مؤلف جديد : البنوك التشاركية الإسلامية بالمغرب في إطار الفقه المالكي و أدلته

لالة بوزنكاط : التقاضي في المادة الضريبية

القانون الجديد رقم 73.17 القاضي بنسخ و تعويض الكتاب الخامس من مدونة التجارة : خطوة نحو تعزيز الأمن الاقتصادي

5 يوليو 2018 - 9:23 م المنبر القانوني , تحت الواجهة
  • حجم الخط A+A-
  • من إعداد :لحسن العيوض باحث بسلك الدكتوراه مختبر قانون  الأعمال كلية الحقوق- أكادير.

إن الطفرة النوعية التي يشهدها المغرب على المستوى المالي والاقتصادي في إطار سياق المنافسة الدولية التي تفرضها إكراهات العلاقات الاقتصادية بين البلدان بما تحمله من رهانات وما تتطلبه من تأهيل لمختلف مكونات المقاولة المغربية، حتمت على الحكومة المغربية الانخراط في دينامية التحديث وفق منظور جديد يجعل من جميع الفاعلين المعنيين شركاء في التنمية الاقتصادية لبلادنا ومن هذا المنطلق، أصبح من اللازم على المغرب إصلاح ترسانته القانونية التجارية بهدف الارتقاء بمستوى أداء المقاولة وتعزيز فاعليتها الاقتصادية لمواجهة التحديات الراهنة وكسب الرهانات المستقبلية عبر سلسلة من المبادرات التشريعية في مقدمتها : صدور القانون رقم 78.12 المغير والمتمم لقانون شركات المساهمة، ووضع مشروع القانون المتعلق بإصلاح نظام الضمانات المنقولة، وتبني مشروع القانون رقم 88.17 المتعلق بإحداث المقاولات بطريقة الكترونية ومواكبتها، وإصدار القانون رقم 73.17 القاضي بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة فيما يخص مساطر صعوبات المقاولة بتاريخ 19 أبريل 2018.

وجدير بالذكر أن مشروع تعديل الكتاب الخامس من مدونة التجارة المتعلق بصعوبات المقاولة قطع أشواطا مهمة بدءا من تشكيل لجنة وطنية لمناخ الأعمال منذ سنة 2010 تحت رئاسة السيد رئيس الحكومة (المرسوم رقم 2.10.259 الصادر في 29 أكتوبر 2010) انكبت على إعداد هذا المشروع وفق مقاربة تشاركية مع مختلف الفعاليات والقطاعات الوزارية المعنية (وزارة التجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، وزارة العدل، الاتحاد العام لمقاولات المغرب، بنك المغرب، المجموعة المهنية للبنوك المغربية) وأحيل على الأمانة العامة للحكومة في شهر يوليوز من سنة 2011، غير أن تزامن هذه الإحالة مع انطلاق أشغال الحوار الوطني الشامل لإصلاح منظومة العدالة، والذي عرف إدراج موضوع المساطر الجماعية لمعالجة صعوبات المقاولة ضمن المحاور الإستراتيجية الكبرى لهذا الإصلاح، دفع إلى سحب المشروع في انتظار ملاءمته مع الخلاصات والتوصيات التي انتهت إليها أشغال الحوار المذكور، وهو ما عجل بعقد الندوة الجهوية التاسعة بطنجة يومي 1 و2 فبراير 2013 حول موضوع تأهيل قضاء الأعمال. وتنزيلا لمضامين ميثاق إصلاح منظومة العدالة، تم تشكيل لجنة من الخبراء على مستوى وزارة العدل بالإضافة إلى ممثلين عن اللجنة الوطنية لمناخ الأعمال انكبت على إعداد صيغة جديدة لمشروع القانون رقم 73.17 تمت المصادقة عليها في المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 25 يناير 2018.

مقال قد يهمك :   العربي مياد: وضعية المرأة السلالية بين النص و الواقع

وقد جاء صدور القانون رقم 73.17 القاضي بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من مدونة التجارة في إطار تفعيل مضامين التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تحديث المنظومة القانونية المتعلقة بمجال الأعمال والاستثمار وتبسيط المساطر وهو ما أكده صاحب الجلالة في خطابه السامي بتاريخ 20 غشت 2009 بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لثورة الملك والشعب قائلا:

“مهما كانت وجاهة الأهداف الإستراتيجية، التي يمتد إنجازها على المدى البعيد، فلا ينبغي أن تحجب عنا حاجة المواطنين الملحة في أن يلمسوا عن قرب، وفي الأمد المنظور، الأثر الإيجابي المباشر للإصلاح، لذا نوجه الحكومة، وخاصة وزارة العدل، للشروع في تفعيله، في ستة مجالات ذات أسبقية… ثانيا: تحديث المنظومة القانونية لاسيما ما يتعلق منها بمجال الأعمال والاستثمار…”.  

كما أنه جاء في سياق تفعيل مقتضيات توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة لاسيما التوصية رقم 122 المتعلقة بإعادة النظر في مساطر نظام معالجة صعوبات المقاولة ودور الأجهزة المتدخلة فيها، بما يحقق تسريع الإجراءات بهدف إنقاذ المقاولات وضمان حقوق الدائنين.

وإضافة إلى ذلك، يأتي القانون رقم 73.17 في ظل مطلب وطني، سبق للمشرع المغربي أن أكد على ضرورة تحقيقه منذ ما يزيد عن 10 سنوات خلت، ومن أجل سد الثغرات والنقائص القانونية والواقعية التي تعيق التطبيق السليم لنظام صعوبات المقاولة، والتي أبانت عنها الممارسة العملية بعدما أصبحت 90% من مساطر التسوية المفتوحة في وجه المقاولة، خاصة منها الصغرى والمتوسطة التي تعتبر خلية أساسية في النسيج الاقتصادي للمملكة، تنتهي في الغالب بالتصفية القضائية، وارتباطا بذلك، ويستوقفنا في هذا الصدد ما ورد في نص التقرير الذي أعدته لجنة الفلاحة والقطاعات الإنتاجية بمناسبة دراستها لمشروع القانون رقم 73.17 في اجتماعيها المنعقدين يومي 28 و30 مارس 2018 من أنه :

مقال قد يهمك :   التعرضات بشأن مطلب التحفيظ بين النص القانوني و العمل القضائي.

“وارتباطا بإحصائيات إفلاس المقاولات، أورد السيد الوزير بأن المغرب يحتل المرتبة الثانية عالميا فيما يتعلق بحجم الإفلاس؛ الأمر الذي استدعى استعجالية معالجة هذه الوضعية التي تعتري النسيج المقاولاتي والاقتصادي ببلادنا، وما يترتب عنه من استنزاف مالي واستثماري واجتماعي”.

ويسير هذا الإصلاح في اتجاه المساهمة في تشجيع الاستثمار وتوفير الآليات القانونية والمساعدة على انخراط الفاعلين الاقتصاديين في إستراتيجية تطوير المقاولة المغربية وتعزيز قدراتها على التنافسية ومواكبتها عبر خلق بيئة قانونية واقتصادية آمنة ومشجعة على المبادرة الحرة حسبما نص عليه دستور 29 يوليوز 2011 من ضمان الدولة لحرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر، في أفق تأهيل المغرب ليكون بإذن الله من بين الاقتصاديات الخمسين الأوائل عالميا  في مؤشر تصنيف تطور مناخ الأعمال  Doing Businessبحلول سنة 2021 وفقا لما جاء في التصريح الحكومي؛ مع العلم أن بلادنا كانت تحتل في سنة 2012 الرتبة 67 عالميا، وفي سنة 2017 احتلت المرتبة 137، ويعزى هذا التراجع حسب تقرير لجنة الفلاحة والقطاعات الإنتاجية إلى كون معظم دول العالم قامت بمراجعة تشريعاتها المتعلقة بصعوبات المقاولة وتأخر المغرب في إنجاز هذا الإصلاح.

وتدخل أهم التعديلات المدرجة في القانون رقم 73.17، حسب المذكرة التقديمية لمشروع القانون المذكور، في المحاور التالية:

  • تطوير آليات الرصد المبكر للصعوبات التي قد تعترض المقاولة، وذلك من خلال إعادة تأهيل مساطر الوقاية من الصعوبات للرفع من جاذبيتها، وإحداث مسطرة الإنقاذ كمقاربة استباقية لمواجهة الصعوبات التي قد تعتري بعض المقاولات؛
  • حماية حقوق الأجراء عبر التنصيص على أن الحفاظ على مناصب الشغل يعد من ضمن الأهداف الكبرى لمساطر صعوبات المقاولة، وإقرار مسطرة خاصة بحصر ديون الأجراء التابعين للمقاولة، فضلا على استثناء عقود الشغل من خيار الفسخ الممنوح للسنديك فيما يتعلق بالعقود الجارية؛
  • تعزيز دور الدائنين وضمان تمثيليتهم في مسطرة التسوية القضائية عبر إحداث هيئة تمثيلية خاصة بهم تحت مسمى “جمعية الدائنين”؛
  • تأهيل الأجهزة المكلفة بتنفيذ المسطرة، وذلك من خلال تعزيز دور القاضي المنتدب وتوسيع صلاحياته، وإعادة النظر في كيفية تعيين السنديك واستبداله وكذا تحديد المهام المنوطة به آخذا بعين الاعتبار طبيعة المسطرة المعين فيها؛
  • إحداث نظام قانوني خاص بمساطر صعوبات المقاولة العابرة للحدود وفق مقاربة تراعي الخصوصية الوطنية والنظام العام المغربي وكذا الممارسات الفضلى على الصعيد الدولي.

وفي خضم ذلك، يشكل القانون رقم 73.17 استجابة حقيقية لتطلعات مختلف الفاعلين الاقتصاديين وإعادة الثقة لدى المستثمرين وتعزيز تموقع المغرب كقطب تنموي متميز في محيطه الإقليمي والدولي، ومكنة ستساهم لا محالة في تسهيل اندماج المقاولة المغربية في محيطها الاقتصادي وتجاوز أزمتها لتنخرط بقوة في الدينامية التنموية التي حظيت بالقسط الأوفر في الخطابات والتوجهات الملكية الرشيدة، إذ أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطاب جلالته السامي الذي وجهه إلى الأمة بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش المجيد بتاريخ 30 يوليوز 2016 على أنه :

مقال قد يهمك :   خطاب الملك بالبرلمان...خطاب التعبئة الوطنية الشاملة

“… ورغم الإكراهات المرتبطة أحيانا بالسياق الدولي، وأحيانا أخرى بالاقتصاد الوطني، فإن المغرب، والحمد لله، في تقدم مستمر، دون نفط ولا غاز، وإنما بسواعد وعمل أبنائه. وخير دليل على ذلك، تزايد عدد الشركات الدولية … هذه الشركات لا يمكن أن تخاطر بأموالها دون أن تتأكد أنها تضعها في المكان الصحيح، بل إنها تعرف وتقدر الأمن والاستقرار، الذي ينعم به المغرب، والآفاق المفتوحة أمام استثماراتها…”.

ومهما تكن أهمية هذا التعديل، فسيظل التنزيل التطبيقي هو المحك الحقيقي له بل وقوام نجاح قطاع التجارة والمقاولات برمته، وفي انتظار ذلك، لابد من انخراط جميع المؤسسات (بنك المغرب، المؤسسات البنكية، إدارة الضرائب، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المؤسسات الدستورية التي لها علاقة بالمنافسة…) من أجل مواكبة المقاولات،

إلى جانب التفكير في إحداث خلايا جهوية ذات تركيبة متنوعة تعنى برصد المقاولات الموجودة في وضعية صعبة، وخاصة منها المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشكل أكثر من 90 % من النسيج المقاولاتي بالمغرب.

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.