مستجدات أول إصلاح ضريبي شامل يعتمده المغرب منذ سنة 1984

مسطرة الصلح مع شركة التأمين في إطار القانون 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل

ناجم توفيق: تبسيط المساطر الإدارية ودور القضاء في دعم وتعزيز الشفافية

3 أغسطس 2021 - 2:19 م مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

ناجم توفيق دكتور في القانون العام باحث في العلوم الإدارية

تمهيد:

المساطر الإدارية هي مجموعة من القواعد والشكليات التي يتعين على السلطات الإدارية مراعاتها قبل اتخاذ أي قرار حماية لحقوق وحريات الأفراد، ومن المؤكد أن المساطر الإدارية الحالية تعاني من قصور كبير، حيث يشعر الجميع بأنها متجاوزة نظرا لمجموعة من التحولات والتطورات التي عرفتها مختلف المجالات، وهذا ما يتطلب بذل جهد أكبر في تبسيط المساطر الإدارية وتفعيل دور القضاء كرافعة لدعم وتعزيز الشفافية.

إن تبسيط المساطر الإدارية كانت ضرورة ملحة لاستجابة الإدارة لمتطلبات التغيير، وتجاوز مجموعة من العقبات التي كانت تحول بين الإدارة والمواطن، وكذلك استجابة وتجاوبا مع السياق الدولي فيما يتعلق بالإصلاح الإداري، حيث أصبح لزوما خوض إصلاحات جذرية، والتي لا تستثنى منها إشكالية تعقد المساطر الإدارية، بالإضافة إلى عدم تعليل الإدارة لقراراتها، وهذا يبعد المواطن عن تتبع وتقييم العمل الإداري.

وتتجلى أهمية الموضوع في كون أن الإدارة العمومية هي المحرك الأساسي لعجلة التنمية بمفهومها الشامل، لذلك تجدها في صلب اهتمام كل شرائح المجتمع وهذا بطبيعة الحال راجع إلى العلاقة والرابطة والآصرة التي تجمع بين الإدارة ومواطنيها وبين المواطنين وإدارتهم في التبادل للأدوار فقراراتها وأوامرها تنفذ من خلال المجتمع والمجتمع يتطلع إلى الخدمات والمصالح العامة التي تقدمها له.

أما في وقتنا الحالي وفي بلدنا المغرب فالإدارة في صلب اهتمام الجميع والكل ينتظر من الإدارة العمومية تحقيق أهدافها وغاياتها التنموية المنشودة على اعتبار أنها إحدى الآليات لتنزيل السياسات العمومية على أرض الواقع.

فالأفراد والمواطنون لهم انتظارات وطموحات كبيرة تزداد يوما بعد يوم وهنا تبقى الإدارة ملزمة بتحقيق طموحاتهم وانتظاراتهم، فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة بشكل قوي بمدى فعالية الإدارة وشفافيتها. وما تتخبط فيه الإدارة المغربية العمومية من أعطاب -والتي بطبيعة الحال ليست وليدة اليوم- فقد راكمتها طيات وصفحات التاريخ.

ونحن الآن، وفي حدود كتابة هذه الأسطر، وما لهذا الموضوع من أهمية بالغة سواء على المستوى الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي والثقافي، حاملين هم إصلاح الإدارة العمومية متطلعين إلى عهد مشرق فيما يتعلق بأفق الإصلاح الذي نعتبره خيارا وحيدا لا ثاني ولا ثالث له.

فما هو مفهوم تبسيط المساطر الإدارية؟ وأين تكمن أهمية القضاء في دعم وتعزيز الشفافية؟

من خلال هذا التأطير، سنتطرق في هذه الورقة إلى تبسيط المساطر الإدارية (المحور الأول)، كما سنتناول رقابة القضاء الإداري على القرارات الصادرة عن الإدارة في (المحور الثاني).

المحور الأول: تبسيط المساطر الإدارية ودورها في تحسين العلاقة بين الإدارة والمواطن

إذا كان التبسيط يعتبر ذو أهمية قصوى في ميدان الإصلاح الإداري، وتحسين علاقة الإدارة مع المرتفق، فإن استعمال التكنولوجيا الحديثة لا سيما المعلوميات سيساعد لا محالة في تبسيط المساطر الإدارية، بما يتسم به من السرعة والفعالية والثقة الضرورية في العمل الإداري.[1]

كما ترتكز إشكالية التبسيط على فكرتين أساسيتين:

  • الفكرة الأولى: تتعلق بمساطر الإدارة وهياكلها وإجراءاتها، حيث يمكن ذلك أن يشكل عائقا أمام التنمية، ولذلك فإن التبسيط يعد بمثابة تقنية تساعد الإدارة على أن تصبح إطارا مساعدا على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما بعد حلول عصر العولمة والليبيرالية الاقتصادية وحتمية خلق اقتصاد وطني تنافسي.
  • الفكرة الثانية: تكمن في كون الإدارة يجب أن تعكس من خلال علاقتها مع المرتفقين الوجه الحقيقي لدولة الحق والقانون، وفي هذا السياق يبدو جليا أن التبسيط يكون ورشا إضافية لتعزيز واستكمال بناء دولة القانون والحريات وحقوق الإنسان، حيث تقوم الإدارة باستعمال مساطر مبسطة سليمة وفعالة خدمة للمواطنين.[2]

إن التبسيط بمفهومه الصحيح هو الذي يهدف إلى القضاء على التشعب الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة بعض النظم، بل يرمي إلى التصدي والقضاء على التعقيدات التي تشكل حركة هذه النظم، وللحد من فعاليتها، وفي هذا السياق فإن التبسيط يندرج ضمن المجهودات المستمرة الهادفة إلى التخفيض من مسافات التعقيد التي تحدث بفعل الممارسة العملية، وإلى الربح في الوقت والتكلفة ورفع الجودة.[3]

لقد ضغطت العديد من العوامل اتجاه تبسيط المساطر الإدارية وذلك نظرا لأهميتها في إشراك المرتفق في تسيير الإدارة، وكذلك لجعله يقضي حوائجه الإدارية، بصفة مرنة وبوضوح وسهولة كبيرين، وهكذا فإن التغييرات التي عرفها المغرب خاصة منذ تسعينيات القرن الماضي، جعلت المغرب تحت ضغط نضال المجتمع المدني بغية أنسنة الإدارة، وجعلها في خدمة المرتفق، كما أن الجانب الاقتصادي كان له الأثر الكبير في تبسيط المساطر الإدارية، حيث دخل فاعل آخر إلى جانب الدولة وهو القطاع الخاص وهو الذي حتم ضرورة تغيير التعامل الإداري، على أن المتغير الدولي كان له هو الآخر آثارا حاسمة في تغيير التعامل الإداري، حيث الالتزام بحقوق الإنسان المفروضة من الخارج وكذلك التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة، هذا دون أن ننسى تقرير البنك الدولي لسنة 1995، الذي أشار إلى كون الإدارة عقيمة وبيروقراطية تعيق الاستثمار.[4]

مقال قد يهمك :   صلاحية النقيب للبت في المنازعات المتعلقة بأتعاب المحامين

يهدف تبسيط المساطر الإدارية إلى تقريب الإدارة من المواطن يجعلها في متنازل الفئات العريضة منهم، وكذلك خلق نوع من المساواة في الاستفادة من خدمات المرافق العمومية، وإعادة توزيع السلط توزيعا محكما يسمح بتحقيق تقارب كبير للمرتفقين بالمواطنين المسؤولون، وهو ما يمكنه بالتالي من قيام حوار متساوي للطرفين.[5]

وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله في الرسالة السامية الموجهة إلى أشغال الندوة الوطنية لتخليق المرفق العام، المنظمة تحت رعايته السامية وبمبادرة من وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري بتاريخ 29 و30 أكتوبر 1999 على أهمية تبسيط المساطر الإدارية، يقول جلالته: “إن هدف الإجراءات العمومية التسهيل والتسيير وليس التعقيد والتعسير، وهو منهاج لترسيخ روح الاستقامة والوضوح والشفافية والتعجيل في إيصال النفع للناس… لذلك أمرنا بتبسيط الإجراءات وتحيين النصوص الإدارية وتحديث وسائل التدبير والعمل على التوفيق المستمر بين المقتضيات الإدارية وروح العصر التي طبعت اليوم كل العلاقات البشرية”.[6]

وعلى نفس النهج ذهب العديد من القطاعات لتقديم خدماتها العمومية، كما هو الشأن بالنسبة للجماعات الترابية بخصوص خدمات الحالة المدنية، وجهاز الأمن الوطني بخصوص جواز السفر أو مصالح في علاقتها بالملتزم، ولذلك فالأمل معقود على تقييم هذه التجربة على جميع القطاعات العمومية التي لها علاقة بجهاز الخدمات المقدمة للمستثمرين.[7]

فقد تم اعتماد مقاربة جديدة في تبسيط المساطر تقوم على تدوين وتبسيط المساطر وإدراجها، ضمن نماذج إدارية مصادق عليها وموحدة على الصعيد الوطني، وقد تم خلال أكتوبر 2012 إعطاء انطلاقة تدوين وتبسيط عينة أولى من المساطر ذات الأولوية بالنسبة للمواطن والمقاولة، وتهم هذه المقاربة 100 مسطرة الأكثر تداولا، منها 70 مسطرة تهم الأشخاص الذاتية و30 مسطرة تهم المقاولة:

  • دراسة عدد من المساطر الإدارية الأساسية بالنسبة للمواطنين كالوثائق الشخصية والحالة المدنية، وبعض المساطر المرتبطة ببعض المجالات الأخرى كالجمارك، الضرائب والسجل التجاري وتركزت الدراسة على مراجعة الوثائق الإدارية المطلوبة، والرسوم وآجال الحصول على الخدمات، والمتدخلين في المسطرة وملاءمة هذه المساطر مع النصوص القانونية.[8]

وفي هذا الإطار، قد جاء جواب رئيس الحكومة على السؤال المتعلق بتخليق الحياة العامة: لقد نصت الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي تمت المصادقة عليها من قبل الحكومة في أواخر دجنبر 2015 على ما يلي (في الشق المتعلق) بالوقاية من خلال تبسيط المساطر الإدارية وتقوية دور المؤسسات الرقابية وتخليق مختلف القطاعات وتعزيز دور المجتمع المدني.[9]

في إطار تفعيل البرنامج الوطني لإصلاح الإدارة في الشق المتعلق بـ “تحسين علاقة الإدارة بالمواطن” وصفت وزارة الإصلاح الإداري والوظيفة العمومية، برنامجا لتبسيط الإجراءات والمساطر، يضم كل الجوانب المتعلقة بعملية التبسيط كما ترتكز منهجية الاشتغال الجديدة للوزارة على خمس مراحل أساسية:

  1. تدوين الخدمات الإجرائية عن طريق توصيف الخدمات وفق إجراءات متسلسلة ومترابطة.
  2. تعزيز شفافية الخدمات الإجرائية عن طريق نشر الخدمات ببوابة الخدمات العمومية (ma).
  3. تبسيط الخدمات الإجرائية عن طريق ولوج المشتري للبيانات الإدارية بواسطة شتى الــوســائــل مــن بــيــنــهــا الــمــنــصــة الحــكومية للتكامل.
  4. رقمنة الإجراءات الإدارية.
  5. التصديق على النماذج الإدارية باعتبارها أول صلة وصل بين المرتفق والإدارة.

ولدعم شفافية المساطر المتعلقة بالمقاولة سيتم تقسيم البوابة الخاصة بالمقارنة بباقي الجهات بعد تجربة هذا النموذج بجهة الدار البيضاء سطات، للجهود المبذولة ثم إعداد مخطط عمل لسنة 2018/2019 يهدف إلى تبسيط 30 مسطرة إدارية، ومن بين المساطر الأولية التي سيتم تبسيطها مسطرة نزع الملكية من أجل المنفعة العامة وفقا لما تضمنه الخطاب السامي بتاريخ 14 أكتوبر 2016.

المحور الثاني: رقابة القضاء الإداري على القرارات الصادرة عن الإدارة

يعتبر القضاء سلطة من سلطات الدولة، ولا يستطيع ممارسة عمله وإعطائه أحكامه قوانين تضعها وتعتبرها عنوانا للعدالة والحق، فخضوع هذه الأخيرة بحكامها ومحكوميها لهذه القوانين هو أفضل الحلول الممكنة للتوفيق بين ما تتمتع به هيئاتها من سلطات لا غنى عنها لانتظام حياة الأفراد في المجتمع وبين حرية الأفراد التي يحتفظون بها رغم وجود الدولة بسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية مع ما يتضمن من تقييد لجانب من هذه الحريات.[10]

إن القاعدة التي كانت سارية في التشريع الإداري المغربي، هو أن الإدارة غير ملزمة بتعليل قراراتها، إلا في حالات استثنائية تظهر من خلال القانون أحيانا، ولم تكن مجبرة على التعليل إلا أمام القضاء، وهو ما كان يفقد إلى حد ما الثقة في الإدارة ولا سيما لدى المستثمرين، وكان من المسؤولين الإداريين حين معالجتهم لملفات المواطنين عدم إعطائهم العناية اللازمة.[11]

إن تخصص المحاكم الإدارية دون غيرها بالنظر في المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها، سيؤثر في طبيعة الرقابة ذاتها من خلال توسيع وتعميق هذه الرقابة على علاقة الإدارة بكل المتعاملين معها خاصة الأفراد، كما يتجلى عمق هذه الرقابة القضائية في كون القانون المحدث للمحاكم الإدارية تبنى مسطرة التحقيق الكتابية، حيث حافظ على مؤسسة أصلية وهي مؤسسة القاضي المقرر، واستحدث مؤسسة جديدة وهي مؤسسة المفوض الملكي التي تقوم بالدفاع عن الحق والقانون، كما أن المنازعات الإدارية ما عدا في الحالتين المنصوص عليها قانونا في المادة 9 من القانون 41.90،[12] أصبح اليوم ينظر فيها على درجتين من التقاضي خاصة بعد إحداث محاكم الاستئناف الإدارية، ويجعل من مقاضاة الإدارة فعالة للتأكد من مدى احترامها وادعاءاتها لمقتضيات الشرعية.[13]

مقال قد يهمك :   الوسائل البديلة لحل نزاعات التأمين على الأشخاص-التحكيم و الوساطة نموذجا-

وإذا كان المبدأ في القضاء الإداري أنه لا يحل محل الإدارة ولا يوجه إليها أوامر فإن حيثيات الحكم بإلغاء قرارها، يعطي الاتجاه الذي ينبغي أن تسلك الإدارة في التعاطي مع القضية موضوع النزاع، كما أن نفس الحكم يعطي توجيهات يقتضي أن تستفيد منها الإدارة في تعاملها مع نفس الحالات مستقبلا وتكون الإدارة تبعا لذلك ملزمة باتخاذ قرار جديد، وفي مجال الرخص الإدارية إذا رفضت الإدارة طلب أحد الأفراد بمنح ترخيص لأسباب قد تكون شكلية أو موضوعية، ثم يلغى القرار من طرف القضاء، يتعين على الإدارة في هذه الحالة أن تصدر قرارا جديدا، لأن الحكم القضائي لا يعتبر في حد ذاته ترخيصا وقد أكد هذا المبدأ مجلس الدولة الفرنسي في كثير من قراراته.[14]

إن مبدأ تعليل القرارات من أفضل الوسائل التي تسهل مراقبة المواطنين والقضاء لمشروعية الأعمال الإدارية باعتباره يدعم مبدأ شفافية الفعل الإداري، ويجعل السلطة الإدارية بمفهومها الشامل تتقيد بمبدأ المشروعية في تصرفاتها في اتجاه الغير، فالتقليل هو دليل على التزام الإدارة بقواعد المشروعية والقانون وعلى أساسه تتم محاسبتها، كما أن إجبارية التعليل تحتم على الإدارة تقديم وجهة نظرها الحقيقية والتعبير عنها.[15]

فالالتزام بالقوانين يجعل الإدارة ملزمة بتعليل قراراتها وتسبيبها وبالتالي تكون في موقع قوي اتجاه أية دعوى تواجهها من طرف المواطن، كما أن القضاء في حالة رفع الدعوى على الإدارة تكون لديه الأمور واضحة، ويكون مقيدا أثناء حكمه، وهو ما يجيب على تلك النظرة التي كانت شائعة على الإدارة فإن المفهوم الجديد للسلطة يكمن في تحقيق التجاوب مع المواطن عملا بسياسة الباب المفتوح وتذويب الفرق بينه وبين السلطة برد الاعتبار إليه والتقرب منه.[16]

ومن أجل ذلك صدر قانون رقم 03-01 يوجب على الإدارة تعليل مقرراتها لأنه أصبح ضرورة ملحة في الوقت الراهن لتعزيز المؤسسات القانونية القائمة على ضمان حقوق المواطنين وحرياتهم، ولتعزيز وسائل التواصل بين الإدارة والأفراد، بمعنى آخر تكمن أهمية قانون 03.04 بشأن إلزام الإدارة العمومية والجماعات المحلية بتعليل قراراتها الإدارية،[17] في الوظيفة العامة التي سيؤديها، سواء بالنسبة لأفراد سيساهم التعليل في اقتناعهم أو تفهم للقرارات الصادرة عن الإدارة، مما يمكنهم إن شاءوا أن يمارسوا حقهم في النظم الإدارية أو التقاضي في ظل إحاطتهم الشاملة بأسباب القرارات، أما بالنسبة للإدارة فإنه سيفرض عليها دراسة كل حالة بما تستحق من الاهتمام اللازم سواء بالنسبة للقاضي الذي سوف يرى أن مهمته في الرقابة على مشروعية القرار أصبحت تتم بسهولة ويسر، بالإضافة إلى ذلك كله، يقوم التعليل بدور هام في حصانة مبدأ المشروعية.[18]

إن القانون 01-03 يشكل طفرة نوعية في مسيرة الإصلاحات التي تبناها المغرب في السنوات الماضية، وذلك لوضع حد الامتياز التعسفي، الذي يزيد من خطورة الطابع السلطوي أو الصيغة التقليدية، والذي أصبح بموجبه للقاضي الإداري الحق في تصديه للعديد من القرارات المعيبة، وتطير للإدارة بضرورة الامتثال للقانون، وبالتالي تمكن القضاء من بسط رقابته على الوقائع التي يستند إليها وكذا تكييفها القانوني، وإذا ما تبين أن وقائع القرار غير صحيحة وغير ثابتة أو غير محددة كان التكييف الذي منحته إياه الإدارة غير صحيح ولا يوصل إلى النتيجة القانونية للقرار الإداري آنذاك بإلغائه لعيب السبب.[19]

إن علاقة الإدارة بالمواطن شكلت إحدى الاهتمامات الأساسية التي التزمت الدولة بالعمل على بلورتها، في إطار سياسة شمولية لإصلاح الإدارة قوامها تأصيل الجهاز الإداري، وإعداده لربح رهان التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة والمستقبلية، وقد جاء في أول مناظرة حول الإصلاح الإداري، نظمتها وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري يومي 7 و8 ماي 2000، أن محيط الإدارة عرف تطورا ملحوظا على مستوى متطلبات المواطنين، الذين أصبحوا أكثر إلحاحا في طلب خدمات سريعة وذات إلحاحية وجودة عالية وقريبة منهم، لذا وجب الانتقال من إدارة إدارية إلى إدارة مواطنة، وذلك بتأصيل وإشاعة ثقافة المرفق العام وجعل التواصل مع جميع مكونات المجتمع من الانشغالات المركزية للإدارة.[20]

خاتمة:

لقد بذل المغرب مجهودات إصلاحية في المجال الإداري مرت بمعطيات عديدة غير أنها اتسمت بالمعالجة التجزيئية والتراكمية والظرفية لقضايا إدارتنا المغربية، فالإصلاحات التي تبناها المسؤولون منذ الاستقلال اهتمت جلها بالمسائل التقنية.

مقال قد يهمك :   الأجهزة المكلفة بضبط جرائم حماية المستهلك في المغرب

كما باشرت التجربة الإدارية الأولى مع هذه التقنيات وباقي الفوائد الفارقة في مسار المجتمع البشري حيث يمكن للإدارة جلب مقدراتها بخوض غمار التجربة التي عممتها كثير من دول العالم المتقدمة.

إن الجهود المبذولة في مجال تخليق المرفق العام، مكنت من القيام بالعديد من المبادرات خاصة على مستوى القانون، أو المؤسسات، حيث تم سن العديد من النصوص القانونية “المؤطرة” لمجال التخليق، وخاصة تلك المتمثلة في إصدار حسن التدبير والمصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة المواد السامة سنة 2005، وإحداث مؤسسة الوسيط وإصلاح قانون الصفقات العمومية أكثر من المكتسبات التشريعية والمؤسسات حيث يقبل إقرار ضمنيا بالحالة المزرية التي تعرفها مختلف المرافق العمومية وحاجتها الماسة للإصلاح والتحدي غير أن الإصلاح الفعلي يجب أن ينطلق أولا من إصلاح العقليات وتطهير النفوس.

في هذه الظرفية بالذات وجب على الإدارة العمومية أن ترقى بأدائها وتحسن جودة خدماتها وراء منطق المردودية والفعالية والشفافية، خاصة وأن القطاع العام فقد مشروعيته نتيجة البيروقراطية المعقدة وانعدام التواصل الفعال مع المواطنين وعدم التجاوب الضروري من طرف الموظفين العموميين مع التحولات التي طرأت على أشكال التدبير العمومي، وذلك راجع بالأساس كما سبق ووضحنا أنه هناك غياب منظومة حقيقية للمساءلة والمحاسبة لا على المستوى القانوني ولا على المستوى المؤسساتي.

إن إرساء الحكامة الإدارية يندرج ضمن سياق الهدف الرئيسي للدولة وإدارتها العمومية، وهو تنفيذ السياسات العامة وفق التوجهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لبلوغ التنمية الشاملة للمجتمع، وتحقيق المصلحة العامة، وذلك يبقى رهين بالتركيز على هذه الآلية يتجلى من خلال مجموعة من المؤشرات والتقارير والأبحاث الميدانية المتعلقة بالإدارة العمومية والتي كشفت عن مظاهر سوء التدبير ووجود “فوضى” حقيقية في إنفاق الأموال والسعي وراء المصالح الفئوية للعديد من الأفراد داخل الإدارة على حساب المصلحة العامة للمواطنين.


الهوامش:

(=) تم تجكيم هذا المقال من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون للدراسات والأبحاث القانونية

[1] عمار أسمير، دور تبسيط المساطر الإدارية في تحديث الإدارة، رسالة ماستر، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية بسلا، موسم 2004/2005، ص 112.

[2] مولاي أحمد بوركبا، تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية في ميدان الاستثمار، رسالة مساتر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال الرباط، جامعة محمد الخامس، موسم 2000/2001، ص 4.

[3] محمد الداودي، الإدارة العمومية وإشكالية التنمية الاقتصادية بالمغرب، الطبعة الأولى، 2017، ص 252.

[4] عمار أشمير، دور تبسيط المساطر الإدارية في تحديث الإدارة، رسالة ماستر، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية بسلا، موسم 2004/2005.، ص ص 112-113.

[5] مولاي أحمد بوركبا، مرجع سابق، ص 44.

[6] مقتطف من الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى أشغال الندوة الوطنية لتخليق المرفق العام بتاريخ 29 و30 أكتوبر 1999، المنعقد بمدينة الرباط من تنظيم وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري.

[7] خليل اللواح، دور الإدارة العمومية في تحسين مناخ الأعمال بالمغرب، الطبعة الأولى، 2018، ص 410.

[8] التقرير السنوي لسنة 2012، منشورات وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، ص ص 36-37.

[9] جواب رئيس الحكومة السيد سعد الدين العثماني على السؤال المتعلق بالمحور الأول وتخليق الحياة العامة، مجلس النواب، الثلاثاء 26 شعبان 1438 (23 ماي 2017).

[10] وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري، الموقع الرسمي للوزارة، تاريخ التصحيح، تاريخ التصفح 10/06/2021 على الساعة الثالثة زوالا، انظر الرابط التالي:

http://www.mnsp.gov.ma/ar/actualités.aspa.id=1233

[11] نجيب ابويطة، إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادر ضد الإدارة، أطروحة دكتوراة بجامعة عبد الملك السعدي، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية طنجة، موسم 2013/2014، ص ص 6-7.

[12] محمد الداودي، مرجع سابق، ص 288.

[13] المادة 9 من القانون رقم 41.90 المحدث بموجب المحاكم الإدارية والقاضي بتنفيذه الظهير الشريف رقم 225-131 صادر في 23 ربيع الأول 1414 (10 شتنبر 1993)، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4227 بتاريخ 03/11/1993 ص 2168.

[14] مريم فضال، الإدارة العمومية بالمغرب بين مطلب التحديث ورهان التنمية، أطروحة دكتوراة في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة، موسم 2013/2014، ص 294.

[15] نجيب ابويطة، مرجع سابق، ص ص 35-36.

[16] عمار أشمير، مرجع سابق، ص 132.

[17] ظهير شريف رقم 202-02-1 صادر في 12 جمادى الأولى 1432 (23 يونيو 2003) بتنفيذ القانون رقم 01-03 بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية، منشور بالجريدة رسمية عدد 5029 بتاريخ 3 جمادى الآخرة 1423 (12 غشت 2002)، ص 2282.

[18] محمد الداودي، مرجع سابق، ص 229.

[19] مريم فضال، مرجع سابق، ص 301.

[20] المناظرة الوطنية الأولى حول الإصلاح الإداري بالمغرب، المنظمة بتاريخ 7 و8 ماي 2000 من قبل وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري تحت شعار: الإدارة المغربية وتحديات 2010.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)