ادمنصور عمر: الإثابات المقررة للمتعاقد حسن النية

29 أبريل 2021 - 3:25 م مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

ادمنصور عمر باحث بسلك الدكتوراه

مقدمة:

لا جرم، أن كافة النظم القانونية تحرص على أن تقوم علاقات الأفراد على أساس من التفاهم والتعاون المتبادل، حفاظا على كيان المجتمع وضمانا لسلامته؛ تحقيقا للخير العام. ومن هنا أوجبت النظم القانونية على الفرد أن يسلك من الأفعال ما لا يضر بها الغير ضررا كان في إمكانه أن يتجنبه أو أن يقلل منه إلى أدنى حد ممكن. وهذا الواجب القانوني هو في الأصل واجب أخلاقي[1]، والقانون والأخلاق يحملان رسالة واحدة-وإن اختلف سبيل كل منهما في تأديتها-تتمثل في نشر الطمأنينة وكف العدوان، وخلق الثقة ومحاربة سوء النية، توطيدا لصرح العدالة وخدمة للمجتمع والفرد[2].

وبهذه المثابة، فإنه عادة ما تعتمد الأنظمة القانونية لحماية أخلاقيات التعاقد في التعامل بين أطراف العقد، حماية لتطلعاتهم المشروعة، على مبادئ قانونية عامة، وفي طليعتها مبدأ حسن النية في العقود، هذا المبدأ الذي يجمع بين الواجب الأخلاقي والالتزام القانوني، والذي يعد تدخله في العلاقات أمرا لا مندوحة منه، لإعادة العلاقات إلى مسارها المستقيم[3].

ولعل، التمعن في مبدأ حسن النية، سيتضح مع أنه مركب من ثلاث ألفاظ: أم الأول فهو المبدأوهو الذي يقابله في الفقه الإسلامي القاعدة؛ باعتباره ذلك الأمر الكلي الذي ينطبق على عدة جزئيات مثل قاعدة الأمور بمقاصدها، الضرر يزال، العادة محكمة، اليقين لا يزول بالشك والمشقة تجلب التيسير، وهذا على خلاق القانون الوضعي الذي يستعمل القاعدة ليس باعتبارها ذلك الأمر الكلي الذي ينطبق على عدة جزئيات؛ وإنما يستعمل إن أراد هذا القصد الأخير مصطلح المبدأ؛  أو القاعدة القانونية العامة وهو الذي يؤكده تخصيص مشرع ظهير الالتزامات والعقود المغربي الباب الثاني المعنون ب “في بعض القواعد القانونية العامة” من القسم السابع المعنون ب “إثبات الالتزام وإثبات البراءة منه”. وأما الثاني، فهو الحسن الذي يراد به الجمال وكل مبهج مرغوب فيه، ويقابله القبح ويجمع على محاسن، وأحسن فعل ما هو حسن، وأحسن الشيء أجاد صنعه. وأما الثالث، فهو النية ويقصد بها لغة القصد والعزم والاعتقاد والتحول من مكان لآخر، كما تعني الإرادة المتجهة إلى فعل ما. ويقصد بها في الاصطلاح الإسلامي القصد بالقلب إلى أداء شيء معين عند المالكية، وقصد التقرب إلى الله في إيجاد الفعل عند الحنفية، وانبعاث القلب نحو ما يراه موافقا من جلب نفع أو دفع ضرر حالا أو مآلا عند الشافعية، والقصد إلى فعل الشيء، ومحلها القلب عند الحنابلة. ويقصد بها في الاصطلاح القانوني القصد إلى إحداث الأثر القانوني[4].

هذا،وقدتعددت تعريفات مبدأ حسن النية وتنوعت بتنوع المعايير التي يتم اعتمادها بشأنه،فهو بالنسبة للذين اعتمدوا المعيار الذاتي، ينطلق من ذات الشخص المطلوب الحكم على تصرفه، في انتفاء نية الإضرار بالطرف المقابل،وفي انتفاء التحايل على أحكام القانون، فهو إذن يقوم على نوايا الشخص ومقاصده.

وهو بالنسبة للذين اعتمدوا المعيار الموضوعي، يقوم على دعائم أخلاقية ثابتة ومبادئ دينية تؤمن به االجماعة ترفعه اإلى مقام القواعد القانونية، ولو لم يتضمنها نص تشريعي، ولا عبرة فيه بالمقاصد، فإذا أقر المجتمع شرعيتها، فإن حسن النية يثبت لصاحبها، وإلا عد سيء النية. أما الذين يعتمدون المعيار القانوني،فإن مبدأ حسن النية يتخذ أساسه من نصوص تشريعية يتعين على المتعامل مراعاة ما فيها من مقتضيات حتى إذا حاد عنه كان سيءالنية بصرف النظر عن حقيقة النوايا أو المقاصد[5].

ووعيا بدور مبدأ حسن النية في العقود، فقد أوجبه المشرع المغربي على المتعاقدين في تنفيذ التزاماتهم المتبادلة، فنص عليه ضمن الفصل 231 من ق.ل.ع الذي جاء فيه أنه:“كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية. وهو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب، بل أيضا بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقتضيه طبيعته.” وتوسع في إقراره المشرع الفرنسي، حيث تطلبه ليس فقط في مرحلة تنفيذ الالتزامات التعاقدية؛ وإنما أوجبه في مرحلة تكوين العقود والتفاوض بخصوصها؛ لذلك نص فيالفصل 1104 منالقانونالمدنيالفرنسيبعدالتعديلعلى أنه: Les contrats doivent être négociés,formés et exécutés de bonne foi.

أما بالنسبة للفقه، فهو بدوره أولى هذا المبدأ عناية خاصة، بحيث اعتبر الفقيه Ribert أن القواعد القانونية لا يمكن أن تنشأ إن لم ترعها الأخلاق وأن حسن النية هو إحدى الوسائل التي استخدمها المشرع لإدخاله القاعدة الأخلاقية في المجال القانوني[6]. وهو ما أعلنه الفقيه Denis Mazeaud باعتباره أن المتعاقدين متساوين وإخوة، لهذا وجب عليهم تنفيذ التزاماتهم بحسن نية[7].

أما بالنسبة للشريعة الإسلامية، فإنها لا تفصل بين الدين، الأخلاق والقانون. وقد أوجبت مراعاة حسن النية في العلاقات التعاقدية في كثير من الآيات القرآنية نذكر منها على سبيل القصر لا الحصر: قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ[8]” وقوله سبحانه:    “وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[9].” وقوله عز من قائل: “وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ[10]. ” وقوله تعالى: “أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ[11].”

وأما بخصوص القضاء[12]، فإنه اعتبر حسن النية مبدأ أصيلا وأحد أهم أعمدة العلاقات التعاقدية؛ وذلك يبدو واضحا من خلال قوله: “إن العقد ينفذ وفق ما اشتمل وبطريقة تتفق مع ما يوجب حسن النية وشرف التعامل وقواعد الإنصاف ويترتب على ذلك الكف عن أي عمل من شأنه جعل تنفيذ الالتزام مرهقا وأشد كلفة على المدين، بل إن مبدأ حسن النية ينشأ التزاما على الدائن بوجوب التعاون مع صاحبه في الوفاء بالالتزام الملقى على عاتقه ويسأل عقديا عن ذلك.”

وهكذا، فإن حسن النية يمنح لصاحبه حقوقا ويوفر له حماية لا يتمتع بها عادة صاحب الصفة المناقضة. وذلك كله، تقديرا من المشرع لصاحب السلوك القويم في مجال المعاملات، ودفعا لباقي الأفراد إلى إتباع نفس الأسلوب حتى يحصلوا على نفس الإثابات والامتيازات.ومن بين الامتيازات المقررة تشريعا نجد على سبيل القصر لا الحصر، اكتساب الملكية والثمار، وكذا الرجوع بالضمان وبالمصروفات والتعويضات، غير أن الذي يهمنا في هذا المقام هو تصحيح التصرف القانوني العقديالباطل أصلا نظرا لكون المتعاقد يتمتع بصفة النية الحسنة فاقتضى ذلك تمتيعه بامتياز تشريعي يترتب عنه اعتبار التصرف الذي أبرمه الأخير صحيحا إثابة على حسن نيته من جهة، والاستفادة من التدخل القضائي في العقد من أجل تعزيز مركزه الضعيف في العلاقة التعاقدية كإثابة قضائية مقررة للمتعاقد ذو النية الحسنة[13].

وعند النظر إلى مبدأ حسن النية في العقود، نجده مبدئا ضاربا بجذوره في أعماق التاريخ القانوني. فقد وجد في القانون الروماني، لكنه كان مقصورا على عقود معينة بسبب الشكلية التي كان يتسم بها هذا القانون، فقد كان يقسم العقود إلى حرفية التنفيذ، وعقود حسن النية، لكن الحال في القوانين الحديثة غير ذلك حيث أصبحت العقود جميعها تقوم على حسن النية، وهذا ما يظهر من خلال مراجعة كل من الفصل 231 من ظ.ل.ع المغربي، والفصل 1104 من القانون المدني الفرنسي المشار إليهما سابقا. وعند النظر إلى التشريع الإسلامي نجد أنه منذ نشأته لم يفرق بين العقود، بل جميعها تقوم على حسن النية، وذلك لأنها شريعة أخلاقية، فالأخلاق لم تكن يوما جزء منفصلا عن قواعد التشريع الإسلامي[14].

وعليه، تظهر المكانة التي يحتلها موضوع الإثابات أو الامتيازات المقررة للمتعاقد ذو النية الحسنة؛ وذلك على الصعيدي العلمي والعملي. أما الأول، فيتحدد في الوقوف عند أهم النصوص التشريعية، الآراء الفقهية والعمل القضائي في تكريس الحماية القانونية التعاقدية للمتعاقدين المتمتعين بامتياز حسن النية في العلاقات التعاقدية. وأما الثاني، فيتجسد في تعدد تجليات الامتياز أو الإثابات المقررة للطرف حسن النية في العملية التعاقدية؛ بحيث إلى جانب قانون الالتزامات والعقود، نجد قانون حماية المستهلك، ومدونة التجارة، وقانون الشركات؛ الأمر الذي يضفي الأهمية العملية لهذا الموضوع من خلال محاولة خلق نوع من التوفيق والتكامل فيما بينها قصد استجلاء أهم الإثابات الممنوحة للمتعاقدين ذو النية الحسنة.

لذلك، فإن الإشكالية التي يعالجها هذا الموضوع هي: ما مدى فعالية الإثابات والامتيازات التي قررها القانون المغربي للطرف ذو النية الحسنة في إعادة التوازن للعلاقات التعاقدية المختلة؟

وللإجابة عن الإشكالية المومأ لها، فإننا سنبحث في الإثابات والامتيازات التشريعية التي المقررة للطرف المتعاقد ذو النية الحسنة، بينما نتحدث في شق ثاني عن الإثابات والامتيازات القضائية المقررة لذو النية الحسنة في العلاقات التعاقدية. وعليه، يرتسم منهاج دراستنا لهذا الموضوع، وهو على ما يلي:

  • الفقرة الأولى: الإثابات التشريعية للطرف المتعاقد حسن النية
  • الفقرة الثانية: الإثابات القضائية للطرف المتعاقد حسن النية

الفقرة الأولى: الإثابات التشريعية المقررة للمتعاقد حسن النية

في الحياة القانونية كثيرا ما يبدو شخص ما في أعين الناس بمثابة صاحب حق أو حالة قانونية ما، وهو في الحقيقة ليس كذلك. وإذا باشر هذا الشخص تصرفا قانونيا مع الغير حسن النية، كان هذا التصرف صحيحا، ويسري على المالك الحقيقي، ومثل هذا الحل غريب ويصطدم بمبادئ قانونية سليمة؛ مثل مبدأ سلطان الإرادة والأثر النسبي للاتفاقات. فالمالك الحقيقي يجب عليه احترام تعاقد لم يرضه قط، ويلتزم بناء على اتفاقية لم يشارك في وضعها، وهو ما يخالف القاعدة العامة التي تقضي بأن الشخص لا يمكن أن ينقل أكثر مما يملك؛ فالحائز الظاهر سوف ينقل للغير حسن النية حقا جاريا بملك الغير، بينما التصرف بملك الغير قابل للإبطال[15].

وبهذه المثابة، فإنه وحتى نتمكن من تحليل نسبي لتصحيح التصرف القانوني التعاقدي القائم على الوضع الظاهر كإثابة وامتياز تشريعي يقرره المشرع للمتعاقد ذو النية الحسنة، سنعرض لبحث ماهية المراكز الفعلية وفكرة الوضع الظاهر(أولا)، ثم ننتقل إلى إبراز بعض مظاهر المراكز الفعلية في القانون المغربي (ثانيا).

  أولا: ماهية المراكز الفعلية وفكرة الوضع الظاهر

سنحدد من خلال هذا المحور، مفهوم المراكز الفعلية (أ) ثم ننتقل بعدها لبيان مفهوم فكرة الوضع الظاهر(ب).

أ-مفهوم المراكز الفعلية

المراكز القانونية هي الأصل والأساس الذي يعتد به المشرع ويعول عليه في ضبط وتنظيم علاقات وتصرفات الأفراد في المجتمع، ويرتبعلى المتعامل مع أصحاب هذه المراكز بشأن ما تخوله من سلطات ومكنات ومزايا وتصرفات، كافة الآثار التي يقررها القانون، وذلك لأنها نشأت وتكونت في إطاره وتتفق مع قواعده وأحكامه[16].

وإلى جانب هذه المراكز القانونية التي نشأت وتتكون في إطار القانون وتحظى بحماية، توجد مراكز أخرى يشغلها بعض الأفراد لا تستند في وجودها إلى القانون، فهي تنشأ وتتكون وتوجد في الواقع الاجتماعي على خلافه[17]. وذلك لأنها تفتقد أحد العناصر اللازمة لاتفاقها مع قواعد القانون وأحكامه. ويطلق على هذه المراكز اسم”المراكز الفعلية les situation de fait “. وفي هذه المراكز يظهر الشخص أمام الناس بأنه صاحب الحق أو المركز القانوني ويتعامل مع الناس ويتعاملون معه على هذا الأساس وبهذه الصفة، مع أنه في الحقيقة ليس كذلك. ومن ثم، فإن صاحب المركز الفعلي يباشر سلطات ومكنات ومزايا مركز ليس له، أي أنه ليس ذا صفة في حيازة هذا المركز، لأنه يغتصب صفة صاحب الحق أو المركز القانوني. فحيازة المركز الفعلي لا تستند إلى القانون، وإنما إلى الواقع[18].

   وإذا كانت المراكز الفعلية وفق ما تقدم، مؤداها أن القانون لا بها لافتقادها أحد العناصر اللازمة لإضفاء وصف القانونية أو الشرعية عليها[19]،  فإن الوسيلة الفنية procédé techniqueلاعتمادها هي فكرة الوضع الظاهر l’apparence، ذلك أن الظاهر هو المركز الفعلي الذي يخالف الحقيقة، أي الذي لا يستند إلى القانون، وبموجب هذه الفكرة تم الاعتداد بتصحيح التصرف الذي يبرم بين صاحب الظاهر و الغير حسن النية الذي أقدم على التعامل مع هذا الشخص وهو يعتقد اعتقادا مبررا يسانده الواقع، أنه يتعامل مع ذي صفة ومع صاحب الحق أو المركز القانوني الذي تم التعامل بشأنه. فأصبح تصرف صاحب الظاهر صحيحا ونافذا في مواجهة صاحب الحق أو المركز القانوني الحقيقي لمصلحة الغير حسن النية[20].

      وعليه، فالتحليل النهائي لفكرة المراكز الفعلية، ينبئ عن أن تلك المراكز ليست بحسب الأصل سوى وقائع مادية اعترف بها المشرع وأخضعها لتنظيم قانوني لاعتبارات تقتضيها ضرورات الحياة العملية. كما أن الاعتداد بالمراكز الفعلية، وترتيب مختلف الآثار عليها، لم يأت عفوا، ولم يكن وليد فكرة تحكمية أو مجرد تصور نظري لا أساس له من الواقع؛ بل هو حقيقة قانونية تمليها اعتبارات العدالة وحماية مصلحة التعامل، بل وتقتضيها ضرورات الحياة العملية واحتياجات المجتمع الواقعية[21]. واتضح أيضا بأن الوسيلة المعتمدة في الاعتداد بالمراكز الفعلية هي فكرة الوضع الظاهر، فما هي إذن هذه الفكرة؟

ب-مفهوم فكرة الوضع الظاهر

الظاهر هو المركز الفعلي الذي يخالف الحقيقة، أي الذي لا يستند إلى القانون، وبموجب هذه الفكرة تم الاعتداد بتصحيح التصرف الذي يبرم بين صاحب الظاهر والغير حسن النية الذي أقدم على التعامل مع هذا الشخص وهو يعتقد اعتقادا مبررا يسانده الواقع، أنه يتعامل مع ذي صفة ومع صاحب الحق أو المركز القانوني الذي تم التعامل بشأنه. فأصبح تصرف صاحب الظاهر صحيحا ونافذا في مواجهة صاحب الحق أو المركز القانوني الحقيقي لمصلحة الغير حسن النية[22].

         كما أنه، وحتى يستفيد الغير المتعامل بحسن النية مع صاحب المركز الظاهر من حماية القانون، يتعين توافر شروط يتوقف عليها استفادته من مكنة تصحيح التصرف واعتباره نافذا، ويمكن إجمالها في ثلاثة شروط أساسية:

أما الأول: فهو أن يكون المتعامل مع صاحب الظاهر من الغير، وهو لا يكون كذلك إلا إذا كان أجنبيا عن التصرف أو الواقعة التي أنشأت الوضع الظاهر. فلا يعتبر غيرا من ساهم في وجود الوضع الظاهر، أو من كان خلفا[23]لصاحب هذا الوضع. فالغير هو الأجنبي عن الظاهر، أي الشخص الذي لم يقم ولم يساهم في وجود الوضع الظاهر أو استقراره، وليس خلفا عاما[24] لصاحب الوضع الظاهر، وليس ممثلا له أو به في خصوص الوضع الظاهر[25].

أما الثاني: فهو أن يكون هذا الغير حسن النية، بحيث كان يعتقد أن الوضع الذي يتعامل معه وضع قانوني. فنظرية الأوضاع الظاهرة تتدخل لحماية الغير مما تقضي به القواعد العامة، من عدم الاعتداد بهذا التصرف، لصدوره من غير ذي صفة، عن طريق تصحيح هذا العيب[26].

أما الثالث: فهو الغلط الشائع، إذ لا يكفي حسن النية الذاتي لدى الغير بالمعنى المتقدم، وإنما يتعين فوق ذلك، أن يشيع الغلط في شأن المركز الظاهر بالاعتقاد أنه يطابق المركز الحقيقي. والغلط الشائع هو اعتقاد الكافة بحقيقة الظاهر أو الغلط الذي لا يمكن تفاديه.

وإذا توافرت الشروط المومأ إليها أعلاه، أنتج الظاهر أثره، والذي يتمثل في تصحيح التصرف الصادر من صاحب المركز الظاهر. على أن هذا التصحيح، يقتصر على العيب الناجم عن صدور التصرف من غير ذي صفة، فلا يمتد إلى ما قد يشوب التصرف من عيوب أخرى تتصل دون أي عنصر آخر من عناصر التصرف الذي يبقى خاضعا للقواعد العامة[27].

لكن، التساؤل الذي يطرح في هذا الإطار هو حول ما إذا كانت النظم القانونية تعتبر نظرية الظاهر قاعدة عامة أم مجرد استثناء؟

لقد حظيت فكرة الوضع الظاهر بدراسات عديدة[28]في معظم فروع القانون، بحيث أصبحت هذه الفكرة من الأمور المسلم بها في نظم قانونية عدة منها، المغرب، مصر وفرنسا[29]، كما أن القضاء الذي، وفي ظل عدم إجابة التشريعات عن السؤال أعلاه، أنشأ وضعا قانونيا مفاده أن الوضع الظاهر قاعدة عامة وليس استثناء، وذلك ما يظهر من خلال مجموعة من القرارات الصادرة عن محكمة النقض المصرية.حيث جاء في قرار لها بأنه: “التصرفات الصادرة عن صاحب المركز الظاهر المخالف للحقيقة إلى الغير حسن النية، يترتب عليها ما يترتب على التصرفات الصادرة من صاحب المركز الحقيقي متى كانت الشواهد المحيطة بالمركز الظاهر من شأنها أن تولد الاعتقاد العام بمطابقة هذا المركز للحقيقة، ويحتج بهذه التصرفات على صاحب المركز الحقيقي”[30].

ثم زادت محكمة النقض المصرية الأمر وضوحا، فجعلت من الوضع الظاهر قاعدة عامة وليس استثناء، وأوضحت شروط تطبيقها، وذلك من خلال إقرارها بأنه: الأصل أن العقود لا تنفذ إلا في حق عاقديها، وأن صاحب الحق لا يلتزم بما صدر عن غيره من التصرفات بشأنها، إلا أنه باستقراء نصوص القانون المدني، يبين أن المشرع قد اعتد في عدة تطبيقات هامة بالوضع الظاهر لاعتبارات توجبها العدالة وحماية التعامل في المجتمع وتنضبط جميعا مع وحدة علتها واتساق الحكم المشترك فيها بما يحول ووصفها بالاستثناء، وتصبح قاعدة واجبة الإعمال متى توافرت موجبات إعمالها واستوفت شرائط تطبيقها، ومؤداها أنه إذا كان صاحب الحق قد أسهم بخطئه- سلبا أو إيجابا- في ظهور المتصرف للشواهد المحيطة بهذا المركز، والتي من شأنها أن تولد الاعتقاد الشائع بمطابقة هذا المظهر للحقيقة، مقتضاه نفاذ التصرف المبرم بعوض بين صاحب الوضع الظاهر و الغير حسن النية في مواجهة صاحب الحق[31].

            ومنه، يتضح أن الوضع الظاهر أصبح من الأمور المسلم بها ومن المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء، بل وأصبح من أهم النظريات المعتمدة في عالم القانون، ولم يعد أمام القضاء سوى التحقق من شرائط تطبيقها على الواقعة المطروحة عليه، بحيث إذا توافرت، فإنه لا مناص من إعمالها. كما أنه لم يعد الوضع الظاهر مسألة أخلاقية، بل أصبح، كما تقول محكمة النقض المصرية، قاعدة واجبة الإعمال متى توافرت موجباتهاوشرائطها.فهل كان للمشرع المغربي التوجه ذاته؟

ثانيا: بعض نماذج الوضع الظاهر كأساس لتصحيح التصرف

سنقتصر في هذا الإطار على نموذجين بارزين ضمن المنظومة القانونية المغربية، يتعلق الأول بقانون الالتزامات والعقود(أ)، ويهم الثاني القانون التجاري (ب).

أ-بعض نماذج نظرية الوضع الظاهر في ظ.ل.ع

لم يعترف القانون المدني المغربي بنظرية الظاهر كمصدر للحق بطريقة مباشرة في قانون الالتزامات و العقود[32]، وذلك راجع إلى تأثره بالقانون المدني الفرنسي متزعم المدرسة اللاتينية، التي تعتمد مبدأ سلطان الإرادة وضرورة احترامه، فضلا عن أنها تركن إلى الإرادة الباطنة للبحث عن النية الحقيقية للمتعاقدين دون الخوض في المشاكل الظاهرة من جانب، وكون نظرية الظاهر تعتبر- على حد تعبير هذه المدرسة- مناقضة للمبادئ القانونية المتعارف عليها، خاصة قاعدة نسبية آثار العقود المنصوص عليها في الفصل 228 من ظ.ل.ع[33] من جانب ثاني، وطبيعة الفقه المغربي الذي يعتبر فقها فتيا في هذا الميدان، ولم يصل في هذا المجال إلى ما وصل إليه الفقه المقارن، وعلى الأخص الفقه الفرنسي والألماني من جانب ثالث، وموقف القضاء المتردد في الأخذ بهذه النظرية إلا بإسنادها إلى الخطأ في المسؤولية من جانب رابع[34].

          إلا أنه، ومهما يكن من أمر، فإن القانون المدني المغربي لا يخلو من الأخذ بهذه النظرية خاصة في الفصل 22 من ظ.ل.ع[35] المتعلق بالصورية، والفصل 239[36] من نفس القانون الذي يقرر إبراء المدين في حالة الوفاء للحائز الظاهر للدين بحسن نية،والفصل 240[37] منه الذي يقر بصحة الوفاء للوارث الظاهر، والفصل 456 [38]منه الذي قرر بمقتضاهالقاعدة القائلة بأن الحيازة في المنقول سند الملكية والتي تعتبر تطبيقا تشريعيا صريحا لنظرية الظاهر[39].

        ولكن، المظهر الأكثر وضوحا وتجسيدا لنظرية الظاهر، هو ذلك الوارد في المقتضيات المنظمة للوكالة، وتتمثل أوجه الوكالة الظاهرة [40]في مجاوزة الوكيل لحدود وكالته، وفي إعمال الوكالة رغم انتهائها، وفي إعمال الوكالة رغم انعدامها.

أما بالنسبة لحالة تجاوز الوكيل لحدود وكالته،فإنه وبالعودة إلى الفصلين 927 [41] و928 [42] من ظ.ل.ع، والمتعلقة بحالة التجاوز، نجد أن المشرع المغربي لا يقر بفكرة الوضع الظاهر. بيد أن الرجوع إلى الفصل 926 [43]من نفس القانون، نجد بأن الموكل قد يمنح وكيله سلطات واسعة يثبتها في سند الوكالة، ثم يتفقا فيما بينهما على تحديد لهذه السلطات يثبتانه في ورقة الضد أو يكتفيان بالاتفاق الشفهي. إذ أن الوكيل أبرم مع الغير تصرفا يدخل في نطاق الوكالة المعلنة، ولكنه تجاوز حدود الوكالة الفعلية غير المعلنة، فإن الموكل يلتزم بهذا التصرف في مواجهة الغير الذي تعامل مع الوكيل. والتزامه هذا يستند إلى أساس تشريعي وإلى قواعد الصورية المقررة في الفصل 22 من ظ.ل.ع، والتي تعطي للغير الحسن النية الحق في التمسك بالوكالة الصورية المعلنة. ووجه الصلة بين الصورية والركن المادي للظاهر، أن الأولى تعتبر تطبيقا تشريعيا هاما لنظرية الظاهر في بعض الحالات، حيث إن أحكام الصورية تهدف أساسا إلى حماية الغير حسن النية الذي خدع في ظاهر استقر بفعل أطراف الصورية[44].

أما بالنسبة لحالة تعسف الوكيل في استعمال الوكالة، فالوكيل في هذه الحالة على عكس الحالة السابقة-حالةالتجاوز-يتعامل في حدود سلطاته، إلا أن ما في الأمر هو أنه استعملها لهدف شخصي، مع تظاهره بالطبع، بأنه يعمل لحساب موكله، مثل ذلك أن يمنح التاجر لوكيله صلاحية شراء بضائع، ولكن الممثل غير المخلص يبرم العملية لحسابه الخاص[45].

وفيما يخص حالة إعمال أثر الوكالة رغم انتهائها، فإنها كمبدأ عام، لا تنصرف إلى الموكل. إلا أنه، يرد على هذا المبدأ العام استثناء نص عليه الفصل 939 من ظ.ل.ع، مؤداه أنه تكون صحيحة التصرفات التي يبرمها الوكيل باسم الموكل خلال الفترة التي يجهل فيها موته أو غيره من الأسباب التي يترتب عليها انقضاء الوكالة، بشرط أن يكون من يتعاقد معه يجهل ذلك بدوره[46].وهذا ما ذهب إلى تأكيده المجلس الأعلى في قرار صادر بتاريخ 7 أبريل 1982م، حيث جاء فيه أنه:” التصرفات التي يجريها الوكيل قبل علمه بعزله، تكون صحيحة طالما أن المتعاقد معه يجهل بدوره انتهاء مهمة الوكيل.” [47] وهو نفس ما قرره في تاريخ سابق على هذا، حيث ذهب فيه أنه: إذا تصرف الوكيل وهو جاهل لموت موكله، كان تصرفه نافذا. ولهذا، يكون استئناف المحامي الذي قدمه باسم موكله المتوفى نافذا إذا كان يجهل وفاته[48].

     ومنه، يتضح أنه لئن كان مشرع ظ.ل.ع لم يعتد بنظرية الوضع الظاهر كقاعدة عامة، إلا أنه وباستقراء مجموعة من النصوص، تبين أن هناك تطبيقات مهمة لهذه الفكرة، بدء بنظرية الصورة، ومرورا بإبراء المدين في حالة الوفاء الظاهر للدين بحسن نية، والوفاء للوارث الظاهر، وحيازة المنقول سند الملكية، وصولا إلى الوكالة الظاهرة. ليطرح التساؤل حول ما إذا كان مشرع القانون التجاري، قد أخذ بهذه النظرية كقاعدة عامة أم أنه سار على نفس درب ق.ل.ع؟

ب-بعض مظاهر نظرية الظاهر في القانون التجاري

الأخذ بنظرية الظاهر في المجال التجاري، حماية للغير حسن النية، يتجلى في الأوراق التجارية؛ فالمشرع لما اختار الشكلية formalisme كشرط ضروري لإضفاء صفة ورقة تجارية على كثير من الأوراق، فإنه استنتج من ذلك وجود قانون مستقل نابع من ظاهر الورقة وما تحتوي عليه من بيانات نص عليها المشرع بغض النظر عما إذا كانت مطابقة للحقيقة أم لا؟[49]. لذلك، تشكل الأوراق التجارية المجال الخصب لإنبات نظرية الظاهر في القانون التجاري، من خلال عدة نماذج نذكر منها على سبيل المثال لا القصر، الشركات الظاهرة société apparentéeكمبيالات المجاملة les effets de complaisance[50]، وحالة الوفاء لغير الحامل الشرعي[51]، وصولا إلى حالة توقيع الكمبيالة أو الشيك على بياض والتي سنقصر بحثنا فيها من خلال(1).

     ضف إلى ذلك، قاعدة عدم التمسك بالدفوعpurge des exception[52]، التي تلعب دورا أساسيا وحاسما لتكريس نظرية الظاهر،بحيث إن المدين الصرفي لا يمكنه التمسك في مواجهة الحامل بالدفوع التي كان يمكنه التمسك بها في مواجهة آخر، إذ يستحيل على المسحوب عليه القابل أن يتمسك في مواجهة الحامل حسن النية بالدفوع التي كان باستطاعته التمسك بها في مواجهة الساحب[53]، وهو ما سنبينه من خلال(2).

1-الوضع الظاهر في الكمبيالات المجاملة

يراد بالكمبيالات المجاملة les effets de complaisance تلك الكمبيالات التي تبدو في ظاهرها مستوفية لجميع البيانات التي يفرضها القانون كما لو كانت كمبيالة جدية، مع أن الحقيقة أن إرادة المتعاقدين قد انصرفت إلى الحصول على ائتمان وهمي لا علاقة له بالحقيقة يرمي بالأساس إلى خدع الغير من هذا الظاهر[54].

      أما أساسها القانوني، فإنه وبالرجوع إلى كل من مدونة التجارة المغربية[55]وقانون جنيف الموحد، لا نجد ثمة أدنى أثر لهذا النوع من الكمبيالات الوهمية. ومع ذلك، فإنها تعتبر صحيحة في كل من القانون الألماني، الإنجليزي والإيطالي[56].

أما الفقه والقضاء، فقد أجمعا على بطلان كمبيالة المجاملة لعدم مشروعية السبب، وذلك لأن من يوقع على ورقة المجاملة إنما يستهدف تمكين الساحب أو المستفيد من الحصول على ائتمان وهمي زائف وهو أمر مخالف للنظام العام ومناف للأمانة التجارية التي يجب أن تسود المعاملات[57].

مقال قد يهمك :   مركز الرَّواء بالناظور ينظم ندوة حول المنازعات العقارية والأسرية لدى الجالية المغربية (دعوة للمشاركة)

    بيد أن نتائج البطلان وآثارها تختلف بالنسبة للأطراف عنها بالنسبة للغير. أما الأطراف، فإن البطلان ينتج آثاره في مواجهتهم، وذلك على اعتبار أن إرادتهم لم تنصرف أصلا إلى إنشاء أي التزام صرفي لانعدام وجود مقابل الوفاء. أما الغير، فيجب التمييز بين فرضيتين:

أما الأولى، فتهم الغير السيئالنيةLa mauvaise foi الذي لا يستحق أية حماية. والثاني، يخص الغير حسن النية la bonne foiوالذي لا يسوغ التمسك في مواجهته ببطلان كمبيالة المجاملة، وذلك لكونه اطمأن إلى ظاهر الورقة التي تحمل كافة البيانات القانونية وموقعها عليها بالقبول من طرف المسحوب عليه رغم عدم وجود مقابل الوفاء la provision[58]. فهل الحماية ذاتها مكرسة للحامل حسن النية في مؤسسة تطهير الدفوع؟

2-الوضع الظاهر في قاعدة تطهير الدفوع

تعني قاعدة تطهير الدفوع l’inopposabilité des exceptions، أن الملتزم الصرفي بمقتضى الورقة التجارية الذي يتوجه إليه الحامل الشرعي لها، لا يستطيع أن يواجهه بالدفوع التي كان يمكن أن يحتج بها في مواجهة الساحب أو أحد الملتزمين الآخرين بناء على العلاقة التي تربطه بهؤلاء، مما يؤدي إلى انتقال الحق بطريق التداول مطهرا من الدفوع التي كان يمكن للمدين الاحتجاج بها على الساحب أو الحملة اللاحقين، فالحامل حسن النية لا يجوز مواجهته بالامتناع عن الوفاء بناء على أن أحد الموقعين السابقين antérieurs يستفيد من هذا الدفع[59].

 وقد نص المشرع المغربي على هذه القاعدة فيالمادة 171 من مدونة التجارة، حيث جاء فيها أنه: “لايجوز للأشخاص المدعى عليهم بسبب الكمبيالة أن يتمسكوا تجاه الحامل بالدفوع المستمدة من علاقاتهم الشخصية بالساحب أو بحامليها السابقين ما لم يكن الحامل قد تعمد باكتسابه الكمبيالةالإضراربالمدين[60].”

  وفي نفس الإطار ذهب المشرع المصري بمقتضى المادة 397 من القانون التجاري المصري، والتي جاء فيها أنه: “مع عدم الإخلال بأحكام المادة 385 من هذا القانون ليست لمن أقيمت عليه دعوى بكمبيالة أن يحتج على حاملها بالدفوع المبينة في علاقاته الشخصية بساحبها أو بحاميليها السابقين مالم يكن قصد الحامل وقت حصوله عليها الإضرار بالمدين.”

  وفي الإطار ذاته قضت محكمة النقض المصرية بأن: التطهير التام ينقل ملكية الحق الثابت في الورقة إلى المظهر إليه ويطهرها من الدفوع، بحيث لا يجوز للمدين الأصلي فيها التمسك في مواجهة المظهر إليه حسن النية بالدفوع التي كان يستطيع التمسك بها قبل المظهر[61].

  وعلى ضوء ما سبق، يتضح أنه يشترط في الحامل ليستفيد من قاعدة تطهير الدفوع توافر شرطين أساسيين:

أما الأول: فهو اكتساب الحامل للورقة التجارية بالتداول الناقل للملكية، إذ الحامل لا يستفيد من قاعدة تطهير الدفوع إلا إذا انتقلت إليه الورقة التجارية بطريق التداول الناقل للملكية، سواء كان الحامل مستفيدا، أو مظهرا إليه إذا كانت الورقة للإذن، أو مستلما إذا كانت الورقة للحامل، أو بنكا خاصما، مما يعني أن التداول الناقل للملكية قد يتم بالسحب أو التظهير[62] Endossement أوالتسليم Livraison أوالخصم escompte. أما إذا انتقلت الورقة التجارية للحامل بغير طريق التداول الناقل للملكية، فإن قاعدة تطهير الدفوع لا يمكن تطبيقها، والحكم ذاته إذا انتقلت الورقة بطريق التداول غير الناقل للملكية كالتظهير التوكيلي الذي يأخذ فيه المظهر إليه(الوكيل) مركز المظهر(الموكل) ويتصرف باسمه ولحسابه، أما التظهير التأمينيEndossementd’assurance فالمستقر فقها وقضاء على تطهير الورقة التجارية من الدفوع، وذلك في حدود الدين الذي تضمنته[63].

أما الشرط الثاني: فهو كون الحامل حسن النية le porteure de bon foi[64]، ذلك أن حسن النية شرط جوهري لتطبيق قاعدة تطهير الدفوع، ويقصد بالحامل حسن النية، هو من انتقلت إليه الورقة التجارية بالتداول الناقل للملكية ولم يكن قصده من اكتسابها الإضرار بالمدين، وهذا ما صرحت به المادة 171 المشار إليها سابقا، بعبارة: “ما لم يكن الحامل قد تعمد باكتسابه الكمبيالة الإضرار بالمدين.”[65]. أما الحامل سيئ النية، فهو الذي يكتسب الورقة التجارية ويكون على علم بما يشوبها من أسباب البطلان سواء عند إنشائها أو تداولها، وهو يقصد من انتقالها إليه الإضرار بالمدين، فهذا لا يحميه القانون ولا يستفيد من قاعدة تطهير الدفوع[66].

وعليه، يتضح أن الحماية المقررة للحامل الذي تعاقد بناء على الوضع الظاهر في الورقة التجارية، إنما تقررله لكونه حسن النية من جهة، ولأنه اكتسب الورقة التجارية بالتداول الناقل للملكية، ليستفاد معه أن نظرية الوضع الظاهر لا تقتصر على العقود المدنية، بل تمتد لتشمل حتى تلك التي تصطبغ بالصبغة التجارية. ليطرح التساؤل حول ما إذا كانت الحماية المقررة للطرف حسن النية تتسع لتشمل امتيازات أخرى من خلال تدخل القضاء لتعزيز مركزه القانوني أم أن الأمر يقتصر فقط على ميزة تصحيح التصرف الذي مر معنا؟.

الفقرة الثانية: الإثابات القضائية المقررة للمتعاقد حسن النية

     تهيمن على القواعد العامة للقانون المدني فلسفة سلطان الإرادة التي يترتب عليها أن العقد شريعة المتعاقدين، من خلال هذه القاعدة يترتب عدم جواز تخويل القاضي حق تحريف بنود العقد طالما كانت ألفاظ العقد واضحة، لا لبس فيها وطالما كانت شروطه غير مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة[67].

 بيد أن هذا القول ليس على إطلاقه، إذ قد تنشأ ظروفا تجعل التزامات أحد المتعاقدين مرهقة أو يقترن العقد بداءة بشروط فاسدة أو تعسفية؛ فلو ترك الأمر لإرادة المتعاقدين فلن تلتقي هذه الإرادة على التعديل أو التخفيض؛ سيما وأن الجور والإرهاق لابد أن يلحق بأحدهما دون الآخر، إذ من البديهي أنه من مصلحة الطرف الضعيف حسن النية التعديل لتحقيق التوازن، في حين أنه لا مصلحة للقوي في النزول على رغبة الضعيف وإرادته، إلا أن يكون ذلك بقوة خارجة تتدخل لتوازن بين الالتزامات، وتنتصف للطرف الضعيف حسن النية في العلاقة التعاقدية ويكون حكمها نافذا على الأطراف[68].

وبهذه المثابة، فإن للقاضي أن يتدخل من أجل حماية الطرف حسن النية من الشروط التعسفية les clauses abusives، وذلك باعتماد مؤسستي التفسير Interprétation[69] من جهة (أولا) ومراجعة البنود الجزائية clause pénaleمن جهة ثانية (ثانيا).

أولا: الحماية القضائية على مستوى تفسير الشروط التعسفية

التفسير[70] العقدي هو العملية الذهنية التي يقوم بها القاضي من أجل الوقوف على الإرادة الحقيقية للمتعاقدين، وله الحق في أن يستعمل كل الأساليب القانونية التي من شأنها أن تساعده على معرفة قصد المتعاقدين ولا يكون للتفسير موجب من الناحية العملية إلا إذا كانت ألفاظ العقد غامضة أو مبهمة تحتمل أكثر من معنى، إلا أن ذلك لا يمنع من تفسير بعض العقود حتى ولو كانت العبارات المستعملة متى كانت لا تتلاءم مع القصد الحقيقي للمتعاقدين.

والتفسير بهذا المعنى، يشكل أداة مهمة من أجل تحديد مضمون العقد من جهة، ومنفذا مهما للقاضي إلى العقد من جهة ثانية،في محاولة منه لإيجاد التوازن بين أطراف العلاقة التعاقدية[71]. بيد أن دور الأخير في ميدان التفسير غالبا ما يقتصر على البحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين مع تفاوت في تحديد نطاق ومدى هذا البحث بحسب غموض عبارات العقد أو غموضها[72].والقاضي في ميدان التفسير يرتكن إلى وسائل وأساليب يستطيع من خلالها حماية المتعاقد حسن النية من الشروط التعسفية التي يفرضها عليه المتعاقد سيء النية، وهي تتراوح بين فكرتي النظام العام والعدالة[73].

 وعليه، سنبحث هذا المحور في نقطتين: نخصص الأولى للحديث عن سلطة القاضي في تفسير شروط/بنود العقد التعسفية(1)، بينما نخصص الثانية لبحث الآليات التي يستند إليها القاضي بمناسبة حماية المتعاقد حسن النية من الشروط التعسفية(2).

  1. سلطة القاضي في تفسير شروط/بنود العقد التعسفية

  تختلف سلطة القاضي في مواجهة الشروط التعسفية تحت ستار التفسير بحسب ما إذا كانت شروط العقد غامضة (1-1) أو كونها واضحة(1-2).

      1-1: دور القاضي في تفسير بنود العقد الغامضة

تعتبر سلطة القاضي في تفسير شروط العقد الغامضة من بين الوسائل المهمة التي يتمتع بها لتعديل هذه الشروط أو إلغائها، ذلك أن الشروط التعسفية غالبا ما تأتي في العقد غامضة وغير محددة المعاني، كما هو الشأن في نماذج العقود المعدة مسبقا حتى لا ينتبه إليها المتعاقد حسن النية[74].

 وإذا كان يراد بها عدم التوافق بين الألفاظ والإرادة الحقيقية للمتعاقدين، فإنها تعتبر أيضا من بين أهم الوسائل المهمة التي يتمتع بها القاضي، لتحقيق قدر من التوازن بين المتعاقدين عن طريق تعديل شروط العقد المفتقد للتوازن؛ لاسيما وأن أغلب العقود تأتي في شكل غامض وغير محدد المعاني[75].

وللغموض ثلاثة صور: الأولى هي غموض عبارة العقد ووضوح الإرادة، والثانية هي غموض الإرادة ووضوح العبارة، والثالثة هي غموض العبارة والإرادة معا والحالة التي تثير الشك في مدى الالتزام المتولد عنه[76].

وقد أورد الفصل 462[77] من ظ.ل.عمجمل الحالات التي تستدعي تفسير العقد وهي ثلاث حالات:1- إذا كانت الألفاظ المستعملة لا يتأتى التوفيق بينها وبين الغرض الواضح الذي قصد عند تحرير العقد.2-إذا كانت الألفاظ المستعملة غير واضحة بنفسها، أو كانت لا تعبر تعبيرا كاملا عن قصد صاحبها.3-إذا كان الغموض ناشئا عن مقارنة بنود العقد المختلفة بحيث تثير المقارنة الشك حول مدلول تلك البنود.

والسؤال الذي يطرح في هذا الإطار هو حول ما إذا كان القاضي المدني يقتصر فقط على تقصي إرادة المتعاقدين وتقديرها، أم أن سلطته أبعد من ذلك، حيث تتعداها لتصل إلى مراقبة مضمون الاتفاقات ومدى عدالتها بهدف حماية المتعاقد ذو النية الحسنة في العلاقة التعاقدية؟ وهل عمله هذا يخضع لرقابة محكمة النقض أم الأمر عكس ذلك؟

           يكاد يتفق الفقه على أن تفسير العقد الغامض يخضع للسلطة المطلقة لقضاة الموضوع، ولا رقابة لمحكمة النقض على ذلك، على اعتبار أن المسألة تتعلق بالواقع الذي يكون من اختصاص قاضي الموضوع، بحيث يبحث في عالم النية والضمير، وهو السبب الذي يحول دون بسط محكمة النقض لرقابتها، فالتفسير في حالة الغموض يقتضي تقصي النية الحقيقية أو المفترضة للأطراف والوقوف على ظروف التعاقد، التعامل وما تقضي به قواعد حسن النية، فالمسألة إذن مسألة واقع؛ لأنه يبحث في عالم النية والضمير ليقتنع في النهاية بأن إرادة الأطراف قد اتجهت إلى تحقيق غرض معين[78].

           وهو ما ذهب إلى تأكيده المجلس الأعلى في قراره الذي جاء فيه أنه: “يتعرض للنقض الحكم الصادر عن قضاة الاستئناف، الذين لم يكن بوسعهم أن يرتبوا أي مفعول على الاتفاق المبرم بين الخصوم[79].وفي الاتجاه ذاته أكد المجلس الأعلى في مناسبة ثانية على هذا المقتضى في قرار له بتاريخ 7 أبريل 1964م، والذي جاء فيه أنه:” أن الشروط الغامضة أو المعارضة لاتفاقات الأطراف لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى[80].

ولا يعني هذا عدم خضوع قضاة الموضوع لرقابة محكمة النقض في حالة العقد الغامض، بل ثمة حالات يعتبر عدم امتثال قاضي الموضوع لها خرقا للقانون وتحريفا للعقد، وفي ذلك ذهب المجلس الأعلى في قراره الصادر بتاريخ 1 دجنبر 1982م والذي جاء فيه أنه:“الشك الذي ينتج عن مقاربة شروط العقد، لا يجرد هذا الأخير من أي أثر، فمن الأولى تنفيذ العقد على تجريده من كل أثر عند تفسيره، وتنفيذ العقد يفرض تفسيره من طرف المحكمة، التي تكون ملزمة بالبحث عن إرادة الأطراف دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ولا عند تركيب الجمل، وعليه يخالف القانون ويتعرض للنقض الحكم الذي يجرد العقد من كل أثر، في حين كان من الممكن موافقة الشروط فيما بينها عبر التفسير[81].

وهو ما يتضح أيضا من قراره الصادر بتاريخ 23/11/1965م والذي قضى فيه: “أن عقد التأمين القائم على وجه صحيح يكون شريعة بين الطرفين في حضور التزام واضح وصريح للبوليصة يحدد مباشرة الخطر المؤمن عليه، فإن القرار الذي يحاول تفسير الشرط المتضمن لإبعاد الخطر يتعرض للنقض من أجل تحريف العقد”[82].

وقد ذهب أحد الفقه المغربي إلى أن:” بسط محكمة النقض لرقابتها على محاكم الموضوع، لا يعني في مثل هذه الحالات، أن هناك تضييقا من سلطة القاضي في خلق توازن بين أطراف العقد، بل الأمر غير ذلك؛ فبمجرد إلقاء نظرة على بعض قرارات محكمة النقض، يبين لنا أنها ومن خلال تمديدها لرقابتها إلى هذا النوع من العقود، إنما تهدف من ذلك تحقيق الغاية ذاتها، وهي حماية المتعاقد الضعيف في مواجهة الطرف سيء النية[83].

       ومنه، نستشف أن محكمة النقض عندنا قد نهجت مسار محكمة النقض الألمانية التي استقرت منذ سنة 1912م على بسط رقابتها على تطبيق وتأويل الشروط المضمنة في العقود النموذجية، على خلاف محكمة النقض الفرنسية التي استقرت على أنه متى كانت عبارات العقد غامضة، فإن تفسير قاضي الموضوع له، يدخل في مجال الواقع الذي لا رقابة عليه من طرفها[84].

    وانسجاما مع ما سبق، يمكن القول إن إعمال القاضي لآلية التفسير قد تنتهي به إلى نتيجتين: فهو إما أن يوفق في إجلاء الغموض من العبارة غير الواضحة ويصل بالتالي إلى الإرادة المشتركة للمتعاقدين، وهذا ما رجاه المشرع من منحه المكنة هذه، وإما أن يتعذر عليه الوصول إلى هذه الإرادة عندما يبقى الشك يحوم حول العبارة المستعملة في العقد، وهنا أوجد له المشرع قاعدة تفسير الشك لفائدة الملتزم المنصوص عليها في الفصل 473 من ظ.ل.ع[85]، ويراد بهذه القاعدة هو عدم إمكانية حسم التردد الذي لا يمكن معه تحديد النية المشتركة لأطراف العقد، وينبني مبدأ الشك لمصلحة المدين على أساس أن الأصل في الإنسان هو براءة الذمة، فإذا وجد من يدعي خلافا لهذا الأصل، فإن عليه أن يثبت هذا الادعاء، ومن ثم فإن الشك في مدى التزام المدين المبني على الشرط محل التفسير، يجب أن يفهم باعتبار أن الأصل هو عدم تحمل المدين بالالتزام، وبالتالي فإن عبء الإثبات يقع على عاتق المدين، بيان ذلك أن القاضي يلتزم بتفسير العقد أو أحد بنوده لمصلحة من يقع عليه عبء الالتزام، مما يجعل كل طرف من أطراف العقد مستفيدا منها بحسب الأحوال[86].

            وبناء على هذا كله، نستنتج أن سلطة القاضي في تفسير بنود العقد الغامضة تتسع نطاقا، كما أن تقديره هذا يختص به لوحده ولا رقابة عليه في ذلك من محكمة النقض، ما لم ينتج عنه تحريفا للعقد، وسيلته في ذلك هي التفسير من أجل إعادة التوازن العقدي، بتعديل أو إلغاء الشروط التي يقدر أنها أخلت بهذا التوازن.

وإذا ثبت هذا، فهل سلطة القاضي بالنسبة لبنود العقد الواضحة تتسع أم تضييق؟

1-2: سلطة القاضي في تفسير بنود العقد الواضحة

استهل المشرع الفرع الأول المعنون بتأويل الاتفاقات DE L’INTERPRÉTATION CONVENTIONS DESبالفصل 461 من ظ.ل.ع الذي جاء فيه أنه: “إذا كانت ألفاظ العقدصريحة، امتنع البحث عن قصد صاحبها[87].”ومؤدى هذا المقتضى التشريعي أن العقد الذي تكون عبارته واضحة بينة يمنع من تأويلها، ولا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها من أجل التعرف على إرادة الطرفين.

لكن ما المقصود من عبارة الوضوح التي تمنع وتقيد القاضي من استعمال آلية التفسير؟ أهي وضوح العبارة أم وضوح الإرادة؟

  لقد انقسم الفقه والقضاء في إجابته عن السؤال أعلاه إلى قسمين:

القسم الأول: يرفض التأويل كلما كانت ألفاظ وعبارات العقد واضحة، حيث يرى بعدم لجوء القاضي للتفسير في حالة وضوح عبارات العقد، بل عليه فقط تطبيق ما ورد في العقد. فوضوح العبارات يقيد القاضي في التفسير، ما دامت لا غموض فيها، بالإضافة إلى عدم مخالفتها للنظام العام، وما دام المتعاقدين قد اتفقا على إدراجها في العقد تطبيقا لمقتضيات الفصل 19 من ظ.ل.ع[88]، وفي هذا الإطار قضى المجلس الأعلى في أحد قراراته أن: “قضاة الموضوع مكلفون بتطبيق الاتفاقات المبرمة وليس من الجائز لهم تغييرها متى كانت شروطها واضحة بينة”[89]. وفي قرار آخر بتاريخ 13 فبراير 1962م، أوضح المجلس الأعلى أن: “مهمة قضاة الموضوع هي تطبيق اتفاقات الأطراف، وهم لا يملكون حق تحريف البنود الواضحة الدقيقة”. وفي قرار آخر بتاريخ 10 يوليوز 1962م، اعتبره بأنه: “تطبيقا للفصل 461 من ظ.ل.ع ليس للقضاة تفسير اتفاقات الأطراف عندما تكون ألفاظها صريحة…”[90].

القسم الثاني: يسمح بتفسير عبارات العقد الواضحة، والذي يستند إلى أن العبرة بوضوح الإرادة لا بوضوح العبارة[91]، ومضمون هذا الرأي أنه في جميع الأحوال متى كانت مضامين العقد لا تعبر على الإرادة التي توخاها المتعاقدين، يمكن للقاضي اللجوء إلى التأويل وتفسير هذه المضامين من أجل الوصول إلى الإرادة. فالمراد بوضوح عبارات العقد في نظر هذا الاتجاه، لا يقتصر على وضوح هذه الأخيرة في ذاتها، بل يلزم أن تكون كذلك بالنسبة لدلالتها التي قصدتها الإرادة المشتركة للأطراف، مما يوسع من مجال تدخل القاضي الذي قد يجد نفسه في حاجة إلى تفسير للعبارات الواضحة، مهما بلغت درجة هذا الأخير[92].وهو ما أكدته محكمة النقض الفرنسية في إحدى قراراتها بتاريخ 13 ماي 1970م حينما قضت بأن: القضاء لا يعتبر بالمعنى الظاهر من شروط العقد…ولها أن تبحث عن النية المشتركة لأطراف العقد[93].وهو ما أكد عليه المجلس الأعلى في قرارات متعددة[94]حيث جاء في قرار لها بتاريخ 7 يناير 1976م أنه:” لكن حيث إنه حسب الفقرة الأولى من الفصل 462 من ظ.ل.ع، إن صراحة ألفاظ العقد لا تحول دون تأويله إذا تعذر التوفيق بينها وبين الغرض المقصود من العقد…[95].”

ومن خلال ما سبق يتضح مدى أهمية تدخل القضاء في تعزيز حماية المتعاقد الضعيف ضد المتعاقد سيء النية، والتدخل هذا يضيق ويتسع حسب ما إذا كانت شروط/بنود العقد واضحة أو غامضة، فإذا كان تدخله في الحالة الأولى ضيقا من حيث المبدأ، فإنه في الحالة الثانية يتسع بشكل كبير. وإذا ثبت هذا، تساءلنا عما هي الآليات التي يستند إليها القاضي من أجل تفسير العقد؟

2: الآليات التي يستند إليها القاضي من أجل تفسير العقدmécanismes

يمكن القول إن تطبيق الإرادة la volonté بأبعادها التقليدية  les paramètres habituels لا تتماشى والتطور الحاصل في المجال الإلكتروني électronique، مما أدى إلى بروز صيغ جديدة للتعاقد أدت إلى اختلال التوازن بين المتعاقدين، ومن ثم فالعقد لم يعد وسيلة للتعامل بل أصبح وسيلة للاستغلال والإثراء على حساب الاطراف الضعيفة حسنة النية.

    لذلك، فإنه ومن أجل حمايتهم يتعين البحث عن وسائل مناسبة لتفسير البنود/الشروط التعسفية؛ بغية إعادة التوازن للعقد والحد من هذه الشروط، ويتم ذلك من خلال آليتين: تتمثل الأولى في فكرة النظام العام(2-1)، بينما تتجسد الثانية في فكرة العدالة(2-2).

2-1: الحماية من الشروط التعسفية استنادا إلى فكرة النظام العامlordre publique

تتكون فكرة النظام العام من شقين: النظام Ordre ويوحي بالتوجيه والأمر والتنظيم ومنع الفوضى، والعام publique ويشير إلى الصالح العام أو تقديمه على المصلحة الفردية الخاصة الضيقة، ذلك أن أعضاء كل مجتمع يتواضعون على تبني احترام مجموعة من المبادئ ذات الأولوية المطلقة، والتي تحمي المصالح العليا للجماعة، وتسمى لأجل ذلك بالنظام العام الذي ينتمون في إطاره، ويتنازلون بمقتضاه عن جزء من تصوراتهم الشخصية للأشياء، وعن جانب من حرياتهم الشخصية، ومن حقوقهم ومصالحهم الفردية، فيكون مقتضى إعمال النظام العام تقييد الحريات، اعتبارا لكون الحريات المطلقة تؤدي إلى الفوضى والعبثية. وبمعنى آخر، النظام العام هو مجموع الشروط التي لا يستقيم بدونها الأمن ولا الآداب العامة، وهذان الأخيران ضروريان لنسج علاقات اجتماعية واقتصادية سليمة وسلمية بين المواطنين[96].

     ولما كانت فكرة النظام العام تستعصي على التحديد، فإنه يقع على القاضي تحديد ما يتعلق بالنظام العام انطلاقا من النزاع المعروض أمامه مسترشدا بظروف الزمان والمكان، ووفقا للتيارات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية السائدة، لذلك يستطيع القاضي تفسير العقد مستعينا في هذا التفسير بالنظام العام، كفكرة مرنة يمكن أن يشكلها طبقا لمقتضيات الزمان والمكان ليصل إلى تعديل الشروط التعسفية أو إلغائها سواء كانت هذه الأخيرة صريحة أو غامضة، مستندا في ذلك إلى فكرة النظام العام[97].

لذلك، يتعين على القاضي أن يستهدي به من أجل إلغاء الشروط التعسفية المدرجة في جميع العقود تحت رقابة محكمة النقض، وذلك في كل الحالات التي يكون ثمة خرقا لنص قانوني له علاقة بالحقوق الأساسية للمستهلك، كما أن القاضي في مهمته هاته لا يحتاج إلى نص خاص لإبطال الشروط التعسفية، بحيث إنه إلى جانب النصوص الآمرة المرتبطة بالنظام العام الواردة في عدة نصوص قانون 31.08[98]من قبيل المادة 20[99]والمادة[100]52، والمادة151[101]، فهناك نظام عام افتراضي فكثير من فصول ظ.ل.ع تحيل على النظام العام.

     بحيث إن اعتماد القاضي هده الفكرة التي تعضدها نصوص قانونية آمرة أو نظام عام افتراضي المتسم بالمرونة، بالإضافة إلى مقتضيات الاستهلاك، وهكذا فإنه يجوز للقاضي أن يلغي بعض الشروط التعسفية الواردة في العقود الإذعانيةcontrats d’adhésion والنموذجيةcontrats types.

       وتطبيقا لهذا المبدأ استطاع كل من القضاء الفرنسي والمغربي إبطال بعض الشروط التعسفية المدرجة في عقد الشغل كشرط عدم الزواج، وذلك بالاستناد إلى مبدأ النظام العام الاجتماعي[102]l’ordre public et social.

      حيث جاء في إحدى القرارات الصادرة عن القضاء الفرنسي أن شروط العزوبة الذي تفرضه شركة الخطوط الجوية الفرنسية على المضيفات الجوية يعتبر شرطا تعسفيا وهو بمثابة اعتداء على حق من الحقوق الشخصية للإنسان ومخالفة للنظام العام، ومن ثم فهو باطل بطلانا مطلقا[103].

وهو ما سار عليه القضاء المغربي اتجاه في قضية “هيلينا بطسطا” ضد شركة الخطوط الجوية والتي تتلخص وقائعها في أنه: اشتغلت المدعية لدى الشركة كمضيفة جوية بمقتضى عقد عمل يلزم المضيفات بالبقاء في حالة العزوبة، وأنه في حالة خرق هذا الالتزام تفصلها الأخيرة بدون تعويض، ولم علمت الشركة بزواج هيلينا فصلتها من العمل واعتبرتها في حكم المستقلة فرفعت المدعية دعوى أمام القضاء للحصول على تعويض عن الطرد التعسفي، فاستجابت المحكمة لطلبها حيث اعتبرت شرط عدم الزواج مخالفا للنظام العام ولمبادئ الشريعة الإسلامية، وجاء تعليلها بما يلي: … إن القواعد القانونية التي تعتبر من النظام العام هي قواعد يقصد بها تحقيق مصلحة عامة سياسية واجتماعية واقتصادية تتعلق بنظام المجتمع الأعلى وتعلو على مصلحة الأفراد، فيجب على جميع الأفراد مراعاة هذه المصلحة وتحقيقها ولا يجوز لهم أن يخالفوا اتفاقات فيما بينهم حتى ولو حققت هذه الاتفاقات لهم مصالح فردية، فإن المصالح الفردية، لا تقوم أمام المصلحة العامة[104]. كما أنها استندت في ذلك على الفصل 109 من ظ.ل.عالذي جاء فيه أنه:”كل شرط من شأنه أن يمنع أو يحدمن مباشرة الحقوق والرخص الثابتة لكل إنسان كحق الإنسان في أن يتزوج، وحقه في أن يباشر حقوقه المدنية، يكون باطلا ويؤدي إلى بطلان الالتزام الذي يعلق عليه”[105].

ومما سبق يبين أن القاضي يستند إلى النظام العام في تفسير الشروط التي يرى أنها تعسفية وتضر بمصالح الطرف المتعاقد الضعيف، الذي تم استغلاله من لدن الطرف سيء النية، لكن هل للقاضي مكنات وآليات أخرى؟

 2-2: الحماية من الشروط التعسفية استنادا إلى فكرة العدالة la notion de justice

        تعتبر العدالة justice من أهم الوسائل الفعالة التي يستعملها القضاء من أجل التخفيف من صراحة الفصل 230[106] من ظ.ل.ع لتحقيق التوازن العقدي، فالعدالة ترمي إلى إقامة المساواة في كل تصرف قانوني، بحيث لا يتسبب العقد في إلحاق الضرر بأحد الطرفين من أجل إغناء الطرف الآخر، وهي فكرة نص عليها الفصل 231 من ظ.ل.ع[107], والمادة 243 من المجلة التونسية للالتزامات والعقود[108].

لكن، متى يمكن للقاضي الاستناد إلى فكرة العدالة من أجل تحقيق حماية فعالة للطرف الضعيف حسن النية؟

يرى عبد الحكيم فودة أن القاضي لا يجوز له اللجوء إلى فكرة العدالة لتفسير العقد إلا بعد استحالة الكشف عن النية المشتركة للمتعاقدين بالاستناد إلى الوسائل الأصلية لتفسير العقد، إذ تعتبر فكرة ا للتفسير من أجل تحقيق حماية فعالة للمستهلك. في حين يرى جانب آخر أن حماية المستهلك تقتضي استعمال كل الوسائل الأصلية أو الاستثنائية التي من خلالها أن تحقق الحماية للمستهلك ضد البنود/الشروط التعسفية، إلى جانب كون الرأي الأول ما هو إلا تطبيقا حرفيا لنظرية سلطان الإرادة بمفهومها التقليدي، لكن أمام بروز صيغ جديدة للتعاقد، فإنه على القضاء الاستناد إلى جل الآليات التي من خلالها يستطيع التفسير أن يحقق حماية فعالة للمتعاقدين ذووا النية الحسنة[109].

      وبناء على ما سبق كله، يمكن القولإنه ورغم أهمية  مؤسسة التأويل التي يمكن استثمارها لحماية المتعاقدين الحسني النية ضد الشروط/ البنود التعسفية، إلا أن القواعد الموضوعية لهذه العملية تحد من فعاليتها، خصوصا تقييدها بإرادة المتعاقدين دون مبادئ العدالة وما يفرضه حسن النية، وبمقتضيات يكون من شأنها توجيه هذا التفسير لحماية المتعاقد الضعيف، بالإضافة إلى معيار الغموض الذي يمكن للطرف القوي تداركه ما دام هو الذي يقوم بتحرير العقد في ظل حنكته الفنية، التقنية والقانونية، مما يشكل ضررا بالنسبة للمتعاقد حسن النية الذي لن يكون له من خيار سوى قبول العقد. وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة لمؤسسة التفسير، فهل لمراجعة الشروط الجزائية تجسيد فعالية مبدأ حسن النية في حماية المتعاقد صاحب هذه الصفة؟

مقال قد يهمك :   إيمان البياري: مواقع التواصل الإجتماعي ومشروعية الرقابة

ثانيا: الحماية القضائية للمتعاقد حسن النية على مستوى مراجعة الشروط الجزائية

يقصد بالشرط الجزائيclause pénaleأو ما اصطلح عليه المشرع عندنا بالتعويض الاتفاقي، ذلكالاتفاق الذي يحدد فيه المتعاقدين سلفا التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم ينفذ المدين التزامه كليا، جزئيا أو تأخر في تنفيذه[110].

ولأهمية هذه الوسيلة في إجبار الأطراف على تنفيذ التزاماتهم، فقد عرفت انتشارا واسعا في العقود، غير أن هذه الشروط رغم أهميتها العملية كأداة لضمان تنفيذ الالتزاماتgarantir le respect des obligationsإلا أنها تحولت وسيلة للإثراء بلا سبب من خلال فرض شروط جزائية تعسفية. ولعل هذا ما دفع بالمشرع-على غرار التشريعات المقارنة-إلى إصدار قانون رقم 27-95 لتنظيم الشروط الجزائية والحد من غلو سلطان إرادة الطرف القوي ذو النية غير الحسنة فيها[111].

حيث رجح القانون أعلاه الاتجاه القائل بتدخل القاضي لتعديل التعويض الاتفاقي بالزيادة أو بالنقصان، من خلال تنصيصه في الفقرة الثالثة[112] من الفصل 264[113] من ظ.ل.ع والذي جاء فيه أنه:” للمحكمة تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغا فيه أو الرفع من قيمته إذا كان زهيدا، ولها أيضا أن تخفض من التعويض المتفق عليه بنسبة النفع الذي عاد على الدائن من جراء التنفيذ الجزئي.”

   وبذلك يكون قد كرس ما استقر عليه أيضا في التشريع المقارن، وذلك ما يتضح من خلال الاطلاع على الفقرة الثالثة من المادة 1152[114]من القانون المدني الفرنسي، المضافة بمقتضى القانون رقم 75.597 الصادر بتاريخ 9 يوليوز 1975م، حيث جاء فيها أنه:” مع ذلك يمكن للقاضي تخفيض أو رفع الجزاء المتفق عليه، إذا ظهر أنه زهيدا أو مبالغا فيه، وكل اتفاق مخالف يعتبر غير موجود[115].”

   وبناء عليه، فإن المشرع جوز للقاضي مراجعة الشروط الجزائية كلما أضر ذلك بالطرف الضعيف حسن النية، وذلك إما بعدم تكافئ الضرر مع نسبة التعويض الذي سيؤديه؛ كنتيجة لعدم تنفيذه للالتزام كليا أو جزئيا أو تأخيره في التنفيذ.ولكن، التساؤل الذي يطرح في هذا الإطار هو حول ما إذا كان هذا المقتضى التشريعي من متعلقات النظام العام، بحيث يمكن للقاضي أن يتدخل تلقائيا لحماية الطرف الحسن النية أم أنه لا يعدو أن يكون سوى قاعدة مكملة، بحيث لا يتدخل القاضي إلا بناء على الطرف حسن النية المتضرر من مغالاة أو زهادة التعويض الاتفاقي؟

    لقد انقسم الفقه في إجابته عن هذه السؤال إلى اتجاهين:

أما الأول فيرى بأن المشرع أضفى الصفة الآمرة على سلطة القاضي في تعديل التعويض الاتفاقي إما بالزيادة أو النقصان، أي اعتبرها من النظام العام، ويترتبعن ذلك محاربة الشروط التهديدية التي تنص على عدم قابليتها للتخفيض أو تحدد لذلك نسبة معينة، وإذا ما اتفق المتعاقدان على شيء من هذا القبيل فهو لا يقيد سلطة القاضي في التدخل لرقابة بنود العقد والتصدي لها، ومن ثم تعديلها بالشكل الذي يحمي الطرف المتعاقد حسن النية وبالشكل الذي يحقق العدالة والإنصاف[116].

بينما يرى جانب آخر من الفقه أن القول بأن أحكام المادة 224 من القانون المدني المصري، والتي يقابلها الفصل 264 من ظ.ل.ع، تتعلق بالنظام العام قول تعوزه الدقة ويحتاج إلى إزالة اللبس عنه، ذلك أنه لو صح إطلاق القول بتعلق تلك الأحكام بالنظام العام لوجب على القاضي إعمالها من تلقاء نفسه بتخفيض التعويض إذا رأى أنه مغالى فيه حتى لو صرح المدين بعد حصول الإخلال بقبوله مقدار التعويض الاتفاقي وبتسليمه بطلبات الدائن، في حين أن البين من صياغة المادة المذكورة أن إعمال أحكامها متوقف ليس فقط على طلب المدين، بل وعلى قيامه هو بإثبات موجبات عدم استحقاق التعويض أو تخفيضه، أما النص على بطلان الاتفاق على ما يخالف ذلك، فإنه لا يتيح تطبيق أحكام المادة المذكورة رغم عن المدين، وإنما يحظر فقط الاتفاق مقدما على حرمانه من التمسك بتلك الأحكام[117].

       وهي نفس الملاحظة التي أبداهاالأستاذ عبد الرحمان الشرقاوي من أن المشرع في الفصل 264 من ظ.ل.ع، لم يجبر القاضي على التدخل، وبالتالي إعمال سلطته في الحالات التي تفترض ذلك، وإنما جعل سلطته في هذا الصدد مجرد رخصة، يتضح ذلك من خلال عبارتي: “مع ذلك يمكن للقاضي ” و “للمحكمة تخفيض التعويض”[118].

غير أن الاطلاع على مجموع الأحكام والقرارات الصادرة في موضوع التعويض الاتفاقي، يتضح معه أن مقتضياته تمت إلى النظام العام بصلة، وهو ما يتضح من خلال قرار محكمة النقض سنة 2008 والذي جاء فيه أنه: بخصوص ما أثير من خرق الفقرة الثالثة من الفصل 264 من ظ.ل.ع، فإنه بالرجوع إليها يتجلى بأنها تعطي للمحكمة إمكانية تعديل الشرط الجزائي في إطار سلطتها التقديرية وليس بها ما يوجب ألا يتم ذلك إلا بطلب من طرف المتضرر، مما يجعل القرار غير خارق لأي مقتضى ومعللا بما فيه الكفاية ومرتكزا على أساس[119].

وهو موقف سبق وأن كرسه المشرع الفرنسي بمقتضى القانون رقم 85.1097 الذي عدل قانون رقم 75.597، والذي سمح فيه للقاضي بتعديل الشرط الجزائي بصورة تلقائية، وهو مقتضى يرجى تعميمه بشكل أكثر اتساعا في النظام القانوني المغربي، لما فيه من حماية للطرف الضعيف الذي يتصف بقلة الخبرة مع عدم درايته بالقانون، والضرب على أيدي المتعاقدين سيئي النية[120].

وهكذا، فإنه متى ثبت للقضاء الطابع التعسفي أو المجحف للشروط المضمنة في العقد بما يتعارض وحسن النية في التعامل، إلا وقام بإبطالها واستبعادها في إطار مؤسسة التفسير، أو التخفيف منها بتعديلها إلى القدر الملائم تحقيقا للعدالة والإنصاف في إطار مؤسسة مراجعة الشروط الجزائية.

خاتمة:

تناول هذا البحث قضية تحديد الإثابات أو الامتيازات المقررة للمتعاقد حسن النية، مبرزا أهم مظاهرها، مجيبا على أسئلة قانونية جدلية قوامها مدى فعالية الامتيازات التي يرتبها المشرع ويقررها القضاء على تمتع المتعاقد بصفة حسن النية؛ حيث توصلنا من خلال ذلك إلى عدة استنتاجات ومقترحات نجملها فيما يلي:

أما الاستنتاجات، فيمكن إجمالها فيما يلي:

-المراكز القانونية هي الأصل والأساس الذي يعتد به المشرع ويعول عليه في ضبط وتنظيم علاقات وتصرفات الأفراد في المجتمع، ويرتب على المتعامل مع أصحاب هذه المراكز بشأن ما تخوله من سلطات ومكنات ومزايا وتصرفات، كافة الآثار التي يقررها القانون، وذلك لأنها نشأت وتكونت في إطاره وتتفق مع قواعده وأحكامه؛

-الظاهر هو المركز الفعلي الذي يخالف الحقيقة، أي الذي لا يستند إلى القانون، وبموجب هذه الفكرة تم الاعتداد بتصحيح التصرف الذي يبرم بين صاحب الظاهر والغير حسن النية الذي أقدم على التعامل مع هذا الشخص وهو يعتقد اعتقادا مبررا يسانده الواقع، أنه يتعامل مع ذي صفة ومع صاحب الحق أو المركز القانوني الذي تم التعامل بشأنه. فأصبح تصرف صاحب الظاهر صحيحا ونافذا في مواجهة صاحب الحق أو المركز القانوني الحقيقي لمصلحة الغير حسن النية؛

-أن الوضع الظاهر أصبح من الأمور المسلم بها ومن المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء، بل وأصبح من أهم النظريات المعتمدة في عالم القانون، ولم يعد أمام القضاء سوى التحقق من شرائط تطبيقها على الواقعة المطروحة عليه، بحيث إذا توافرت، فإنه لا مناص من إعمالها. كما أنه لم يعد الوضع الظاهر مسألة أخلاقية، بل أصبح، كما تقول محكمة النقض المصرية، قاعدة واجبة الإعمال متى توافرت موجباتها وشرائطها؛

-لم يعترف القانون المدني المغربي بنظرية الظاهر كمصدر للحق بطريقة مباشرة في قانون الالتزامات و العقود ، وذلك راجع إلى تأثره بالقانون المدني الفرنسي متزعم المدرسة اللاتينية، التي تعتمد مبدأ سلطان الإرادة وضرورة احترامه، فضلا عن أنها تركن إلى الإرادة الباطنة للبحث عن النية الحقيقية للمتعاقدين دون الخوض في المشاكل الظاهرة من جانب، وكون نظرية الظاهر تعتبر- على حد تعبير هذه المدرسة- مناقضة للمبادئ القانونية المتعارف عليها، خاصة قاعدة نسبية آثار العقود المنصوص عليها في الفصل 228 من ظ.ل.ع من جانب ثاني، وطبيعة الفقه المغربي الذي يعتبر فقها فتيا في هذا الميدان، ولم يصل في هذا المجال إلى ما وصل إليه الفقه المقارن، وعلى الأخص الفقه الفرنسي والألماني من جانب ثالث، وموقف القضاء المتردد في الأخذ بهذه النظرية إلا بإسنادها إلى الخطأ في المسؤولية من جانب رابع؛

-إلا أنه، ومهما يكن من أمر، فإن القانون المدني المغربي لا يخلو من الأخذ بهذه النظرية خاصة في الفصل 22 من ظ.ل.ع المتعلق بالصورية، والفصل 239 من نفس القانون الذي يقرر إبراء المدين في حالة الوفاء للحائز الظاهر للدين بحسن نية، والفصل 240 منه الذي يقر بصحة الوفاء للوارث الظاهر، والفصل 456 منه الذي قرر بمقتضاه القاعدة القائلة بأن الحيازة في المنقول سند الملكية والتي تعتبر تطبيقا تشريعيا صريحا لنظرية الظاهر؛

– الأخذ بنظرية الظاهر في المجال التجاري، حماية للغير حسن النية، يتجلى في الأوراق التجارية؛ فالمشرع لما اختار الشكلية formalisme كشرط ضروري لإضفاء صفة ورقة تجارية على كثير من الأوراق، فإنه استنتج من ذلك وجود قانون مستقل نابع من ظاهر الورقة وما تحتوي عليه من بيانات نص عليها المشرع بغض النظر عما إذا كانت مطابقة للحقيقة أم لا. لذلك، تشكل الأوراق التجارية المجال الخصب لإنبات نظرية الظاهر في القانون التجاري، من خلال عدة نماذج نذكر منها على سبيل المثال لا القصر، الشركات الظاهرة société apparentée كمبيالات المجاملة les effets de complaisance ، وحالة الوفاء لغير الحامل الشرعي ، وصولا إلى حالة توقيع الكمبيالة أو الشيك على بياض، وقاعدة عدم التمسك بالدفوع purge des exception ، التي تلعب دورا أساسيا وحاسما لتكريس نظرية الظاهر، بحيث إن المدين الصرفي لا يمكنه التمسك في مواجهة الحامل بالدفوع التي كان يمكنه التمسك بها في مواجهة آخر، إذ يستحيل على المسحوب عليه القابل أن يتمسك في مواجهة الحامل حسن النية بالدفوع التي كان باستطاعته التمسك بها في مواجهة الساحب؛

-بما أنه قد تنشأ ظروفا تجعل التزامات أحد المتعاقدين مرهقة أو يقترن العقد بداءة بشروط فاسدة أو تعسفية؛ فلو ترك الأمر لإرادة المتعاقدين فلن تلتقي هذه الإرادة على التعديل أو التخفيض؛ سيما وأن الجور والإرهاق لابد أن يلحق بأحدهما دون الآخر، إذ من البديهي أنه من مصلحة الطرف الضعيف حسن النية التعديل لتحقيق التوازن، في حين أنه لا مصلحة للقوي في النزول على رغبة الضعيف وإرادته، إلا أن يكون ذلك بقوة خارجة تتدخل لتوازن بين الالتزامات، وتنتصف للطرف الضعيف حسن النية في العلاقة التعاقدية ويكون حكمها نافذا على الأطراف. وبهذه المثابة، فإن للقاضي أن يتدخل من أجل حماية الطرف حسن النية من الشروط التعسفية les clauses abusives، وذلك باعتماد مؤسستي التفسير Interprétationمن جهة ومراجعة البنود الجزائية clause pénale من جهة ثانية؛

– يشكل التفسير أداة مهمة من أجل تحديد مضمون العقد من جهة، ومنفذا مهما للقاضي إلى العقد من جهة ثانية، في محاولة منه لإيجاد التوازن بين أطراف العلاقة التعاقدية. بيد أن دور الأخير في ميدان التفسير غالبا ما يقتصر على البحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين مع تفاوت في تحديد نطاق ومدى هذا البحث بحسب غموض عبارات العقد أو غموضها. والقاضي في ميدان التفسير يرتكن إلى وسائل وأساليب يستطيع من خلالها حماية المتعاقد حسن النية من الشروط التعسفية التي يفرضها عليه المتعاقد سيء النية، وهي تتراوح بين فكرتي النظام العام والعدالة؛

– أن المشرع جوز للقاضي مراجعة الشروط الجزائية كلما أضر ذلك بالطرف الضعيف حسن النية، وذلك إما بعدم تكافئ الضرر مع نسبة التعويض الذي سيؤديه؛ كنتيجة لعدم تنفيذه للالتزام كليا أو جزئيا أو تأخيره في التنفيذ؛

وأما الاقتراحات، فيمكن الوقوف عند أهمها وهي وفق ما يلي:

-إن تطلب المشرع لمبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ الالتزامات التعاقدية أمر حسن، ولكن سيكون من الأحسن اقتضاءه أيضا ضمن مرحلة التكوين والتفاوض في العلاقات التعاقدية؛ تعزيزا ودعما للروابط العقدية وتحقيقا للتوازن وضمان لمبدأ استقرار المعاملات، وسيرا على منوال التشريعات المدنية المتقدمة؛

-وإن اعتماد المشرع المغربي على بعض التطبيقات المتعلقة بنظرية الظاهر أمر على حسناته، غير كاف؛ إذ يتطلب الأمر أبعد من ذلك، بحيث يلزم تخصيص باب خاص بهذه النظرية ضمن قانون الالتزامات والعقود، أو على الأقل الإشارة إليها ضمن الباب المتعلق بالقواعد القانونية العامة المنظمة ضمن القسم السابع المتعلق بإثبات الالتزام وإثبات البراءة منه؛

-ندعو القضاء إلى التحلي بشجاعة أكبر في إطار إعماله لنظرية الظاهر لكونها تقوم على أسس عادلة منصفة، ولما كان وظيفة القضاة-خاصة قضاة الأحكام-محددة في التطبيق العادل للقانون، فإن هذه النظرية تجسد هذا المدخل الدستوري السامي في تطبيق القانون؛ نظرا لما تستندا إليه هذه النظرية من قواعد ومبادئ ترمي إلى إرساء النموذج التعاقدي العدلي المثالي؛

-أنه وفي ظل ما يفرضه الطرف المتعاقد المهني القوي معرفيا، قانونيا، تقنيا واقتصاديا من صيغ لبنود تعاقدية تتسم بالجور، الاستغلال والتعسف، ندعو القضاء للاهتمام أكثر بالقواعد الفقهية التي تقضي بأن الأمور بمقاصدها، وما يتفرع عنها من قواعد؛ كقاعدة لا ثواب إلا بنية، النية شرط لصحة الأعمال، إنما العبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني؛ وذلك من أجل معاملة المتعاقد سيء النية بنقيض قصده وجزاءه على سوء نيته.

-ندعو القضاء للاهتمام أكثر فأكثر بالنظام العام في العقد؛ خاصة منه النظام العام الاقتصادي لا سيما النظام العام الاقتصادي الحمائي الذي يروم حماية المتعاقد الضعيف المركز القانوني في العلاقة التعاقدية، كما ندعو المشرع إلى الارتقاء بمرتبة هذا النظام العام الحمائي من نظام عام نسبي لا يخول للقضاء التدخل المباشر لأجل إعادة التوازن المختل للعلاقة التعاقدية إلى نظام عام مطلق الذي يخول للقضاء التدخل المباشر في العلاقة التعاقدية وكبح جماح الطرف السيء النية وإعادته إلى موضعه المعتاد؛ وذلك سواء فيما له ارتباط بالبنود التعسفية والجزائية أيضا.


الهوامش:

(*) تم تحكيم هذا المقال من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون

للدراسات والأبحاث القانونية

[1] والأخلاق هي مجموعة من المبادئ والمفاهيم التي يساهم في تكوينها الفرد داخل المجتمع، وتدور حول الخير والشر، وتكون هي الواجبة الإتباع، فهي وليدة المعتقدات والتقاليد والعادات المتأصلة في النفوس، ويجد الناس أنفسهم ملزمين بإتباعها وفقا لوازع أدبي يحكم تصرفاتهم ويسود علاقالاتهم الاجتماعية، فمنها المبادئ التي تحث على مساعدة الفقراء والمحتاجين، وفيها العدل، والوفاء بالعهود، والصدق في الفعل والقول…

للمزيد من التعمق يمكن الرجوع إلى:

-محمد جلال السعيد: المدخل لدراسة القانون، مطبعة النجاح الجديدة –الدار البيضاء-، الطبعة الثالثة، سنة 2016، ص51.

-محمد المقريني: المدخل لدراسة القانون الوضعي، مطبعة بني ازناسن، الطبعة الثانية، سنة 2016، ص26.

[2] عبد الحميد فوده: مبدأ حسن النية في القانون الروماني، شركة الجلال للطباعة، الطبعة الأولى، سنة2010، ص8.

[3] زيتوني فاطمة الزهراء: مبدأ حسن النية في العقود، دراسة مقارنة، رسالة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه تخصص: القانون الخاص، جامعة أبي بكر بلقايد، تلمسان الجزائر، سنة 2017-2018، ص11.

[4]محمد بن الطالب الوزاني: مبدأ حسن النية في المعاملات المدنية في القانون المغربي،أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، وحدة القانون الخاص،جامعة محمد الخامس-أكدال- كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- الرباط- ،سنة 2001-2002،ص592.

[5]المرجع السابق، ص592.

[6] GEORGES Ripert , La règle morale dans les obligations civiles, 4ème éd, LGDJ.paris,1949 ,31

[7] مندي آسيا يسمينة: النظام العام والعقود، مذكرة لنيل شهادة الماجيستير في الحقوق فرع العقود والمسؤولية، جامعة يوسف بن خدة كلية الحقوق، سنة 2008-2009، ص19.

[8] سورة المائدة: الآية 1.

[9] سورة الأنعام: الآية 157.

[10] سورة الرحمان: الآية 9.

[11] سورة الشعراء: الآية181و182و183.

[12] حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالرباط تحت عدد 2522، بتاريخ 22/10/2008، في الملف رقم 2227/06، منشور بمجلة الحقوق المغربية عدد 8، ص.

[13]لا جرم أنه من المبادئ المستقرة التي تعتبر من الأصول الكبرى في القانون، أن التصرف لا يكون قائما إذا كان من أجراه لا يملك سلطة التصرف في ذلك الشيء، كما أن التصرف لا يسري في مواجهة الشخص إذا كان من أجراه لا يملك سلطة التصرف نيابة عنه؛ فإذا لم يكن الشخص مالكا لما يتصرف فيه، أو لم تكن هناك نيابة، أو كانت وانقضت، أو جاوز الممثل حدود سلطاته، فإن العمل الذي يقوم به من يتقدم للتعامل بهذه الصفة، لا يكون نافذا في مواجهة الغير. بيد أنه، للقاعدة هذه استثناءات تقتضيها العدالة، حسن النية واستقرار المعاملات، من خلالها يتم تصحيح التصرف الذي يقوم على الوضع الظاهر على التضحية بمصلحة صاحب المركز القانوني الحقيقي؛ وذلك إثابة للمتعاقد بناء على ظاهر الأمر لكونه قد تعاقد وهو على نية حسنة؛ فكون المتعاقد في مركز الطرف ذو النية الحسنة، تجعله يتمتع بامتيازات وإثابات تشريعية، تتمثل في تصحيح التصرف الباطل الذي أبرمه مع الغير إثابة على حسن نيته.
محمد بن الطالب الوزاني: مبدأ حسن النية في المعاملات المدنية في القانون المغربي، مرجع سابق، ص348.

[14] عبد الحليم عبد اللطيف القوفي: حسن النية وأثره في التصرفات في الفقه الإسلامي والقانون المدني، دون ذكر الطبعة، سنة 2004،ص 2.

[15]محمدبنالطالبالوزاني: مبدأحسنالنيةفيالمعاملاتالمدنيةفيالقانونالمغربي، مرجع سابق،  ص: 349.

[16] محمد سعيد عبد الرحمان: نظرية الوضع الظاهر في قانون المرافعات، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت- لبنان، سنة 2011، ص11

[17]  محمد سعيد عبد الرحمان: مرجع سابق، ص12.

[18] ومن الحالات نذكر: الحالة التي يغتصب صاحب المركز الفعلي حيازة صفة معينة، ويباشر حقوقا ومزايا مركز ليس له، مستندا في ذلك إلى تفسير غير سليم للقانون أو إلى تصوير غير صحيح للواقعة التي حدثت، بحيث يكون الظاهر هو المركز الفعلي الذي يخالف الحقيقة، مما يؤدي إلى مواجهة بين صاحب المركز الفعلي وصاحب المركز القانوني من جانب، وبينهما و الغير(المتصرف إليه) المستفيد من تصرف صاحب الوضع الظاهر من جانب آخر؛ سيما وأن الأخذ بالظاهر لا ينطوي دائما على إهدار ومخالفة لقاعدة قانونية، إذ قد يكون صاحب المركز الفعلي ليس حتما سيئ النية، بل في العديد من الفروض يكون حسن النية. والواقع، أن حكم القانون البحث إنما يقضي ببطلان أو عدم نفاذ التصرف الصادر من صاحب الظاهر. ولكن، الواقع المتنوع قد يفرض نفسه ويقدم من الفروض العملية ما قد يثير العديد من المشاكل وما يلقي الكثير من الظلال على حكم القانون. ومن أمثلة ذلك أيضا، الحالة التي يحصل فيها صاحب المركز الظاهر على حكم نهائي يؤكد مركزه، ثم ألغي هذا الحكم فيما بعد لاستناده إلى سند مزور، أو أن صاحب الظاهر كان مشتريا لعقاره وسجله ثم زالت ملكيته بأثر رجعي، سواء لإبطال سند ملكيته أو فسخه. فما الحكم بالنسبة للغير الذي تعامل مع صاحب الظاهر؟ انظر: محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص350 وما يليها.

[19] محمد سعيد عبد الرحمان: مرجع سابق، ص13.

[20]La “bonne foi” est la croyance qu’a une personne de se trouver dans une situation conforme au droit, et la conscience d’agir sans léser les droits d’autrui. C’est une notion fréquemment utilisée dans notre législation pour atténuer les rigueurs de l’application de règles positives. Les contrats doivent être négociés, formés et exécutés de bonne foi. Cette disposition est d’ordre public. De même, L’initiative, le déroulement et la rupture des négociations précontractuelles sont libres. Ils doivent impérativement satisfaire aux exigences de la bonne foi.https://www.dictionnaire-juridique.com/definition/bonne-foi.phpD: 2019/11/10    T :   9:23

[21] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق..

[22] محمد سعيد عبد الرحمان: مرجع سابق، ص18.

[23]L’ayant cause est la personne qui a reçu un droit d’une autre personne dite “son auteur” tel un héritier qui a reçu par testament ou en vertu des dispositions de la Loi, un bien, une quotité ou l’ensemble du patrimoine du défunt. Dans ces exemples le bénéficiaire des droit qui lui ont été ainsi transmis est, dans le premier cas, un “ayant cause particulier”, dans le second cas, un “ayant cause à titre universel” et in fine, un “ayant cause universel”.https://www.dictionnaire-juridique.com/definition/ayant-cause.php 11:15D: 2019/11/10.

[24] L’ayant cause à titre universel est celui qui recueille le patrimoine  d’une personne par succession, testament ou legs. Cette transmission  de patrimoine fait que l’ayant cause à titre universel en recueille tous  les droits mais est tenu également de toutes les obligations. https://www.dictionnaire-juridique.com/definition/ayant-cause.php 11:15 D: 2019/11/10.

[25] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص352.

[26] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص352.

[27] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص352.

[28] يمكن الرجوع في هذا الإطار إلى:

-عبد الباسط جميعي: نظرية الأوضاع الظاهرة، مطبعة الرسالة- القاهرة، سنة 1955.

-جمال مرسي بدر: النية في التصرفات القانونية، طبعة 1954.

-نعمان جمعة: أركان الظاهر كمصدر للحق، طبعة 1977.

-فتيحة قرة: النظرية القضائية المستحدثة للأوضاع الظاهرة، منشأة المعارف، طبعة 1988.

-عز الدين بنستي: نظرية الظاهر في القانون التجاري، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني- الدار البيضاء- سنة 1985-1986.

[29] محمد سعيد عبد الرحمان: مرجع سابق، ص20.

[30] نقض 1981.12.21 ، مجموعة الأحكام، 32، رقم 432، ص2374. انظر: محمد سعيد عبد الرحمان: مرجع سابق، ص20.

[31]نقض1986.2.16 ، هيئة عامة، مجموعة الأحكام، 33، ص639. انظر: محمد سعيد عبد الرحمان: مرجع سابق، ص21.

[32] الصادر بتنفيذه الظهير الشريف في 9 رمضان 1333 الموافق ل12 غشت 1913.

[33] الذي جاء فيه أنه: ” الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد، فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون.”

وفي الصيغة الفرنسية:

Les obligations n’engagent que ceux qui ont été parties à l’acte : elles ne nuisent point

aux tiers et elles ne leur profitent que dans les cas exprimés par la loi.”

[34] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص359.

[35]التي جاء فيها أنه:” الاتفاقات السرية المعارضة أو غيرها من التصريحات المكتوبةلا يكون لها أثر إلا فيما بين المتعاقدين ومن يرثهما، فلا يحتج بها على الغير، إذا لم يكن له

علم بها. ويعتبر الخلف الخاص غيرا بالنسبة لأحكام هذا الفصل.”

وفي الصيغة الفرنسية:

Les contre-lettres ou autres déclarations écrites n’ont d’effet qu’entre les partiescontractantes et leurs héritiers. Elles ne peuvent être opposées aux tiers, s’ils n’en ont eu connaissanceles ayants cause et successeurs à titre particulier sont considérés comme tiers, aux effets du présentarticle.

[36] الذي جاء فيه أنه: “من قدم توصيلا أو إبراء من الدائن أو سندا يأذن له بقبض ما هو مستحق له افترض فيه أنه مأذون في استيفاء الالتزام، ما لم يكن المدين في واقع الأمر قد علم أو كان عليه أن يعلم أن لا حقيقة لهذا الإذن.”

وفي صيغته الفرنسية:

Celui qui présente une quittance ou décharge du créancier, ou un acte l’autorisant àrecevoir ce qui est dû à celui-ci, est présumé autorisé à recevoir l’exécution de l’obligation, à moinsqu’en fait, le débiteur ne sût ou ne dût savoir que cette autorisation n’existaitpas. “

[37]والذي جاء فيه أنه: “يكون صحيحا الوفاء الحاصل بحسن نية لمن يحوز الحق، كالوارث الظاهر ولو استحق منه فيما بعد.”

وصيغته  بالفرنسية:

“Est valable l’exécution faite de bonne foi entre les mains de celui qui est en possession

de la créance tel que l’héritier apparent, encore qu’il en soit évincé par la suite

[38]والذي جاء فيه أنه: “يفترض في الحائز بحسن نية شيئا منقولا أو مجموعة من المنقولات أنه قد كسب هذا الشيء بطريق قانوني وعلى وجهصحيح، وعلى من يدعي العكس أن يقيم الدليل عليه.ولا يفترض حسن النية فيمن كان يعلم أو كان يجب عليه أن يعلم عند تلقيه الشيء أن من تلقاه منه لم يكن له حق التصرف فيه.”

وفي صيغته بالفرنسية:

Celui qui possède de bonne foi une chose mobilière ou un ensemble de meubles est

présumé avoir acquis cette chose régulièrement et d’une manière valable, sauf à celui qui allègue le contraire à le prouver. N’est pas présumé de bonne foi celui qui savait ou devait savoir, au moment où il a reçu la chose, quecelui dont il l’a reçue n’avait pas le droit d’en disposer“.

مقال قد يهمك :   الإطار القانوني لزواج مغاربة الخارج

[39] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص359.

[40]و حدد الاجتهاد القضائي المصري شروط الوكالة الظاهرة بقوله: يشترط لاعتبار الوكيل الظاهر نائبا عن الموكل أن يكون المظهر الخارجي الذي أحدثه هذا الأخير خاطئا وأن يكون الغير الذي تعامل مع الوكيل الظاهر قد انخدع بمظهر الوكالة الخارجي -قا2407 نقض مصري 21/2/1971 مجموعة المكتب الفني السنة 22 ص100 تقنين مدني سوري ج6 ص5597 .بتاريخ: 2019.11.10. ساعة: 17:19.

كما ذهبت محكمة النقض المغربية، في قرار لها الرابط بتاريخ2013 ، عدد 1.369 ، في الملف رقم399.3.1.2001. بأنه:

مرافقة الوكيل الظاهر للموكل الظاهر قصد شراء سلع من المطلوب يستعملها الأول في مشروع البناء لفائدة الثاني، يخلق مظهرا خارجيا أوهم البائع، وجعله معذورا في اعتقاده بأن ثمة وكالة قائمة بينهما ومن حقه التمسك بانصراف أثر تعامله مع من اعتقد بحق أنه وكيل عن الأصيل، لا على أساس وكالة حقيقية بينهما غير موجودة أصلا، بل على أساس وكالة ظاهرة. الرابط بتاريخ 2019.11.10. ساعة: 18:10.

[41]  الذي جاء فيه أنه: “لا يلتزم الموكل بما يجريه الوكيل خارج حدود وكالته أو متجاوزا إياها، إلا في الحالاتالآتية: أولا: إذا أقره، ولو دلالة؛ ثانيا: إذا استفاد منه؛ثالثا: إذا أبرم الوكيل التصرف بشروط أفضل مما تضمنته تعليمات الموكل؛ رابعا: وحتى إذا أبرم الوكيل التصرف بشروط أقسى مما تضمنته تعليمات الموكل مادام الفرق يسيرا، أو كان مما يتسامح به في التجارة أو في مكان إبرام العقد.”

وبالفرنسية:

Le mandant est tenu directement d’exécuter les engagements contractés pour son

compte par le mandataire, dans la limite des pouvoirs conférés à ce dernier.

Les réserves et les traités secrets passés entre le mandant et le mandataire, et qui ne résultent pas du

mandat lui-même, ne peuvent être opposés aux tiers, si on ne prouve que ceux-ci en ont eu

connaissance au moment du contrat.

[42] والذي جاء فيه أنه:” إذا تصرف الوكيل بال وكالة، أو تجاوز حدود وكالته، وتعذر لذلك تنفيذ العقد الذي أبرمه، التزم بالتعويضات لمن تعاقد معه.ولكن الوكيل لا يتحمل بأي ضمان: أ – إذا أعلم من تعاقد معه بمضمون وكالته علما كافيا؛ ب – إذا أثبت أن من تعاقد معه كان يعلم بمضمون وكالتهوكل ذلك، ما لم يلتزم الوكيل بأن يجعل الموكل يقوم بتنفيذ العقد.”

وبالفرنسية:

Le mandataire qui a agi sans mandat ou au-delà de son mandat est tenu des dommages envers les tiers avec lesquels il a contracté, si le contrat ne peut être exécuté.Le mandataire n’est tenu d’aucune garantie :a) S’il a donné à la partie une connaissance suffisante de ses pouvoirs ; b) S’il prouve que celle-ci en avaitconnaissance. Le tout à moins qu’il ne se soit porté fort de l’exécution du contrat.

[43] حيث جاء فيه أنه: يلتزم الموكل مباشرة بتنفيذ التعهدات المعقودة لحسابه من الوكيل في حدود وكالته.

التحفظات والعقود السرية المبرمة بين الموكل والوكيل والتي لا تظهرمنالوكالة نفسها لا يجوز الاحتجاج بها على الغير، ما لم يقم الدليل على أنهم كانوا يعلمون بها عند العقد.

وفي الصيغة الفرنسية:

“Le mandant est tenu directement d’exécuter les engagements contractés pour son compte par le mandataire, dans la limite des pouvoirs conférés à ce dernier. Les réserves et les traités secrets passés entre le mandant et le mandataire, et qui ne résultent pas du mandat lui-même, ne peuvent être opposés aux tiers, si on ne prouve que ceux-ci en ont eu connaissance au moment du contrat.”

[44] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص361.

[45] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص361.

[46]” Sont valides les actes faits par le mandataire au nom du mandant au temps où il ignorait encore le décès de celui-ci ou l’une des autres causes qui ont fait cesser le mandat, pourvu que les tiers avec lesquels il a contracté l’aient également ignorée. “

[47] قضاء المجلس الأعلى: القرار 285 الصادر بتاريخ 7 أبريل 1982، ملف مدني 486-86، العدد: 30، السنة 7 أكتوبر 1982، ص 31.

انظر: محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص362.

[48] قضاء المجلس الأعلى: القرار 30 الصادر بتاريخ 13 يناير 1981 ملف شرعي 77057، العدد: 30، السنة 7 أكتوبر 1982، ص 51.

انظر: محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص 362.

[49] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص364.

[50]كمبيالات المجاملة هي التي تبدو في ظاهرها مستوفية لجميع البيانات التي يفرضها القانون كما لو كانت كمبيالة جديدة، مع أن الحقيقة أن إرادة المتعاقدين قد انصرفت إلى الحصول على ائتمان وهمي لا علاقة له بالحقيقة يرمي بالأساس إلى خداع الغير من هذا الظاهر.

L’effet de complaisance, qui est habituellement une lettre de change, est un effet tiré sur une personne qui n’a aucune dette envers le tireur : cette personne accepte la lettre pour rendre service à celui-ci et pour lui permettre de se procurer un crédit en faisant escompter la lettre de change par son banquier.

https://www.larousse.fr/archives/grande-encyclopedie/page/4553 D : 2019/11/10. T : 21 : 23.

[51]هي الحالة التي يفاجأ فيها المسحوب عليه القابل للكمبيالة، بأداء قيمتها في تاريخ الاستحقاق على اعتبار أنه الحامل الشرعي Le porteur légitime  بالرغم من أدائه لمبلغها للساحب. يرجى الرجوع في هذا الإطار إلى: عز الدين بنستي: نظرية الظاهر في القانون البنكي ،

[52]L’inopposabilité des exceptions est une expression juridique qui s’applique aux effets de commerce. L’inopposabilité des exceptions a pour conséquence que les personnes engagées en tant que signataires d’un effet de commerce, ne peuvent pas opposer au porteur de bonne foi les exceptions fondées sur leurs rapports personnels avec les précédents signataires .https://www.mataf.net/fr/edu/glossaire/inopposabilite-des-exceptions d : 2019/11/10t: 21:03.

[53] محمد بن الطالب الوزاني: مرجع سابق، ص364.

[54] عز الدين بنستي: نظرية الظاهر في القانون البنكي،

[55]ظهيرشريف رقم 1.96.83 صادر في 15 من ربيـع الأول 1417 )فاتح أغسطس 1996 ( بتنفيذ القانون رقم 15.95 المتعلقبمدونة التجارة.

[56]عز الدين بنستي: مرجع سابق، ص13.

[57] عز الدين بنستي: مرجع سابق، ص13.

[58] عز الدين بنستي: مرجع سابق،ص15.

[59] عبد الكريم العيوني: انتقال الالتزام، دراسة مقارنة في ضوء التطبيقات المعاصرة، مطبعة المعارف الجديدة(ctp)- الرباط، طبعة 2016، ص245 وما بعدها.

[60]Les personnes actionnées en vertu de la lettre de change ne peuventpas opposer au porteur les exceptions fondées sur leurs rapportspersonnels avec le tireur ou avec les porteurs antérieurs, à moins que leporteur en acquérant la lettre, n’ait agi sciemment au détriment dudébiteur.

[61] نقض طعن رقم536، 36، جلسة1970/5/12، مجموعة أحكام النقض 21، ص810. انظر: عبد الكريم العيوني، مرجع سابق، ص246.

[62] Les différents types d’endossement

Il existe trois types d’endossement auxquels le porteur peut recourir selon ses besoins :

  • L’endossement translatif de propriété : Il transmet la propriété de la créance à l’endossataire. Le tireur peut apposer les mentions « Non à ordre » ou « Non endossable » sur la lettre s’il souhaite que la lettre ne soit pas transmissible. Dans ce cas, le bénéficiaire désigné par le tireur est celui qui encaissera la somme due. C’est le type d’endos qui est utilisé pour l’escompte de l’effet auprès d’une banque. La banque devient le bénéficiaire de l’effet et se charge d’encaisser les fonds à échéance. Si la banque n’est pas payée à l’échéance, elle se retournera vers son client et vers tous les autres signataires de l’effet pour obtenir la somme due.
  • L’endossement de procuration : Il est appelé aussi endossement d’encaissement et confère à l’endosseur un mandat de requérir et d’encaisser le montant de l’effet au nom et pour le compte du porteur. Dans ce cas, les mentions « pour procuration » ou « pour encaissement » sont indiquées sur l’effet. C’est le type d’endos qui est utilisé lorsque le bénéficiaire charge sa banque d’encaisser l’effet.
  • Comme conséquence logique, un endos de procuration ne peut pas être suivi d’un endos translatif de propriété. Le dernier porteur n’ayant pas la propriété de la créance, il ne peut le transmettre à son tour.

L’endossement pignoratif : Ce dernier type d’endossement permet au porteur de remettre l’effet en garantie à un créancier. Il doit y faire figurer la mention « donné en garantie ». Si à l’échéance, le créancier n’est pas payé parle porteur, il pourra encaisser les fonds à la place de ce dernier. Un endos pignoratif ne peut être suivi que d’un endos de procuration pour l’encaissement du montant dû à l’échéance.

https://www.comprendrelespaiements.com/endossement-effets-de-commerce/ D : 2019/11/11 . T : 00 :31.

[63] عبد الكريم العيوني: مرجع سابق ،ص248.

[64]Le porteur est une personne physique ou morale détentrice d’un chèque ou d’une lettre de change. Le porteur de bonne foi doit justifier de son droit par une suite ininterrompue d’endossements. Il est dit diligent lorsqu’il présente l’instrument de paiement dans les délais légaux qui s’y appliquent. En cas de non-paiement, le porteur peut exercer des recours contre l’ensemble des signataires.

https://www.mataf.net/fr/edu/glossaire/porteurD: 2019/11/11.  T : 00 : 38.

[65] والتي يقابلها المادة397 من القانون التجاري المصري، والمادة 511-12 من القانون التجاري الفرنسي.

[66] عبد الكريم العيوني: مرجع سابق، ص249.

[67] عبد العزيز العيساوي: الحماية القضائية للمستهلك من الشروط التعسفية، مقال منشور يمجلة المنبر القانوني، عدد 11، سنة 2016، ص123.

[68] البشير الدحوتي: أثر التحولات الاقتصادية على العقد، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول-وجدة-، سنة 2003-2004،ص8.

[69] Lorsqu’elle porte sur une convention à propos de l’exécution de laquelle les parties sont en conflit, l’interprétation en est confiée à un Tribunal, ou, à un arbitre. Pour dégager quel est le sens de la disposition du contrat qui constitue l’objet du différend, le juge cherche quelle a été leur commune intention. L’interprétation des termes d’une convention appartient souverainement aux juges du fond : en revanche la qualification des conventions, c’est à dire, la définition des effets de droit qu’elles produisent, est une question susceptible de faire l’objet d’un pourvoi en cassation. A l’occasion d’un litige sur les modalités de l’exécution d’un contrat, dans une situation juridique donnée, l’interprétation peut éventuellement porter sur le sens à donner au texte d’une Loi. Et, à défaut de manifestation claire, et pour interpréter le sens d’ une clause ambiguë d’un acte authentique de vente, le juge peut se référer au compromis de vente sous seing privé pour connaître la commune intention des parties. (C. A. Limoges (ch. civ., 2e sect.), 22 juin 2005 – BICC n°671 du 15 novembre 2007). Selon le Code de la consommation, les contrats s’interprètent dans le sens le plus favorable au consommateur ou au non-professionnel.

https://www.dictionnaire-juridique.com/definition/interpretation.php   D : 20/11/2019 .     Temps : 12 :56.

[70] والتفسير لغة: الشرح والبيان. وهو بهذا المعنى يدرج عادة كمرادف للتأويل، إذ يعتبر كل من التفسير والتأويل طريقا نحو الإيضاح وكشف المراد، غير أن المعاجم تفرق مع ذلك بين التفسير والتأويل، على أساس أن التفسير هو: كشف المراد من اللفظ المشكل والتأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر.

أما في الاصطلاح القانوني: فلم يكن تعريف التفسير محل إجماع لدى فقهاء القانون، إذ أن هناك من عرفه استنادا إلى الهدف المتوخى منه، بينما عرفه البعض الآخر بالنظر إلى أهميته في عملية تطبيق القاعدة القانونية، في حين هناك من ركز تعريفه على نطاقه، وحتى هذا الاتجاه الأخير انقسم إلى من يحصر نطاق التفسير في التشريع ومن يوسع من دائرته ليشمل كل مصادر القاعدة القانونية، ومع ذلك يمكن تقسيم مختلف التعريفات التي تناولت مفهوم التفسير إلى اتجاهين رئيسين:

الاتجاه الأول: يأخذ بالمفهوم الضيق للتفسير، بحيث يفيد الاستدلال على الحكم القانوني وعلى الحالة النموذجية التي وضع لها هذا الحكم من واقع الألفاظ التي عبر بها المشرع على ذلك، وبمعنى أكثر تفصيلا، فإن التفسير في هذا المقام هو : تحديد المضمون الحقيقي للقاعدة القانونية، بالكشف عن مختلف التطبيقات التي تنسحب عليها أحكامها، وإيضاح ما غمض من هذه الأحكام، واستكمال النقص فيهان ورفع ما قد يبدو في الظاهر من التناقض بينها وبين غيرها من القواعد القانونية، والغالب أن يرد التفسير على نصوص التشريع.

الاتجاه الثاني: هو الذي يوسع من نطاق التفسير، الذي عمد إلى إيراد تعريفات مقتضبة، إلا أنها تتميز بالعمومية على نحو يسمح بأن تدخل تحت مظلتها جميع مصادر القاعدة القانونية، وهكذا يعرف تفسير القانون وفقا لهذا الاتجاه بأنه: العملية العقلية التي تهدف إلى البحث والتوضيح للمعنى الذي ترمي إليه القاعدة القانونية.

وللمزيد من التعمق يرجى الرجوع إلى:

عبد الرحمان اللمتوني: دور الاجتهاد القضائي في خلق القاعدة القانونية، الطبعة الأولى، سنة 2018، ص203 وما يليها.

عصمت عبد المجيد بكر: أصول تفسير القانون، الطبعة الأولى، سنة 2004، مطبعة صياح صادق جعفر بغداد، ص5 وما يليها.

بلعيد كرومي: سلطة القاضي في تفسير النصوص الشرعية والوضعية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الحسن الثاني الدار البيضاء، 1991م، ص18 وما بعدها.

سليمان مرقس: المدخل للعلوم القانونية، دار النشر للجامعات المصرية، الطبعة الثالثة، سنة 1991م القاهرة، ص20 وما يليها.

صلاح الدين زكي: دروس في المدخل إلى العلوم القانونية، دار النهضة العربية، القاهرة 1975م، ص53 وما بعدها.

[71] عبد الرحمان الشرقاوي: القانون المدني، دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام في ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي، مصادر الالتزام، الجزء الأول، التصرف القانوني، العقد والإرادة المنفردة، مطبعة المعارف الجديدية-الرباط-، الطبعة الخامسة، سنة 2018، 233.

[72] بلال العشيري: الحماية القضائية للمستهلك من الشروط التعسفية، مقال منشور في كتاب الذكرى المئوية لظهير الالتزامات والعقود المغربي؛ التحولات الاقتصادية وانعكاساتها على ظهير الالتزامات والعقود المغربي، مطبعة الرباط نت، سنة 2016، ص113.

[73] عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص123.

[74] عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص124.

[75] عبد الرحمان الشرقاوي: مرجع سابق، ص238.

[76] عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص124.

[77] يقابلها باللغة الفرنسية:

Il y a lieu à interprétation :1. Lorsque les termes employés ne sont pas conciliables avec le

but évident qu’on a eu en vue en rédigeant l’acte;2. Lorsque les tonnes employés ne sont pas clairs par eux-mêmes,ou expriment incomplètement la volonté de leur auteur;3. Lorsque l’incertitude résulte du rapprochement des différentes clauses de l’acte, qui fait naître des doutes sur la portée de ces

clauses.Lorsqu’il y a lieu à interprétation, on doit rechercher quelle a été la volonté des parties, sans s’arrêter au sens littéral des termes ou à la construction des phrases.

[78] محمد الكشبور: رقابة المجلس الأعلى محاكم الموضوع في المادة المدنية، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، سنة 1986م، ص157. ورد في عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص126.

[79] مجلة القضاء والقانون، عدد 85-87، ص: 289. قرار استشهد به: عبد الرحمان الشرقاوي مرجع سابق، ص242.

[80] قرار استشهد به: عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص126.

[81] عبد الرحمان الشرقاوي: مرجع سابق، ص242.

[82] قرار استشهد به: عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص126.

[83] عبد الرحمان الشرقاوي: مرجع سابق، ص242.

[84] عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص127.

[85] والذي جاء فيه:”عند الشك يؤول الالتزام بالمعنى الأكثر فائدة للملتزم.”

ويقابله في اللغة الفرنسية:

Dans le doute, l’obligation s’interprète dans le sens le plus favorable à l’obligé.

[86] عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص128.

[87] ويقابلها بالفرنسية:

“Lorsque les termes ne l’acte sont formels, il n’y a pas lieu à rechercher quelle a été la volonté de son auteur.”

[88] الذي جاء فيه أنه: “لا يتم الاتفاق إلا بتراضي الطرفين على العناصر الأساسية للالتزام وعلى باقي الشروطالمشروعة الأخرى التي يعتبرهاالطرفان أساسية.”

ويقابلها بالفرنسية:

La convention n’est parfaite que par l’accord des parties sur les éléments essentiels de l’obligation, ainsi que sur toutes les autres clauses licites que les parties considèrent comme essentielles.

[89] قرار استشهد يه: عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص130.

[90] قرارين استشهد بهما : عبد الرحمان الشرقاوي، مرجع سابق، ص235.

[91] ويمثله كل من :

-الأستاذ إدريس العلوي العبدلاوي

-الأستاذ محمد شيلح

-الأستاذ جميل صبحي برسوم.

[92] عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق ص131.

[93]Cass .Civ 13 mai 1970 , J .C. P , 1971, T2 , 16891.

[94] من بينها القرار الصادر بتاريخ 10 يوليوز 1962، والذي جاء فيه أنه:وهو ما أكده المجلس الأعلى في قرار له بتاريخ 10 يوليوز 1962م والذي جاء فيه أنه: يتعرض للنقض القرار الذي بمساعدة عوامل أجنبية عن عقد التأمين يجيز تفسير بند واضح مدقق، إن شركة التأمين لا تضمن حوادث الشغل الواقعة في الجزائر عندما تنص بنود العقد بأن الضمان لا يشمل سوى الحوادث التي تقع في المغرب بناء على الفصول 230، و461 و462 من ظ.ل.ع المغربي، حيث إن العقد شريعة المتعاقدين، وأنه لا يكون له موجب إلا في الحالة التي تكون فيها العبارة غير واضحة بذاتها أو لا تتلاءم مع الغرض الواضح من العقد أو عندما ينشأ الغموض من مقارنة بنود العقد، بحيث تثير الشك حول مدلولها، إن قاضي الموضوع اعتقد بأن هناك محلا للتفسير، لأن العقد تضمن الإشارة إلى ظهير 25 يونيو 1927م الذي يجعل على عاتق المشغل الحوادث الواقعة خارج المغرب.

[95] قرار المجلس الأعلى بتاريخ 7 يناير 1976م، منشور بمجلة المعيار، العدد الأول، سنة 1978م، ص47.

[96] رجاء ناجي المكاوي: علم القانون، ماهيته، مصادره، فلسفته، وتطبيقه، سلسلة أعرف حقوقك العدد5، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، سنة 2012، ص79.

[97]وقد عرفه الأستاذ محمد شيلح بأنه: مجموع القواعد التي تهدف إلى تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي الذي لا يمكن الاستغناء عنه لضمان المصلحة العامة، وبالتالي ضمان بقاء الدولة وسيرها على نهج النظرية العامة للوجود التي تجد فيها مشروعيتها.

للتعمق أكثر يمكن الاطلاع على:  محمدشيلح: سلطان الإرادة في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي: أسسه ومظاهره في نظرية العقد، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- الرباط-، سنة 1983م، ص190.

[98] ظهير رقم 03-11-1 صادر في 14 من ربيع الأول 1432(18 فبراير 2011) بتنفيذ القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5932 ل17 أبريل 2011 ص1073.

[99] الذي جاء فيه أنه:“تعتبر أحكام هذا القسم من النظام العام.

ويقابلها بالفرنسية:

Les dispositions du présent titre sont d’ordre public.

[100] والتي جاء فيها أنه: تعتبر أحكام هذا الباب من النظام العام.

وفي اللغة الفرنسية:

Les dispositions du présent chapitre sont d’ordre public.

[101] والتي جاء فيها أنه:تعتبر أحكام هذا القسم من النظام العام.

وبالفرنسية:

Les dispositions du présent titre sont d’ordre public.

[102]يحمل مصطلح النظام العام على معنيين: يتعلق الأول بالمصلحة العامة والمسمى بالنظام العام التقليدي، أما الثاني والذي يهمنا في هذا الإطار وهو النظام الحمائي، ويقصد به مجموع القواعد والمقتضيات القانونية المنظمة لقانون الشغل والتي تهدف إلى حماية الطرف الضعيف في علاقة الشغل الفردية بشكل يجعل رب العمل فرض على العامل أجرا يقل عن الحد الأدنى المنصوص عليه في النصوص التنظيمية أو تجاوز الحد الأقصى لساعات العمل بحقوق أقل من تلك التي كان يتمتع بها في ظل عقد العمل الأصلي.

للمزيد من التعمق يرجى الرجوع إلى : محمد العربي مياد: الوسيط في عقود الإذعان، دراسة مقارنة،طبعة 2012، ً121.

[103] قرار أورده عبد العزيز العيساوي : مرجع سايق، ص134.

[104] حكم عدد 155 صادر عن المحكمة الابتدائية بالبيضاء بتاريخ19/02/1972، منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد 22 أكتوبر- نونبر 1981، ص 83 إلى 86. أورده عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، 134.

[105] ويقابله بالفرنسية:

“Est nulle et rend nulle l’obligation qui en dépend, toute condition ayant pour effet de restreindre ou d’interdire l’exercice des droits et facultés appartenant à toute personne humaine, telles que celles de se marier, d’exercer ses droits civils. Cette disposition ne s’applique pas au cas où une partie s’interdirait d’exercer une certaine industrie, pendant un temps ou dans un rayon déterminé”.

[106] والذي نص على ما يلي: “الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون”.

وبالفرنسية:

“Les obligations contractuelles valablement formées tiennent lieu de loi à ceux qui les ont faites, et ne peuvent être révoquées que de leur consentement mutuel ou dans les cas prévus par la loi.”

[107] والذي جاء فيه أنه: كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية. وهو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب، بل أيضا بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقتضيه طبيعته.

وباللغة الفرنسية:

“Tout engagement doit être exécuté de bonne foi et oblige, non seulement à ce qui y est exprimé, mais encore à toutes les suites que la loi, l’usage ou l’équité donnent à l’obligation d’après sa nature”.

[108] الذي جاء فيه :” يجب الوفاء بالالتزامات مع تمام الأمانة ولايلزم ماصرح به فقط بل يلزم كلما ترتب على الالتزام من حيث القانون أو العرف أوالإنصاف حسب طبيعته”.

[109] عبد العزيز العيساوي: مرجع سابق، ص137.

[110] هشام علالي: الشرط الجزائي، مقال منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد155، سنة 2017، ص99.

[111] أستاذنا بلال العشيري: مرجع سابق، ص121.

[112]أضيفت مقتضيات الفقرة الثانية والثالثة إلى الفصل 264 أعلاه بمقتضى القانون رقم 27.95 الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.95.157 بتاريخ 13 من ربيع الأول 1416 (11 أغسطس 1995). الجريدة الرسمية عدد 4323 بتاريخ 10 ربيع الآخر 1416 (6 سبتمبر 1995)، ص 2443.

[113] ويقابله بالفرنسية:

“Le tribunal peut réduire le montant des dommages-intérêts convenu s’il est excessif ou augmenter sa valeur s’il est minoré comme il peut réduire le montant des dommages-intérêts convenu, compte tenu du profit que le créancier en aurait retiré du fait de l’exécution partielle de l’obligation. Toute clause contraire est réputée nulle”.

ويقابلها في القوانين العربية :
المادة 364 من القانون المدني الأردني والتي جاء فيها أنه: “1- يجوز للمتعاقدين ان يحددا مقدما قيمة الضمان بالنص عليها في العقد او في اتفاق لاحق مع مراعاة احكام القانون .
2- ويجوز للمحكمة في جميع الاحوال بناء على طلب احد الطرفين ان تعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساويا للضرر
ويقع باطلا كل اتفاق يخالف ذلك.”
والمادة 224 من القانون المدني المصري والتي نصت على ما يلي: “لا يكون التعويض الاتفاقى مستحقا إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي
ضرر. ويجوز للقاضي أن يخفض هذا التعويض إذا أثبت المدين أن التقدير كان مبالغا فيه إلى درجة كبيرة، أو أن الالتزام الأصلي قد نفذ في جزء منه. ويقع باطلا كل اتفاق يخالف الفقرتين السابقتين

[114] والتي صارت هي الفقرة الثالثة والرابعة من المادة 1231-5 بمقتضى الأمر الصادر بتاريخ 10 فبراير 2016.

[115] أستاذنا عبد الرحمان الشرقاوي: مرجع سابق، ص275.

[116] أحمد ادريوش: الاجتهاد القضائي في ميدان الالتزامات والعقود،سلسلة المعرفة القانونية، الطبعة الرابعة، سنة 1997م، ص127.

[117] الكبير اسماعيني: مدى ارتباط التعويض الاتفاقي بالنظام العام، مقال منشور بمجلة البدلة، العدد الأول، سنة 2018، ص46.

[118] عبد الرحمان الشرقاوي: مرجع سابق، ص275.

[119] قرار استشهد به الكبير اسماعيني: قرار محكمة النقض عدد489، ملف تجاري عدد1314/3/1/2010 ، تحت رقم9167.

[120] عبد الرحمان الشرقاوي: مرجع سابق، ص276.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)