التكييف القانوني لحالة الطوارئ الصحية

1 يوليو 2020 - 11:34 ص المنبر القانوني
  • حجم الخط A+A-

رابح بنعبد القادر ماستر الاسشارة القانونية ذات الصبغة المالية للإدارات والمقاولات 

مقدمة

في أواخر سنة 2019 استفاق العالم على وقع ظهور فيروس كورونا المستجد بمدينة  ووهان الصينية وقد خلف فيها آلاف الضحايا، الشيء الذي أدركت معه  دول العالم أنها أمام فيروس لم يسبق لها أن واجهته، رغم انتمائه لعائلة كرونا( سارس؛ ميرس)، لكون هذا الأخير يتميز بسرعة انتشاره نتيجة بطء ظهور أعراضه على حامله، هذه الميزة جعلته وباء عابرا للقارات(جائحة).

وفي خضم هذا الانتشار اتخذت جل الدول  تدابير  استباقية و وقائية لمواجهته، وكان على رأس هذه الدول المملكة المغربية، إذ بمجرد اتساع رقعة الوباء في باقي الدول، أعطى جلالة الملك تعليماته السامية  بضرورة التعبئة الوطنية الشاملة  لمحاصرة  هذا الفيروس حماية لحياة الأفراد وصحتهم وجعلها من الأولويات، كما أمر جلالته بإحداث صندوق خاص بتدبير جائحة كورونا.

و قد اتسم تنزيل هذه الإجراءات الوقائية بالتدرج ، إذ بدأت بتوقيف الدراسة بشكل مؤقت واعتماد أسلوب الدراسة عن بعد، وإلغاء جميع التظاهرات الرياضية والثقافية والتجمعات الدينية، وكذا بعض الأنشطة المهنية والتجارية، مرورا بإغلاق الحدود الجوية والبرية، و وصولا إلى إعلان وزير الداخلية حالة الطوارئ الصحية التي تهدف إلى حماية السكان والتراب الوطني من تفشي هذا الفيروس  .

 و إن ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع رغم أن الوقت غير مناسب للتحليل القانوني  نظرا للظرفية التي تمر بها بلادنا والعالم أجمع، هو كثرة الأسئلة التي رافقت وتلت إعلان حالة الطوارئ الصحية، والمتمثلة  في ما إن كان الدستور المغربي قد نص على إعلان حالة الطوارئ؟ وإن تم التنصيص عليها، فما هي العقوبات المطبقة في حال خرقها؟

 و للإجابة عن هذه الأسئلة ورفعا للبس الواقع وتوضيح المعنى،  ارتأينا التقسيم التالي:

  • المحور الأول : التكييف القانوني لفرض حالة الطوارئ الصحية
  •       الفقرة الأولى : إعلان حالة الاستثناء أو الحصار
  •       الفقرة الثانية : إعلان حالة الطوارئ الصحية
  • المحور الثاني:  العقوبات المترتبة عن مخالفة حالة الطوارئ الصحية
  •       الفقرة الأولى : العقوبات المنصوص عليها في مرسوم قانون  2.20.292
  •       الفقرة الثانية : العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي

المحور الأول: التكييف القانوني لفرض حالة الطوارئ الصحية

بعد إعلان المغرب عن فرض حالة الطوارئ الصحية، طفت على السطح مجموعة من الأسئلة للباحثين في المجال القانوني، خاصة في منصات التواصل الاجتماعي، المتعلقة بالتكييف القانوني لهذا الإجراء، وما إن كنا أمام إعلان عن حالة الاستثناء أم حالة الحصار (الفقرة الأولى)، أم أن حالة الطوارئ الصحية لها تكييف خاص (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : إعلان حالة الاستثناء أو الحصار

لقد جاء الدستور المغربي بمجموعة من المقتضيات الدستورية الاستثنائية، و التي يتم اللجوء إليها عند الضرورة ، حيث نص المشرع في الفصل 59 على أن حالة الاستثناء تفرض إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة، أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، أمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بظهير بعد استشارة رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، و رئيس مجلس المستشارين، و رئيس المحكمة الدستورية، و توجيه خطاب للأمة، و يخول للملك بذلك صلاحية اتخاذ الإجراءات التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية(…) .

لا يحل البرلمان أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية.

من خلال النص أعلاه نستنتج أن حالة الاستثناء تكون في الأمور الاستعجالية  و الاستباقية لوقوع الخطر و هو ما يتأكد لنا من خلال عبارة “إذا كانت حوزة التراب مهددة”.

  من هذا المنطلق يمكن القول أن حالة الطوارئ الصحية التي أعلنها المغرب ليست هي نفسها حالة الاستثناء المنصوص عليها في الفصل 59، وذلك لمجموعة من الاعتبارات، من بينها أن هذه الأخيرة يتم الإعلان عنها من طرف الملك بظهير، كما أنها تستدعي شكليات معينة منصوص عليها في نفس الفصل أعلاه، وهو ما لم يتوفر حين تم فرض حالة الطوارئ الصحية، بالإضافة إلى أن الإعلان عن حالة الاستثناء يقتضي وجود أحداث تعرقل السير العادي للمؤسسة الدستورية والتي لم نصل لها بعد.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يمكن الإعلان عن حالة الاستثناء في حال خضوع ممثلي المؤسسات الدستورية للحجر الصحي؟ وإلى أي حد يمكن تكييف جائحة كورونا كحدث من الأحداث التي تعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية المنصوص عليها في الفصل 59؟ خاصة  وأن هذا الفصل  تضمن عبارة فضفاضة،” أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات”، ولم يذكر الأحداث التي يمكن اعتبارها معرقلة لعمل المؤسسات الدستورية ، هذا فيما يخص حالة الاستثناء.

أما في ما يتعلق بحالة الحصار فقد  نص عليه المشرع الدستوري في فصلين مختلفين، يتمثل الأول  في الفصل 49 الذي جعل أحقية التداول في هذا الإجراء من اختصاص المجلس الوزاري[1]، ثم الفصل 74 الذي جاء ليوضح إلى حد ما كيفية اعتماد  حالة الحصار والتي تكون عن طريق ظهير شريف موقع بالعطف من طرف رئيس الحكومة،  يتم العمل بهذه الوضعية لمدة شهر ولا يمكن تمديده إلا بالقانون، أي أن البرلمان –بمجلسيه- هو من له الحق في تمديده في حال تبين له أن الوضعية التي فرض لأجلها هذا الحصار لازالت قائمة[2].

ومنه فإننا لا يمكن أن نكيف و نعتبر بأن حالة الطوارئ الصحية التي فرضها المغرب بمثابة حصار، لأنه ببساطة هذا الإجراء لم يتضمن الشروط الشكلية الواجب إتباعها لكونه لم يصدر بواسطة  ظهير وإنما عن طريق بلاغ صادر عن وزير الداخلية بموجب ممارسته لمهامه الضبطية، و بالتالي فإن الإجراء الذي اتخذه المغرب ( إعلان حالة الطوارئ الصحية) هو الأقرب إلى الصواب من فرض حالة الحصار، لأن هذا الأخير مدته محددة في 30 يوما ولا يمكن تمديدها إلا بالقانون، ونحن أما جائحة -فيروس كورونا – لا نعلم مدتها، فقد تطول وهو ما يستدعي اجتماع البرلمان بمجلسيه للتمديد إن اقتضى الحال، الشيء الذي يتعارض مع تعليمات الجهات المختصة، والذي يعتبر في حد ذاته خطرا على نواب ومستشاري البرلمان نتيجة الآثار الصحية التي قد يتعرضون لها أثناء اجتماعهم.

مقال قد يهمك :   أحمد العلوي : توثيق التصرفات العقارية ودوره في تحقيق الأمن العقاري و الحد من ظاهرة الاستيلاء

إذا فإن فرض حالة الطوارئ الصحية ليست هي حالة الحصار لعدم توفر الأركان الموضوعية والشكلية.

الفقرة الثانية :  إعلان حالة الطوارئ الصحية

منذ ظهور جائحة فيروس كورونا المستجد، قامت الدولة المغربية باتخاذ مجموعة من الإجراءات الاستباقية و الاحترازية للوقاية منه، لكن بمجرد الشروع في تنفيذ هذه الإجراءات  طرحت مجموعة من الأسئلة حول قانونيتها، و قد احتد النقاش مباشرة بعد إعلان المغرب عن حالة الطوارئ الصحية ابتداء من يوم الجمعة 20 مارس 2020 من طرف وزارة الداخلية، حيث انصبت معظم التساؤلات حول  التكييف القانوني الذي يمكن إضفاؤه على  فرض حالة الطوارئ  الصحية.

إن حالة الطوارئ الصحية لا تدخل ضمن حالة الاستثناء ولا ضمن حالة الحصار كما سبق توضيح ذلك في حينه، لأن فرض هاتين الأخيرتين مرهون بالإرادة الملكية و إجراءات شكلية محددة. و رغم أن حالة الطوارئ الصحية لم يتم التنصيص عليها في الدستور المغربي، إلا أنه تضمن بعض المقتضيات التي تلقي على عاتق السلطات العمومية مهمة ضمان سلامة المواطنات و المواطنين، وكذا حماية التراب الوطني، وعليه فإن إعلان حالة الطوارئ يبقى من اختصاص السلطة القريبة القادرة على التفاعل المباشر للحد من  الأخطار التي تهدد سلامة السكان والوطن[3].

فالحالة التي نحن أمامها تتجلى في كون وزير الداخلية مارس مهامه الضبطية المنصوص عليها في المادة الأولى من مرسوم  تحديد اختصاصات وتنظيم وزارة الداخلية[4]، باعتباره أحد ممثلي الشرطة الإدارية [5] التي تهدف إلى الحفاظ على النظام العام بمدلولاته الثلاثة والمتمثلة في الأمن العام؛ السكينة العامة؛ و الصحة العامة، هذه الأخيرة هي التي تبرر فرض حالة الطوارئ الصحية لأن الحفاظ على الصحة العامة يقتضي اتخاذ إجراءات استثنائية من أجل الحد من انتشار وباء كورونا.

أما في ما يخص التساؤل عن مدى قانونية الاستعانة بالقوات العمومية، فإن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في أن الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية بخصوص حالة الطوارئ تقتضي التنفيذ الجبري لهذه الأخيرة، وهو ما يستدعي  طلب المساعدة من القوات العمومية باعتبارها تدخل ضمن امتيازات السلطات من أجل تنزيل هاته الإجراءات، وبذلك يتم تقيد حرية تنقل الأشخاص والالتزام بالتعليمات المتخذة في هذا الشأن كالبقاء في بيوتهم والالتزام بقواعد النظافة …، باستثناء الحالات  المسموح بها وقد تم تخصيص وثيقة لهذه الاستثناءات، و بهذا فإن القرار الذي اتخذته وزارة الداخلية لم يتعارض  مع النصوص الدستورية [6] كما ادعى البعض ،لأن هذا الإجراء قد قيد بعض الحريات ولم يلغيها وبالتالي فالقرار غير معيب و ليس فيه انحراف.

و نحن  بصدد كتابة هذا البحث قد صادق المجلس الحكومي على مشروع مرسوم 2.20.292 ( مرسوم بقانون) الذي يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية و الإعلان عنها،  وبهذا فإنه بمجرد موافقة اللجان المعنية بمجلسي البرلمان ونشره بالجريدة الرسمية، يعتبر الأساس القانوني لهذا الإجراء.

 المحور الثاني:  العقوبات المترتبة عن مخالفة حالة الطوارئ

 قبل إصدار مرسوم 2.20.292 المتعلق بسن حالة الطوارئ الصحية و تجريمه لمجموعة من الأفعال و التصرفات  (الفقرة الأولى)  الناتجة عن  المواطنين والتي  قد تحول دون التنزيل السليم لهذا الإجراء، كان جل الحديث ينصب حول إمكانية تطبيق العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي لردع المخالفين لهذه التدابير(الفقرة الثانية).

 الفقرة الأولى: العقوبات المنصوص عليها في مرسوم قانون  2.20.292

عندما تم الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية للوهلة الأولى كانت تعتبر إجراء إداريا، لكن بعد أن صادق المجلس الحكومي على مشروع مرسوم قانون 2.20.292، و تم الموافقة عليه من طرف اللجان المعنية بهذا الشأن التابعة لمجلسي البرلمان، ونشره بالجريدة الرسمية اعتبر إطارا قانونيا للإجراءات التي اتخذت أو المزمع اتخاذها، حيث تضمن هذا المشروع مجموعة من المقتضيات الزجرية التي تلزم المواطنين بضرورة التقيد بالتعليمات و القرارات الصادرة عن الجهات المعنية، وكل من خالفها يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و 1300 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين وذلك دون الإغفال بالعقوبة الجنائية الأشد.

 من خلال تحليلنا للمادة الرابعة من هذا المرسوم يتضح لنا أنها جاءت بأحكام زجرية خاصة لحالة الطوارئ الطبية تطبق على من خالفها، وأن الفقرة الثانية منها أشارت إلى ضرورة الاحتفاظ بقاعدة العقوبة الجنائية الأشد، وهو ما يفضي بنا إلى أنه في حال خرق الإجراءات المسطرة لمواجهة جائحة كورونا و اقتران هذا الفعل بظروف التشديد، يمكن اللجوء إلى مقتضيات قانونية منصوص عليها في القانون الجنائي، وما يؤكد طرحنا هذا الحكم الصادر عن محكمة اليوسفية بتاريخ 20/03/2020، حيث تم الحكم على شخص  بالحبس أربعة أشهر نافذة جراء  خرقه لحالة الطوارئ الطبية و الاعتداء على قائدة أثناء مزاولتها لمهامها.

 و لقد أثير نقاش حول هذا المرسوم (2.20.292) لكونه صادر عن الحكومة خلافا للقاعدة التي تجعل تحديد الجرائم و العقوبات الجارية عليها من اختصاص حصري للقانون (البرلمان)[7].

مقال قد يهمك :   وضع الكراء التجاري والسكني والمهني في ظل جائحة كورونا

صحيح أن القاعدة تفيد بأن التشريع في هذا المجال يدخل ضمن اختصاص البرلمان حسب الفصل 71، إلا أن ما يجب الإشارة إليه أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها وإنما أوجد المشرع  استثناء لها،  المتمثل في إمكانية الحكومة  بالتشريع عن طريق مراسيم قوانين  في هذا المجال  طبقا للفصل 81 من الدستور[8] ،وهو ما يعرف في الفقه الدستوري بمراسيم الضرورة[9]، خاصة في الفترة الفاصلة بين الدورتين وهي نفس الحالة التي نعيشها الآن، وهو استثناء في محله  لأنه من غير المعقول أن ننتظر إلى أن يستأنف البرلمان دورته الثانية والتي ستكون في الجمعة الثانية من ابريل ،خاصة وأن الظرفية  حساسة وتقتضي الاستعجال، لكن على الرغم من ذلك فإن المشرع احتفظ بحق البرلمان في أن تحال عليه هذه المراسيم القوانين للمصادقة عليها ما إن يستأنف عمله، وله الاختيار في أن يصادق عليها أو يرفضها.

أما جانب آخر من النقاش، فقد أثير حول المرسوم 2.20.293 [10]المتعلق بالإعلان عن حالة الطوارئ الصحية بسائر التراب  الوطني لكونه لم يذكر التاريخ الذي بدأت فيه الأخيرة، واكتفى بذكر أجل الانتهاء ، و فيما إن كان عدم ذكره بغية اجتناب الوقوع في تعارض مع القاعدة التي تفيد بعدم رجعية القوانين خصوصا و أن حالة الطوارئ الصحية بدأت قبل إصدار المرسوم .

هذا النقاش إن دل على شيء إنما يدل على حرص أصحابه بتطبيق القانون واحترامه، لكن  كما قال الأستاذ زهر الدين طيبي ” الوضعية الاستثنائية التي نعيشها تفرض إجراءات وقرارات استثنائية ” [11].

للإشارة فإن هذه المراسيم  الصادرة مؤخرا، ليست وحدها من تطرقت لمثل هكذا إجراء، وإنما نجد أيضا المرسوم الملكي لسنة 1967 المتعلق بوجوب التصريح ببعض الأمراض، حيث تحدث عن الحجر الصحي وضرورة الإعلان عن الأمراض المعدية من طرف الأطباء؛ وأصحاب المهن المشابهة، للجهات المختصة، كما أقر ببعض العقوبات الزجرية في حق مخالفيها من خلال المادة السادسة منه، حيث نصت على أنه يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين 6 أيام و شهرين و بغرامة  040 و2400 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين.

الفقرة الثانية : العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي

كما سبق الذكر فإن المرسوم المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية نص على بعض العقوبات الزجرية للمخالفين لها، وكذا إشارته في الفقرة الثانية  من المادة الرابعة على ضرورة  الاحتفاظ بالعقوبة الأشد، بمعنى أنه إذا كان الفعل المنصوص عليه في المرسوم يقبل تكييفا  أشد فإن الشخص  المرتكب للفعل يتابع بالجريمة ذات التكييف الأشد وفق ماهو منصوص في الفصل 118 من القانون الجنائي[12] ، في هذه الحالة قد يتابع الشخص مخالف إجراءات حالة الطوارئ الصحية بأفعال قد تكون جناية على سبيل التشديد، بدل المتابعة بمقتضيات المرسوم، وغالبا ما تطبق هذه القاعدة في الحالة التي يكون فيها الشخص مخالف  لإجراءات الطوارئ مقرونة  بتصرفات أخرى كإهانة موظف أو رجال السلطة أثناء قيامهم بأعمالهم، أو حين تتوفر أركان جريمة العصيان.

ففيما يخص اهانة موظف عمومي قد نص القانون الجنائي[13] المغربي في الفصل 263، على أنه يعاقب من شهر إلى سنة وغرامة من 250 إالى 5000 درهم، من أهان أحدا من رجال القضاء أو من الموظفين العموميين أو من رؤساء أو القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم أو بسبب قيامهم بها، بأقوال أو إشارات أو تهديدات…

ويمكن تعريف الإهانة على أنها كل عبارة مشينة أو قذف موجه لممثل السلطة أثناء القيام بمهامه، من شأنها أن تنقص بالهيبة التي يتمتع بها أو من مكانة الوظيفة التي يقوم بها، ونلاحظ من خلال هذا الفصل أن المشرع المغربي وسع من دائرة من تشملهم هذه الحماية على عكس باقي التشريعات .

كما قد خصص فصلا آخر لهذه الفئة من أجل حمايتهم من الاعتداء، والمتمثل في الفصل 267 من القانون الجنائي، حيث نص على أنه يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين من ارتكب عنفا أو إيذاء ضد أحد من رجال القضاء أو من الموظفين العموميين أو من رؤساء أو القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم أو بسبب قيامهم بها.

وقد تصل العقوبة إلى الحبس من سنتين إلى خمس سنوات، إذا ترتب عن هذا العنف إراقة الدم أو الجرح…، وقد تتعداها كلما اقترن الفعل بظروف التشديد.

أما بخصوص جريمة العصيان فقد عرفها المشرع في الفصل 300 من القانون الجنائي على أنها كل هجوم أو مقاومة بواسطة العنف أو الإيذاء ضد موظفي أو ممثلي السلطة العامة القائمين بتنفيذ الأوامر أو القرارات الصادرة من تلك السلطة…، بل اعتبر مجرد التهديد بالعنف يعتبر مماثلا للعنف نفسه.

فكل من ارتكب جريمة العصيان يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من ستين إلى مائة درهم ،أما إن كان مسلحا فالحبس يكون من ثلاثة أشهر إلى سنتين إحالة على الفصل 300 و 301، كما تم تعديله بموجب المادة الثاني من قانون 38.00 [14] .

من خلال الفصول السالفة الذكر يمكننا القول أن العصيان هو خرق التعليمات والإجراءات التي وضعتها السلطة و المتمثلة في فرض حالة الطوارئ الصحية، مقرونا بالتمظهر بمظاهر القوة والعنف والصلابة…

ولقد نص القانون الجنائي  على عقوبات مختلفة ضد مرتكبيها تختلف  باختلاف الأدوات التي استعملت أثناء اقتراف الجرم، وفيما  إن اقترن هذا الأخير بظروف التشديد أم لا، كما يمكن أن يتابع شخص واحد  بمجموعة من الأفعال المعاقب عليها، ولعل ما يؤكد طرحنا هذا، هو الحكم الصادر(30/03/2020)عن ابتدائية وجدة ، إذ مثل أمامها مجموعة من الأشخاص أوخذوا بعدم التقيد  بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطة العامة، بالإضافة إلى متابعة شخص من بينهم  بإهانة موظف ،وارتكاب جريمة العصيان، وكذا التهديد بإرتكاب جناية، حيث تم الحكم على هذا الأخير بأربعة أشهر حبسا نافذا وغرامة قدرها 3000 درهم، فيما حكم على البقية بثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ وبغرامة 1000 درهم والصائر على وجه التضامن.

مقال قد يهمك :   عناصر الوثيقة في القواعد الفقهية و قواعد القانون

خاتمة

وفي الختام ،نخلص إلى القول بأن الظرفية التي نعيشها  هي ظرفية استثنائية تقتضي اتخاذ قرارات استثنائية، وبأن  الخطوات الاستباقية التي قام  بها المغرب والإجراءات  الوقائية التي اتخذها (إعلان حالة الطوارئ الصحية) للحد من تفشي فيروس كوفيد-19 كانت في المستوى المطلوب وقد نوهت بهذا مجموعة من الصحف الدولية ، لذلك ومن أجل تكليل هذه المجهودات بالنجاح والتغلب على هذه الجائحة ومحاصرتها،  لابد من استجابة المواطنات والمواطنين للتعليمات الصادرة من الجهات المختصة، ما يعني اجتناب التجمعات والبقاء في المنازل.


المراجع:

الكتب

– أحمد أعراب، التفويض التشريعي دراسة في مراسيم الإذن و مراسيم الضرورة على ضوء الاجتهادات الفقهية و القضائية، دار النشر المعرفة.

القوانين

– ظهير الشريف رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادى الثانية 1382( 26 نونبر 1962) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي،  الجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 12 محرم 1383 (5 يونيو1963)، ص 1253.

ظهير شريف رقم 1.01.02 صادر بتاريخ 21 من ذي القعدة 1421 (15 فبراير2001) بتنفيذ القانون رقم38.00 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، الجريدة الرسمية عدد 4882 بتاريخ 15.03.2001، ص. 793.

ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 شعبان 1432(29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، لجريدة لرسمية عدد 5964 مكرر 28 شعبن 1432( 30 يوليو 2011 )، ص. 1783 .

– مرسوم رقم 2.19.1086 صادر بتاريخ 4 جمادى الآخرة 1441( 30  يناير 2020 ) بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة الداخلية، الجريدة الرسمية عدد  6854 بتاريخ (30/01/2020).

– مرسوم بقانون  2.20.292 صادر بتاريخ 28 رجب 1441 (23 مارس2020) يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الصحية و إجراء ات الإعلان عنها، جريدة الرسمية عدد 6867 مكرر 29 رجب 1441(24 مارس 2020)، ص.1782.

– مرسوم 2.20.293 صادر بتاريخ 29 رجب  1441( 24 مارس 2020) المتعلق بالإعلان عن حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني، الجريدة  الرسمية 6867 مكرر 29 رجب 1441(24 مارس2020)، ص. 1783.

لبيوغرافيك           

  • marrakechalaan.com

الهوامش:

[1]– الفصل 49 من الدستور ” يتداول المجلس الوزاري في القضايا التالية:

(…)

إعلان حالة الحصار(…)

[2] – الفصل 74 من الدستور و الذي ينص على أنه: ” يمكن الإعلان لمدة ثلاثين يوما عن حالة الحصار، بمقتضى ظهير يوقعه بالعطف رئيس الحكومة، ولا يمكن تمديد هذا الأجل إلا بالقانون.”

[3] – محمد الغالي، أستاذ القانون الدستوري و العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، مراكشwww.marrakechalaan.com تم الاطلاع  بتاريخ 26/03/2020 على الساعة الرابعة  زوالا.

[4] – مرسوم رقم 2.19.1086 صادر بتاريخ 4 جمادى الآخرة 1441( 30  يناير 2020 ) بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة الداخلية، الجريدة الرسمية عدد  6854 بتاريخ (30/01/2020).

[5] – الشرطة الإدارية هي تلك الوسيلة القانونية التي تتيح للإدارة التدخل للحفاظ على النظام العام، و تنقسم إلى نوعين شرطة إدارية عامة  وأخرى خاصة، لكن ما يهمنا هنا الشرطة الإدارية العامة لأن الوباء اتخذ طابع وطني بل و دولي.

[6] – الفصل 24 من الدستور  في  فقرتها الأخيرة ” حرية التنقل عبر التراب الوطني ة الاستقرار فيه، و الخروج منه، و العودة إليه، مضمونة للجميع وفق القانون.

[7] – الفصل 71من  الدستور في البند السابع(…)

تحديد الجرائم و العقوبات الحارية عليها؛(…).

[8] –  الفصل 81 من الدستور” يمكن للحكومة أن تصدر، خلال الفترة الفاصلة بين الدورات، وباتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين، مراسيم قوانين، يجب عرضها بقصد المصادقة عليها من طرف البرلمان، خلال دورته العادية الموالية. يودع مشروع المرسوم بقانون لدى مكتب مجلس النواب، وتناقشه بالتتابع اللجان المعنية في كلا المجلسين، بغية التوصل داخل أجل ستة أيام، إلى قرار مشترك بينهما في شأنه. وإذا لم يحصل هذا الاتفاق، فإن القرار يرجع إلى اللجنة المعنية في مجلس النواب.”

[9] – أحمد أعراب، التفويض التشريعي دراسة في مراسيم الإذن و مراسيم الضرورة على ضوء الاجتهادات الفقهية و القضائية، دار النش المعرفة،ص.99.

[10] – مرسوم 2.20.293 صادر بتاريخ 29 رجب 1441(29  مارس 2020) المتعلق بالإعلان عن حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني، الجريدة  الؤسمية 6867 مكرر 29 رجب 1441(29 مارس2020)، ص.

[11] – زهر الدين الطيبي  دكتور في العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة.

[12]  – ينص الفصل 118 من ق.ج ” الفعل الواحد الذي يقبل أوصافا متعددة يجب أن يوصف بأشده”.

[13] – ظهير الشريف رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادى الثانية 1382( 26 نونبر 1962) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي،  الجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 12 محرم 1383 (5 يونيو1963)، ص 1253.

[14] – ظهير شريف رقم 1.01.02 صادر بتاريخ 21 من ذي القعدة 1421 (15 فبراير2001) بتنفيذ القانون رقم38.00 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)