التنفيذ في قضايا الشغل : أية إشكالات على مستوى القانون؟

19 مارس 2019 - 7:29 م المنبر القانوني , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-
  • أيوب بومزاد ، مهتم بالشؤون القانونية، باحث بسلك ماستر القانون الإجرائي وطرق تنفيذ الأحكام.

مقدمة :

مما لاشك فيه أن العلاقة الشغلية بين المشغل والأجير تكسوها مصالح مشتركة ومتبادلة، فالمشغل يستفيد من مجهودات الأجير وهذا الأخير يستفيد من الأجر الممنوح له من طرف المشغل  ، لكن هذه المصالح لم تحل دون طغيان بعض معالم الجشع والقهر من طرف المشغلين في علاقتهم بالأجراء ، لذلك أصبح بفعل تنامي الهوة بين الطرفين من البديهي نشوب نزاعات فكان من الضروري التنزيل الملائم لمقتضيات القانون من مرحلة إصدار الحكم الإجتماعي…  إلى حين الوصول إلى  تنفيذه،  إلا أن ذلك ما يمثل في الغالب العائق الأكبر في سبيل تحقيق العدالة المنشودة.

  و الحديث عن هذه العوائق على مستوى التنفيذ يقتضي بالضرورة الوقوف على الصعوبات التي تناولها المشرع في المواد 436 و149 من قانون المسطرة المدنية على اعتبار أنها خلفت إشكالية هامة من حيث التطبيق القضائي… لكن قبل التطرق إلى ذلك ، لا بأس من الإشارة إلى أن بعض الفقه سار في اتجاه يعتبر أن إشكاليات التنفيذ تعود إلى فلسفة المشرع من جهة، وإلى دور شركات التأمين في القضايا الاجتماعية من جهة ثانية.[1]

فالمشرع اقتضى نظره دمج القضاء الاجتماعي في دائرة القضاء العادي، بحيث لا تتمتع المادة الاجتماعية إلا باستقلال نسبي من حيث القواعد المسطرية العامة وذلك ما توضحه المواد 18 و20 و289 من قانون المسطرة المدنية.[2]

وهذ الاختيار المتمثل في إدماج القضاء الإجتماعي في النظام العام لإجراءات التقاضي يلقي بظلاله على مختلف المناحي الإجرائية في المادة الإجتماعية وخاصة أهم مرحلة فيها وهي مرحلة التنفيذ ونشير إلى أن إشكاليات التنفيذ لا يقصد بها فقط صعوبات التنفيذ المعروفة في قانون المسطرة المدنية بل إن الأمر يمتد لصعوبات تنظيمية وواقعية تهم تنفيذ الأحكام الاجتماعية وترجع بالأساس إلى الاختيارات الإجرائية في المادة الاجتماعية من جهة، وإلى تدخل شركات التأمين بخصوص أحكام التعويض عن حوادث الشغل من جهة ثانية، ثم إلى طبيعة بعض الأحكام وتعنت المحكوم عليهم من جهة أخيرة.[3]

و من منطلق الإقتصار على توضيح الصعوبات القانونية، فإن الإشكالية المحورية التي يتمحور حولها الموضوع تتثمل أساسا في التساؤل التالي : ما هي الصعوبات القانونية التي يواجهها القضاء المغربي في تنفيذ الأحكام الإجتماعية ؟

هذه الإشكالية المحورية تتخللها عدة إشكاليات ثانوية من قبيل مفهوم الصعوبات القانونية و ما هي أنواع هذه الصعوبات ؟ وماذا عن شروط قبولها ؟ وما هي الآثار المترتبة عنها ؟ وما هي بعض نماذج هذه الصعوبات؟

وسيرا منا للإلمام بتفاصيل الإشكالية المطروحة, ومحاولة إعطاء مقترب جواب عنها، سنعمد إلى تبني التصميم المبين بعده.

  • المطلب الأول : إشكاليات التنفيذ القانونية في المادة الاجتماعية
  • المطلب الثاني: نماذج إشكالات التنفيذ القانونية    

المطلب الأول: إشكالات التنفيذ القانونية في المادة الاجتماعية

يقصد بالإشكالات القانونية تلك التي يكون مصدرها أحكام ونصوص القانون نفسه وترجع إلى كيفية المعالجة التشريعية لموضوع من الموضوعات.

ولو يورد المشرع المغربي اصطلاحا خاصا بالمنازعات الموضوعية في التنفيذ كما فعل نظيره الفرنسي الذي قصد بتعبير الصعوبة في التنفيذ، الإشكالات الوقتية، وبتعبير المنازعة، المنازعات الموضوعية[4]، وإنما اكتفى بالتنصيص على صعوبات التنفيذ في المواد 26 و149 و436 و468 و482 من قانون المسطرة المدنية.[5]

إلا أن أغلب الفقه سار في تعريفه لصعوبات التنفيذ إلى التمييز بين الإشكالات الوقتية والمنازعات الموضوعية سواء من حيث اختصاص البث فيها أو من حيث الآثار المترتبة عنها.[6]

فالصعوبة إذن هي التماس بإيقاف إجراءات التنفيذ لوجود عارض قانوني أو واقعي يعيد النزاع على القضاء لينظر فيه إما بتأجيل التنفيذ مؤقتا وتوصف هذه الدعوى بدعوى الصعوبة الوقتية (الفقرة الأولى) وإما بالحسم في موضوع النزاع وتوصف هذه الدعوى بدعوى الصعوبة الموضوعية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الإشكالات الوقتية

الإشكاليات الوقتية في التنفيذ هي المنازعات التي يثيرها الأطراف المتعد لهم أو المحكوم عليهم أو العون المكلف بالتنفيذ وذلك بهدف إيقاف إجراءات التنفيذ، وقد نظمها المشرع المغربي في الفصلين149 و436 من قانون المسطرة المدنية.[7]

ويشترط لقبول الصعوبات الوقتية أو الاستعجالية مجموعة من الشروط (أولا) كما تترتب عنها مجموعة من الآثار (ثانيا).

أولا: شروط قبول الصعوبات الوقتية

1-أن يتوافر عنصر الإستعجال:

ذلك أن مدعي الصعوبة في التنفيذ، يتعين عليه أن يثبت عنصر الإستعجال طبقا لمقتضيات المادة 149 من قانون المسطرة المدنية، والذي يهدف إلى دفع ضرر مؤكد عنه، إلا أن بعض الفقه، يرى أن الإستعجال ليس ضروريا كشرط للبث في صعوبة التنفيذ، لأن اشتراط المشرع عنصر الإستعجال في الصعوبات المتعلقة بتنفيذ حكم أو سند قابل للتنفيذ، لا يعني البحث عن هذا العنصر خارج الصعوبات المطروحة، بل يكفي إثبات وجود الصعوبة، لأن في إثبات ذلك، إثبات أيضا لقيام حالة الإستعجال.[8]

ويرى أحد الباحثين[9]، أن عنصر الإستعجال ضروري ما دام أن اختصاص رئيس المحكمة بوضع قاض للمستعجلات للبث في صعوبات التنفيذ ينحصر في القضايا التي لا تبث في جوهر النزاع وبالتالي فإن عنصر الإستعجال شرط لإختصاص قاضي المستعجلات.

2-عدم المساس بالجوهر:

ينص الفصل 152 من ق.م.م على أنه: “لا تبث الأوامر الاستعجالية إلا في الإجراءات الوقتية وتمس بما يمكن أن يقضى به في الجوهر”، يستشف من قول المشرع “لا تمس بما يمكن أن يقضى به في الجوهر”، أنه يمنع على رئيس المحكمة أن يتعرض لموضوع الحق أو الطلب الموضوعي أو السبب القانوني الذي يحدد حقوق وإلتزامات كل من الطرفين أو يعدل من المركز القانوني لأحدهما أو يقيم السندات أو الحجج المدلى بها في الملف مع إمكانية الإطلاع عليها وتقدير قيمتها على سبيل الإستئناس، ثم بعد ذلك يصرح بأن هناك صعوبة جدية فيأمر بإيقاف التنفيذ، من غير أن يتعرض في حيثياته برأي فاصل في طلب النزاع لأن شرط عدم المساس بالموضوع يتعلق بالنظام العام حسب مقتضيات الفصل 152 من قانون المسطرة المدنية المذكور أعلاه.

وقد جاء في قرار لمحكمة الإستئناف بالدار البيضاء ما يلي: “إن مبدأ عدم اختصاص قاضي المستعجلات بالمس بالجوهر لا يحول دون أن يبحث ظاهر المستندات المقدمة إليه إليه توصلا للقضاء في الإجراء الوقتي المرغوب فيه دون المساس بالموضوع.[10]

مقال قد يهمك :   قريبا : مركز إدريس الفاخوري يصدر مجلة  "فضاء المعرفة القانونية"

3-أحقية الطلب وجديته:

إن العوارض القانونية والواقعية التي تشكل صعوبة في التنفيذ تتجدد وتتنوع ويعود أمر تقدير جديتها وتأثيرها على سير عملية التنفيذ إلى رئيس المحكمة الابتدائية التي يقع التنفيذ بدائرتها القضائية.[11]

ويستند الرئيس في عملية التقدير، على الوثائق المدلى به والتي يحق له الإطلاع عليها على وجه الإستئناس من أجل إبراز وجه الصواب في الإجراء المطلوب منه اتخاذه، فإن تبين له وجه الصعوبة الجدية أمر بتأجيل التنفيذ، أو وقفه، أما إذا كانت الإدعاءات المطلوبة هي فقط مجرد وسيلة للممطالة والتسويف، فإنه لا يلتفت إليها ويحكم بعدم وجود أية صعوبة ويتجاوزها ليقضي بالإجراء المناسب.

4-أن تكون الصعوبة المثارة قد رفعت قبل تمام التنفيذ:

فالغاية من إثارة الصعوبة في التنفيذ هي استصدار الأمر بوقف تنفيذ الحكم أو تأجيله، وبالتالي فإن إثارة الصعوبة ينبغي أن تتم أثناء مقدمات التنفيذ، أو على اثر الشروع في إجراءاته، لأنه إذا تم التنفيذ فلا يتصور إلا طلب الحكم بإبطال إجراءاته، وهو حكم يمس جوهر النزاع وبالتالي يعود اختصاص البث فيه لقضاء الموضوع وليس لرئيس المحكمة ولقد استقر العمل القضائي على أنه لا تسمع دعوى الصعوبة المثارة بعد التنفيذ، لأن من شروط قبول دعواه الصعوبة، أن لا يكون التنفيذ قد تم.[12]

فاختصاص قاضي المستعجلات، ينحصر بالبث في صعوبات التنفيذ المثارة قبل البدء في التنفيذ أو أثناءه، إذ يكفي أن يهدد به المدين، حتى ولو لم تظهر نية الدائن في التنفيذ بإعلان الحكم أو التنبيه بالوفاء، ما دام الغرض من الصعوبة هو الاحتياط لرفع الضرر الذي يخشى وقوعه منذ البدء بالتنفيذ.[13]

ثانيا: آثار الإشكالات الوقتية

المشرع رتب على تقدير جدية الصعوبة أحد الأثرين:هما الأمر بصرف النظر عن الطلب أو الأمر بإيقاف تنفيذ الحكم مؤقتا إلى حين البث في الصعوبة.

ويشير القرار الثاني الذي يتخذه رئيس المحكمة إشكالا بخصوص الأحكام الصدر بالنفاذ المعجل والتساؤل الذي يطرح نفسه هو أنه إذا كان النفاذ المعجل يسعى إلى توفير الحماية القانونية الواجبة لذوي الحقوق وتمكينهم من حقوقهم على وجه السرعة حتى لا تضيع الغاية من تلك الحماية، فهل يمكن للسيد رئيس المحكمة الأمر بإيقاف تنفيذ الحكم المشمول بالنفاذ المعجل؟

يرى البعض أنه يحق لرئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضيا للتنفيذ أن يأمر بإيقاف التنفيذ أو تأجيله مؤقتا إلى حين الفصل في الصعوبة حتى ولو كان الحكم المراد إيقاف تنفيذه مشمولا بالنفاذ المعجل، متى كانت الصعوبة المثارة جدية، استنادا إلى أن مقتضيات المادة 436 من قانون المسطرة المدنية جاءت عامة عن غير استثناء، للأحكام المشمولة بالنفاذ المعجل.[14]

في حين يرى البعض الآخر، أنه لا يحق لرئيس المحكمة أن يأمر بإيقاف تنفيذ الحكم المشمول بالنفاذ المعجل اعتبارا إلى أن النفاذ المعجل المأمور به، صوابا كان أم خطأ لا يمكن إيقافه إلا من طرف الجهة التي تنظر في الطعن.[15]

الفقرة الثانية: الإشكالات الموضوعية           

نظم المشرع المغربي الصعوبات الموضوعية في التنفيذ بمقتضى الفصل 26 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أنه” تختص كل محكمة مع مراعاة مقتضيات الفصل 149 بالنظر في الصعوبات المتعلقة بتأويل أو تنفيذ أحكامها أو قراراتها وخاصة في الصعوبات المتعلقة بالمصاريف المؤداة أمامها لا تستأنف الأحكام الصادرة طبق الفقرة السابقة إلا إذا كانت الأحكام في الدعاوى الأصلية قابلة هي نفسها للإستئناف”.

فانطلاقا من نص المادة أعلاه، يمكن القول أن المقصود بصعوبات التنفيذ الموضوعية، تلك المنازعات القضائية التي تثار أثناء عملية التنفيذ أمام قضاء الموضوع ليفصل فيها النزاع في أصل الحق.[16]

وإذا كان المشرع المغربي لم يورد اصطلاحا خاصا بالمنازعات الموضوعية في التنفيذ كما فعل نظيره الفرنسي، فإن ذلك يعني أنه تندرج جميع المنازعات تحت لفظ الصعوبات التي ترمي إلى إصدار حكم موضوعي في التنفيذ، وذلك بجوازه أو عدم جوازه، بصحته أو بطلانه أو عدم الإعتداد به، أو الحد من نطاقه.[17]

عموما يقصد بالمنازعات الموضوعية تلك التي يثيرها الأطراف أو الغير قبل التنفيذ أو التي يثيرها الأطراف أو الغير أو عون التنفيذ أثناء التنفيذ تتعلق بإجراءاته أو بوقائع حدثت بعد صدور الحكم بحيث لو صح لأثرت في التنفيذ ونتج عنها إيقافه أو تأجيله.[18]

وتجدر الإشارة إلى أن الصعوبات الموضوعية تثار أمام محكمة الموضوع قبل مباشرة إجراءات التنفيذ في غالب الأحيان، وذلك لأن الصعوبات الوقتية هي التي يتمسك بها قبل التنفيذ وأثناءه، أما بعد تمام التنفيذ فلا الصعوبات الوقتية ولا الموضوعية يمكن أن تكون موضوع الإثارة أمام الجهة المختصة.

وطبقا لما جاءت به الفقرة الثانية من نص الفصل 26 من قانون المسطرة المدنية فإن الأحكام الصادرة بخصوص الصعوبة الموضوعية في التنفيذ لا تقبل الاستئناف إلا إذا كانت الأحكام في الدعاوى الأصلية قابلة لذلك.[19]

وأخيرا يمكن القول بأن الصعوبات الموضوعية تختص فيها المحكمة التي أصدرت الحكم طبقا للفصل26 أعلاه، تدخل ضمن إختصاص كل المحاكم، كل حسب درجته سواء كانت محكمة إبتدائية أو استئنافية أو تجارية أو إدارية أو محكمة استئناف تجارية شريطة أن تكون هي التي أصدرت الحكم.[20]

ومن أهم الصعوبات الموضوعية التي تناولها المشرع المغربي، هناك دعوى الاستحقاق الفرعية التي تهدف إلى تحقيق غايتين هما، استحقاق العقار من جهة  وتخليصه من الحجز من جهة ثانية، وقد تطرقت إلى هذه الدعوى مقتضيات الفصل 482 ق م م.[21]

وهذه الدعوى مستبعدة بالنسبة لتنفيذ الأحكام الاجتماعية لذلك آثرنا الإكتفاء بدعوى استحقاق المنقول، والتي تهمنا بالنسبة للقضايا الاجتماعية بدرجة أكبر.

وانطلاقا من نص المادة 468 من ق.م.م[22] يتبين أن دعوى استحقاق المنقول هي دعوى موضوعية تهدف إلى حماية ملكية المنقولات المحجوزة للغير، ولذلك يشترط لممارستها أن يكون هناك حجز تنفيذي، والمقصود بالحجز التنفيذي مجموع الإجراءات التي يتم بمقتضاها وضع الأموال المحجوزة بين يدي القضاء استعدادا لبيعها بالمزاد العلني من أجل استخلاص مبالغ مالية بذمة المحجوز عليه.

كما يشترط أن تقام الدعوى التي تهدف إلى تخليص المنقولات من الحجز قبل حصول البيع، على اعتبار أن التوقيت الزمني هو الذي يحدد هوية هاته الدعوى، فدعوى استرداد المنقول يجب أن تحترم بشأنها المواعيد التي حددها المشرع، لأنها إذا رفعت  قبل البيع فهي تعد دعوى عادية تخضع للقواعد العامة.

مقال قد يهمك :   محكمة النقض توضح القوة القانونية للمحاضر المحررة من طرف موظفي إدارة الجمارك

ومن الناحية العملية، فإن عون التنفيذ قد يلجأ إلى حجز بعض المنقولات المملوكة للغير اعتقادا منه أنها في ملك المحكوم عليه، ولذلك يحق للغير سلوك هذه الدعوى بالتماس تأجيل البيع. إلا أنه يلاحظ أن المنفذ عليه كثيرا ما يختلق بعض الوسائل للتضليل وربح الوقت، ولهذا فعلى المسؤول على التنفيذ أن يتفطن إلى مثل هذه الحيل ويكون لها بالمرصاد.[23]

كما أنه  في بعض الأحيان، ونظرا للجهل القانوني الذي يسود غالبية الطبقة الشغيلة فإنه كثيرا من العمال يقيمون الدعاوي في مواجهة رب العمل شخصيا، والحال أن المؤسسة قد تكون لها شخصية اعتبارية فيفاجأ بها العامل أثناء التنفيذ عندما يواجه بمقتضيات الفصل 468 من ق.م.م، وبالتالي فإن هذا الإدعاء يكون موجبا لعرقلة التنفيذ وهو ما لا يملك القضاء حلا لتفاديه، سوى توجيه النداء لممثلي الاجراء منة أجل توعية هؤلاء عن كيفية رفع الدعاوي بضبط هوية المسؤولين عن العمل وتحديد طبيعتهم القانونية.

وإلى جانب دعوى استرداد المنقول، فإن المنازعة المتعلقة بتفسير حكم أو تأويله تعد من الصعوبات الموضوعية التي تهدف إلى تصحيح الحكم أو تفسيره, مما يترتب عن آثارها وقف إجراءات التنفيذ إلى حين الفصل في الدعوى، ويعود الاختصاص للبث فيها إلى المحكمة مصدرة الحكم.

ومن الأمثلة العملية عن هذه الصعوبات، وفي إطار تطبيق مقتضيات المادة 26 من ق.م.م، نسوق قرارا للمجلس الأعلى أيد من خلاله موقف محكمة الموضوع التي لم تعتبر طلبا تصحيحيا، الطلب الذي تقدمت به شركة الشمال الإفريقي للتأمين مصرحة أنه حكم عليها بأداء الإيراد للمصاب بحاثة شغل، غير أنها لا تؤمن المأجور وأن مؤمنته هي شركة اطلنطا، لذلك التمست إصلاح هذا الخطأ وإخراجها من الدعوى فقضت المحكمة بأن الأمر لا يتعلق بخطأ مادي وإنما يتعلق بأحد طرفي الدعوى ولذلك رفضت الطلب.[24]

كما أنه من الإشكالات التي تثار بخصوص تأويل الحكم الإجتماعي مسألة الحكم لذوي الإيرادات السنوية، بإيرادات عمرية خطأ، كما هو الأمر بالنسبة للفروع، حيث قضي للفروع بإيراد عمري، والحال أن إيرادهم يسقط ببلوغهم سن 16 أو 17 أو 21 سنة.[25]

المطلب الثاني:  نماذج إشكالات التنفيذ القانونية

 حبذت أن أتحدث في هذا السياق عن نموذجين لهذه الإشكالات، ويتعلق الأمر بالمشاكل   المرتبطة  بإدخال شركة التأمين كطرف في تنفيذ حكم إجتماعي (الفقرة الأولى) وعن المشاكل المرتبطة بالمساعدة القضائية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : المشاكل المرتبطة بإدخال شركة التأمين كطرف في تنفيذ حكم إجتماعي                                     

تطرح إشكالية بخصوص التبليغ والإنابات القضائية في مادة حوادث الشغل والأمراض المهنية[26] مما يؤثر على إجراءات التنفيذ وأحيانا يتم إبطالها.

و تعتبر الإنابة من الإجراءات الفرعية ذات العلاقة الوطيدة بالإختصاص لدى المحاكم حيث نجد أصلها في الفصل 439 من ق.م.م  حيث يقضي بأنه “…غير أنه يمكن لكتابة الضبط بالمحكمة التي أصدرت الحكم أن تنيب عنها كتابة ضبط المحكمة التي يجب أن يقع التنفيذ في دائرتها القضائية”.

وبما أن جل شركات التأمين تتمركز في المدن الكبرى, وبحكم إدخال شركات التأمين في تنفيذ الأحكام الإجتماعية ذات الصلة بحوادث الشغل والأمراض المهنية ولأن جل المراكز الإجتماعية لشركات التأمين توجد بالدار البيضاء فإن محاكم المملكة تنيب عنها محاكم هذه الأخيرة بحكم تواجد الإقتصاد الوطني في قلبها ولكون هذه المدينة تتوفر على محاكم لا توجد عادة في المدن الأخرى.

وذلك لأن فروع شركات التأمين إما أن تكون نادرة الوجود، أو هي شركات صغرى للتأمين تعتمد على التدبير البسيط للموارد ولو أنها شركات مساهمة تتميز بنظام قانوني كبير إلا أنها تعتمد على نظام الإدارة البسيطة وغير معقدة، وهذه الشركات لا تتواجد إلا بالمدن والحواضر الكبرى.

فالذي يحدث غالبا هو إرسال إنابات قضائية لمحاكم الدار البيضاء وانتظار نتيجة التنفيذ ويطول الأمر دون نتيجة فيتم إرسال تذكير للمحكمة ويمر وقت طويل خلال عملية التنفيذ.

الفقرة الثانية: المشاكل المرتبطة بالمساعدة القضائية         

استنتج بعض الفقهاء[27] من خلال مضمون الفصل 273 من ق.م.م[28] أن العامل وحده يتمتع بالمساعدة القضائية دون رب العمل الذي عليه أن يؤدي ما يفرضه القانون من رسوم أو وجيبة قضائية.

وإذا كان المشرع قد فرض مجانية التقاضي واجراءات التنفيذ في المادة الاجتماعية حسب الفصل 273 المذكور فإن تعيين محامي في إطار المساعدة القضائية للدفاع عن العامل بدون أتعاب يطرح مشكلة جوهرية عند التنفيذ.

ذلك أن بعض الأجراء قد يصطدمون بواقع عدم متابعة إجراءات تنفيذ الأحكام الصادرة لصالحهم من قبل المحامين المعنيين في إطار المساعدة القضائية وهذا يعتبر إخلالا بواجب مهني وقانوني من لدن المحامي، وإذا ما أراد الأجير المحكوم له مواصلة إجراءات التنفيذ بنفسه يطالب بتنازل المحامي عن الدفاع، ونفس المشكل في حالة رغبة الأجير في سحب المبالغ المالية المودعة بصندوق المحكمة لفائدته، وهو ما يمانع فيه بعض المحامون إلى حين انتهاء الإجراءات مما يخلق عدة صعوبات أمام الأجير المحكوم له في اقتضاء حقوقه.

وبالتالي يتضح أن المساعدة القضائية الممنوحة للأجير من خلال تمكينه من محامي للمطالبة بحقوقه، قد تؤدي إلى التسبب له في عرقلة استيفاء حقه بسبب رفض المحامي منه تنازلا عن الدفاع في القضية لسبب أو لآخر.

ويقترح أحد الباحثين[29] أنه يكفي للسماح للأجير بمتابعة إجراءات التنفيذ، إدلاءه بما يفيد تقديمه طلب إلى المحامي يعبر فيه عن رغبته في تجريده من الدفاع عنه في القضية وذلك تحسبا لمسؤولية المحامي من ادعاء الأجير بتخليه عن الدفاع، وهذا الرأي حري بالتأييد جزئيا، غير أنه لا يجب أن نتناسى إعطاء ضمانات قوية للمحامين في إطار عملهم النبيل في الدفاع عن الأطراف الضعيفة.

وفي الأخير يجدر التنبيه إلى أن تخويل المحامي المعين في إطار المساعدة القضائية نسبة من المحكوم به للأجير، قد يؤدي إلى عزوفه عن الإلتجاء إلى مسطرة المساعدة القضائية لتصبح هذه الأخيرة حبرا على ورق، ولا ننسى حاجة الأجير إلى التعويضات التي تحكم بها المحكمة لأنها تمثل الطابع المعيشي له الذي حماه المشرع.

مقال قد يهمك :   العربي البوبكري : رأي آخر في قبلة الخيانة

خاتمة :

تأسيسا على كل ماسبق، نسجل بعد دراستنا لهذا الموضوع،أن هناك العديد من الإشكاليات القانونية التي تعوق بشكل أو بآخر عملية تنفيذ الأحكام الإجتماعية الصادرة في نزاعات الشغل

ومن أجل مواجهة هذه الإشكالات اقترح بعض الباحثين- وأنا أوافقهم الرأي – ما يلي:

°  ضرورة تعديل مقتضيات الفصل 285 من ق م م لجعلها قابلة للتطبيق على جميع نزاعات الشغل.

° ضرورة إنشاء نظام قانوني خاص بتنفيذ الأحكام الصادرة في مجال الشغل، يتسم بالبساطة واليسر، ومستقل على المسطرة المدنية، اعتبارا لخصوصيات مثل هذه الأحكام.

°  إصدار دوريات ومناشير بشكل منتظم، كلما دعت الحاجة إلى ذلك، لتسهيل العمل على المحاكم في تفسير المقتضيات القانونية خاصة تلك المتعلقة بالنفاذ المعجل…

وآمل أن يتدخل المشرع المغربي في وقت قريب إن هو أراد التخفيف من نزاعات الشغل التي باتت تؤرق بإستمرار العمل القضائي وتزيد من تكدس الملفات داخل خزانات المحاكم ، ملفات حكم فيها لكن دون تنفيذها، وبهذه الطريقة – لامحالة – سيفقد الناس ثقتهم في القضاء باعتبار  أن ” التنفيذ ” محول الحقوق من حالة السكون إلى حالة الحركة.  


الهوامش :

[1] – ذ.غميجة عبد المجيد – قواعد التنفيذ وإشكالياته في الأحكام الاجتماعية مقال منشور بندوة القضاء الاجتماعي الثانية 92 ص: 331 و332.

[2] – ينص الفصل 18 “ق.م.م” : تختص المحاكم الابتدائية مع مراعاة الاحتصاصات الخاصة المخولة إلى أقسام قضاء القرب – بالنظر في جميع القضايا المدنية وقضايا الأسرة والتجارية والادارية والاجتماعية ابتدائيا وانتهائيا أو ابتدائيا مع حفظ حق الاستئناف.

تختص أيضا بقطع النظر عن جميع المقتضيات المخالفة ولو في الحالة التي يسند فيها قانون خاص سابق النظر في بعض أنواع القضايا إلى محكمة أخرى.

[3] – انظر في هذا الإطار ذ. غميجة عبد المجيد، م.س، ص: 331.

[4] – انظر في هذا الصدد: ذ. محمد السماحي- نظام التنفيذ المعجل للأحكام المدنية في القانون المغربي، دراسة مقارنة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص جامعة محمد الخامس الرباط طبعة 85 ص: 390.

[5] – تنص المادة 26 من ق.م.م: “تختص كل محكمة مع مراعاة مقتضيات الفصل 149 بالنظر في الصعوبات المتعلقة بتأويل أو تنفيذ أحكمها أو قراراتها وخاصة في الصعوبات المتعلقة بالمصاريف المؤداة أمامها.

لا تستأنف الأحكام الصادرة طبقا للفقرة السالفة إلا إذا كانت الأحكام في الدعاوى الفصلية قابلة هي نفسها للإستئناف”.

[6] – من أصحاب هذا الاتجاه ذ.محمد بونبات، وجهة نظر حول إيقاف التنفيذ المعجل منشور بمجلة الملحق القضائي عدد 19، ص: 90.

[7] – ويعرف البعض المنازعات الوقتية بأنها الدعاوى التي ترفع إلى القضاء ويطلب فيها الحكم بإجراء وقتي إلى حين الفصل في موضوع النزاع.

[8] – ذ. عبد اللطيف هداية الله – قواعد القضاء الاستعجالية – ص: 727.

[9] – سعيد كوكبي- تنفيذ الأحكام الاجتماعية في التشريع المغربي، طبعة 2002، ص: 140.

[10] – قرار عدد 1716 بتاريخ 24/12/1983 منشور بمجلة رابطة القضاة، عدد 12-13/1985 ص: 100

[11] – انظر في هذا الاطار:

ABBOUD Moussa : cours de droit juridique privé : 4 éme Année du Licence- Rabat.

[12] – انظر قرار محكمة الاستئناف بالرباط، عدد 4179 صادر بتاريخ 8/11/83 منشور بالمجلة المغربية للمقاولات والسياسية والإقتصاد، عدد 15 سنة 84.

[13] – راجع ذ. محمد السماحي في أطروحته وذ.الطيب برادة في رسالته: ص: 422.

[14] – ذ. أحمد النويضي – مرجع سابق – ص 111، انظر كذلك في نفس الاتجاه ذ. محمد بونبات – وجهة نظر حول إيقاف النفاذ المعجل المأمور به، خلافا للقانون – مجلة الملحق القضائي – عدد 19 ص: 98.

[15] – ذ. الجراري: اتجاهات في العمل القضائي الاستعجالي – منشور بمجلة الملحق القضائي عبد الواحد عدد 6.

[16] – ذ مصطفى هرجة، أحكام وآراء في منازعات التنفيذ الوقتية,طبعة2 دار الثقافية للطباعة ص.58.

[17] – ذ.مجمد السماحي، مرجع سابق’ص390,والملاحظ أن المشرع الفرنسي قصد بالصعوبات، الإشكالات الوقتية في حين قصد بتعبير المنازعة المنازعات الموضوعية

[18] – د.عبد الكريم الطالب, الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية.ط2013 مطبعة الوراقة الوطنية مراكش,ص,385

[19] – د.عبد الكريم الطالب ,مرجع سابق,ص386

[20] – أستاذنا عبد العزيز حضري-المسطرة المدنية-مسلك القانون السداسي السادس، طبعة 2016وجدة,ص386

[21] – “إذا ادعى الغير أن الحجز انصب على عقارات يملكها، أمكنه لإبطال الحجز رفع دعوى الاستحقاق، ويمكن رفع هاته الدعوى إلى حين إرساء المزايدة النهائية ويترتب عليها وقف مسطرة التنفيذ بالنسبة إلى الأموال المدعى فيها إذا كانت مصحوبة بوثائق، يظهر أنها مبنية على أساس صحيح”.

[22]  – تنص على أنه” إذا ادعى الاغيار ملكية المنقولات المحجوزة فإن العون المكلف بالتنفيذ يوقف بعد الحجز البيع، إذا كان طلب الإخراج مرفقا بحجج كافية، ويبت الرئيس في كل نزاع يقع حول ذلك، وإذا أمر الرئيس بالتأجيل، وجب على طالب الإخراج أن يقدم طلب الإستحقاق  إلى محكمة التنفيذ داخل ثمانية أيام ابتداء من يوم صدور الأمر، وإلا فتواصل الإجراءات، ولا تتابع…إلا بعد الحكم في هذا الطلب “,

[23] – ذ.محمد لديدي -مرجع سابق- ص 312

[24] – المجلس الأعلى-قرار عدد70-صادر بتاريخ82.1.27منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد39 ص133

[25] – المحكمة الإبتدائية بطنجة، حكم عدد81.78 صادر بتاريخ 81.12.30 في الملف رقم 81.394 أشار إليه ذ.غميحة عبد المجيد في المرجع المذكور، ص.336.

[26]–  ظهير شريف رقم 1.14.190 صادر في 6 ربيع الأول 1436(29ديسمبر2014) بتنفيذ القانون رقم 12.18 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل

[27] – عبد الكريم الطالب, مرجع سابق ص:360.

[28] – ينص الفصل 273 على أنه “لا يستفيد من المساعدة القضائية بحكم القانون العامل مدعي أو مدعى عليه أو ذوو حقوقه في كل دعوى بما في ذلك الاستئناف, وتسري آثار مفعول المساعدة القضائية بحكم القانون على جميع اجراءات تنفيذ الأحكام القضائية”.

[29] – بدر الصيلي: الخصوصيات المسطرية في نزاعات الشغل الفردية ,طبعة 2015 ص:211

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)