بوجمعة ادغـيـش: المسؤولية الدولية للإساءة للأديان السماوية

التنسيق في مجال الإدارة القضائية يجمع وزير العدل والرئيس المنتدب ورئيس النيابة العامة

نبيل بنحمو: انتهاء التقييد الاحتياطي في القانون العقاري المغربي

6 أبريل 2021 - 2:54 م مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

نبيل بنحمو علي طالب باحث في سلك الدكتوراه جامعة محمد الأول بوجدة

إن التقييد الاحتياطي يعتبر إجراء وقتيا، هدفه الحفاظ على رخصة الحقوق، وإما أن يتحول الى تقييد نهائي، أو يتم التشطيب عليه إما تلقائيا أو بناء على حكم أو بناء على أمر استعجالي من رئيس المحكمة إذا كانت الأسباب التي أسس عليها غير جدية.

كما أن التقييد الاحتياطي في كثير من الحالات يكون وسيلة لعرقلة تداول الملكية مما يؤدي إلى الاضرار بالمالك، خاصة إذا كان التقييد الاحتياطي قدم بصفة تعسفية أو كيدية أو بسوء نية.

إذ يمكن القول أن التقييد الاحتياطي القيد بالسجلات العقارية هو بمثابة إدعاء لحق ملكية على عقار محفظ او لحق من الحقوق العينية المترتبة عليه، ومن تم فهذا التقييد المؤقت هو نوع من الاشهار لحق احتمالي وإعلان ضمني للعموم بالتعامل بحيطة وحذر مع المالك المسجل، لأن حق الملكية أصبح محل منازعة من طرف الغير الذي أعلن عن نفسه للعموم[1].

وبهذا المعنى فإن التقييد الاحتياطي لا يعتبر قيدا من القيود المانعة من التصرفات في حق الملكية العقارية، غير أن جميع التصرفات القانونية أو الاجراءات التحفظية المقيدة بالرسم العقاري في الرتب الموالية للتقييد الاحتياطي، لا يمكن الاحتجاج في مواجهة صاحب التقييد الأخير، لأنه يعتبر حجة اتجاه الغير على صحة الوقائع الواردة ويعتبرتحذيرا له[2].وكما سبقت الإشارة الى أن التقييد الاحتياطي على خلاف التقييد النهائي، لا ينشئ حقا ولا ينقله ولا يصرح به ولا يزيله، كما لا يمكن اعتباره قرينة قانونية قاطعة على وجود هذا الحق وكل ما في الأمر هو أن التقييد الاحتياطي يحمي مؤقتا ولمهلة محددة قانونا الحق المدعي به. غير أنه وبالرغم من ذلك، فالمشرع قد رتب عن إجراء التقييد الاحتياطي مجموعة من الأثار القانونية الهامة، سواء بالنسبة للحقوق التي تكون موضوعه وتستفيدمن حمايته، أو على مستوى الزمن من حيث المدد التي يستغرقها وجودها في الرسم العقاري، كما ينتج أثارا قانونية اتجاه الاشخاص المعنين به.

انطلاقا مما سبق، سنتطرق في هذا الموضوع إلى التشطيب على التقييد الاحتياطي (المطلب الأول)، ودور القضاء الاستعجالي في الحد من التعسف في التقييد الاحتياطي (المطلب الثاني).

المطلب الأول: التشطيب عن التقييد الاحتياطي

كما سبق أن تطرقنا إلى ذلك في التقييد الاحتياطي، الهدف منه هو المحافظة على رتبة الحقوق إلى حين القيام بإجراءات قانونية، أو صدور حكم نهائي، أو بات فاصل في موضوع النزاع، في هذه الحالة إما أن يتحول إلى تقييد نهائي أو يتم التشطيب عليه.

والتشطيب على التقييد الاحتياطي إما أن يتم اتفاقيا من طرف المحافظ عند انتهاء أجله، أو بناء على اتفاق الأطراف (الفقرة الأولى)،  أو بناء على حكم قضائي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: التشطيب الاتفاقي والتلقائي على التقييد الاحتياطي

أولا: التشطيب الاتفاقي على التقييد الاحتياطي

يمكن للأطراف أن يتفقا على التشطيب الاحتياطي، شرط أن يضمنا اتفاقهما في شكل عقد، لأن الحقوق التي يمكن التشطيب عليها بمقتضى عقد، هي التي يقع إشهارها بالرسم العقاري، بعد أن يكون العقار قد حفظ[3].

لقد جاء في الفصل 91 من ظ.ت.ع، أنه “مع مراعاة أحكام الفصل 86 أعلاه، يمكن أن يشطب على كل ما ضمن بالرسم العقاري من تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي، بمقتضى عقد أو حكم قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به يثبت انعدام أو انقضاء الحق موضوع التضمين، في مواجهة الأشخاص الذين يعينهم هذا الحق”.

ويستفاد من الفصل أعلاه، أن القانون سمح للأفراد بناء على اتفاق يحصل برضاهم، طلب التشطيب على كل ما قيد بالرسم العقاري من تقييدات، سواء كانت نهائية كالتصرفات القانونية أو كانت مؤقتة كالحجوز والتقييدات المؤقتة.

كما أنه يمكن أن يقع التشطيب على التقييد الاحتياطي الواقع على الرسم العقاري، بعقد صلح أو إشهاد بالتنازل بإرادة منفردة، يتقدم به المستفيد من التقييد الاحتياطي إلى المحافظ العقاري[4].

وبالتالي يمكن أن نستخلص بأن المشرع لم يحسن صياغة الفصل 91 من ظ.ت.ع، عندما اعتبر أن عملية التشطيب على مندرجات الرسم العقاري تتم بناء على عقد أو حكم قضائي، دون أن يأتي على ذكر التصرفات المبنية على الإرادة المنفردة كالتنازل مثلا.

وبالتالي يتعين على المشرع تعديل الفصل حتى يسعف في اعتماد التصرف بإرادة منفردة كسند للتشطيب على التقييد الاحتياطي.

وتتم مسطرة التشطيب على التقييد الاحتياطي بتقديم الطلب من طرف الشخص المعني بالأمر، وذلك إلى السيد المحافظ على الأملاك العقارية[5].

ثانيا: التشطيب التلقائي على التقييد الاحتياطي

يقصد بالتشطيب التلقائي ذلك التشطيب الذي يقوم به المحافظ من تلقاء نفسه، عند انتهاء المدة القانونية للتقييد الاحتياطي[6].

من خلال هذا التعريف نستنتج أن المحافظ العقاري لا ينتظر طلبات الأطراف ولا أن يتوصل بأحكام قضائية لأجل التشطيب على التقييدات الاحتياطية، الواقعة على الرسوم العقارية، حيث إن المشرع خول له، بل ألزمه بالقيام بهذه العملية من تلقاء نفسه في حالات محددة[7].

لهذا حسب الفصل 86 (الفقرة الأولى) من ظ.ت.ع يمكن للمحافظ العقاري أن يقوم تلقائيا بالتشطيب على التقييد الاحتياطي المبني على سند، في حالة انصرام أجل عشرة أيام، أما التقييد الاحتياطي المبني على أمر قضائي فيتم التشطيب عليه تلقائيا من طرف المحافظ العقاري إذا انتهى الأجل 3 أشهر المحددة قانونا.

في حين يسوغ للمحافظ العقاري التشطيب تلقائيا على التقييد الاحتياطي بناء على مقال، مرفوعة في الموضوع عملا بمضمون الفقرة الرابعة من الفصل 86 من ظ.ت.ع، إذا انتهى أجل الشهر المحدد في الفصل 86 من ظ.تع، ولم يدلي المستفيد منه أمام المحافظ بأمر قضائي صادر على رئيس المحكمة الابتدائية يفيد التمديد[8].

إن التشطيب التلقائي الذي يتم بناء على نص قانوني، لا يخلو من طرح إشكاليات جمة، وذلك راجع بالأساس إلى عدم وضوح النص القانوني الذي تكتنفه عدة ثغرات، مما جعل تطبيقاته على أرض الواقع تختلف بين الممارسين[9]، وطبيعي أن هذا الاختلاف شمل قبل ذلك الاجتهاد القضائي الذي أعطى تفسيرات متباينة لبعض النصوص القانونية، وأيضا الاجتهاد الفقهي، مما يبرز حجم النقص الذي يعاني منه النص القانوني في هذا المجال، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتشطيب التلقائي بناء على تقييد محضر البيع بالمزاد العلني، أو نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، أو بالتشطيب التلقائي على التقييد الاحتياطي المتخذ بمقتضى سند أو أمر، أو التشطيب التلقائي في إطار مقتضيات الفصل 29[10] من القرار الوزاري المؤرخ في 3 يونيه 1915، المحدد لتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري.

يشطب على هذا التقييد تلقائيا، بعد انصرام الأجل المذكور، ما لم يدل طالب التقييد بأمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية طبقا لأحكام الفصل 85″.

فالمشرع نص في الفصل السابق على أنه يشطب تلقائيا على هذا التقييد بعد انصرام الأجل المذكور ما لم يدلي طالب التقييد بأمر صادر عن رئيس المحكمة.

إلا أن السؤال المطروح هو هل هذا الأمر يهدد مفعول التقييد بناء على مقال مرفوع أمام القضاء إلى حين نهاية النزاع أم مدته تنحصر في ثلاثة أشهر؟

باستقراء الفصل 85 من ظ.ت.ع، لن نجد جوابا على هذا السؤال، فالمشرع نص على عبارة “ما لم يدلي طالب التقييد بأمر صادر عن رئيس المحكمة”، دون توضيح ما إذا كان مفعول هذا الأمر سيستمر إلى حين نهاية النزاع أو مدته تنحصر في ثلاثة أشهر، ويمكن تمديد هذه المدة إلى حين نهاية النزاع بأمر آخر صادر عن رئيس المحكمة.

لكن من الناحية العملية فإنه، إذا كان هناك تقييد احتياطي بناء على مقال وأدلى الطالب بأمر صادر عن رئيس المحكمة، فمفعول التقييد الاحتياطي يستمر إلى نهاية النزاع.

فقد جاء في أمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالناظور أنه “نأمر بتمديد مفعول التقييد الاحتياطي المنجز على الرسم العقاري عدد 10723/11 إلى حين صدور حكم نهائي في دعوى الموضوع المرفوعة أمام هذه المحكمة تحت رقم 528/2013”[11].

كما جاء في دورية للمحافظ العام أنه “يتم التشطيب تلقائيا على التقييد الاحتياطي بناء على مقال دعوى في الموضوع بعد انصرام أجل الشهر، ما لم يدلي طالب التقييد الاحتياطي بأمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية خلال نفس الشهر يمدده إلى غاية نهاية النزاع المعروض على القضاء”[12].

هذا ما دمنا بصدد الحديث عن التشطيب التلقائي على التقييد الاحتياطي[13] فإنه، يطرح بالمناسبة سؤال جد هام يتعلق بمعرفة هل من حق المحافظ على الأملاك العقارية أن يقوم بالتشطيب على التقييد الاحتياطي تلقائيا بعد إثبات بيان به إذا تبين له أنه مخالف للقانون؟

للإجابة على التساؤل تجدر الإشارة إلى أنه سبق لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط في قرارها عدد 587 بتاريخ 30 أبريل 2008 في الملف عدد 252/07/5[14]، أن سلبت المحافظ على الأملاك العقارية هذا الحق في نازلة تتلخص وقائعها كما يلي:

تقدم أحد أفراد جماعة سلالية بدعوى إدارية ،ضد من اغتصبوا أرضا يملكها على الشياع مع باقي أفراد قبيلته ،كما تقدم بالمناسبة وبناء على تلك الدعوى بطلب تقييد احتياطي للمحافظ على الأملاك العقارية ،لإثبات بيان به بالرسم العقاري المعني بالأمر فاستجاب المحافظ على الأملاك العقارية لطلبه، إلا أنه بعد ذلك قام هذا الأخير بالتشطيب على هذا التقييد، إستنادا إلى مقتضيات الفصل 29 من القرار الوزيري المؤرخ في 3 يونيو 1915 بشأن تفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري ،بعلة أن الدعوى التي هي أساس التقييد الاحتياطي قد أقيمت بالمخالفة لمقتضيات الفصل 5 من ظهير 27 أبريل 1919 بشأن تنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية الذي يستلزم أخذ موافقة سلطة الوصاية من أجل تقديم الدعوى.

هذا وبعد الطعن في قرار المحافظ على الأملاك العقارية وبعد عرض القضية على محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط، استنتجت هذه الأخيرة، أنه إذا كان من حق المحافظ على الأملاك العقارية، عدم قبول التقييد الاحتياطي إذا تبين له أن مقال الدعوى المعتمد في طلبه لا يستهدف إلى إثبات حق عيني على عقار محفظ، فإنه ليس من حقه التشطيب على التقييد الاحتياطي تلقائيا، بعد إثبات بيان به بعلة وجود سهو أو غلط أو مخالفة ،استنادا إلى مقتضيات الفصل 29 المذكور، ما دامت هذه المقتضيات لا تبيح له القيام بهذا التشطيب تلقائيا قبل صدور الحكم في الدعوى التي استند إليها في تدوين التقييد الاحتياطي[15].

مقال قد يهمك :   محكمة النقض توضح نطاق مسؤولية الناقل البحري وفقا لاتفاقية هامبورغ

الفقرة الثانية: التشطيب القضائي على التقييد الاحتياطي

بالرجوع إلى الفصل 91 من ظهير ت.ع، فإن التشطيب قد يكون قضائياً وذلك بناء على حكم قضائي نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به، كما يلزم أن يكون هذا الحكم القضائي صريحا وغير غامض يحتمل بعض التأويلات، ولا يجوز أن يتم التشطيب على تقييد جديد، ودون الإدلاء بأي حكم قضائي أو عقد، وهذا ما ذهب إليه المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في أحد قراراته[16]، حيث جاء فيه “حيث صح ما عابته الطاعنة على القرار، ذلك أنه علل قضاءه بالتشطيب على تقييدها الاحتياطي، بأن المستأنفين اشتريا العقار موضوع التقييد الاحتياطي من ورثة… وأن البيع تم صحيحا وسجل على الرسم العقاري الذي لم يكن مثقلا، بأي تقييد في حين أنه يتجلى من مستندات الملف، أن التقييد المشطب عليه، تم تأسيسه على مقال الدعوى، بإبطال عقد البيع محل النزاع بين الطرفين، وفي هذه الحالة فإن مفعول التقييد الاحتياطييمتد أثره  إلى حين الفصل في النزاع موضوع الدعوى المذكورة، إذ يقتضي الفصل 91 المحتج به أن كل ما ضمن بالسجل العقاري، من تقييد احتياطي يمكن أن يشطب عليه بموجب حكم اكتسب قوة الشيء المقضي به، يثبت انعدام أو انقضاء الواقع مما عرضه بالتالي للنقض والإبطال”.

ويتبين من الفصل 91[17] من ظ.ت.ع، بأن التشطيب يجعل الحق المقيد منقضيا في مواجهة من يعنيهم أمر هذا التقييد والجهة التي تقوم بالتقييد هي التي تقوم بالتشطيب[18].

بحيث يتعين على المحافظ على الأملاك العقارية تطبيق الحكم القضائي، ولو حتى بدون الإدلاء بنظير الرسم العقاري بدعوى أنه تقييد جبري[19]، كما أن المحافظ لا يقوم بتقييد أي حق إلا إذا كان يستند في ذلك إلى وثائق تبرره، فكذلك التشطيب لا يمكن للمحافظ القيام به إلا إذا كان يستند أيضا إلى وثائق، تسمح له بإجراء هذا التشطيب[20]، ولقد ألزمه المشرع في الفصل 94 من ظ.ت.ع بأن يتحقق من الوثائق المدلى بها، تسمح بالتشطيب، والتشطيب حسب ما هو وارد في الفصل 91 المشار إليه سابقا، لا يمكن أن يتم إلا بالإسناد إلى سببين اثنين:

– إما بموجب عقد صحيح؛

– أو بموجب حكم قضائي اكتسب قوة الشيء المقضي به.

وما يمكن استنتاجه من الفصل 91 من ظ.ت.ع أنه أشار إلى حكم حائز لقوة الشيء المقضي به، والذي يقصد منه الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف ولو كان قابلا الطعن بالنقض، أو الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية وأصبح غير قابل للطعن فيه بالتعرض أو الاستئناف[21].

مما سبق يمكن أن نقول أن المشرع في الفصل 91 من ظ.ت.علم يكن موفقا ودقيقا في الصياغة عندما استعمل مصطلح حكم حائز لقوة الشيء المقضي به، وكان من الأفضل للمشرع المغربي استعمال عبارة حكم قابل للتنفيذ، لأن هذه العبارة تشمل الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية ولم يتم الطعن فيه بالاستئناف، والحكم الصادر عن محكمة الاستئناف، ولم يتم الطعن فيه بالنقض، والحكم الصادر عن محكمة النقض.

فالمحافظ قد يرفض التشطيب على التقييد الاحتياطي لعدة أسباب كما إذا ما قدمت له وثائق لا تجيز التشطيب أو الحق المراد التشطيب عليه يتعارض مع التقييدات المضمنة في الرسم العقاري، فإنه يتخذ قرار برفض التشطيب على التقييد، مثلا أن تكون مدة صلاحية التقييد الاحتياطي غير منتهية، أو أن الحكم غير قابل للتنفيذ أو أن السند أو العقد المعتمد عليه في التشطيب يشوبه عيب ما[22].

وقد جاء في حكم للمحكمة الابتدائية بوجدة أنه: “وحيث إن التقييدات الاحتياطية المنشأة إسنادا إلى مقال الدعوى تنتهي بانتهاء البت نهائيا في الدعوى.

وحيث إن الاستمرار في إثقال الرسوم العقارية أعلاه بالتقييد الاحتياطي رغم انتهاء النزاع يشكل تعسفا يتوجب رفعه”[23].

المطلب الثاني: دور القضاء الاستعجالي في الحد من التعسف في التقييد الاحتياطي

بالرجوع إلى الفصل 86 مكرر من ظهير التحفيظ العقاري المضاف بالقانون رقم 14.07، نجد أن المشرع قد منح للمحكمة صلاحية الحكم تلقائيا بالغرامة التي لا يقل مبلغها عن 10 بالمائة من قيمة العقار والحق المدعى به، لصالح الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية متى تبين لها أن التقييد الاحتياطي قدم بصفة تعسفية أو كيدية أو عن سوء نية (الفقرة الثانية).

بالإضافة إلى الغرامة المنصوص عليها أعلاه، وأمام تزايد حالات التقييدات التعسفية، فإن المشرع من خلال قانون 14.07 قد وسع من اختصاصات القضاء الاستعجالي في التشطيب على التقييدات الاحتياطية (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى: تشطيب القضاء الاستعجالي على التقييد الاحتياطي

إكراهات واقعية عدة أفرزت نقاشا قديما ومتجددا حول مدى اختصاص القضاء الاستعجالي للبت في طلب التشطيب على التقييد الاحتياطي، ذلك أن موجبات من أجل التشطيب على التقييد الاحتياطي المكتسي لطابع التعسف، كان يستمد الأسس النظرية للبت فيه، انطلاقا من النظرية العامة للتعسف في استعمال الحق، ونظرا لما يقتضيه ذلك من تقييم لمدى وجود الحق من جهة، وتقييم الوسائل المقررة في استعماله واستخراج التجاوزات المتسمة بطابع التعسف من جهة ثانية[24].

كلها معطيات موضوعية يمتنع تمحيصها من طرف قضاء الاستعحالي لتبقى بذلك اختصاصا أصيلا لقضاء الموضوع[25].

وهذا الاتجاه تبنته إدارة المحافظة العقارية في شخص محمد بن الحاج السلمي[26]، الذي يؤكد على خصوصية قانون التحفيظ العقاري –قبل التعديل الأخير- التي تسمح بالقول إنه: “من الناحية التشريعية لا يوجد أي نص تشريعي يمنح قاضي المستعجلات اختصاص الأمر بالتشطيب على التقييدات بصفة عامة، باستثناء الحالة التي ينص عليها الفصل 208 من ظهير 2 يونيه 1915 بشأن التشريع المطبق على العقارات المحفظة، وكذلك تلك المنصوص عليها في الفصلين 148 و149 من ق.م.م…” ويضيف قائلا: “أما غير هذه الحالات، فإنه لا يمكن التشطيب على التقييدات النهائية سوى بمقتضى عقود أو أحكام في الموضوع مكتسبة لقوة الشيء المقضي به تصرح بانقضاء أو انعدام الحق أو الحدث الذي تتعلق به تلك التقييدات عملا بالمقتضيات الصريحة للفصل 91 من ظهير 12 غشت 1913 بشأن التحفيظ”.

ويبرر هذا الموقف رأيه في سلب اختصاص البت في طلب التشطيب على التقييد الاحتياطي من  طرف قضاء الاستعجالي في حالة اتخاذ هذا التقييد بناء مقال أمام قضاء الموضوع بالقول إن: “رئيس المحكمة الابتدائية بوصفه قاضيا للمستعجلات ليس مختصا أبدا للنظر في طلب التشطيب على التقييد الاحتياطي في هذه الحالة أيضا، وذلك بكل بساطة لأنه ليس قاضيا للموضوع ولم يمنحه القانون هذه الصلاحية…” ويضيف موضحا: “من المعلوم أن التقييد الاحتياطي المتخذ مسبقا بمقتضى قرار من رئيس المحكمة الابتدائية والمدد مفعوله بمقتضى مقال افتتاحي للدعوى، وكذا التقييد الاحتياطي المتخذ مباشرة بموجب مقال افتتاحي للدعوى يحتفظ بكل آثاره القانونية إلى نهاية النزاع القضائي، فكيف يمكن لقاضي المستعجلات أن يصدر قرار بالتشطيب على مثل هذا التقييد ما دام النزاع لم يحسم بعد نهائيا؟ وبعبارة أخرى كيف يمكن لقاضي المستعجلات أن يوقف آثار دعوى في الجوهر جارية أمام قضاء الموضوع؟”.

جوابا على ما ذكر صدر قرار[27]، عن محكمة الاستئناف بالرباط قضى فيه “…النظر في التشطيب على التقييد الاحتياطي لا يدخل في اختصاص قاضي المستعجلات… وأن التشطيب على التقييد الاحتياطي يتم وفقا لمقتضيات الفصل 91 وليس بالأوامر الاستعجالية وحيث إن الأمر مادام كذلك فإننا نصرح بعدم اختصاصنا للبت في طلب المدعي…”.

وهو ما جاء في امراستعجالي صادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة[28] حيث جاء فيه: “… حيث إنه تأسيسا على المادة 91 من قانون التحفيظ العقاري يمكن أن يشطب على كل ما ضمن بالرسم العقاري من تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي. بمقتضى كل عقد أو حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به… وعلى هذا الأساس فإن المدعي المثقل عقاره بالتقييد المذكور لا يحتاج إلى استصدار أمر قضائي بالتشطيب عليه في إطار شروط المادة 91 المذكورة، مما يكون معه الطلب غير مبني على أساس قانوني ويخرج عن نطاق اختصاص قاضي المستعجلات طبقا للمادة 86 من قانون التحفيظ العقاري… ويتعين تبعا لذلك التصريح برفض الطلب وتحميل المدعي الصائر…”.

وفي نفس السياق أوضح الدكتور حسن فتوخ مؤيداته القائلة بعدم الاختصاص إسنادا إلى سببين: أولهما أن القول باختصاص قاضي المستعجلات من شأنه المساس بجوهر النزاع لأن تكييفه لقانونية التقييد الاحتياطي من عدمها، يستلزم الاطلاع على المقال الافتتاحي للدعوى المرفوعة إلى محكمة الموضوع، بينما يتمثل السبب الثاني في أن القول “باختصاص قاضي المستعجلات يتنافى مع مقتضيات الفصل 91 من ظ.ت.ع”[29].

ويضيف الدكتور فتوخ مفسرا “إن التشطيب القضائي بناء على مقال لا يمكن أن يتم إلا بناء على حكم قضائي صادر عن محكمة الموضوع ومكتسب لقوة الشيء المقضي به، وليس بناء على أمر استعجالي  صادر عن قاضي المستعجلات بدليل أن حجية هذا الأخير تكون مؤقتة ورهينة ببقاء الأسباب التي أسس عليها، في حين أن حجية الأحكام الموضوعية نهائية وحاسمة للنزاع”[30].

وهو ما جاء في أمر استعجالي صادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة[31] جاء فيه ما يلي: “… وحيث إنه تأسيسا على المادة 91 من قانون التحفيظ العقاري… لا يصح التشطيب على تقييد احتياطي بناء على مقال إلا بعد صدور حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به، أو عقد… ويتعين تبعا لذلك التصريح بعدم الاختصاص وتحميل المدعي الصائر”.

إن الفصل 91 المذكور سابقا أكد بصورة صريحة، ضرورة صدور حكم في الموضوع من أجل التشطيب على التقييد الاحتياطي ،وهو ما أكدته الأوامر الاستعجالية السابقة التي ذكرناها، ومن هنا يمكن القول أن قاضي المستعجلات غير مختص بالتشطيب على تقييد احتياطي اتخذ بناء على مقال الدعوى، إلا أنه في المقابل نجد الأوامر القضائية تذهب إلى أن رئيس المحكمة الابتدائية بصفة قاضيا للمستعجلات مختص لاتخاذ أوامر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي الذي يشكل عرقلة في وجه تداول العقار، وجاء في هذا الصدد أمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط[32] على ما يلي: “أن قاضي المستعجلات  مختص بالتشطيب على تقييد متى تبين له من أن تسجيله ثم بصفة غير قانونية، وخرق القواعد العامة، باعتبار أن هذا التقييد الاحتياطي يشكل عرقلة بالنسبة لحرية التصرف والتفويت التي تعتبر من الحقوق الشرعية لكل مالك، وان الضرورة والاستعجال يستدعي تدخل قاضي المستعجلات”.

إن إعطاء قاضي المستعجلات صلاحية إصدار أوامر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي، المتخذ بناء على مقال الدعوى، من شأنه أن يعطي حلا لبعض التقييدات الاحتياطية التي تظل قائمة لمدة طويلة، مما يعوق التداول العادي والطبيعي للعقار، كما يؤدي إلى تفادي صدور تقييدات احتياطية بشكل تعسفي[33].

مقال قد يهمك :   المريني: ملاحظات وأسئلة على هامش القرار الملكي في قضية شركات المحروقات

غير أن هذا التوجه القضائي، لا ينسجم مع مقتضيات الفصل 91 من ظ.ت.ع، الذي كان صريحا بخصوص ضرورة استصدار حكم من أجل التشطيب، أي صدور حكم قضاة الموضوع، كما أنه غير منسجم مع الشروط المتطلبة في القضاء الاستعجالي وهو شرط الاستعجال، وشروط عدم المساس بالجوهر، فإذا كان الشرط الأول يمكن تصوره، فإن الشرط الأخير لا يمكن تحققه، على أساس أنه لا يعقل الفصل في نزاع موضوع تقييد احتياطي بناء على مقال دون المساس بالجوهر[34].

وهو ما كرسه أمر صادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة[35] جاء فيه: “… وحيث إن عدم صحة وعدم جدية أسباب التقييد الاحتياطي مستمدة من كون المدعي عليه يسعى إلى ضمان حقه… تطبيقا للفصول 1-32 و149 من ق.م.م، نأمر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي المسجل بالرسم العقاري… من طرف المدعي عليه بناء على مقال والمقيد بتاريخ 29/07/2016…”.

وهذا التوجه أيده أغلب الفقه[36] حيث أكدوا على اختصاص رئيس المحكمة بصفة قاضيا للمستعجلات للتشطيب على التقييد الاحتياطي، مستندين بذلك على عدة مبررات أهمها أن هذا الأخير يشكل عرقلة بالنسبة لحرية المالك في التصرف والتفويت، أو أنه قيد بصفة غير قانونية وخرق القواعد العامة، مما قد يؤثر سلبا على القيمة الاقتصادية للملكية العقاريةـ وتكون قيمتها التجارية أقل من قيمة العقار الخالمن أي قيد أو شرط، وبالتالي فلما يقبل الناس على التعامل في عقار مثقل بهذا التقييد الذي يعتبر قرينة قوية على المنازعة في حق الملكية، وبالتالي وجبت الحيطة والحذر عند التعامل فيه لا يعذر أحد بجهله لعواقب التقييد الاحتياطي.

وإذا كان التشطيب على التقييد الاحتياطي بمقتضى أوامر استعجالية، تم تكريسه تشريعا من خلال الفقرة الأخيرة من هذا الفصل 86 من ظ.ت.ع، كما تم تغييره وتتميه والتي نصت على أنه “يمكن اللجوء إلى رئيس المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرة نفوذها العقار بصفته قاضيا للمستعجلات، للأمر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي، كلما كانت الأسباب المستندة عليها غير جدية أو غير صحيحة”.

وقد أزال المشرع حاليا هذا الإشكال بما نص عليه الفصل 85 بأنه يمكن اللجوء إلى  رئيس المحكمة التي يقع في دائرة نفوذها العقار بصفته قاضيا للمستعجلات للأمر  بالتشطيب على التقييد الاحتياطي كلما كانت الأسباب المستند عليها غير جدية او غير صحيحة وما دام الأمر استعجاليا فان تنفيذه لا يخضع لمقتضيات الفصل 91 ظ ت ع وإنما يجب ان ينفذ طبقا للفصل 153  من ق م م الذي ينص على ان الأوامر الاستعجالية مشمولة بالتنفيذ المعجل بقوة القانون.[37]

والرأي فيما أعتقد أن التوجه الثاني الذي اعتمد الفصل 86 من ظ.ت.ع. والذي من خلال الفقرة الأخيرة التي تنص “يمكن اللجوء إلى رئيس المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرة نفوذها العقار، غير جدية أو غير صحيحة”.

إن العبارات التي أتى به هذا الفصل، يصعب على بعض قضاة تفسيره، وهذا ما أدى إلى تذبذب القضاة في قبول ورفض التشطيب على التقييد الاحتياطي بناء على مقال الدعوى.

لكن المشرع كان صريحا في الفصل 86 من ظ.ت.ع ولذلك لسببين هما:

1- أن المشرع كان صريحا في منح رئيس المحكمة الابتدائية اختصاص التشطيب على التقييدات الاحتياطية لعدم الصحة والجدية؛

2- لكون الباعث وراء إقرار المشرع لهذا المستجد التشريعي هو تحرير العقارات المثقلة بتقييدات احتياطية تعسفية، لكي ينتقل العقار من حالة الجمود إلى حالة الحركة والتداول الاقتصادي، وبالتالي تعزيز الأمن العقاري.

لكن هذا لا يمنع من طرح سؤال جوهري مفاده كيف يمكن لرئيس المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرة نفوذها العقار المحفظ، أن يأمر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي دون المساس بالجوهر؟

الفقرة الثانية: منع التعسف في استعمال التقييد الاحتياطي

لقد أتى المشرع بمستجدات تهدف إلى الحد من ظاهرة التقييدات الاحتياطية التعسفية، والتي كان يستغلها بعض الأشخاص للتشويش على أصحاب الحقوق العينية، وإزعاج المالكين الحقيقيين للأملاك العقارية، والتشكيك في أحقيتهم على أملاكهم، واتخاذ التقييد الاحتياطي كوسيلة للمماطلة والابتزاز[38]، وبهذا نص الفصل 86 مكرر من ظهير التحفيظ العقاري الذي تم تعديله وتتميمه بالقانون 14.07 رادعة ضد من قام بإجراء تقييد احتياطي بصفة تعسفية أو بسوء نية، أضر بمالك العقار، أو صاحب حق على العقار، حيث يمكن أن يتعرض المعني بالأمر إلى غرامة مدنية لا يقل مبلغها عن عشرة في المائة، من قيمة موضوع التقييد الاحتياطي  أو الحق المدعى به لصالح الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، إضافة إلى حق الأطراف المتضررة في طلب التعويض، ولما كان حق الملكية مضمونا دستوريا[39]، ولا يحد من مداه ومن ممارسته إلا القانون إذا دعت إلى ذلك ضرورة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، فإن المشرع أقر أيضا التقييد الاحتياطي كآلية قانونية للحفاظ على الحق في الأفضيلة لمن لم يستوف بعد شروط التقييد النهائي، وهكذا نكون أمام حق ملكية يحميه القانون، ويضمن ممارسته بحرية وأمام الحق في استعمال التقييد الاحتياطي يضمنه القانون فيجب أن يمارس التقييد الاحتياطي طبقا لقواعد حسن النية[40].

بالرجوع إلى مقتضيات ظ.ت.ع المؤرخ في 13 غشت 1913 والنصوص القانونية المرافقة له[41] لم نجد أي نص قانوني صريح يعاقب الأشخاص الذين يلجؤون إلى التقييدات الاحتياطية التعسفية أو الكيدية، وذلك خلافا لمقتضيات الفصل 48 من نفس الظهير الذي ينص صراحة على معاقبة طالب التحفيظ[42] أو المتعرض الذي ثبت عليه استعمال حقه بطريقة تعسفية أو كيدية عن طريق الحكم عليهما بغرامة رغم هزالتها، حيث جاء فيه ما يلي: “كل طلب تحفيظ أو تعرض عليه ثبت صدوره عن تعسف أو كيد أو سوء نية يوجه ضد صاحبه غرامة بين 10 دراهم وألف درهم بقطع النظر عن التعويض المستحق للأطراف المتضررة.

إن المحكمة التي أحيل عليها طلب التحفيظ لها صلاحية الحكم بالغرامة والبت في طلبات التعويض”.

لكن رغم ذلك، نجد المشرع نص بموجب الفصل 104 من ظهير التحفيظ 12/08/1913 على تطبيق مقتضيات القانون الجنائي على مرتكب الزور في المحررات المقدمة إلى المحافظ بقصد إجراء التقييد أو التشطيب حيث جاء فيه:

“إن أحكام الفصلين 354 و356 من القانون الجنائي المغربي

– على كل من اقترف زورا في المحررات المقدمة للتسجيل أو يقصد التشطيب عليه، إما بتزييف أو تحريف كتابات أو توقعات…”.

وأيضا الرجوع إلى الفصل 94 من قانون الالتزامات والعقود ينص على المبدأ العام لنظرية التعسف في استعمال الحق حيث جاء فيه “لا محل للمسؤولية المدنية إذا فعل شخص بغير قصد الإضرار ما كان له الحق في فعله “مما يعني بالمفهوم المعاكس أن المسؤولية تترتب في حالة استعمال الحق بغرض الإضرار بالغير، وهذا ينطبق تماما على حالة استعمال بسوء نية أو بصفة تعسفية أو كيدية بغرض الإضرار بالمالك المقيد[43].

نستنتج أن المشرع المغربي في الفصل 86 مكرر منظ.ت.ع حسنا فعل، عندما أضاف أو رفع من الغرامة في حالة ارتكابها من طرف شخص، أراد الضرر بالغير، وذلك لاستعماله تقييدا احتياطيا تعسفيا، وهذه الغرامة هي 10 في المائة من قيمة العقار أو الحق المدعى به.

الخاتمة:

نستنتج مما تقدم أن مشكل عدم الانسجام والتناغم بين القوانين مازال يرخي بظلاله على التشريع العقاري المغربي نتيجة تنظيمه الأحكام المتعلقة بمؤسسة قانونية في أكثر من موضع، فبالنسبة لمؤسسة التقييد الاحتياطي إذا كانت مقتضيات ظهير التحفيظ العقاري قد حددت وظيفته الأساسية في ضمان تقييد الحق نهائيا وبأثر رجعي يعود إلى تاريخ إجرائه بالرسم العقاري، فإن مدونة الحقوق  العينية من خلال مقتضيات المادة 13 حاولت وبشكل ضمني تأسيس وظيفة جديدة له بجعله قرينة لدحض حسن نية الغير المقيد لاحقا، ومرد ذلك مسايرتها لتوجه قضاء محكمة النقض الذي أقر في غير ذي مرة أن التعامل في عقار مضروب بتقييد احتياطي دليل قاطع على سوء نية الغير.

 وهو في الحقيقة توجه غير ثابت وغير مستقر كما لقي معارضة شديدة، إن على مستوى الفقه أو القضاء  بدرجتيه، خصوصا ممن يرون ان القول بسوء نية الغير مقرونة بالتواطؤ بهدف الإضرار بصاحب الحق وليس بالعلم المجرد بوجود نزاع يحيط بالمالك، وبالتالي حبذا لو أن المشرع تكفل بتقنين المسائل المجمع عليها ،مع ترك تلك التي تكون محل خلاف للقضاء بما له من سلطة تقديرية للفصل فيها ،على ضوء ظروف وملابسات كل قضية على حدة.

 هذا من جهة ومن جهة ثانية كان على المشرع إن اقتضى الحال إدراج هذا النص القانوني ضمن مقتضيات ظهير  التحفيظ العقاري باعتباره المكان الطبيعي له بدلا من مدونة الحقوق العينية التي تطبق على العقارات المحفظة وغير المحفظة والعقارات في طور التحفيظ، في حين أنس مؤسسة التقييد الاحتياطي ترتبط  بالعقارات المحفظة لوحدها، فكان من الأولى والأفيد تنظيم الحالات العامة لهذه المؤسسة بما في ذلك الآثار المترتبة عنها ضمن مقتضيات ظهير التحفيظ العقاري بغية رفع اللبس والغموض وتجاوز عدم الانسجام بين النصوص.

كما أن المشرع متع رئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات، بسلطات واسعة في طلبات التشطيب على التقييد الاحتياطي، بحيث أصبحت دعوى التشطيب هاته اختصاصا أصيلا له، ودعوى استعجالية بقوة القانون وأصبح قاضي المستعجلات يبت فيها كقاضي موضوع، وهو ما أسميناه بسلطة الرقابة البعدية عن التقييد الاحتياطي.

كل هذه السلطات، تفرض على رئيس المحكمة فرضا، أن يكون في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه عن طريق فهم غاية المشرع من وراء تحميله لهذه المسؤولية، واستقراء عمق فلسفته التشريعية التي تروم أساسا الحفاظ على مبدأ استقرار المعاملات وتحقيق الأمن العقاري،  ولا يمكن لرئيس المحكمة المساهمة في تحقيق هذا الهدف الاسمي، عن طريق الوقوف عند حرفية النصوص الجافة والاحتماء أو الاختباء وراء ارتكابه أحيانا، وغموضه أحيانا أخرى.

وبدراستنا للمستجدات التي جاء بها القانون 14.07 بخصوص التقييد الاحتياطي تبين لنا أنها وإن كانت قد حملت بعض الحلول لبعض المشاكل التي كانت قائمة في ظهير التحفيظ العقاري،  إلا أن إيجابيات هذه المقتضيات القانونية الجديدة تبقى محدودة ولا ترقى إلى مستوى وحجم التطلعات.


الهوامش:

[1]حسن فتوخ، التقييد الاحتياطي وعلاقته بالحجوز والإنذارات العقارية، دار الأفاق المغربية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2008ص 41 وما بعدها.

مقال قد يهمك :   مطارحة قانونية بخصوص الحياد الإيجابي للقاضي المدني

[2]إدريس المصلح، الفعالة القانونية للتقييد الاحتياطي، و انعكاسها على الاستثمار على ظل المستجدات، مقال منشور في مجلة العلوم القانونية، عدد الثاني سنة 2015 ص 65 وما بعدها

[3] هنا نستحضر المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية.

[4] جاء في أمر عن المحكمة الابتدائية بإنزكان يقضي بـ: “… وحيث تأكد للمحكمة أن التقييد الاحتياطي المقيد 19/02/1980 سجل 26 عدد 1984 على الرسم العقاري عدد 1643 كان لفائدة أ. وأن لكل من …. قد تنازلوا عن التقييد الاحتياطي المشار إليه لفائدة المدعي (ب) حسب الإشهاد العدلي المشار إليه أعلاه.

وحيث إن التنازل جاء في وثيقة رسمية ولم يكن محل أي طعن لذلك يتعين الاستجابة للطلب وبتحميل الطالب الصائر.

لهذه الأسباب نحيل الطرفين على المحكمة المختصة للبت في جوهر النزاع، ومن الآن وبصفة مؤقتة ونظرا لحالة الاستعجال نأمر المحافظ على الأملاك العقارية الرهون بإنزكان بالتشطيب على التقييد الاحتياطي المقيد بتاريخ 19/02/1980 سجل 26 عدد 1984 على الرسم العقاري 1643 مع يترتب عن///ذلك قانونا، وبتحميل الطالب الصائر، أم عدد 23/1101/ 2013 صادر بتاريخ 20/02/2013 في الملف رقم 57، أشار إليه عبد الله آيت منصور، م.س، ص 161.

[5] ينص الفصل 93 من ظ.ت.ع على أنه: “يجب على الطرف الذي يرغب في التشطيب أن يقدم إلى المحافظ على الأملاك العقارية طلبا مؤرخا وموقعا من طرفه أو من طرف المحافظ في حالة جهله أو عجزه عن التوقيع يتضمن تعيين أو بيان ما يلي:

1- العقار الذي يعينه التشطيب وذلك بيان رقم اسمه العقاري؛

2- التقييد أو البيان أو التقييد الاحتياطي المطلوب التشطيب عليه؛

3- سبب التشطيب ونوع وتاريخ السند المثبت لذلك السبب”.

[6] بلال بوكرنية ونصر الدين إيناو، م.س، ص 63.

[7] للإشارة فقط فإن القانون الجديد 14.07 قد نسخ بمقتضى المادة الرابعة منه مقتضيات الفصل 92 من ظ.ت.ع 12 غشت 1913 الذي كان ينص على: “إن التقييد الاحتياطي المضمن بالسجل العقاري بمقتضى حكم يجب أن يشطب عليه تلقائيا بعد انصرام الآجال المذكورة المشار إليها في الفصل 86″/.

//جاء في المادة الرابعة من القانون 14.07 أن “تنسخ مقتضيات الفصول 2 و3 و4 و5 و28 و36 و46 و49 و53 و56 و57 و59 و79 و80 و81 و82 و92 و98 و99 من الظهير الشريف الصادر 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري وكذا مقتضيات الظهير الشريف المؤرخ في 18 من رجب 1333 (1 يونيو1915) المتعلق بمقتضيات انتقالية لتطبيق الظهير المتعلق بالتحفيظ العقاري”.

بالرغم من حذف هذا الفصل فإن الأمر تحصيل حاصل ولا يطرح كبير إشكال، لاسيما أن المشرع لما حدد على وجه الدقة آجال التقييدات الاحتياطية متنوعة، فإن المنطق القانوني يقضي أن يقوم المحافظ بالتشطيب التلقائي على هذه التقييدات لأنها بذلك تبقى من دون مفعول ولا جدوى منها.

[8] هناك من الفقه من يقول أنه ينبغي التفريق بين انتهاء التقييد الاحتياطي بالتشطيب، وانتهائه بقوة القانون ولو لم يشطب عليه من على الرسم العقاري.

– يضيف نفس الفقه أن التشطيب على التقييد الاحتياطي يؤدي إلى زواله شكلا وموضوعا، أما انتهاء التقييد الاحتياطي بقوة القانون فينتج عنه استمرار هذا التقييد شكلا… أشار إليه عبد الله آيت منصور، م.س، ص 162.

[9] عبد العالي الدقوقي: التشطيب بين نظام العقار في طور التحفيظ والعقار المحفظ في التشريع العقاري المغربي، رسالة لنيل الدكتوراه في الحقوق، فرع القانون الخاص، كلية الحقوق القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، الرباط، جامعة محمد الخامس، السنة الجامعية 2001-2002، ص: 120 و121.

[10] تنص المادة 29: “إذا وقعت إغفالات أو أخطاء أو مخالفات في الرسم العقاري أو في التقييدات اللاحقة المضمنة به، فالأطراف المضمنة به، فللا طراف الحق في المطالبة بتصحيحها.

وفضلا عن ذلك، فإن المحافظ يمكنه دائما أن يصحح تلقائيا المخالفات والإعفاءات والأخطاء التي يشاهدها في الرسوم، أو تترتب على الوثائق، وبالخصوص عن التصميمات المستعملة لإقامة الرسم أو لأي تقييد لاحق، وتبلغ هذه التصحيحات عند الاقتصاد كامل نظير الرسم العقاري، مع إنذاره للإتيان به قصد جعله مطابقا للرسم. وفي جميع الحالات تبقى التسجيلات الأولى على حالها وتسجيل التصحيحات بتاريخ إنجازها”.

[11] أمر عدد 2468 رقم 2468-2-2013 بتاريخ 22/11/2013 أشار إليه، بلال بوكونية ونصر الدين إيناد، م.س، ص 64.

[12] دورية عدد 389، مؤرخة في 20/02/2011، منشور بمجلة الحقوق، سلسلة الأنظمة والمنازعات العقارية، الإصدار السادس، ماي 2012، ص: 217 و218.

[13] محمد بن الحاج السلمي، م.س، ص 396.

[14] منشور على موقع وزارة العدل أشار إليه محمد بن الحاج السلمي، م.س، ص 396-397.

[15] محمد بن الحاج السلمي، م.س، ص 397.

[16] قرار عدد 3849 صادر بتاريخ 28-10-2009 في الملف المدني عدد 1-2659-1-2007 أشار إليه الأستاذ إدريس الفاخوري، الوسيط في نظام التحفيظ العقاري بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط 2018، ص 266 وما يليها.

[17] ينص الفصل 91، مع مراعاة أحكام الفصل 86 أعلاه، يمكن أن يشطب على كل ما ضمن بالرسم العقاري من تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي بمقتضى كل عقد أو حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به، يثبت انعدام أو انقضاء الحق موضوع التضمين، في مواجهة الأشخاص الذين يعينهم هذا الحق.

[18] محمد خيري، العقار وقضايا التحفيظ العقاري، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ط 2018، م.س، ص 666.

[19] محمد الحياني، المحافظ العقاري والمسؤولية التقصيرية، واقع وآفاق، طبعة مؤسسة النخلة، وجدة، ط 2003، ص 136.

انظر كذلك الفصل 89 من ظهير ت.ع.

[20] محمد خيري، م.س، ص 666.

[21] محمد بولمان، منطلقات إضافية لقراءة مستجدات التقييد الاحتياطي في القانون رقم 14.07، مجلة القضاء والقانون، العدد 164 ط 2014، ص 131.

[22] الهاشمي محارزي، التقييد الاحتياطي في ظهير التحفيظ العقاري، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، السنة الجامعية 2007-2008، ص57.

[23] حكم عدد 66/13 في الملف العقاري رقم 13/26 بتاريخ 8/1/2014، أشار إليه بلال كونية ونصر الدين إيناو، م.س، ص: 69 و70.

[24] أسماء أبركان، دور القضاء الاستعجالي في التشطيب على التقييدات المضمنة بالرسم العقاري، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة ، السنة الجامعية 2017-2018، ص 14.

[25] رشيد أجيم، سلطة القضاء الاستعجالي في التشطيب على التقييد الاحتياطي (خصوصية في التأويل وضوابط في التنزيل)، منشورات المنبر القانوني، العدالة العقارية والأمن العقاري بالمغرب، أعمال الندوة العلمية الثانية التي نظمتها مجلة المنبر القانوني بشراكة مع القضاء المدني يوم 20 أبريل 2013 بتزنيت، سلسلة ندوات وأبحاث 2 مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2014، ص 118.

[26] محمد بن الحاج السلمي، التقييد الاحتياطي في التشريع المغربي، م.س، ط 2014، ص 404.

[27] قرار محكمة الاستئناف بالرباط صادر بتاريخ 24 يوليوز1940، أورده، الهاشمي محارزي، التقييد الاحتياطي في ظهير التحفيظ العقاري، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، مسلك قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة، السنة الجامعية 2007-2008، ص 54.

[28] أمر استعجالي رقم 787 صادر بتاريخ 26-12-2017، في ملف عدد 720/1101/2017، غير منشور.

[29] حسن فتوخ، م.س، ص 249.

[30] حسن فتوخ، م.س، ص 250.

[31] أمر استعجالي رقم 728، صادر بتاريخ 05/12/2017، ملف عدد 722/1101/2017. غير منشور.

[32] أمر استعجالي، رقم 278 الملف رقم 742/84/6 بتاريخ 21/08/1984، منشور بمجلة رابطة القضاة، العدد 18، بتاريخ 19 شتنبر 1986، ص 119.

[33] إلياس أمُكان، خصوصيات القضاء الاستعجالي في مادة التحفيظ العقاري على ضوء قانون 14.07، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،  كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة السنة الجامعية 2016-2017، ص 64.

[34] نفس المرجع، ص 64.

[35] أمر استعجالي رقم 418 ملف 269/1101/2018 بتاريخ 31/07/2018. غير منشور.

[36] الحسن بوقين، التقييد الاحتياطي والحجز التحفظي على عقار محفظ، مقال منشور بمجلة الإشعاع، عدد 12 سنة 2012، ص 41.

– عبد العالي الدقوقي، الإلغاء والتشطيب في التشريع المغربي، م.س، ص: 235 و236.

– محمد مهدي الجم، التحفيظ العقاري في المغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط الثالثة، 1986، ص 266.

[37]– بحماني ابراهيم ،دور قاضي المستعجلات في انهاء التقييدات الاحتياطية والحجوز التحفظية ،مقال منشور في نظام التحفيظ العقاري دعامة اساسية للتنمية،سلسلة دفاتر محكمة النقض عدد21الطبعة2015 مطبعة حي الرياض، الرباط، ص: 240.

[38] عبد الكريم عبو، التعسف في استعمال حق التعرض والتقييد الاحتياطي في ضوء قانون 14.07، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة،  السنة الجامعية 2014-2015، ص 86.

[39] تنص الفقرة الأولى من الفصل 35 من دستور يوليوز 2011، الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 91-11-1 بتاريخ 27 شعبان 1432، صادر في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليوز2011) ص3600، على ما يلي: “يضمن القانون حق الملكية”.

[40] إدريس المصلح، الفعالية القانونية لمؤسسة التقييد الاحتياطي وانعكاسها على الاستثمار في ظل المستجدات من ظ.ت.ع، كما عدل وتمم بالقانون14.07، مقال منشود بالموقع الإلكتروني www.marocdroit.com  تاريخ الزيارة: 23/09/2018، على الساعة: الرابعة زوالا.

[41] الظهير المؤرخ في 01/06/1915 المحدد لمختلف المقتضيات الانتقالية لتطبيق نظام التحفيظ العقاري، الظهير المؤرخ في 02/06/1015 المتعلق بالتشريع المطبق على العقارات المحفظة، القرار الوزاري المؤرخ في 03/06/1915 المتعلق بتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري، القرار الوزيري المؤرخ في 04/06/1915 المتعلق بتنظيم مصلحة المحافظة العقارية وكذا التعليمات العامة للصدر الأعظم المؤرخ في 06/06/1915.

[42] كان الفصل 48، ينص فقط على معاقبة المتعرض المتعسف وبموجب تعديل جرى بمقتضى ظهير مؤرخ في 25 غشت 1954 تم التنصيص على معاقبة طالب التحفيظ المتعسف كذلك، وشكل ذلك تطورا تشريعيا مهما في اتجاه معاقبة كل من يتعسف في استعمال حق سواء كان متعرضا أو طالب تحفيظ.

[43]عبد الرحيم حزيكر، التقييد الاحتياطي وانعكاساته على الاستثمار، مقال منشور، في ندوة في موضوع، دور التشريع ونجاعة القضاء في حل المنازعات العقارية، مطبعة الأمنية، الرباط، ط الأولى، 2011، ص: 134 و135.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)