ندوة وطنية بالحسيمة تقارب واقع حماية الملكية العقارية وتوصي بالحد من التضخم التشريعي

محمد اهتوت: مسطرة الأمر بالأداء في القانون المغربي

3 أسئلة راهنة مع الدكتور محمد براو حول المادة 9 من مشروع قانون المالية لسنة 2020

5 نوفمبر 2019 - 8:21 م القانون والصحافة , حوارات صحفية , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

حاوره :  إبن مسعود ياسين مدير موقع مغرب القانون 

ضيف الحلقة الأولى من “3 أسئلة راهنة” الدكتور محمد براو باحث وخبير دولي في الحكامة والمحاسبة ومكافحة الفساد


السؤال الأول : سبق أن وصفتم فضيلة الدكتور المادة 9 من مشروع قانون المالية لسنة 2020 بكونها نموذج فاقع لما يصطلح عليه ب”الفساد القانوني“. مـــا هــــي أوجه الفساد القانوني في مقتضيات المادة 9 ؟

أولا: وفقا لنظريات الفساد على الرغم من أن الفساد ينظر إليه على العموم على أنه غير قانوني أو مصادم للشرعية، إلا أن هناك مفهومًا جديدا للفساد القانوني، كما طوره دانييل كوفمان وبيدرو فيسنتي. تبعا لما ذهب إليه هذان الفقيهان في الاقتصاد السياسي للفساد فإن الفساد القانوني قوامه تلك العمليات الفاسدة في العمق، لكنها إما محمية بموجب إطار قانوني (مسموح بها)، أو على الأقل لا يحظرها القانون أي أنها خارج التغطية التشريعية لا تزال.

ثانيا: هناك عدة أمثلة من هذا القبيل في السياق القانوني المغربي منها مثلا رشوة الموظفين الأجانب فهي مجرمة في الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد لكن لم يتم استدماج هذا التجريم صراحة في النسيج القانوني المغربي، ومنها التشبيك، ومنها تضارب المصالح ولكنني أريد أن أختار مثالا يقربني أكثر من حالة النازلة وهو مثال: السلطة التقديرية؛ يعرف جميع فقهاء القانون الإداري هذه السلطة على أنها استثناء على مبدأ الشرعية فسوغوها قانونيا ومنهم من ذهب مذهبا آخر ووصفها بأنها وصمة عار على جبين الشرعية. فهي إذن عار مقنن…

ووفقا لمعادلة كليتغارد الشهيرة فإن هذه السلطة التقديرية عندما تكون بدون مكابح حقيقية فهي تعتبر الركن الأول والأساسي في المعادلة الرياضية للفساد من منظور قانوني مؤسساتي.

ثالثا: وفي حالة النازلة، إن تقويض أحد ركائز دولة الحق والضرب صفحا على أهم مقومات حكم القانون، هو الفساد بعينه من منظور إدراكي مباشر، ف”الحكم القضائي إما ينفذ وإما لا يكون” حسب الفقيه الفرنسي ميرل، وعندما نصل لهذا الحد من التنكر لعنوان الحقيقة، فذلك سيجرنا للتفكير في انحلال الدولة حسب التعبير الشهير للمرحوم الحسن الثاني، ذلك من حيث أنه يشل الفعالية القضائية ويقنن طغيان المبرر النفعي على الأولوية الحقوقية والحماية القضائية. ومهما كانت الذرائع الاجتماعية أو الإنسانية المدعاة فهو نموذج لهذا العار المقنن أي إطلاق يد وزارة المالية في صياغة التشريع المالي ومحدودية آليات الرقابة والمحاسبة القبلية والموازية في هذا الخصوص من حيث الشكل والمسطرة. كما أنه يرسل رسالة خاطئة للمواطنين والمستثمرين وللمنظمات الدولية الضابطة لقواعد وأخلاقيات الحكامة الرشيدة وحكم القانون من حيث الجوهر والآثار البعيدة.

السؤال الثاني: باعتباركم الدكتور براو باحثا وخبيرا دوليا في الحكامة والمحاسبة ومكافحة الفساد : مـــــا هـــــي الآثار المستقبلية الوخيمة للمصادقة على مقتضيات المادة 9 على مستوى شروط البيئة القانونية للاستثمار بالمغرب؟.

أولا: من حيث مؤشر مناخ الأعمال: المغرب كسب مراتب متقدمة في آخر ترتيب وواحد من المعايير المعتمدة هو معيار تنفيذ العقود ويضم فعالية المساطر القضائية، فإذا تم تشريع هذا النص الرجعي ستتم المخاطرة إما بفرملة ما تحقق من تقدم للمغرب السنة المقبلة أو بالتراجع إلى الوراء. وبالتالي الإضرار بمناخ الأعمال أي بمناخ الاستثمار…

مقال قد يهمك :   محكمة التحكيم الرياضية تحسم ملفّ الوداد والترجي

ثانيا: من حيث مؤشر حكم القانون: الأمن القضائي والأمن القانوني أصلا يحتاج فيهما المغرب لجهود لتحسين وضعيته؛ وقد حصل المغرب على مرتبة متدنية جدا في تقرير 2019 حول حكم القانون والصادر عن مشروع العدالة العالمي إذ انتقل من المرتبة 67 إلى المرتبة 74.

ثالثا: من حيث مؤشر النزاهة ومكافحة الفساد: هذا التعديل سيفتح الباب واسعا للإغواء بالمساومة والمتاجرة في تنفيذ الأحكام القضائية وفي استغلال مورد الوقت كقيمة للتلاعب والتساوم، وسيطلق مسارا سلبيا من شأنه العصف بالمكاسب الحقوقية والقضائية.

السؤال الثالث : صرح وزير المالية محمد بنشعبون أن ارتفاع الحجوزات على أموال الدولة خلال الثلاث سنوات الأخيرة (10 ملايير درهم) يهدد التوازنات المالية للدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، خاصة إذا لم يتم برمجة كيفية تنفيذ الأحكام بشكل يراعي إكراهيات الميزانية العامة ومحدودية المداخيل، وهو ما يجعل المادة 9 حسب تصريح وزير المالية وسيلة لضمان استمرارية المرفق العام وليست عاملا تفضيليا للدولةمــــــــا تعــــليقكم ؟ وما هي اقتراحاتكم دكتور للخروج من هذه المعضلة؟.

  • تعليق الدكتور محمد براو

في الواقع يمكن تحليليا تقسيم مبررات الموقف المتمسك به من طرف وزير المالية إلى ثلاثة أقسام:

  • المبرر المالي: الخسائر المالية الضخمة؛
  • المبرر القانوني: مبدأ استمرارية المرفق العمومي؛
  •  والمبرر الاجتماعي الانساني الحجز على سيارات الإسعاف وأجور الموظفين.

لنلامس تحليليا ولو بسرعة خاطفة كل واحد منها، لكن لا بد من التعريج قبل ذلك على جذور القضية فقها وقضاء.

أولا: إن مبدأ القضية ومنشأها يعودان إلى صمت المشرع بشأن موضوع إجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، الأمر الذي أدى إلى انسداد الأفق وهو ما جعل المتقاضين والمواطنين أمام متاهة الأرانب تارة أو الحلقة المفرغة تارة أخرى و العقدة طورا أو اليأس طورا أخر.

لكن الاجتهاد القضائي سجل أول هدف في المرمى من خلال الأمر الاستعجالي الشهير الصادر بتاريخ-12- 2- 1991، والذي تم من خلاله وبمقتضى معادلة هندسية برهانية مفحمة نزع صفتي القداسة والإطلاق عن مبدأ عدم جواز الحجز على الأموال العمومية المملوكة للإدارة استنادا إلى فكرة المناط أو المقصد.

ثم انتهى إلى تبني آلية الغرامة التهديدية كطريقة من طرق التنفيذ غير المباشر في مواجهة الإدارة كشخص معنوي عام بالرغم من تحفظ المجلس الأعلى آنذاك، إلى أن سجل خطوة تقدمية لافتة إلى الأمام من خلال إثارة المسؤولية الشخصية للممتنع عن التنفيذ وتوجيه الغرامة التهديدية إلى معرقلي تنفيذ الأحكام القضائية بصفتهم الشخصية، وسط تباين حول طبيعتها بين مفهوم التعويض ومفهوم التهديد، وذلك انطلاقا من قراءة مترابطة جريئة بين المادتين 7 من قانون 41/ 90 المحدثة بموجبه محاكم إدارية و 448 من قانون المسطرة المدنية.

مقال قد يهمك :   ع.اللطيف وهبي : برلمان شارد..

ثانيا: إن الإشارة إلى المخاطر الاجتماعية والإنسانية هي إشارة ذات بعد رمزي لأن مؤشر المخاطر الاجتماعية مشكوك في تمثيليته ووجاهته.

ثالثا: المؤشر الصحيح والمتفق عليه هو الخسائر المالية وهو في تصاعد على ما يبدو إذا صدقنا أرقام وزارة المالية، وقد كتبت حوله تقارير ومذكرات ووجهت بشأنه انتقادات للإدارة الحكومية، ومن هذه الملاحظات النقدية ما جاء في تقرير خاص للمجلس الأعلى للحسابات الذي لم يوص –بالمناسبة- بتجميد تنفيذ الأحكام القضائية ضد الدولة كحل من الحلول لمشكلة النزيف المالي الناجم عن سوء تدبير المنازعات القضائية ، فهل العلاج يكون ياترى بالبتر على حساب ما أجمع عليه الفقه والقضاء، أم بالبناء الهادئ والإصلاح الشامل من خلال مراجعة طريقة تدبير المنازعات القانونية والقضائية للدولة وابتكار آليات فنية وإدارية لغرض تجويد مردودية المرافق العمومية في هذا المجال..

رابعا: بخصوص مبدأ استمرارية المرفق، فله ضمانات منها أن القاضي الإداري كان دائما حريصا في الأمر بالحجز على عدم التسبب في عرقلة السير الإداري للمرفق وكان يورد ذلك ضمن حيثيات قراراته، وإذا كان هناك من أخطاء فهي أخطاء في التطبيق تعالج بموجب توجيهات السياسة القضائية من طرف السلطة القضائية وليس من خلال التدخل التشريعي الفج الذي يهدد بوقف هذه الديناميكية الحقوقية المكرسة بالاجتهاد القضائي القار. فالقاضي الإداري كان ولا يزال يراعي عند تطبيق الحجز ظروف وملابسات كل حالة ومدى ملاءة المرفق من حيث المرصودات الخاصة بالتعويض المقابل لتنفيذ الأحكام القضائية… ووجود الاعتمادات أو مؤونة خاصة بمواجهة الظروف الطارئة الني ينبغي أن تكوون متوقعة وفقا لنظام إدارة الجودة بالمرافق العمومية…إلخ. وإذا كان من معالجة فيجب أن تكون متوازنة من الجانبين الإداري والقضائي من خلال الحوار وتبادل الرأي والدروس المستفادة من التجربة.

خامسا: في اعتقادي المتواضع وبعيدا عن الانفعال اللحظي، وإذا أردنا التفكير والتقييم بعقل بارد فإن هذا التعديل القانوني يشكل تمديدا لفلسفة نظرية الأمير من العقود الإدارية إلى الأحكام القضائية؛ واكتساحا لمساحة كانت مغطاة من الاجتهاد القضائي (لا ننسى أن سيرة القانون الإداري تقول إنه قانون قضائي في الأصل). إنه تزاحم وتفاوض تنافسي بين المعيارية الحقوقية والبراغماتية المنفعية المسكونة بالهاجس المالي.

  • مقترحات للخروج من هذه المعضلة:

أولا : قبل ذلك وتفاعلا مع بعض ما قرأت من تعليقات حول الموضوع مؤخرا، فأنا أعتبر أن الأمر لا يتعلق بنموذج للفرسان الموازناتية cavaliers budgétaires لأن التعديل يهدف مبدئيا لحماية المال العام وبالتالي لا يتعارض مع مقتضيات الفصل 6 من القانون التنظيمي للمالية. ولكن ما يعاب على وزارة المالية هو عدم إفساح المجال للتشاور القبلي الواسع والمفتوح مع المعنيين بالأمر والاستماع لجميع الآراء، ولا سيما أن مبدأ المشاركة من المبادئ المؤسسة لعملية إعداد الميزانية وفق القانون التنظيمي والالتزامات الدولية للمغرب، إضافة لمبدأ الشفافية ومفهوم ميزانية المواطن …إلخ. وقد سبق للوزارة التي أصبحت مختصة بإصلاح الإدارة، أن اصطدمت مع المجلس الأعلى للحسابات عندما تجاوزت ملاحظاته واقتراحاته بخصوص تعديل قانون 61-99 المتعلق بالمسؤولية المالية، وقد نشر المجلس على الملأ هذا الاختلاف التنافري في تقريره السنوي لسنة 2006.

مقال قد يهمك :   قراءة شكلية في المرسوم الجديد المتعلق بالساعة القانونية

ثانيا: أما بخصوص المخرج فهو اللجوء للحلول الوسطى، من خلال الاسترشاد بمبدأ التوفيق بين مراعاة الخسائر المالية الناجمة عن الحجوزات غير المدروسة، والحاجة الملحة للحد منها مع عدم التضحية بالمكتسبات الحقوقية التي كرسها الاجتهاد القضائي وذلك من خلال تلمس الوسائل والآليات البديلة والموازية التالية:

  • الحرص (من الإدارة والقضاء على حد سواء) على وجود الاعتماد وملاءة المرصودات المخصصة لمصاريف الأحكام القضائية؛
  • لا بأس من الاعتماد، حسب الحالة، لمبدأ جدولة تسديد الدين حسب القدرة على الوفاء في حالة وجود صعوبات واقعية مؤكدة؛
  • الحذر من القص واللصق التجزيئي والإسقاطي للنموذج الفرنسي لأن هذا الأخير لئن كان قد درج على عدم تطبيق مبدأ الحجز فإنه يغطي هذا المنع المبدئي بآليات موازية قانونية وإدارية وميزانياتية غير موجودة في النموذج المغربي المغربية ومنها قانون يوليوز 1980 وآلية التسجيل التلقائي من طرف ممثلي الدولة للمصاريف المقابلة لتنفيذ الأحكام القضائية ضمن النفقات الاجبارية في ميزانيات الجماعات الترابية.
  • عندما يحصل نزاع بخصوص إصدار وتنفيذ الحجز فلماذا لا يتم عرض المسألة على المجلس الأعلى للحسابات كمسألة أولية لمعالجة الجانب المالي والقانوني باعتباره جهة متخصصة من جهة وجهة مستقلة محايدة من جهة أخرى؛
  • وبالموازاة مع ذلك إدماج عدم تنفيذ الاحكام القضائية ضمن مخالفات التأديب المالي بمدونة المحاكم المالية الموجبة للمساءلة التأديبية المالية؛ وقد سبق لنا ان اقترحنا هذا التعديل سنة 2012 تنظر الصفحات الأخيرة من كتابنا ” الوسيط في شرح مدونة المحاكم المالية”.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)