؤسسة كونه يعتبر من المقومات الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة.

كما يتوخى منه في المقام الأول الارتقاء بجودة الخدمات العمومية والقضاء على مظاهر التخلف الإداري ومكافحة الفساد، بمعنى تغيير الجانب السلوكي والقانوني والإجراءات والأنظمة المتبعة في تسيير مصالح الوطن والشعب.

خاتمة:

إن الاستراتيجيات السابق ذكرها ليست ثابتة ولا منفصلة عن بعضها، كما أنها ليست متعاكسة بالضرورة، إن الاستراتيجية المثلى والمتكاملة لمكافحة الفساد الإداري يجب أن تكون شمولية وقائمة على فهم الترابط الضروري بين مختلف العوامل المؤثرة على عمل الجهاز الإداري الذي لا يمكن نجاح الإصلاح بدون فهمه، فالتغيرات الهيكلية وحدها في ظل ثقافة مجتمعية ترى الوظيفة العامة سلطة لا خدمة لن تجدي نفعا بل قد يحصل عكس ما هو مرجو منها، بل قد تستغل لتعزيز قوة الجهاز الإداري وسيطرته، كما أن أتباع إستراتيجية التفتيش والمراقبة دون وجود رؤية وفلسفة واضحة للإصلاح قد يضاعف من مشاكل هذا الجهاز الإداري ويعمل على تسييسه أكثر، بحيث يمكن أن تستخدم هذه الإستراتيجية للقضاء على الأجهزة والموظفين النزهاء الذين يشكل التزامهم بالقوانين والأنظمة عقبة في وجه المنتفعين الذين يرفعون شعار التطهير للتخلص منهم، كما أن أتباع إستراتيجية الشفافية والوضوح دون وضوح لقواعد العمل والأهداف ودون توافر مقومات الإدارة السليمة قد يضاعف من مشاكل الجهاز الإداري ويفقده أية مصداقية أمام المواطنين المصابين بالإحباط عند اكتشافهم لواقعه والممارسات السائدة فيه، وكذا ينطبق الأمر على إستراتيجية الإصلاح المبنية على تحرير الإدارة العامة والتحول إلى آليات اقتصاد السوق فتبنى هذه الاستراتيجية دون التفكير بالبدائل والآليات الرقابية لمكافحة الفساد الإداري وضمان عدم انتقاله من القطاع العام إلى القطاع الخاص.

وبالتالي، فإن الاستراتيجيات المتبعة تختلف شكلا ومضمونا شمولا، كما أنه ليس من السهل أن يكون الإصلاح شاملا لكافة النواحي على ضرورة ذلك، فقد يكون من الأفضل البدء بإصلاحات بسيطة، فما لا يدرك كله لا يترك جله، إذ الحل الأمثل والذي يصعب تحقيق إصلاح حقيقي بدونه هو رؤية شاملة للإصلاح تحدد فيها العناصر الأساسية والخطوات الضرورية له، ولعل أبرزها هو القضاء على الفساد في إداراتنا


الهوامش:

(=) تم تحكيم هذا المقال من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون للدراسات والأبحاث القانونية 

[1] عبد القادر کاس، الإدارة العامة والإصلاح الإداري في الجزائر، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر يوسف بن خدة، كلية الحقوق والعلوم السياسة، قسم العلوم السياسية، الموسم الجامعي 2006-2007، ص 44.

[2] بلال خلف السكارنة، الفساد الإداري، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى 2011، ص 18.

[3] بلال خلف السكارنة، الفساد الإداري، مرجع سابق، ص 136.

[4] المرجع نفسه، ص 138.

[5] أنظر مادة حركة 20 فبراير، المتاح على الموقع الإلكتروني: https://ar.wikipedia.org/wiki، أطلع عليه بتاريخ: 2021/08/10.

[6] يوسف بن يزة ومبروك ساحلي، الإصلاحات السياسية كآلية للدمقرطة في بلدان المغرب العربي، مجلة دراسات وأبحاث، المجلة العربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 25 ديسمبر 2016، ص 8.

[7] كمال عبد اللطيف، العدالة الانتقالية والتحولات السياسية في المغرب، منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، الطبعة الأولى 2014، ص ص 70-71.

[8] عمر عبد السلام أحرشان، الإصلاح الإداري بين مخلفات الماضي وإكراهات الحاضر وآفاق المستقبل، منشورات المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة، طبعة 2016.، ص 140 وما يليها.

[9] المرجع نفسه، ص 157.

[10] رضوان العنبي بن علي، البيروقراطية الإدارية ومسألة التقويم التنظيمي، الدار الجزائرية للنشر والمنظمة العربية للتنمية الإدارية، الجزائر، طبعة 2015، ص ص 349-350.

[11] عمر عبد السلام أحرشان، مرجع سابق، ص 222.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)